بقلم: خالد حســين

تشكّل الممارسات الخطابية التي يشتغل عليها الشَّاعر إبراهيم اليوسف مسطَّحاً سيميائياً يمتاز بالتنوع الأجناسي من كيانات شعرية، سردية (سيرة ذاتية وقصص قصيرة)، نقدية وثقافية ناهيك عن مقالات متنوعة ومتعددة في الحقل السياسي، ومن هنا فالاسم يمتلك حضوراً متواصلاً في الصحافتين الكردية والعربية. لكن الخطاب الشِّعري يمثَّل الحقل الأدبي الأكثر هيمنة في مسطَّح الكتابة الذي أنجزه الشاعر، فثمة ثماني مجموعات شعرية تترى؛ لتشكل حضوره الشِّعري: ” للعشق، للقبرات والمسافة ــ 1986، هكذا تصل القصيدة ــ 1988، عويل رسول الممالك ــ 1992، الإدكارات ــ 1995، الرسيس ــ 2000″ وخلال 2016 ينشر الشَّاعر ثلاث مجموعات شعرية جديدة: مدائح البياض، أستعيد أبي وساعة دمشق. أما هنا فسيجري التركيز على مجموعة “مدائح البياض” لكونها من المجموعات الجديدة التي ـــ ربما؛ أقول  ربما ــ تعكس التَّجربة الشِّعرية للشّاعر لغةً وبنيةً وصورةً واستراتيجيةً في تمثيل الكتابة الشِّعرية لديه ومدى تحولاتها. وفي هذا الصدد يمكنني القول إنَّ مجموعة “عويل رسول الممالك” تمثل انعطافاً عن المجموعات الشعرية الثلاث الأولى من حيث الاشتغال على العَلامات اللغوية والسَّير بها إلى الفَضاء الشِّعري. ومن هنا تستهدف هذه القراءة المدى الذي تمرُّ به حياة “العلامات الشعرية” لدى الشاعر بعد “عويل رسول الممالك” ومدى اختلافها وتجاوزها لما سبق من منجز شعري. غير أنَّ الأمر مشروط بالاستكشاف النَّصي لعالم النُّصوص الشّعرية.

حينما ننتقل بالخطاب من التخاطب إلى الممارسات الجمالية يفرض “الاقتصاد العلامي Semiotic economy” هيمنته وحضوره في إنتاج هذه الممارسات، لكن آليات الاقتصاد تغدو حاضرة بقوة ومضاعفة في الممارسة الشّعرية من حيث إن الفعل الشعري لا يخضع لقوانين الاقتصاد اللغوي فحسب وإنما تستيقظ قوانين الاقتصاد العلامي ــ إلى جانب اللغوي ــ من تشفير وترميز وتكثيف وحذف للحدِّ من الاستخدام المجاني للعلامات اللغوي وتكديسها في البياض، ليغدو حتى البياض ذاته، بياض الصفحة فضاء دالاً، أي أنه وتحت ضغوط الفعل الشِّعري بفعل السمطقة يغادر فضاءه الصِّفريِّ دلالةً إلى فضاء مقتصد في هندسته. ومن هذا المنظور إنْ نظرنا إلى “مدائح البياض” ــ إلا فيما ندر من مساحات نصيّة ــ سيجد القارىء ذاته إزاء إطاحة غير مفهومة بالاقتصاد العلامي وقوانينه في إنتاج الخطاب الشعري في المجموعة دون تقديم أي بدائل في بَنْيَنَةِ العَلامَات الشِّعرية؛ لتترتّب على ذلك استطالات وتمطيطات لغوية خائرة دلالياً تفتقد إلى انبجاس الدهشة المصاحبة للعلامات الشِّعرية وهي تصطاد اللامرئي، لنقتبس هذه الشذرة من النص الأول بعنوان “يا قصيدة” :

“أيُّهذي الذَّائبة في الدهشة..!/ الحانية كغيمة..!/ الشديدة، كمحارب عنيد/ أية ضحكة هي ضحكتك..!؟

كي تتصادى في كلِّ جهة/ على هذا النحو..!/ أية خطى خطاك؟/ أيّة أجنحة أجنحتك البراقية / سبحان الجميل ..يالجمال محيّاك …!/ أجراسك يخضور/ ويداك صلصال ، ص 5″.

لايحتاج المرء إلى كثير من التأمل النقدي لملاحظة غياب الاقتصاد العلامي لحساب الإفراط غير المسوّغ جمالياً في تكديس العلامات في فضاء البياض والدفع بالشعرية إلى التنائي، الأمر الذي دفع بالشَّذرة النَّصية ــ ومثلها الكثير الكثير في المجموعة ـــ إلى الإقامة في فضاء الوضوح الذي يمارس إرهاباً مريعاً لتجفيف المتخيَّل الشِّعري ويمنع القارىء من أي فعل تأويلي، ومن ثمَّ يحجم العلامات الشِّعرية عن ممارسة كينونتها في الاختلاف والإرجاء. إن ممارسة الاقتصاد العلامي يقود المتأمل إلى البحث عن “شعرية” الشذرة المطمورة تحت العلامات المتراكمة، فمن جهة القراءة يمكن تحديد الفضاء الفيزيائي لما هو شعر هنا بـالتكثيف الآتي: ” الذابئة في الدهشة ..! /(…)/ أجراسك يخضور/ ويداك صلصال”. إن هذه الاستعادة للشِّعرية لا تتجذَّر إلا بحذف الزائد والفائض، ذلك أنَّ العَلامة الشعرية “الذائبة في الدهشة” تختزل في ذاتها كل الاستطالات اللغوية التي أعقبتها وتولدت منها، حتى تخوم:” أجراسك يخضور/ ويداك صلصال”؛ ولذلك فلا ضرورة لما تراكم من علامات بين الحدين؛ لأنها  تطفىء الألق الشعري المتولد من الكثافة التي ينطوي عليها المقطع الشعري في صيغته المعدَّلة؛ لأن تراكم العلامات من شأنه تجفيف الماء المنبجس تخيُّلاً في الشذرة.

وفي القصيدة ذاتها نقرأ: “لله درُّك/ يا جميلة/ يا شهية/ ياطيبة كملاك شاهقة/ يا ملحاحة كضوء سماوي/ لا تصدنَّك أسوار أو أسلاك/ لا تفزعنّك فزّاعات أو جحافل/ تمضين إلى الأمام دائماً ….دائماً / تضيئين المنافي بأصابع النيازك كي تكوني رسولتي/ إلى الأنثى/ التي لاتطال سماءها يدي، ص 7، 8 “. لن تعجزَ القراءةُ على تحديد تضاريس “الشِّعر” الذي أُطفىء عنوةً تحت ضغوط تكديس العلامات وملء البياض في غفلةٍ من خفوت الفكر الشِّعري على غرار المقطع أعلاه: “يا شهية/ (…)  تضيئين المنافي بأصابع النيازك/ كي تكوني رسولتي/ إلى الأنثى/(…)”. واستناداً إلى الإجراء المتبع هنا؛ فعملية الحذف كآلية من آليات اقتصاديات العلامة تمنح الفرصة للصُّورة الشَّعرية بأن تؤسس لحضور أكثر إشراقاً وتضيء العلامات الأخرى المتفاعلة معها في السِّياق الشِّعري. إن التهاون مع الكتابة الشّعرية لن يقود سوى إلى أن تشرح العلامات بعضها بعضاً دون تترك أي فسحة للغموض أن ينثَّ ويجذب القارىء إلى عالم الكلمة الشعرية واستكشاف بيت الكينونة، يكتب الشاعر: “كم ترى يلزمني/ كي أفكَّ بعض ألغازك/ ملاحم سحرك القدوس/ كي أعرفك كما يجب، ص8″. في الشَّذرة ثمة تنادٍ دلاليٍّ من القوة بمكان بين “بعض ألغازك/ملاحم سحرك“، وكذلك الأمر بين الفعلين المنصوبين: “كي أفكَّ/ كي أعرفك“، من حيث إن السِّحر لغزٌ واللغز فيه الكثير من السِحر والعجيب والغرابة كما إن تحصيل المعرفة مشروط بتفكيك الظاهرة للقبض على أسرارها من سحر وألغاز، ولذلك كان لابدَّ من ممارسة الاقتصاد العلامي للنَّص حتى تغدو الكلمة الشعرية بيت الكينونة بحق.

وبناء على هذه التَّحليل يمكن إنقاذ “الشِّعر” في الشّذرة بعملية انضغاط لازبة:” كم يلزمني/ كي أفكّ ألغازك..!” أو “ كم يلزمني/ كي أفكَّ ألغاز سحرك“، هنا يتيح المقطع الشعري للقارىء بالتورُّط والمشاركة في إبداع الدلالة النَّصيّة والمضي بها إلى أقواس المتخيّل الشَّعري.  وفي واقع الحال القراءة ليست في موقع العجز عن إيراد مساحات واسعة من النُّصوص تمثيلاً على تكديس العلامات ومراكمتها، فعلى سبيل المثال يمكن الزَّجُّ بنصوص: “مذاهب الأخيولة، نصوص الوردة، الباب، كي أطمئن على وردتي، طقوس كثيرة…لامرأة واحدة،…إلخ” في سياق القراءة للكشف عن التورط غير المسوّغ للاشتغال الشِّعري خارج إرادات الاقتصاد العلامي.

 لنمض إلى قصيدة أخرى يمكن لها أن تكونَ تمثيلاً واضحاً على غياب الفكر الشِّعري، ففي قصيدة بعنوان “اعتذار”، نقرأ: ” خطأ جد طفيف/ حصل لي هذا الصباح/ ياسيدتي/ وأنا أستعين بالماوس/ في نقل نص رسالتي الرسمية إليك/ ــ من الوورد إلى نافذة الإيميل ــ/ إذ سقط سهواً/ حرف “التاء” من أول تحياتي/ ياللهول الرهيب ..!/ خطأ افتراضي جدّ طفيف/ سبب لي كارثة طبيعية من ورود/ عجَّ بها كمبيوتري/ إلى حدِّ الذهول/ خطأ يشبه ترجمة حلم قديم قديم …!، ص 76، 86“. سيتفق معي الكثير من القراء على أن النَّص الشّعري الذي أوردته كاملاً يتناءى عن الانتماء الشّعري، لكن ما زاد الطين بلّة هو هذا التراكم  للعلامات وملِء الفجوات المنتظرة في الخطاب، مما ينسف أي انتماء إلى عالم الخطاب الشعري، بيد أنَّ التروي كان من الممكن أن يخلق بعض المفاجأة من خلال الاقتصار على الضروريِّ من العلامات، وذلك لتكثيف الدلالة وإحداث المفاجأة المنتظرة، ماذا لو اقتصر الشاعر على الآتي: خطأ / ياسيدتي/ وأنا أستعين بالماوس/(…) إذا سقط سهواً/ حرف “التاء” من كلمة “تحياتي”، فهذا من شأنه أن يخلق تساؤلاً لدى القارىء ويقرّب النَّصَّ من عالم الشعر.

  إنَّ التأمل النقدي في “مدائح البَيَاض” سيقودنا إلى نتائج أخرى لا تصبُّ في انعطافة متأمَّلة أخرى ومختلفة؛ ولنَقُل كانت منتظرَة من الشاعر أو على الأقل بالنسبة للقارىء الراهن…! فالنَّصوص التي تتحرك في تضاريس القراءة تشفُّ عن علاماتٍ لم تغادر فضاء اللغة إلى فضاء الشِّعر إلا بدرجة ضيئلة، فضلاً عن كونها تتواءم مع أفق انتظار القارىء لتطيح “الكتابة في المجموعة” بأولى شروط “العلامة الشِّعرية” في هتك أفق انتظار القراء وبناء متخيَّلٍ شعري مفارق.

وفي إطار مساءلة “المتخيَّل الشّعري” في المجموعة يمكن القول إنَّ “المتخيَّل” هو الفضاء الذي يناهض التسوير والتحديد والتعيين والمنطق الاستدلالي، أعني الفضاء الخيالي الذي يتأسّس في اللغة الشّعرية وبها من خلال استثمار آليات وعناصر كثيرة (الاستعارة، التشبيه، الكناية، الرموز، الإشارات،…إلخ) للانفتاح على الغرابة: “لأنَّ الفعل الخيالي الشعري في تحققه، يظلُّ دائماً هو هذا الانبثاق من المدهش وغير المتوقع لعالم ما، بالكتابة ومن خلالها ص 293ــ شعريات المتَخيَّل الشعري/ العربي الذهبي”. في هذا السياق يمكن التمثيل بافتتاحية قصيدة “إنها الوردة إنها وردتي!”: ” خيالك يوقظ هذا الكلام/ ويشعل فيَّ الأتون/ أسيرُ اتجاهكِ ردحاً من الارتباك/ وزهو الخطو/ أمدُّ إليكِ يداً من رذاذ/ وأكسرُ ما بيينا من صقيع المسافات، ص 26″. لاشك أن الافتتاحية تنجح في بَنْيَنَةِ المتخيّل الشّعري، وتمنح المتلقي اللذة المنبثة من عمل العلامات المتفاعلة لقوام الخيال الشّعري غير أنَّ ثمة عائقاً حدَّ من انبثاق المدهش وغير المتوقع، ليغدو المتخيّل في خانة الاعتيادي مفتقداً لوهجه الشعري، نظراً لأنَّ الشاعر قد عرّض المقطع بنائياً للمنطق الاستدلالي الذي يتبدَّى من الربط المنطقي بين كائنات دلالية متعددة: ” يشعل/ الأتون ــ  أسير(…)/ زهو الخطو ـــ  أكسر/ صقيع المسافات”  هذه المتوائمات اللغوية تعمل بالضد من المنطق الشّعري الذي يتبدى بقوة في ما تبقى من عناصر المتخيّل الشّعري التي لن يضيرها حذف هذه المتوائمات الدلالية المعتادة التي تعيق الفكر الشّعري من التقاط اللامرئي الذي هو أصل في ألعاب المنطق الشِّعري في تأسيس الخطاب الشعري المفارق والمختلف. الوقائع النّصية كثيرة للتدليل على ما ذهبت إليه في هذه القراءة من خلل يعتور منطق الكتابة الشعرية في هذه المجموعة، يكتب الشَّاعر في قصيدة “طقوس كثيرة …. لامرأة واحدة”: ” هذي الجرار تكسّرت/ وانثال شدوٌّ لايرين على النهايةِ/ وهو ينهضُ في الصياغاتِ/ الجميلة/ تستجيب له الحدودً/من أين لي أن أوقد الذكرى/ أعيدَ عقاربَ الساعاتِ في حبرٍ/ وأقترح الملذةَ في رمامٍ/ لم تهادنه القبلُ/ هذي الجرارُ تكسّرتْ/ سالَ الكلامُ مدثّراً بخلاصة/ المعنى/ أأوقظ في البياض طيورَ أسئلتي، ص 42، 43″. فما المسببات التي تقف عائقاً ليأخذ المتخيّل الشعريُّ طاقته الفاعلة في التأثير على المتلقي؟ إن المقطع النّصي يمتلك هذه الإمكانية حقاً بالقوة لولا التهاون مع اشتغال المنطق الاستدلالي في العبث بالمنطق الشّعري والهيمنة عليه والتقليل من فاعليته لممارسة دوره في رسم ملامح المدهش والمفاجىء، سيجد القارىء أن المنطق الاستدلالي قد بسط سيطرته على المقطع وأفقده الكثير من جماليات الخياليِّ وذلك عبر هذه العناصر النَّافلة التي يمكن الاستغناء عنها لحساب تحقُّق التكثيف والانزياح: “وهو ينهضُ في الصياغاتِ/ الجميلة/ تستجيب له الحدودً(….) لم تهادنه القبلُ/ هذي الجرارُ تكسّرتْ/ سالَ الكلامُ مدثّراً بخلاصة/ المعنى”، لكن مايحزن أنَّ الطاقة الدلالية غير المحدودة والمنتظرة التي تسكن العبارة الأخيرة من المقبوس “ أأوقظ في البياض طيورَ أسئلتي”، سرعان ما ينسفها الشاعر بإيراد غير ضروري للمضاف إليه:(أسئلتي) ليحدَّ من الطاقة التخيلية في الماهية غير المعروفة للمفعول به:(طيور). هكذا يمكن أدعو القارىء الكريم إلى ترتيب جديد للمشهد الشعري على نحو مفارق؛ ليطلق العنان للخيالي: ” هذي الجرار تكسّرت/ وانثال شدوٌّ لايرين (…)/ من أين لي أن أوقد الذكرى/ أعيدَ عقاربَ الساعاتِ في حبرٍ/ وأقترح الملذةَ في رمامٍ/ أأوقظ في البياض طيور(اً)؟”.حذفت كلَّ ما من شأنه أن يعيق الدهشة الشِّعرية من الحضور الباذخ للعلامات في انزلاق لا يتوقف وبعيداً عن سلطة الزوائد العلامية في ترسيخ التسوير والتحديد اللذين يمضيان بالشِّعر إلى حتفه مع استعادة أفعال المضارعة (أوقد، أعيد، أقترح) لألقها ل في بَثِّ الحركة والفعالية في أوصال المتخيَّل الشِّعري.

أما سؤال العنونة الذي ينهض على تخوم هذه القراءة؛ فيمكن التنضيد له بالأسئلة التالية: ما دلالات العنوان؟ وما مدى تمثيله للنَّصوص الشّعرية؟ وما شؤون علائقه التناصية؟ يثير عنوان المجموعة “مدائح البياض” بعض الأسئلة على تخوم هذه القراءة، فهو يتخذ من البنية الإضافية مساراً لقوام دلالاته، ويمكن التعامل مع البنية النَّحوية للعنوان على أنها “خبر لمبتدأ محذوف” تقديراً :” هذه/هي مدائح البياض”  كناية عن النُّصوص المقيمة بين دفتي المجموعة أو التعامل مع العنوان بوصفه (مبتدأً) ونصوص المجموعة (خبراً)  تمثيلاً. من جهة أخرى يشتغل العنوان بلاغياً وفق مسار كنائي قائم بين الكيانات التي تحيل على بعضها البعض بالتجاور، وهنا يمكن للقارىء استخلاص الدلالة بسهولة فائقة على عكس الممارسات الاستعارية التي تسمح بإطلاق موجات عالية وكثيفة من التخيُّل، فالمدائح تستدعي على الفورر كيانات دلالية مثل القصائد، الأناشيد، المزامير، …إلخ؛ وهكذا يمكن إجراء تحويل على العنوان ترجمةً: (مدائح= أناشيد/ قصائد/… البياض)، فهل المقصود بالعنوان الراهن دلالةً: تلك الطاقة التي يوفرّها البياض لإبداع القصائد والأناشيد من حيث إنَّ البياض هو النَّصُّ الكائن بالقوة؟ أم أن “البياض” كنايةٌ عن جسد أنثوي وَمِضَ “حَدَثاً” في سيرة الشاعر؛ فكان لابد من مدائح تمتدح هذا الجسد(=البياض)؟ لنترك الإجابة لسؤال الميثاق المبرم بين العنوان والنَّص بوصفه أصلاً للعلاقة بين الحدين!  فالعنوان في أصله عنوان القصيدة الثانية في المجموعة. وبناءَ على ذلك ينبغي أن تتمتع هذه القصيدة بأهميةِ جمالية ــ وهي كذلك فعلاً لولا رعونة الزوائد والإضافات التي أخفت جانباً من المساحات الجمالية للنَّص ـــ لتحوز على الهيمنة في تسمية المجموعة بعنوانها. والنّص على الصعيد الدلالي يعضد الدلالتين معاً: البياض، الصفحة البيضاء كمسكن للنُّصوص(المدائح): ” هذا الرنين الحلو في بهو البياض، ص 10″، أو الجسد الذي يحوز على الهيمنة في النَّص بحضور الرموز والإشارات الكثيرة الدالة عليه: “شدو الوميض/ يهمي على رهافة الرُّخام/ (…) أغزل الأنحاء/ بأصابع اللهاث/ وأنوء تحت سياط الأطياف/ عاري الشهوة، …إلخ، ص 10، 11”. وفي الواقع يمكن التأكيد بقوة على انحياز الدلالة النَّصية للعنوان باتجاه الحد الثاني؛ أيْ الاشتغال لحساب البياض= الجسد، وهكذا فــ”مدائح البياض” ليست إلا “مدائح الجسد” أو “مدائح للجسد الأنثوي”.

وهنا؛ هل يمكن للعنوان أن يبوح بعلائق تناصية مع النُّصوص الأخرى؟ في هذا السياق يستدعي العنوان التسمية الشهيرة لعمل المرحوم محمود درويش: “مدائح لحصار البحر“، لكنَّ الاختلاف النحوي ــ الدلالي يتسع بين التسميتين، ليأخذ كلُّ عنوان مساره الدلالي المختلف. وأخيراً وعلى سبيل الاختتام تمكن الإشارة إلى أنَّ النُّصوص في معظمها تفتقد إلى اللعب مع الخطاب النَّصيِّ (حيث الرُّسوخ في مستوى الواحد للخطاب)؛ فنادراً ما يتنوّع الخطاب ويخلق المفاجآت كما هو معتاد في اللعبة الشّعرية؛ فالخطاب في نصوص المجموعة تسير في اتجاه واحد دون انعطافات مقاداً بصوت الراوي المتمركز حول “ذاته” لاسيما في قصيدتي “مدائح البياض ومذاهب الأحبولة”، أعني الذات الرائية التي باتت من مخلّفات الحداثة في منظور ما بعد الحداثة للعبة النَّصية.لكن ما يحزن في المجموعة الشعرية هو افتقادها للصراع التناصي مع نصوص مضمرة أو معروفة، هذا الصّراع يمكن أن يمنح القصيدة ثراءً وغنى بنيةً ودلالةً لاسيما حين يأخذ هذا الصَّراع البعد الاختلافي في كينونته.  

المراجع:

1ــ إبراهيم اليوسف: مدائح البياض(شعر): بيروت: دار القلم الجديد، ط1، 2016.

2ــ العربي الذهبي: شعريات المتخيّل: اقتراب ظاهراتي، الدار البيضاء: المدارس، ط1، 2000.