بقلم: خالد حسين

«حارٌّ كَجَمْرة

بَسِيْطٌ كَالماء

واضحٌ كَطَلْقَةِ مُسَدَّس

وأُرِيدُ أنْ أحيَا

ألا يكفي هذا

أيَّتُها الأحجارُ التي لاتُحِبُّ الموسيقى؟»

هَكَذَا يُمكِنُ ترتَيْبُ المشْهدِ مَعِ رياض الصَّالح الحسين:

النَّصُّ المُشَاغِبُ لايَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ، حدِّ المَوتِ، فهو ليسَ مَرهُونَاً بموت مُنْتِجِهِِ، ذلك أنَّ الحَدَّ، كما يَسْتَبْصِرُ هَيدغر، ليس مَوْقَعَاً للتَّوقّفِ السَّاذج، الحَدُّ هو الذي يُبِِيْحُ للشيء أنْ يَبْدأَ حضورَهُ، ويؤثِّثَ كينونتَهُ. وهذه هي حَالُ مُشَاغَبَاتِ/ نُصُوصِ رياض الصَّالح الحسين، التي فَاضَتْ عن حدِّ الصَّمْتِ/ الموْتِ، صَمْتِ الشَّاعِر المُبَكِّرِ،لِتُوَاجِهَ، في شُرُودِهَا، عَجْرَفَةَ الزَّمَنِ وسلطتَهُ بالسِّرِّ الذي تَحْتَفِظُ بِهِ، سرِّ الشِّعْرِ ذاتِهِ، سرِّ الطفولة التي أَوْدَعَهَا الشَّاعرُ فيها، في نُصُوصِهِ، لِيَمْضَىَ، من ثَمَّ، سَرِيْعَاً عَنِ العَالَمِ، الذي وَجَدَهُ مُزْدَحِمَاً، مُتَفَسِّخَاً، مَقِيْتَاً ومُحَاصَراً بالهَواءِ الفَاسِدِ.

إنَّها النُّصُوصُ ــ الصَّرْخَة التي تُضِيءُ عَتَمَةَ العَالَم بِشَغَبِ عَلامَاتِها، وبَسَاطِتَهَا المُقْلِقَةِ، نُصُوصٌ، أربعةٌ تَكْمُنُ للقراءةِ بالغِوِايَةِ وتُورِّطُهَا في لُجَّةِ التَّأويل ولِذَّتِهِ: «خَرَابُ الدَّورةِ الدَّمَويّة»، «أَسَاطِيرُ يَوميّة»، «بسيطٌ كالماءِ، واضحٌ كطلقةِ مُسَدَّس»، و«وَعْلٌ في الغَابَةِ». هي، إذاً، عناوينٌ، مَصَابِيْحُ في ليْلِ العَلامَات تَقُودُ القارىءَ إلى كُنُوزٍ النَّصِّ؛ مناطقٌ استراتيجيةٌ للتَّفاوضِ مَعِ النَّصِّ؛ ممراتٌ يَدْلِفُ مِنْهَا النَّصُّ إلى العَالَم، ويتَقَدَّمَ إلى فِسْحَةِ الضَّوْءِ لِيشْتَبِكَ مَعَ القَارِىءِ تارةً، ويعانقَهُ تارةً أخرى؛ فهي بِمَنْزِلَةِ الثَّغرةِ التي يُحْدِثُهَا النَّصُّ في غِشَاءِ العَالَم؛ لِيُعلنَ عن كَيْنُوْنَتِهِ. العُِنوان، بضمِّ العين وخَفْضِهَا، صَرْخَةُ النَّصِّ في وَجْهِ القَارىء أو نداؤه له لممَارسَةِ العِشْقِ على سَريرِ القَراءة؛ فَمَا الَّذي سَتَبوحُهُ ــ هذه العَتَبَاتُ/العَنَاوينُ ــ للتَّأويلِ، والتَّأويلُ بِمَِ سَيَبُوحُ لَهَا؟

فليكن البَدْءُ مع النَّداءِ/ العُِنوانِ الأوَّلِ: «خَرَاب الدَّورة الدَّمَوِيَّة»، حيث يُفسِحُ التَّركيبُ مُعْجَميّاً المجالَ للمُوَاجَهةِ بين «الموت والحياة»، بين الخرابِ والكَائِنِ، صَرَاعٌ أبَديٌّ لا يَكُّفُّ عن التَّكْرَارِ الأبديِّ دون ضَجَرٍ، في لعبةٍ مثيرةٍ مِنَ التَّحَدِّي؛ فالموتُ، رَسُوْلُ الصَّمْتِ القَبِيح، يَسْتَلذُّ بالخَرَابِ الذي يُحْدِثُهُُ في نَسِيج الحَيَاة، في الكَائنِ والكَيْنُونَةِ والمكانِ؛ ذلكَ أنَّ «الخَرَابَ» هو عَلامةُ الموت، إحالةٌ إليهِ وعليهِ، ولذَا لا فَرقَ ولا اخِتَلافَ بين العَلامتين: المَوت ـ الخَرَاب؛ فكلتاهما بمنزلة العَلامة ذاتِهَا، والدَّلالةِ نَفَسِهَا في سِيَاقِِ العُنوان مِنْ حيْثُ التَّدليلُ على هُوَّةِ العَدَم عَبْر الفَتْكِ بالكَيْنونةِ(الدَّورة الدَّمويَّة) وامتِصَاصِ نَسَغِهَا وإفْنَائِهَا؛ فـ«الخَرَابُ » هو، في قَولَةٍ واحِدةٍ، تمكُّنُ الموتِ من الكائن بالتَّموضِعِ في مَسَالِك الدَّم التي تَمُدُّ الكينونةَ بأسْبَابِ اليَقْظَةِ، فمع «خَرَاب الدَّورة الدَّمويَّة» يُشْرِقُ الموتُ، ويَسْتَيقظُ الصَّمْتُ برشَاقةِ البَهْلَوَانِ؛ لِيَبْدَأَ مسلسلُ النَّهايَاتِ الكوميديّة:نَهَايةُ الكَلام، نهايةُ الجَسَدِ، نهاية التَّشارُكِ وجوداً مع/ وفي العالم، فالوجودُ لايكون إلا من خلالِ الجَسَدِ الذي يَمتَدُّ بنا في العَالَم؛ أي الجسر الذي يَربِطُنِي بِعَلاقاتٍ معَ الكَائناتِ الأخرى؛ فَالجَسَدُ أصلٌ في الوجودِ حَيثُ «وجودُكَ في العَالَم يعني أن يكونَ لك جسدٌ»، لكن بـ «خَرَابِ الدَّورة الدَّمَوِيَّة» سيَكفُّ الجسدُ أن يكونَ وجوداً في العَالم حيثُ تتلاشى أيةُ إمكانيةٍ مع الموتِ الذي يَنْسِفُ كلَّ إمكانيةٍ أخرى للتَّعايشِ معَهُ سوى إمكانيتِهِ هو ذاته في الإعلان عن فُكَاهَاتِ العَدم وقهقهاتِهِ. 

وفي مَنحًى آخر يُمْكِنُ اللَّعِبُ مع العُِنوان على أنَّهُ بنيةٌ مجازيةٌ، بنيةٌ مُسَمْطَقة(من السِّيموطيقا) برسم التكثُّر الدَّلالي، فدَلالةُ العُِنوانِ:«خَرَاب الدَّورةِ الدَّمَويّة» تَتَضَاعَفُ في الَمجَاز؛ لتَتَجَاوزَ «موتَ الكَائن» إلى «تَعْطيلِ الكَيْنُونَةِ»، فـ«نكبةِ المكانِ/ البلاد»،…إلخ، الأمرُ الذي يَقُودُ القراءةَ إلى حَافَّةِ التَّسَاؤل الآتي: هل فَنَاءُ الكيْنونةِ يَحْدُثُ على نحوٍِ طَبيعيٍّ في سيَاقهِ الزَّمنيِّ أم ثمّةَ فِعلٌ قصديٌّ يَعْصِفُ بالكينونةِ ويَسْتَلِذُّ بفنائِها؟ هنا يَسكُتُ خَطَابُ العُِنوان عن مَدِّ القَرَاءةِ بالمعلومة، ليُمَارسَ لعبةَ الإرجاءِ والاخْتَلافِ؛ ومن ثَمَّ ليكونَ فضاءً للمُمْكِنِ والاحْتَمَالِ؛ ذلك أنَّ العنوانَ كائنٌ إشاريٌّ، سيميائيٌّ، انزلاقيٌّ، حَسْبُهُ التَّأشير والإيحاء والغَمز، وشقّ الممراتِ أمام التَّأويل. وإزاءِ هذه الحَيرة التَّأويليّة لابدَّ من جَسْرِ العَلاقة بين العُِنوانِ والنُّصُوص التي يَسَمِّيهَا، وهنا نقعُ على تشابكاتٍ غفيرةٍ بين الحَدّين، إذ أنَّ العنوانَ العَامَ ما هو إلا عُِنوانُ نصٍّ من نُصُّوصِ المجموعة؛ ولهذا الأمرِ دلالتُهُ الخُطيرةُ، بمعنى الأهمية التي يَحُوزُهَا هذا النَّصُّ بالنسبة لنُصُوص المَجمُوعة؛ إذ يُقدِّمُ هذا النَّصِّ بِشِذْراتِهِ التِّسع كائناتٍ/ عَلاماتٍ مُعْجَميّةً تَحْتَفي بالموتِ والخَرَاب عَلَى نَحْوٍ واضحٍ، فَضْلاً عن ورودِ صِيغةِ العُِنوان في النَّصِّ التَّمهيديِّ لهذا النَّصِّ: (فهو الآنَ مُتَهَمٌ لأنَّهُ قتيلٌ/ ومُتَهَمٌ بتَخْريبِ الدَّورة الدَّمويَّة) ، لكن  لِنَتَمَعَّنَ في هذهِ العَلاماتِ أيضاً: كوكبٌ مذبوحٌ، سماءٌ منكسرةٌ، محيطٌ من العِتمة، سهلٌ أجرد، جُثّة، دخانٌ، فريسةٌ، عَينانِ حَزينتانِ، جرحٌ، كآبةٌ، السَّوط، قنابلُ موقوتةٌ، شمسٌ باردةٌ، هواءٌ مختنقٌ،…إلخ. فلاشَكَّ أنَّ التَّناصَّ لايَحتَاجُ إلى البَحثِ عنه بين دَلالةِ العُِنوان والدَّلالتين المُعجَميّة والسِّياقية لهذه العَلاماتِ، بيدَ أنَّ الأمرَ يَتَجَاوَزُ ذلكَ على صَعيدِ الشَّذرَات النَّصيَّة المكوَّنَة للنَّصِّ التي تَتَنَادَى أو تَتَنَاصُّ والعنوانَ العامَ في دَلالةِ الموتِ:

أَيَّتُهّا البَلادُ المصفَّحَةُ بالقمرِ والرَّغبةِ والأشجارِ

 أَمَا آنَ لكِ أنْ تَجيئي؟!..

 أَيَّتُهَا البَلادُ المعبَّأةُ بالدَّمارِ والعُمْلَاتِ الصَّعَبة

 الممتلئةُ بالجُثَثِ والشَّحَاذين،

 أمَا آنَ لكِ أن تَرحَلي ؟!..

 فالشَّذرَةُ النَّصيّة تَتَحَرَّكُ دلالياً في فَضَاء التَّمْني: الرَّغبة بقدوم «البَلاد المصفَّحَة بالقمرِ والرَّغبةِ والأشْجَارِ» وفي الوقت ذاته الرَّغبة برحيل «البَلاد المعبَّأة بالدَّمارِ والعُمْلَاتِ الصَّعَبة/ الممتلئة بالجُثَثِ والشَّحَاذين»، أي أنَّ الشَّذرة تُؤسِّسُ لثتائيّة تَضَاديّة:الحياة/ الموت، بيدَ أنَّ حَدَّ (الحَياة) يَسْبِقُ نظيرَهُ حَدَّ (الموت) نَصيّاً؛ ليؤكِّدَ الشَّاعرُ بذلك رسُوخَ الموتِ وتَعَطُّلَ الحَيَاة، لِكُونِ الرَّغبةَ الأولى مجردَّة رغبةٍ يَائِسَةٍ، ومن ثَمَّ انتصار الموتِ أو خَرَاب الدَّورة الدَّمويّة؛ فالعُِنوان يَسْتَبْعِدُ بذلكَ الحَيَاةَ تَحْتَ وطأةِ الفَناء.

عَلَى نَحْوٍ مُفَاجِىءٍ، وعَلَى شَيءٍ مِنَ الغَرَابَةِ يَنْبـثِقُ عُِنوانُ المَجْمُوعة الثَّانية:«أَسَاطِير يَوميّة»في صِيْغَةِ تَجْنَحُ إلى جَمْعِ التَّكسير للدَّلالة على وَفِرَةِ الأسَاطِير، لكنَّ مَا يُثيرُ الانتباهَ في صِيغةِ العُِنوانِ يَتَمثَّلُ في صِفَةِ هذه الأسَاطير، بوصفِهَا أسَاطيرَ «يَوميّة»، فالصِّفَةُ تَقُومُ بتَحْيينِ الأسَاطِير وجعْلِهَا مُنْتَجَاً مُعَاصِرَاً لنا، كَمَا لو أنَّ الشَّاعِرَ ارتَكَبَ خطأً في العَنوَنَةِ؛ فأوْرَدَ «أسَاطير يَوميّة» عِوَضَ «أسَاطير قَديمة»، فالأسَاطيرُ تَنْتَمي إلى الحَافَّاتِ السَّحِيقَةِ لِلطُّفولةِ البَشَريّةِ حَسْبَ عُلُومِ النَّظر، وليسَ لِعَصْر التَّقنيـة، بيدَ أنَّ الأمرَ ليسَ كذلك، فلكلِّ عَصْرٍٍ أسَاطيرُهُ وخُرَافَاتُهُ وأكَاذِيبُهُ وأبَاطِيلُهُ، فالأسَاطيرُ ما تـنفَكُّ تُختَرَعُ في الحَياةِ اليَوميّة، ولاتَتَوقَّفُ عن الانتَشَار، فالكَيْنُونَةُ الإنْسانيّةُ مُلغَّمَةٌ بالأسَاطِير قَديماً وحَدِيثاً ورَاهِناً، لأنَّ الأسْطرةَ من صَمِيمِ اللُّغَةِ البَشَريّـة التي تَنْزَعُ إلى اخْتَلاقِ الأوهَامِ والأبَاطيل والتَّحْريفاتِ، ومن هُنَا ارْتباطُ الأُسطورةِ باللُّغَةِ أو الكَلامِ:« ماهي الأُسْطورةُ في يومِنَا هَذا؟ سأُعطِي مُباشرةً جَواباً بَسِيطاً يـتـفِقُ تَمامَاً مع عِلمِ الاشتِقاقِ: الأُسْطُورةُ كَلامٌ/ رولان بارت»؛ فمفردةُ «كلام» الوَارِدَة في تعْرِبفِ بارت للأُسْطورةِ تُشيرُ إلى الجَانِبِ الإبْدَاعيِّ/ الفَرديِّ من اللُّغة، هذا الجَانبُ الذي تَتَضَافَرُ في إنتاجِهِ آلياتُ التَّحريف والانزياح والمَجَاز؛ ليغدوَ المُنْتَجُ الكَلاميُّ أساطيرَ، أباطيلَ، فكلُّ شَيءٍ يُصْبِحُ تَحْتَ طَائلةِ الأَسْطَرةِ عندما يُخْضَعُ للكلام/الخَطابِ، ومن هنا القوةُ السِّيميائيّة لعُِنوان المَجمُوعةِ:«أَسَاطِير يَوميّة»، فالشِّعرُ ليسَ إلا تَجَلٍّ من تَجَلياتِ الكَلامِ، يَهدِفُ إلى شَعْرَنَةِ/ أَسْطَرَةِ أشياءِ العَالَم بِهَدَفِ تقديمِ شَكْلٍ من أَشْكالِ المَعْنَى، وعليه فالبُعدُ السِّيميَائيُّ للعنوان «أَسَاطِير يَوميّة»، في صورتِهِ المَجَازية يُحِيلُنَا إلى المنطقة الرَّطبة من نَشاطِ المِخيَال الإنسانيِّ في صُورةِ الأكاذيب التي يَرتَكِبُهُا في علاقتِهِ بالعَالم، لكنْ مَا هي تِلكَ الأساطيرُ التي يَحْتفي بِهَا النَّصُّ الشِّعريُّ؟ وبالتَّالي ما الموضُوعَاتُ التي يُؤَسْطِرَهَا الشِّعرُ ويَجعلُهَا مادةً مفتوحَةً أمام القِرَاءة: تَتَجلَّى الأسْطرةُ في هذه المَجْمُوعَةِ من خِلالِ القَراءة الفـنْتَازيـة لموضُوعَاتِ العَالَم في إنتاجِ الموضوعاتِ الشِّعْريّة، وهذا ما يُمْكِنُ أنْ نَتَلمَّسَهُ في نُصُوصِ: حَرْب.. حَرْب.. حَرْب، بعدَ ثلاثةِ أيّام، نِيكَاراغوا.. نِيكَاراغوا، ذاتَ يَومٍ فوقَ سَريرٍ شَاسِعٍ، الوَقتُ/ القُبلة، الولدُ/ التـفَاحة…إلخ، لِنـقْرَأَ عن أُسْطُورةِ ــ قَصيدةِ «ورق»:

«وَرقَةٌ بَيضَاء كَانتْ

  ورقةٌ بَيضَاء كَانتْ

 لَمْ يَكْتبْ عَليهَا العَاشِقُ رِسَالةً

 ولم تَطبَعْ عليهَا الدَّولةُ قَانُونَاً

 ورقةٌ بَيضَاء نقيـةُ كالنَّبع

 لم تـمْـسِكْهَا يَدٌ

ولم تُمزِّقْهَا أَصَابِع

 ليستْ هُويّة شَخصيّة

 ولا بِطاقةٌ مَجانيةٌ لزيارةِ المُعتقلات

 ورقةٌ بيضاء فَقَط

قَدّمْتُهَا لِحَبيبي

 فَكَتَبَ عَليهَا كَلمةَ (أُحبُّكِ)/ ولم يَسْتطعْ أنْ يُقبـلَنِي!» لا شَكَ أنَّ هذا النَّصَّ يَخلُو من الفـنتازيا التي تَسِمُ الكثيرَ مِنَ النُّصُوص عَبر تَهْويل الحَدَثِ الشِّعْريِّ كما في قَصِيدةِ «ذلك الطِّفل ـ تلك المرأة»، بيد أنَّ الشَّاعرَ يَنْجَحُ، هنا، في أَسْطرةِ شيءٍ هامشيٍّ وجعله مثيراً للاهتمام؛ فكلُّ شيءٍ، كما يقول بارت:« يُمكِنُ أنْ يُصبحَ أسطورةً ؟ نعم أعتقدُ هذا؛ لأنَّ العَالـم مَعِينٌ لايُنضبُ من الإيحاءت؛ فَكُلُّ موضوعٍ من موضوعَاتٍ العَالـم يُمكنُهُ الانتقالَ من وجودٍ مغلقٍ، أخرسَ إلى حَالةٍ شَفويـةٍ مُنفتحةٍ أمَام امتلاكِ المَجتمع»، وبناءً على ذلك، يَتَمَكَّنُ الشَّاعِرُ من سَمْطَقَةِ أو تَشْفِير «الورقة البيضاء» عَبر نَقلِهَا من فَضَائِها الفَيزيائيِّ إلى فَضَائِها الرَّمزيِّ، لِتَغْدُوَ كَائناً شِعريّاً يُثيرُ الانتباهَ، هكذا تَتَحوَّلُ الورقةُ البيضاءُ إلى أُسطورةٍ تَفضحُ القَمعَ السوسيو ـ الثقافيَّ الذي يُحَاصِرُ الكَينُونَةَ من التَّواصُلِ وتأسيسِ الأُلفةِ، فالورقةُ البيضاءُ تَنبَثقُ هنا لِتَرْمُزَ لِلْحُبِّ الممنوعِ، للحبِّ الذي ما يَنْـفَكُّ يُؤَسِطِرُ كينونتَهُ مع كلِّ زمن.

عَتَبةٌ مُدْهِشةٌ تلكَ المتمثِّلةُ بعُنوانِ المَجموعة الثالثة: «بسيطٌ كالماءِ، واضحٌ كطلقةِ مُسَدَّس»، عتبةٌ  العُنوان تَشِفُّ عن مهارةِ الشَّاعر في الإيقاع بالقَارىء وذلك بتأسيسِ كَمينٍ له على حَافَةِ النَّصِّ، كمينٌ لايُمكِنُ للقَارىء أنْ يَمُرَّ بمحاذاتِهِ دون أن يَقَعَ في فِخَاخِهِ، فالفَخِاخِ ــ العتبةُ منصوبةٌ بعنايةٍ فائقةٍ لمفاجِئة الفَريسة ــ القَارىء، العنايةُ/ المهَارةُ  تَطَالُ العُنوانَ نَحْواً وإيقاعاً ومُعجماً ومَجازاً، فأمَّا على صعيد التَّركيب؛ فالعُنوانُ يَستثمرُ الوظيفةَ الشِّعْريّةَ للتوازي النَّحْوي في انبنائه؛ وهذا ما ألمحَ إليه رومان جاكبسون في دراستِهِ «شعر النَّحْو ونَحْو الشِّعر»، وذلك بتكرار الفئاتِ النَّحْويّة ذاتِهَا، الأمرُ الذي من شَأنـهِ أن يُبَـئِّرَ الإيقاعَ والدَّلالةَ، كما في هذا العنوان ـ قيدَ التأمُّل: «بسيط كالماءِ، واضح كطلقةِ مُسَدَّس» الذي يَنبي تكراراً وفق بنيةِ: مبتدأ + جار ومجرور/ مبتدأ + جار ومجرور + تكملة. بهذه الحيلةِ النَّحْويّة يَنأى العنوانُ عن الحَيِّز النَّثريِّ الذي يَسِمُ العَناوين الثلاثة الأخرى، ويَضَمَنُ لكينونَتِهِ الإقامةَ في الحيِّز الشِّعريِّ؛ ليبدأَ وظيفتَهُ الإغوائيةَ بإغراءِ القارىء للانتقالِ به من مَدار العَالم إلى فضاء النَّصِّ ومُضَاجعتِهِ بحثاً عن اللّذة المستحيلة.

 وإذا كانَ الأَمْرُ كذلكَ؛ فَلْتَـقُدْنَا القَراءةُ إلى أَسْرارِ العُِنوانِ حيثُ لا تَكُفُّ العَلاماتُ عن الشَّغبِ والهَلوسَة في إنتاج الدَّلالات؛ إذ تلَـجُ عَلامَاتُ العُنوان في عَلاقةٍ تَضادٍ قَويةٍ فيما بينَهَا للوهلة الأولى أكثر من كونِهَا علاقةَ ائتلافٍ مع أنـنا يُمكِـنُ مُلامَسةُ تماثلٍٍ يَمُـسُّ حافّةَ الدَّلالةِ المعقودةِ بين علامتيْ «بسيط» و«واضح» ولكنَّهُ تماثلٌ لايُعتدُّ به؛ وعليه، فعَلاقَةُ الاختلافِ هي التي تَستبدُّ بالبُنيةِ الدَّلاليّةِ للعُِنوان؛ إذ يُحيلُنا الحدُّ الأولُّ« … الماء» إلى الحَياة، والحدُّ الثاني« …الطلقة» إلى الموت؛ فكيف يكونُ الشَّيءُ الموصوفُ: بسيطٌ كالماءِ، واضحٌ كطلقةِ مُسَدَّس، في تحدٍّ سافرٍ لمفهوم الهُوِيـة الأرسطيِّ؟ في واقع الحال يَتَلاشَى التَّضاد المذكور ليتماثلَ الحدَّانِ في سياقِ العُِنوان للتدليل على صِفةِ «الموصوف الغَامض» من حيثُ أنـهُ يُبَئـرُ في كينونتِهِ بين بساطةِ الماءِ، حبث لاتَعقيدَ فيهِ، ووضوحِ الطّلقةِ في الانطلاقِ نحو هدفِهَا دونَ التواءٍ، هكذا تَأتَلـفُ عَلامَاتُ العُِنوان للدَّلالةِ على «استقامَةِ» الكائن الموصوف بذلك. ولكن مَـنْ/مـا الموصوف بالصِّفَات المُودِعَةِ في خزائن العُِنوان؟ ليسَ لنا في هذه الخُطْوةِ من التَّأويل سوى اللَّوَاذِ بالغَلاف ـ غلافِ الكتاب ـ لنتقرَّى علاماتِهِ؛ إذ العُِنوانُ يتموقع بين عَلامَتين سيميائيتين: اسم الشِّاعر: رياض الصَّالح الحسين وعلامة تجنيس الكتاب: شعر، وهكذا يكون التأويل هو: الشَّاعِرُ/الشِّعرُ بسيطٌ كالماءِ، واضحٌ كطلقةِ مُسَدَّس.

يَحْضُرُ العنوانُ «بسيطٌ كالماءِ، واضحٌ كطلقةِ مُسَدَّس» في تضاريس النُّصُوصِ الشِّعرية لفظاً ودلالةً؛ ليحقِّقَ بذلك العُِنوانُ والنَّصُّ صيغةَ التَّعَاقد/ التَّعَاهد بينهما من حبثُ التزامُ كلٍّ منهما بالآخر دلالةً ولفظاً؛ أما لفظياً؛ فيُمْكِنُ التَّدليلُ عليه بالشَّذرة النَّصيَّة الآتية:

 حارٌّ كَجَمْرة

بَسِيْطٌ كَالماء

 واضحٌ كَطَلْقَةِ مُسَدَّس

 وأُرِيدُ أنْ أحيَا

 ألا يكفي هذا

 أيَّتُها الأحجارُ التي لاتُحِبُّ الموسيقى؟»

 فمن خلال هذا المقطع النَّصيِّ يتعزِّزُ احتمالُ كون «الشَّاعر» أو المتكلم (أُرِيدُ أنْ أحيَا) هو الموصوفُ ببساطةِ الماءِ ووضوح الطّلقة في رؤيتِهِ تجاه العَالم.

دلالياً لايفتأُ العُِنوانُ أن يُقيمَ علاقاتٍ متشعّبةً مع النُّصُوص التي يُسمِّيها إذ تنتشرُ دلالاتُهُ في شِعَابِهَا، وتَنتثرُ النُّصُوصُ في فضائِهِ، كلٌّ منهما يَشبِكُ الآخرَ تناصياً، هذا ما يمكن الوقوع عليه في قصائد مثل:لاشكَّ بذلك ياديكارت، كهنةٌ بشوارب طويلة، أيـتُها الأحجارُ استمعي إلى الموسيقى، …إلخ، حيث تأتي النُّصُوص بسيطةً في لغتِها، واضحةً في صَرْخَتِهَا وفاءً لدلالة العنوان وتأكيداً عليها.

  «وعلٌ في الغَابة»، العُِنوان الأخيرُ، صَرْخَةُ الشَّاعر الأخيرة في وَجْهِ العَالَم، هُويّةُ  المجموعة الأخيرة التي أَنجزَهَا الشَّاعرُ قبلَ وفاتـهِ وعتبةُ الانْسِلالِ إلى جَمَالياتِهَا، عُِنوانٌ مُشَفَّرٌ، مُكْتَنِزٌ بالدَّلالة، بسيطُ التَّركيبِ كعادةِ الشَّاعر في التَّعَامُل مع اللُّغة، لكنَّهَا بَسَاطةٌ مراوغةٌ تُخَاتِلُ القَارىءَ وتُوْقِعُهُ في شِبَاكِهَا، فالعُِنوانُ يَعْكِسُ مَشْهديةَ الحيوان باقتصادٍ لغويٍّ فَائقٍ:«وَعلٌ في الغَابة». عَلامَتَانِ فَحَسب: وعلٌ وغابةٌ؛ ويَمضِي القَارىءُ إلى مشارفِ التَّخيُّل والتَّأويل، ليتقصَّى شؤونَ هذا الكَائنَ في فَضائـهِ الجبليِّ، الكائنَ السَّاهرَ على كينونتِهِ، غريزتِِهِ، التَّيْسُ الجبليُّ، عشيقَ الرِّيح، وصَديقَ العُشبِ، الكائن الذي يَعْشقُ الحرية بامتياز؛ ولهذا يختار قُلَلَ الجَبالِ مَسْكناً له، فالوَعْلُ/ الوَعِلُ هو دَالُّ الطَّبيعةِ البَريـة، دَالُّ الشَّبقِ، والغَابـةُ دَالُّ السِّرِّ، عذراءُ الطَّبيعة المَحْفُوفَة بالعَتمة، هكذا تَتَعَانَقُ الذُّكورةُ(وعل) مع الأُنوثةِ(الغَابة)، كما لو أنَّ العُِنوانَ يَعْكِسُ مجرياتِ حُلمِ يَحْتَفِلُ بالذُّكورةِ والأُنُوثَةِ أو أنَّ الوعلَ يَرْمُزُ إلى الحَالـم البَاحثِ عن ذَاتـهِ من حيثُ إنَّ الغابةَ تُمَثِّلُ رمزَ الحَياةِ اللاشعوريـة، فالدُّخولُ إلى الغَابةِ بِطُرقاتِهَا ومَخاطرِهَا وفُرجاتِهَا إنـما هو الاتِّجاهُ نَحْوَ الذَّات: «فما نبحثُ عَنْهُ في الغَابة ونحن نَحْلُمُ، إنـمَا نُحاولُ أنْ نَجِدَهُ في أَنْفُسِنَا. وَيَتَّجِهُ الحَالـمُ في بعْضِ الأحيَانِ صَوبَ مَكَانٍ سريٍّ يُوْجَدُ فيه كَنْزٌ. إنــهُ، عَلَى نَحْوٍ بَارزٍ، صُورةُ بَحْثٍ عن مركزِهِ الخاصِّ/ بييرداكو». بيدَ أَنَّ العُِنْوَانَ لايَعَدَمُ احتمالاً دلالياً آخرَ، فــ«وعلٌ في الغابة» يَرْمُزُ إلى صُوْرةِ الكَائنِ الإنسانيَّ الهَاربِ من التَّقنِيِّ/ الثـقَافيِّ باتّجاه الطَّبيعيِّ، نَحْوَ الصَّفَاءِ الذي يُمْكِنُ القَبْضُ عليه في فَضَاءِ الغابة ومع كَائناتِها.

هذه الدِّينَاميـة الدَّلالية لعُِنوان المَجموعة في نَصّيَـتِهِ، في كونه نَصَاً، يُمْكِنُ أنْ تَكْتَسِبَ أَبعَاداً دَلاليّةً أكثرَ من خلال استِجْلاءِ العَلاقةِ التَّنـاصيـة بينَ كَائناتِ العُِنوانِ والنـصِّ؛ إذ يُشكِّلُ العُِنْوانُ «وعلٌ في الغابة» جُزَيْئَةً من عُنوانٍ لقَصيدةِ: «كَنَجْمةٍ في السَّماء/ كَوَعْلٍ في الغَابة» التي تَنْدَرِجُ بدورِهَا تحت عُنوان عامٍ: «رغبات»، وعليه فَعُنوانُ المَجموعة «وعلٌ في الغابة» ليس إلا تجليّـاً للرَّغْبةِ في الخَروج منْ عَالـم الثَّـقَافَةِ إلى عَالـم الطَّبيعَةِ حَيْثُ الحُريـةُ المنْشُودةُ، وهذا مَا نَلْمُسُهُ في الشَّذْرَةِ الشَّعريّةِ التي اقتَطَفـهَا النَّاصُّ من الشَّاعرِ الفرنسيِّ « يوجين غيليفيك»، ومَهَّدَ بها القصيدةَ، الشَّذرة التي تُمجِّدُ عَلاقةَ الكَائنِ الإنسانيِّ بالطبيعيِّ والغريزيِّ:« عندما كان العُصفُورُ يُصَفِّرُ في العُشْبِ/ والرِّيحُ تَنْهَشُ جُدرانَنَا العَظيمة/ كُـنَّا كأنـمَا في عِيدٍ/ وكان كلُّ شيءٍ يَتَحَقـقُ»، هنا ينهض والتفاعل والتَّنَادي بين الإنسانيِّ(كنَّا) والحيوانيِّ(العُصفور) والطَّبيعيِّ(الرِّيح)، من حيثُ امتدادُ الإنسانيِّ في الطبيعيِّ والحيوانيِّ وامتدادُهَمَا فيه، في حركةٍ مَهرجانيةٍ من الفَرح والغَبطَةِ. إنـها حَركةُ حُضُورٍ، حُضُوْرُنـا في الآخر، وحُضُورُهُ فينـا، تَواصلٌ عَاشقٌ، بؤرتُهُ الجَسَدُ، التحامٌ بين كَائِنَاتِ العَالـم: العُصْفُورُ والرِّيحُ والإنْسانُ في جَسَدٍ واحدٍ، هو «لَحْـمُ العَالـم»، فثمَّةَ تَعويذةٌ غيرُ قَابلةٍ للتَّفسير العَقليِّ بينَ هذه الكياناتِ الثَّلاثة، وهَـذا سرُّ تَقَاطُعِ شذرَةِ «غيليفيك» مع رَغَبَاتِ «ضمير المتكلم» في قَصيدةِ «كنجمةٍ في السَّماء/ كوعلٍ في الغَابة»:

«أَمَامِي الكَثيرُ لأُعطِيه

وخَلفِي الكَثيرُ للمَقَابـر

أَمَامي النَّهرُ ورائحةُ الصَّباح والأغَاني

 البَشرُ الرَّائِعُون والسَّفَرُ والعَدَالةُ

 وخَلْفِي الكَثيرُ الكثيرُ

 وهَا أَنَذَا أَمْشِي وأَمْشِي

 بين هَزَائِمِي الصَّغِيرة وانْتِصَارَاتِي الكُبْرَى

 وهَا أَنَذَا أَمْشِي وأَمْشِي

 مُتَألِّـقَاً كَنَجمةٍ في السَّماء

 وحُرَّاً كَوعْلٍ في الغَابة».

 هكذا يأتي المقطع الشِّعْريِّ في تمجيد الرَّغْبَةِ، تَمْجِيدِ حُضُورِ الكَائنِ الإنسانيِّ في العَالـم، حضورِ الجَسَد الحيِّ «لأنَّهُ الإمكانيّةُ الحَقيقيةُ للتَّواصُلِ»، ورَغْبةُ الكَائِن في مُعَانَقَةِ العَالـم في أَنْ يَكُونَ جزءاً فَعَّالاً مِنْهُ وفِيْهِ، كَمَا لو أنَّ الثَّقَافَةَ قد فَصَمَتْ عُرَى هَذِهِ العَلاقَة، فانفجرتِ الرَّغَباَتُ لإعَادةِ التَّوَاصُلِ العَاشِقِ؛ لِيَسْتَعِيدَ الجَسَدُ يَقْظَتَهُ، التي فَقَدَهَا في زَحْمَةِ الحَياةِ ودوْشَتِهَا، فالمقطعُ النَّصيُّ يَقْذِفُنَا إلى قَلبِ الحِسيِّ: النَّجمة في السَّماء والوعلُ في الغَابة، وبينهما يَحْتَفِلُ النَّهْرُ ورَائِحَةُ الصَّباحِ والأغاني بالكينونة. ثمة، إذاً، احتفالٌ بالعالـم واحتفاءٌ به:

«هَذِهِ صَخرةٌ وهَاتَانِ عَيْنَانِ

هَذَا قَمرٌ وتلكَ أَوزَّةٌ

وثَمَّةَ أشياءُ كَثيرةٌ لـم أَكُنْ أَرَاها:

 أَيدِي الأمَّهَات

 أَكياسَ الطَّحينِ

 وطلابَ المدارس

 إنَّني أَفْتَحُ عينيَّ كَنبعٍ صَغيرٍ وأتحرّكُ برشَاقةِ الرُّعَاةِ

فقدَ بدأتُ أَعْلَمُ ــ وربـما مُتأخِراً قليلاً ــ

 أنَّ آلافَ الحُروبِ وملايين الجَرائم

 لم تَسْتَطعْ مَنْعَ القِطَّةَ من المُواء عندمَا تَجُوعُ

 والوردةَ من أنْ تََـتَفَتَّـحَ

 والمطرَ من أنْ يَنْهَمِرَ بغَزارة…

 لذلكَ أَمْشِي وأَمْشِي وأَمْشِي

مُتَألـقَاً كَنجمةٍ في السَّماء

 وحرَّاً كَوعلٍ في الغابة».

لكَأنَّ الأمرَ التحامٌ بين الكَائنِ والعَالـم، وإنـهُ لَكَذَلِكَ، فـ«الوعلُ في الغَابة» ليسَ إلا الكائن/ الشَّاعر وقد تَمَوْضَعَ في العَالـم، تموضعٌ قائمٌ على التَّبادليـة بينهما، فالكائنُ يَجِدُ نفسَهُ في الصَّخرةِ والأوَزَّةِ والنَّبعِ والقِطَّةِ والوردةِ والمطرِ،…إلخ. تبادلٌ لذيذٌ بين الجَسَدِ والعَالَم يتنفَّسان من رئةٍ واحدةٍ؛ لتتلاشَى الحدودُ بينهمَا، حتىَّ يَصْعُبُ التَّكَهُنُ بحدودِ كلٍّ منهما من حَيْثُ ابتِدَاءُ الجَسَدِ وانتهاءُ العَالـم أو ابتدَاءُ العَالـم وانتهاءُ الجَسَد، فالتَّدَاخُلُ/ العِشْقُ بينَ الحَدين من الاحْتَدامِ بمكان. إنَّ العُِنوانَ العَامَ «وعلٌ في الغَابة» صرخةٌ تُرْتَكَبُ في المَجَاز وبالمَجَاز لإعَادةِ عشقِ التَّواصُلِ معَ الطَّبيعةِ بأشيائِها وكائناتِها، بعد أنْ نُسِفَ هذا العشقُ/ التواصل في ظلِّ التَّقنية الهوجاء التي شكَّلت حِجَابَاً/ سميكاً بين الكَائنِ وفَضَائِهِ الذي يَحْيَا فيهِ ولايَرَاهُ. إنَّها صَرخةٌ شعريـةٌ لإعادة الاعتبار للعَالـم الذي يشكِّلُنا ونتشكَّلُ به لإستعادة السَّعادة الهَاربة، إستعادة فضاءِ الحُرية الحقيقيِّ؛ هكذا يأخذُنَا التَّأويلُ معَ «وعل مع الغابة» إلى ضِفَافِ الحِسْيِّ بقوة: « وأنتظر/ عشب الطريق/…/ ولون السَّماء في الصَّباح الباكر/ الباكر/ الباكر».

وهكذا ينتهي ترتيبُ المشهدِ (أو ربـما يبتدىء) مع رياض الصَّالح الحسين في اشتباكٍ لذيذٍ مع عَتَباتِ ــ عَناوين نُصُوصِهِ. عتباتٌ محفوفةٌ بالألغاز والأسْرَارِ على الرَّغم من بَسَاطَتِهَا المُخَادِعَة؛ فالشَّاعر بِمَهَارةِ العنكوبت نَسَجَهَا، ونَصَبَهَا في طريقِ القِراءة على أملِ اصْطيادِ قَارىء في طريقِهِ إلى ارتيادِ جَسَدِ القَصِيدة.