بقلم: خالد حسين

تقديمي لكتاب د. خليل جندي رشو: ” الدلالات الرمزية في الأدب الديني الايزيدي”

لم يَدَعْ لي د. خليل جندي، العارفُ بالثقافة الإيزيدية وأنساقها وأسرارها بعمقٍ، وعلى نحوٍ مفاجئٍ، أي حيّز للهروب أو الإفلات من هذه المهمة الشّاقة والعويصة: “قراءة المخطوط وتقديمه قولاً واحداً”…! حدثان يشترطان بعضهما بعضاً، فلا قراءة دون تقديم ولا تقديم يمكن أن يحدث كعتبةٍ للكتاب دون قراءةٍ؛ الأمر الذي دفعني تحديداً إلى هذا السُّؤال المربك: كيف بباحثٍ كرديّ أن يبقى غريباً عن واحدٍ من أقدم الموروثات والأنساق التي تشكّلُ المركّب الثقافي ــ الكردي قاطبةً، بل لِأَقُل: لماذا على هذا النسق الثقافي أن يبقى “غريباً” على الباحث الكردي، من دون تحديد، ولاسيما أنَّه ينطوي على شيفراتٍ تقعُ في القلب من الكينونة الكردية وهو ما سيلمسه قارىءُ هذا الكتاب وهو يتحرّك في تضاريسه التي رسمها د. خليل جندي بمهارة واجتهاد؟ هذا السُّؤال، وهو الغاية، من أيةٍ ممارسةٍ خطابيةٍ، سيكون القنديل الذي سيقود خطواتي الخجولة في هَيْكَلَةِ النطاقات السيميائية للأدب الديني الإيزيدي ورسم مساراتها، فالغربة لا تنكسر إلا بالاقتراب ممّا ليس بغريبٍ البتة، بل هو من الألفة بمكان؛ فالإيزيدية كانت ولاتزال يقظةً في الموروث الكردي وبخاصة الموروث “الكر[د]مانجي”. فكيف يمكن للمرء أن يتملّصَ من صوته أو من مرآة من مرايا الكينونة التي ينتمي إليها.

إنَّ السّيمياء في التعريف العلمي هي مجالٌ شاسعٌ لتنظيم العلامات، الإشارات، الرُّموز وانتظامها في أنساقٍ متنوعةٍ ومتعددةٍ ومن ثمَّ البحث عن دلالاتها في سياقاتٍ نصيّةٍ منجزة. والسياقُ النصيُّ هنا يتجاوز ممارسات اللغة وتجلياتها في خطاباتٍ محدّدةٍ، رواية، قصيدة، نشيد… إلى كلّ علامة من شأن الثقافة وصناعتها. وهكذا فالأديان وممارسات النقش والصُّور والنُّصوص كافةً هي برسم الفعل السيميائي الخاضع لآليات الثقافة التي تمنح الدلالات والمعاني لهذه الكائنات النصية المشفّرة، فالتشفير من فعل الثقافة وبها وهو الذي يولّد حَدَثَ التأويل أو التأويلات للرموز ونظرائها من الأفعال الثقافية التي أحاطت وتحيط بنا. استناداً إلى هذا التعريف التمهيديّ أو الأوليّ أفهم العمل الذي أنجزه د. خليل جندي بوسمٍ عَنْوَنَهُ بـ”الدِّلالات الرّمزية في الأدب الديني الإيزيديّ”، فالكتاب محاولةٌ ثريةٌ لرسم نطاقاتِ سيمياء الأدب الدينيّ الإيزيدي أو لِنَقُلْ: مغامرة لتحديد سيمياء ميتافيزيقا الديانة الإيزيدية ليس بالانكماش على السّياق النصي الإيزيدي في فضائه الخاصّ والخصوصيّ والأخصِّ وإنما بفتحهِ على النطاقات الميثولوجية ــ الثقافية الآريانية، الرافدانية، الهندية، اليونانية، العبرية والعربية أي مقابلة العالم السِّيميائي الكرديّ في صيغته الإيزيدية بعوالم الآخر السيميائية، وهذه سمة يتفّرد بها الكتاب الذي يكشفُ من خلال التحليل والمقابلة عن العلاقات التناصية  العميقة intertextuality بين الأدب الديني الإيزيدي والآداب الدينية الأخرى بل إن القراءة الدقيقة للأمثلة النصيّة التي يستحضرها المؤلِّف د. خليل جندي تكشف عن أهمية القراءة التناصية وأدواتها في مقاربة النص الديني مطلقاً، هذا النص الذي لا يمكن أن يخرج عن أُتون العلاقات التناصية مع نصوصٍ من الثقافة ذاتها أو من الثقافات الأخرى والكتابُ متخم بهذا الجانب العلائقي على مستوى التناص على صعيد التحليل.    

وقبل أن أتطرّق إلى حدود هذه السّيمياء الحيّة والشَّاسعة لابدَّ من الإشارة إلى أنها تحفرُ وجودَهَا في اللغة الكردية ــ بصيغتها الكرمانجية وهذا ما يمنحها الميزة والفرادة من حيث إنَّ الإيزيدية لا تقيم في أرضٍ غريبةٍ عليها وإنما تغزل وجودها بنصوصها وعلاماتها ورموزها وطقوسها في لغتها/أرضها الأولى وهذا ما يجعلها مكمن أو درّة الصرخات الأولى لميتافيزيقا دينية في فضاء كردي وبلغة كردية…!

لاشكَّ أنّه من الصَّعب اختزال المجالات التي امتدتْ إليها العلامات السِّيميائيّة العاملة كقوى فاعلةٍ التي عالجها المؤلِّف في النطاق السيميائي للأدب الديني في الإيزيدية لكن لابأس من الإشارة إلى بعضٍ من هذه العلامات التي يمكن أن تُمَفْصِلَ حدود هذه السيمياء الدينية عن عوالم دلالية أخرى مماثلة أو مختلفة، وأقصد بذلك علاماتٍ/ رموزٍ مثل: لالش، طاووس ملك، الحية. بيد أنَّ “لالش” تمثّل وفق رؤيتي العلامة السّيميائية الرئيسية في هذا المثلث أو سيمياء الأدب الديني الإيزيدي المشغول عليه في هذا الكتاب. فهذه العلامة تمتدُّ في اتجاهات عديدة، تمدُّ العلاماتِ الأُخرى بالمعنى وتستمدُّ منها النّسغ الدلاليّ. ولكونه أدركَ خطورة هذه العلامة وأهميتها فقد عَقَدَ المؤلِّفُ مساحةً كبيرة للإحاطة بهذه العلامة التي تحيلنا إلى المكان ــ المقدّس في الديانة الإيزيدية بإقليم كردستان ــ العراق، فهذا المكان ــ المقدّس يتجاوز بعده الخاص إلى أن يكونَ مكاناً مختزناً بالعراقة والتاريخ القديم للكينونة وهذا ما جعل شعراء قدماء ومحدثين ومغنين وباحثين كرد مثل [(ملا أحمد الجزيري، جكرخوين، تيريز، هزار موكرياني، ملا خليل، ملا عبد الحمن دره، صبري بوتاني، جلادت بدرخان، أنور مائي) ومن الشعراء الكورد المحدثين (أديب جلكي، قادر قاجاغ، أحمد ملا خليل، مؤيد طيب، هزرفان، كاميران رشيد، حبيب كلش…إلخ)، إضافة إلى ذلك تغنّى العديد من الفنانين الكورد بلالش، منهم: تڤگەر (جومه لالشى- ذهبت إلى لالش)، حسن شريف (به يتا لالش ـــ بيت لالش)] أن يتخذوا من “لالش” موضوعاً للإبداع والتفكير، وهذا أمر له دلالته العميقة والخطيرة…! وما يهمُّني، هنا، هو أن أتوقفَ عند التسمية قبل الإشارة إلى منعطفات الكتاب وفصوله، فالتسمية “لالش” وتبعاً للتحليل الذي أورده المؤلف بالتفصيل لعددٍ من الباحثين الأفاضل فضلاً عن إسهامه في هذا المجال يمضي بنا إلى انبثاق هذه التسمية من أرض الثقافة الكردية. ويمكن تقديم تأويل مبسّطٍ في هذا السِّياق من حيث إنَّ التسمية الراهنة هي دمج ملطّف بين “الموصوف” و”الصفة” في الكردية؛ إذ يمكن القول إن الاسم الراهن (Laleş) قد يكون مشتقاً من أصل أكثر تطابقاً مع كائنات المكان المعروف بطبيعته الخلابة أي: ( Lala -şîn) ثم  (Laleşîn= الزهرة الخضراء/ الزّرقاء، النَّار المتوهجة، السِّراج المضيء) ومع الزمن والاستعمال تخفّفت الكلمة إلى الاسم المتداول الرّاهن: (Laleş) وهذا ما يحصل بسهولةٍ في اللغات كما أنَّ فعل التسمية يُستمدُّ من العالم المحيط أكثر ما يُستعار من عوالم أخرى، فالتسمية من المكان وإليه!  

من الأهمية بمكانٍ أن أشيرَ إلى تضاريس هذا الكتاب الثري بمادته فقد قسّمه المؤلّف إلى سبعةِ فصولٍ حيث يشتمل الفصل الأول منه على علاماتٍ سيميائيةٍ ترسم بنية الأدب الديني الإيزيدي: البحر، الدرة، السفينة، الشمس ـ القمر، العرش، العرش، التابوت، القلنسوة وأخيراً “لالش” لغةً وقدسيةً ورمزيةً. ويحتفل الفصل الثاني بعلاماتٍ سيميائية إضافية مثل “الخرقة”، الشجرة، النار وهي موضوعات تمضي بقارئها إلى عوالم مختلفة وعميقة من المعنى. أما الفصل الثالث فيقدّم للقارىء ترسيمةً لكيفية فهم نصوص الدين الإيزيدي من خلال مقاربة جملةً من الرُّموز والعلامات الإضافية إلى المثلث السيميائي الذي مرّ ذكره. ويعقد المؤلِّف الفصلَ الرّابع لرمزية الحية وطاووس ملك بوصفهما مرتكزين أساسيين في النصوص الدينية الإيزيدية. وعلى هذا المنوال توسّع الفصول المتبقية، الخامس (يخصُّ مفرداتٍ مكانية) والسادس حيث يعود المؤلّف إلى تأويل كائنات سيميائية مشفّرة مثل إناء الشرب والديك والحمامة والعقرب والغزال لتضيف تراكماتٍ دلالية إلى العالم السيميائي الذي يكتمل بالفصل السابع والأخير؛ حيث يعالج المؤلّف باستفاضةٍ مسألة تحريم لحم الخنزير من عدمه.

وأخيراً؛ لا يسعني إلا أن أقدّمَ جزيل الشّكر للدكتور خليل جندي، وهو الغنيُّ عن التعريف بحضوره الثقافي، الذي شرّفني بتقديم كتابه “الدِّلالات الرّمزية في الأدب الديني الإيزيديّ” وأتمنى أن يكون تقديمي على مستوى هذا الكتاب الثري وعتبةً للدخول في عوالمه وفضاءاته.

                                                  خالد حسين

                                                         أكاديمي كردي/ بازل، 2021