“في الخريفِ وحدهُ تستيقظُ روحي لأداءِ شعائر القصيدة”([1])

توطئة:

 يُشكّلُ العنوان صلة الوصل بين القارئ والنصّ، إذ يتخذُ لنفسه فضاءً متماسكاً وكياناً دلاليّاً بالغاً في مقدمة أيّ مُنجز أدبي، إذ يرفعُ من قيمة النشاط التّأويلي، وربما يكشفُ بذلك عن رهانات القارئ في فعل القراءة من حيث كونه جزءاً من “مجموعة من الدلائل اللغوية التي يمكنُ أن تُوضع على رأس النصّ لأجل تعيينه، وتحديد مضمونه العام، ولأجل جذب الجمهور المستهدف”([2])، كما يذهب في ذلك الرائد في علم العنونة ليو هوك.

 واستناداً إلى ذلك؛ وكأيّ قراءة لعمل أدبي سترومُ القراءة التوقف طويلاً عند تخوم عنوان/ عناوين النصوص الشعرية للشاعر بدر السويطي، والموسوم بــ“شجرة كستناء تُراقصها رياح الخريف”، لتبحث في خطاب العنوان الرئيسي وبلاغته وإيحاءاته من جهة، ومن جهة أخرى تعالقه مع العناوين الدّاخلية والمتن النصي من جهةٍ ثالثة. إنّ العنوان يُمثلُ حدّاً سيميائياً يفتحُ للقارئ مجالاً للاقتراب من المتن الشعري، واستشفاف الطاقات الدلالية للنص عامةً، وسيجري التركيز على مستويات العنوان النحوية، الدّلالية، المعجميّة، والرّمزية، وما يؤدّيه هذا العنوان من وظائف جمالية.

I ــ مقاربة العتبة الرّئيسيّة/ العنوان كنصٍّ مُستقل:

    إنَّ أيّ نصّ سردي/ شعري، لأيّ كاتبـ / ــة؛ لابُدّ أنّ يقدمَ لقارئه خيوط العملية التي يقومُ بإنجازها حيث تتوضّح سمات الصور الأوليّة بشفافيتها ولغزها ودلالاتها لهذه العملية في عتبة العنوان بدايةً. ومن هنا فالعنوان مكون وعنصر أساسي في بناء النصّ، وفي الوقت ذاته يتيح الولوج إلى بنية ووحدات النصّ. لذلك وحتى يتجاوز القارئ الخطوة الأولى لأيّ قراءة إيجابية محتملة، عليه أن يزيح الستارة عن العنوان ذاته، ويكشف أوجه العلاقة أو الدهشة في طبيعته على اعتبار أنَّ العنوان يُشكّلُ العتبة المُفضلة لسبرِ ميدان النّصِّ لكشف أسراره معتمداً في ذلك على حقلٍ غزيرٍ ومخزونٍ جيدٍ للمقاربة النقديّة من خلال فضاء العنوان. وعلى صعيد النَّص الراهن “شجرة كستناء تراقصها رياح الخريف؛ فالقراءة حيال عنوان بصري، وصفي، كائنيّ متحرك، عنوان يقومُ على التمثيل باللغة كأنّهُ مشهد سينمائي، واستثمار هذه العلامات البصرية في تشكيل لوحة، ويمكنُ للقراءة أن تفرز العنوان على شكله التالي:

ــ شجرة: كائن نباتي/ مبتدأ ـ مضاف/  

ــ كستناء: مضاف إليه     

ــ تراقصها: فعل ـ مفعول به/ حركة/ حدث

ــ رياح: فاعل ـ مضاف/ مكون طبيعي

ــ الخريف: مضاف إليه/ مكون طبيعي/ الزمن

ــ شجرة كستناء: المُسند إليه/ المبتدأ

ــ تراقصها رياح الخريف: المُسند/ الخبر    

 وعبربداية نصيّة/ سردية؛ يستهلُّ الشاعر ديوانه، بنصّ يمكنُ للقراءة أن توسمه بـ “النصّ الإطار”، لهذا المجموعة الشعرية، والذي لم يعنونه/ النّصّ الإطار/ ــ على غير نصوصه اللاحقة والمعنونة في المجموعة، إذ يقدمُ عبره صورة ولوحة فنية بلغة شعرية لفصل الخريف، صورة متكاملة؛ هي تحديد لمعالم نصوصه، حيثُ كلّ مفردة وجملة وتركيب، سيصادفها القارئ ــ لفظاً أو معنى ــ لاحقاً في العناوين أو في النصوص نفسها، لربما أراد أن يترك للقارئ فسحة للتأويل دون قيود قد يرتكبها العنوان، لكن ماذا بشأن العنوان الرئيسي:

1 ــ في البنية النّحويّة:

تجدُ القراءة أنَّ العنوان [شجرة كستناء تراقصها رياح الخريف] يسكنُ جملة ممتدة/ معقدة، للتعبير عن عدد من مكونات العالم، التي تهمُّ الشاعر، فالعنوان اسمي، مُركب طويل، يمكن للقراءة أن ترى في جملة العنوان الرئيسي احتمالات نحوية ثلاثة؛ فالاحتمال الأول، هو أنَّ جملة العنوان أخذت ترتيبها عن جملة فعلية: (تُراقصُ رياحُ الخريف شجرة كستناء). وفي هذا الاحتمال نجد أن البنية النحوية تستلم للمعتاد النحوي الذي لم يرتكن إليه الشاعر حيث يأخذ فعل الرقص حيز الانتباه وهذا لم يستسغه الشاعر ليكون بؤرة لجملة العنوان. أمّا الاحتمال الثاني نحويّاً، فهو أنَّ جملة العنوان محوّرة عن جملة اسمية: (رياحُ الخريف تُراقصُ شجرةَ كستناء). وعلى الرغم من أن الجملة هنا تأخذ وضعاً تركيبياً معقداً وأقوى دلالةً (مبتدأ مضاف + مضاف إليه + فعل (بضمير مستتر) + تركيب إضافي) فلم تحز الجملة على رضا الشاعر. 

 وبناء على الاحتمالين الواردين هنا نجد الشاعر يستفيد من الإمكان النحوي للجملة بإحداث نقلة في موقع التركيب الإضافي (شجرة كستناء) ليكون في موقع الابتداء ومركز الاهتمام وبؤرة جملة العنوان [شجرةُ كستناءٍ تراقصها رياحُ الخريفِ]. أما لماذا استكان الشاعر إلى هذا الصنف النحوي؟ فيمكن تأويل ذلك بالقول إنّ الشجر كائن أظهر للعين من “رياح الخريف” التي تتجسّد أصلاً عبر الشَّجر وصراعه مع الرّياح، وعبر الشجر تتحرك الدورة الزمنية وتتجلى فصول السنة. هذه التمركز في مشهدية العنوان يظهر من الحضور الكثيف للشّجر وأوراقه في نصوص الديوان.    

2 ــ البنيّة الدّلاليّة/ المعجميّة:

إن المتتبعُ لمفاصل العنوان وكائناته، سيرى توازناً فعليّاًبين مقومات العنوان الطبيعية، حيث لن يجدَ القارئ أيّ خرق للنظام الدّلالي المتعارف عليه بين كائنات العنوان ومكونات الطبيعة، كما في خبرة الفرد بالعالم، أيّ لا يمكن للقراءة اعتبار أنّ العنوان قائم على جملة من المفارقات في تلك العلاقة التي تربط بين الشجرة والرياح والكستناء والخريف، و”لتحديد هوية أيّ نصّ، المرشدُ هو المعجم، فلكل خطاب معجمه الخاص به”([3])، كما أنَّ الصورة الشعرية المنبثقة في العنوان تحاكي في صورتها الشعرية/ البلاغية، الصورة ذاتها في وجودها الواقعي، والعنوان مهمته تنحصرُ في تمتين صلة التواصل بين قواها الفاعلة، ولاسيّما أن العنوان هنا بحدّ ذاته نصّ شعري متكامل في بنيته اللغوية والدّلاليّة، وله فرادته وخصائصه الجماليّة، “وله مبادئه التكوينية ومميزاته التجنيسيّة”([4])، كما يمكن للقارئ استنباط الدّلالات وقراءتها بعيداً عن النّصّ الداخل/ المحيط، ثمّ استكناه مدى التعالق بين العنوان والنّصّ. فالعلاقة بين الرياح وشجرة الكستناء، هي علاقة يؤسسُ لها وجود الفعل (يراقصُ)، والذي يدلُّ على جملة من المعاني والمضامين الموحية والتي يسعى إليها العنوان في حضوره، الفعل الذي يستلزمُ الاهتزاز والحركة الدائمة، والحركة تستلزمُ الغناء أو الأصوات/ الموسيقا، وكأنّ الخريف/ الزمن هنا يتحولُ إلى سمفونيّة وإيقاع، وثمّة كائنان من الطبيعة يتشاركان معها الاحتفال، ثمّة صورة شعرية تُثيرُ جملة من العواطف؛ وكيف لا وهما من رحم الطبيعة، من معجمٍ يُشكلُ حقلٍ دلاليّ واحد، فالوحدة الدّلاليّة (شجرة كستناء) تتبع الحقل المعجمي للطبيعة، على أنها من مجموعة من الأشجار التي تُشكلُ عنصرا طبيعيّا، الذي يمكنُ فرزه إلى حقل التراب، وبذلك فالشجرة في عالمها السفلي مترابطة بالتراب، كعنصر امتداد للحياة،  والأرض في عالمها الأعلى مترابطة مع الهواء/ الرّياح، وكذلك رياح الخريف/ الرّيح كعنصر مماثل للهواء المتحرك، هي من العناصر الطبيعية، فالعنوان قائم على وحدتين معجميتين إذ تشكلان معاً حقلين متماثلين متأسسين على مجموعة من الدّلالات التي تعبرُ عنها المفردات الواردة في العنوان/ شجرة ـ الرياح ـ الخريف/، حيثُ مقومات ووحدات مشتركة بينها، فالاسم (الرياح) يحدد سمات فعله (تُراقص)، فالرياح غير ثابتة، وربما لا تثيرُ إعجاب الكثيرين، وعليه يجري المثل الشائع “تجري الرّياح بما لا تشتهيه السفن”، فهل هنا الفعل (تُراقص) الذي يقوم به فاعله الرّيح، يقومُ بما لا يرضي أو تشتهيه الشجرة، أمّ أنّ الأمر مختلف هنا كليّا؟، ويمكنُ للقراءة أن تعتبر العنصرين (الشجرة والرياح) متقاربين ولكنهما يتضادان؛ في أنَّ الشجرة تُثيرُ الجمال وتبعثُ الهدوء والرّاحة في النفس، بينما الرّيحُ لا تُرسلُ إلا الذُّعرَ والخوف وكثيراً ما تُسببُ الخراب لكلّ ما حولها، ولكن الخراب الذي تفعله الرياح هنا، هو خراب جميل، وهذا ما يجعلُ القارئ مطمئناً لهذا التقابل والانسجام بينهما والذي يتبينُ في الوحدة المعجمية (يُراقصُ)، فهما معاً يتراقصان وهذا دلالة وئام ومحبة، وعليه يحسمُ القارئ بجمالية العلاقة بين شجر كستناء ورياح الخريف، حيثُ دلالة الحبّ وإلّا فنحنُ لا نراقصُ إلا من نحبُّ. والرقصُ هنا بين الشجرة والرياح، هي ربما علاقة قائمة على التفاوض بينهما، لأنّ الرقص في النهاية؛ تأخذُ بالشجرة إلى عوالم تتعرى فيها تماماً، وتتخلى عمّا يشبه كامل جسدها، ولا تحتفظُ سوى بذاكرة من حنين وطقوس.

3 ــ البنيّة الرّمزيّة:

 بعنوان رمزي برمته، يرمزُ الشاعر إلى الكائن في هذا العالم، كما إنّ هناك مفهوم للشجرة “كرمز نسوي لخصوبة الأرض”([5])، وخاصة لما للشجرة من أهمية وحضور في الميثولوجيا، إذ ترمزُ الشجرة لعدة معانٍ وذلك تبعاً لبعض النصوص التاريخيّة، التي تعتبرُ أنَّ “الشجرة ذات الأوراق الساقطة تحملُ دليلاً على الرّبيع وعلى القوة الثابتة التي لا يمكنُ اتلافها للطبيعة”([6])، فالشجرة هنا هي رمز لعوالم طبيعيّة تحاول أنّ تقدمَ للعالم المحيط، صور كونيّة، ولربما علاقة الرّياح مع الشّجرة هي علاقة قائمة على المكاشفة، حيثُ إن الرّيح تكشفُ الضعف الجوهري للشجرة، عندما تتخلى عن أوراقها. أمّا رياح الخريف فالكلّ يدركُ ويعي بأنَّ الفصول هي دورات حياتيّة لكائناتها، بموتٍ لشجرة ليعيشَ آخر هناك، هي جدليّة الحياة والموت، جدلية انبعاث وتجدد واختفاء وتلاشٍ كحتميّة كونيّة. وفي الصفحة الأولى من الديوان والتي لم يعنونها الشاعر بخلاف نصوصه الأخرى التي جاءت معنونة، يقول: “هذا الذّهبيُ الحالم الذي يطوفُ بمعطفهِ الأنيق وسط الضباب هو كالشاعر الذي أيقظته الذكرياتُ المعتقة في الأمكنة، …. في الخريف وحدهُ تتجدّد الذاكرة “([7])، فهذا الجدليّة تُشكلُ لدى الشاعر موجة لحياة أخرى تُستأنفُ، فذاكرته تندلعُ في كلّ خريف، والأوراقُ في حالة من الهذيان تقترب ربما من موت محتم، ولكن الشاعر ينهضُ بهذه الذاكرة من جديد نحو الحياة، فثمّة حياة هناك في هذه الخريف، وإن كانت هذه الرّياح تصيبُ الكائن أحياناً وتدفعهُ نحو هوة الموت، فثمّة علاقة تأسست بين الشجرة والرياح، قائمة على الرقص، ولا سيّما أن الشجرة تمثّلُ في الكثير من النصوص الشعرية أو في الموروث الأدبي والشعبي وحتى الأسطوري دلالة للحنين والأنثى.

II  ــ مقاربة العنوان مع العناوين الدّاخليّة:            

       وبالانطلاق إلى جسد العنوان وعلاقته بالمتن الشعري، ترى القراءة أنَّ الشاعر صنفَ ديوانه إلى مجوعة متفرقة من العناوين الدّاخليّة، دون أن يفرزها في فهرس خاص بها، عناوين ترسمُ كلّ مظاهر ومعالم الجمال الخريفي. والمتتبع للعناوين النّصيّة، سيكتشفُ بيسرٍ شديد، وحدة الموضوع التي تربطُ هذه العناوين ببعضها، وارتباطها بالعنوان العتبة الرئيسيّة سواء على مستوى البنيّة اللفظيّة أو المعنويّة، وضمن سياقات متماسكة، ومن خلال إلقاء الضوء على هذه العناوين الدّاخليّة، ومدى تعالقها بالعنوان الرئيسي، ومدى نضوج العلاقة بينهما، من زاوية الخطاب والبلاغة، وحتى يتمكن الشاعر من إيصال رسالته إلى المتلقي، وترك أثر بليغ للغته الشعرية، اللغة التي تُشكّلُ الوحدة الأساسية في الخطاب الأدبي الذي “يمتلكُ وسيلة وحيدة يستطيعُ التأثير بها في المتلقي وهي اللغة، إذ لا يمكن تصور وجود الخطاب من دون وجود اللغة الناقلة له”([8])، ويمكنُ للقراءة أنْ تفرز العناوين إلى الحقول الدّلاليّة الآتية كلّ بحسبِ تعالقه مع العنوان الرئيسي:

ــ شجرة كستناء: على وشك التعري، شجرة، أوراق، مدينة، شوارع، غابة، شموس، أراجيح، أشجار البندق، عطر …   

ــ رياح الخريف: حدائق الخريف، هو يتقفى أثره الأصفر، رؤية في المدى الأصفر، تحت ظلال الخريف، سيرة الخريف الذاتية، نشوة خريفية، رياح أكتوبر، أنخاب الخريف، مطر أيلول الذهبي، خُطى الرّيح، خريف، حنين، ظلٌّ يرتدي معطف أصفر، وداع، تثاؤب، تحتَ ظلال الخريف، وعود من الخريف، الزمن، السنين، حياة عابرة ….

ــ الفعل يراقصُ: ترانيم، صدى، رعشة، ثرثرة، أناشيد، آهات، نشوة، رسالة، تنهّدات، الراقصة، أنشودة الندى، لحن، أثر، عناق، معزوفة، توجس، غواية، مزاج ….    

فالتّأويل هنا أنّ الشجرة ككائن طبيعي تستلزمُ كائنا طبيعيّا أيضاً ليراقصها، وهي الريح، التي تشاركها كلّ الفصول، سواء غابت أو حضرت، فثمّة علاقة خفيّة بينهما، الشجرة كائن ثابت وغير متحرك، وإن تحركت في حالتها النمويّة/ النمو، في طقسها المتحوّل من الأخضر إلى الأصفر، ثم إلى حالة العُري التام في الشتاء، بينما الريح في حركة غير مستقرة، تحضر وتغيب، ولا يمكنُ الإمساك بها، فهي في حالة من النّشاط الدائم ولا سيّما في الخريف، ولعلّ ما يمثّلُ هذه العلاقة بين الشجرة والرياح في فصل الخريف، في عدة عناوين داخليّة وردت للشاعر، فالعنوان “على وشك التّعري” هو إيحاء للعنوان العتبة، ونتيجة مفصلية للعلاقة بينهما، فالرياح لابُدّ أن تُعريها في حالة الرقص، فالقراءة بين العنوان الرئيسي والعناوين الداخلية في المتن الشعري، ستُكشفُ أنّ الشاعر يُبدي حالة العنوان سواء لفظيّاً أو دلاليّاً، بتصوير سينمائي، إذ يأخذُ الشاعر من الطبيعة ويدمجها بمناخ إنساني، وكأنّ حواراً بين أجزاء الطبيعة، فعبر عناوين رومانسية وانسجام واضح بين أجزاء العنوان الرئيسي والعناوين الداخلية، يقدمُ الشاعر لنصوصه، بحساسية عالية، عبر جملة من المتقاطعات الجمالية والبلاغية، عناوينه هي ملامح طبيعية تتشارك مع العنوان العتبة بكثير من التفاصيل، فالغابة تشتملُ الأشجار، وشجرة الكستناء هي ضمن هذه الغابة، والشوارع التي تأخذ بالشاعر لعوالم “مبللة بمطر الصباحات الخريفيّة، هذا الذهبي الحالم الذي يطوفُ بمعطفه الأنيق وسط الضباب هو كالشاعر الذي أيقظته الذكريات المعتقة في الأمكنة، يشمُّ عبق النبيذ الساخن في الأكواخ المتوارية خلف السهول والوديان، ويستنشقُ رائحة القهوة والكستناء المشوية، ويرهفُ السمع لحفيف الرّيح”([9])، هي أمكنة متوزعة يتجولُ الشاعر فيها، حيثُ المدينة، نهاراتها، شوارعها، وهي عناوين توزعت على مدار صفحات المجموعة الشعرية، ولأن العنوان يتكوّن من عدة إشارات لغوية، أو حقول دلالية، تجدُ القراءة أنّ الشاعر تمكّنَ من الإحاطة بوحدات عنوانه اللفظيّة والدّلاليّة، التي تُلقي بظلالها على عناوينه في المتن الشعري كافة، بحضور لفظي ـــ جزئي لأحد كائنات العنوان؛ فالخريف حاضر في الكثير من هذه العناوين لفظيّا، مثل “سيرة الخريف، حدائق الخريف، تحت ظلال الخريف، وعود من الخريف، سيرة الخريف الذاتية، نشوة خريفية، خُطى الريح”، كما يحضر العنوان دلاليّا عن الخريف وما يرافقه من تغييرات مناخيّة أو مظاهر تتجلى في الطبيعة، وذلك في جملة من العناوين مثل “مطر أيلول الذهبي ــ رياحُ أكتوبر”، حيثُ إن الخريف يمهدُ لقدومه، فتصفرُ أوراق الأشجار، ويتمركزُ الشاعر حول هذا اللون الذي يرافق قدوم الخريف ورياحه، فاللون الأصفر يملأ الأرجاء، فنقرأ له “هو يتقفى أثره الأصفر، رؤية في المدى الأصفر، أطياف صفراء، ظلّ يرتدي معطف أصفر، ظلّ أصفر”، فمن خلال معجم ثري من العناوين في المتن الشعري يقدمُ الشاعر للعنوان الرئيسي معجماً غنيّاً بمفردات تُشكّل عوالم الخريف، فصل الدّهشة والشعر، نصوص تصوّر الأمكنة وكلّ كائناتها، وكأنّ المرءُ أمام فصول للفراديس المؤجّلة، فراديس تستدعي كائناتها لتحتفلَ بها، فها هي الراقصة/ شجرةُ كستناء وهي في انسجام مع الرّيح، حيثُ الترانيم، الرعشة، الأناشيد، معزوفة، ولهاث ونشوة عارمة كائنة بينهما، فالرقص مع شجرة كستناء لم يتمّ إلا في الخريف، أيّ أن الرقص لمرة واحدة فقط في السنة، ومع الكستناء، فاكهة العشاق التي لا تُثمرُ إلا على سرير من نار، فاكهة الحبّ والعناق، فهي عناوين تدغدغُ ذاكرة المتلقي، وتُحركُ فيه لواعج طقوس تخصُّ ذلك الكائن الطبيعي والبشري، والذي يتبدى في عناوينه المفردة التي تُحيلَ إلى العنوان العتبة، فالشجرة والخريف يتقابلان ويتشابكان في مشترك دلالي عالي جداً وفي أغلب عناوين المتن الشعري، كما قال امبرتو أيكو في تعريفه للعنوان، “هي قاعدة عليها أن ترنَ دائماً وتخلخل الأفكار لدى المتلقي، بحسب معرفته وثقافته إذ يتباينُ أفق التوقع بين متلقٍ وآخر”، فمثلا عنوانه “نوستالجيا” ترى القراءة فيه أن الشاعر ربما حاولَ أنْ يتخذ من الشجرة أداة فنية للتعبير عن جملة من الأحاسيس والتحولات المختلفة التي تطالُ المكان وكائناتها، كما أنّ اختيار الشاعر لشجرة كستناء دون غيرها، لما لهذه الشجرة من وقع دلالي وإيقاعي على مسمع المرء العاشق لتفاصيل قدوم الشتاء، وتحضيراته، فالمتتبع لعلامات العنوان العتبة في العناوين النّصيّة، لن يمكنه أن يتداركَ الثنائية الّلفظية والمعنوية على مستوى عالٍ بينهما.

III ــ العنوان والمتن النّصيّ:

     ستمارسُ القراءة فعلها في الكشف والبحث من خلال المتن الشعري عن عتبة العنوان الرئيسية، وكيفَ يتأسس الخطاب الشعري للعنوان، وكيف ساق الشاعر هذا الخطاب إلى المتن النصيّ أو البنيّة الّلغويّة، فانتشار العنوان في النّصّ يتوزع بشكل لفظي ومعنوي بدلالاته المتعددة، والاستعانة بمقومات إشاريّة، تأخذ بالقارئ إلى عوالم العنوان الرئيسي، وبحسب قوانين ليوهوك؛ حيثُ يتحكم في العنوان بأنْ يكون ملتزماً بالنّصّ وتكون دلالته قريبة منه لا بعيدة عنه ومكثّفاً ومختزلاً إضافة إلى الوضوح، كما أن تخصيصَ الشاعر لشجرة كستناء بعينها، يُحمّلُ بذلك القارئ مسؤولية البحث عن مسار العنوانبينمفاصل النّصّ، هذا العنوان بشقيه اللفظي والدّلالي، وأن يتواصلَ مع النصوص بحثاً عن الكستناء، وكذلك قراءة مدى انتشار العنوان الرئيسي في النّصّ سواء بشكل مباشر أو على نحو غير صريح، “فهل النصّ الموازي/ عتبة العنوان، يُشكّلُ جزءاً من النصّ أم هو مجرد عتبة وذيل وهامش وتكملة، هل هو جزء من الفضاء الداخلي للنصّ أم أنه مجرد كلام غفل يتموضع خارج حدوده”([10])، ولأنَّ العنوان تركيب ممتدّ/ طويل، فإنَّ الشاعر حرصَ على أن يوزعَ كائنات عنوانه الرئيسي، بشكل مؤتلف ومختلف بآنٍ واحد، حيثُ انتشار العنوان جاء بشكلٍ منفرد ولفظي في كامل جسد النّصّ، والقراءة تتبعت هذا الانفراد في النصوص الموزعة مثل “شجرة، الكستناء، ترقص، الرّيح، الخريف”، وهذا الانتشار المنفرد هو انتشار صريح لفظي ومباشر، كما أنّ العنوان بكامل كائناته سكن أحد العناوين الدّاخلية، وكذلك النصوص لم تسكن بعيدة عن عنوانها، فالنص ما قبل الأخير، عنونه الشاعر بــ “شجرة كستناء تراقصها رياح الخريف”([11])، ولم يكتفِ بذلك إنما أنهى النّصّ الشّعري وختمه بالعنوان نفسه، وهو ما يسمى بالعنوان المزدوج الانتشار، فالعنوان “يتكرر على نحو صريح باللفظ نفسه؛ الانتشار المباشر وعلى نحو غير صريح؛ الانتشار غير المباشر وهذا يكون أما بالفعل، الاسم أو الضمائر”([12])، وبذلك فالنصوص تسكنُ قريبة جداً من عنوانها، ولم تبتعد كثيرا عن حقولها ووحداتها الدّلاليّة، فكائنات نصوصه من الطبيعة “الفراشات، الندى، السهول، السناجب، حبات البندق، ثعالب الغابة، حقول الذرة واليقطين”، كلّ هذه الكائنات تتشارك بموضوع و وحدة لغوية فيما بينها، فالتعالق بين العنوان والنص، كما أشارت القراءة في الأعلى، تجلّى بلفظه وبمعناه، فعلى كامل جسد النصوص، يكرر الشاعر جملة من المفردات، تُشكلّ المعجم الخريفي ” شجرة، الأصفر، شحوب الخريف، ستائر الخريف، الرماد الأصفر، وجه الريح، آيات الخريف، آهات الخريف”.

 وكما يحضرُ العنوان بدلالاته الكثيرة، فالشاعر يحتفي بقدوم الخريف، وبقدوم الرّيح، سواء في حضوره أو غيابه، وكذلك في نصه الموسوم بـ “ثرثرة” ثمّة ما يشدّ القارئ، فالثرثرة نوعاً من الرقص؛ وهذه الثرثرة تتركُ الشجرة عارية كما الرقص، فالشاعر يمكنه أن يكون حاضراً؛ فهو الكائن/ الشجرة في علاقته مع الخريف ومع الرّياح، إذ يشهدُ الشاعر كلّ هذه الكائنات ويؤرّخ حركتها ضمن زمكان يحضره، فكلّ ما يطال الشجرة، يطالُ الشاعر أيضاً، فهو في حالة من التطابق معها، وإلا فلولا الخريف ولولا الرّيح والشجر، لما تمكنَ الشاعر من إنتاج هذه النصوص المؤتلفة مع الخريف، فالنصوص تتأسس على علاقة بين كائنات هذا العالم، الشاعر، الشجرة، الرّياح، الأوراق، والشاعر يختلق نصوصه من رحم الخريف، هذا الخريف الطازج في لونه، إغراءاته، نشوته، وحركته اليومية المألوفة، في نصوص يقود الشاعر فيه الزمكان، في حالة خضوع تام لهذا الانسجام بين كائنات الطبيعة، في نشوة دائمة مع لذّة الانتشاء، فينتشر المعجم اللغوي للعنوان، ويحضرُ بشكل فعّال ومُغر في النصّ، ومكثّف وبإيحاءات لن يبذلَ القارئ جهداً حتى يستشفَ معانيها، ومن خلال القراءة في فضاء النصوص الشعرية، ولاستجلاء روابط ومدى تعالق العنوان والنصوص الشعرية، يمكنُ للقراءة أن تخوص بين هذه النصوص، للتدليل على العنوان، في النصوص التي تنتشي بالمشهد الخريفي وعوالمه “أوراق الخريف، وصايا الخريف، نهارات الخريف، معزوفة الخريف، رسائله الصفراء، الخريف يكتب سيرته، المدى الأصفر، أشجار الخريف، يفتح دفاتره على الطرقات كلما مرّتْ الرّيح”([13])، وفي نصّ “توجّس “يقول الشاعر:

“أضعُ رأسي على صدرها

أجسُّ صمتها وأسمعها

حين تتنهدُ بأنفاس الخريف

الغابة”([14]).

 فالاستعارة هنا في النص لا تنأى بعيداً عن الاستعارة في العنوان، فللغابة قلب وصدر ينبض، كما للشجرة خصر وجسد تراقصها رياح الخريف، فهل الشجرة هي الشاعر نفسه، هل هو الذي يرهفُ السمع لهمس وريقات الخريف “، حينما يسدلُ ستائره الصفراء، أرهفُ السمع لهمس وريقاته، لتهطل روحه، ورقة ورقة”([15])، هو الشاعر بعينه، وإنها شجرة الكستناء، كلّ ذلك قرباناً للرّيح التي ستأتي وستغيّر من مسار الشجرة وتعانقها وتراقصها،  وضمن علاقة تتجاور وتتكامل بين الطبيعة والكينونة، الطبيعة المتمثلة في شجرة كستناء، وريح الخريف وبين كينونة الفرد وحاملها هنا الفعل (يرقص)، لربما أراد الشاعر في إشارة طارئة أن يشيرَ إلى تلك العلاقة المتأرجحة بين الإنسان والطبيعة، تلك العلاقة التي تنأى بروحها عن الأشياء، فلا تكتمل حتى تتهاوى كالرّيح، لرغبة عميقة في أن يستحضر هذه الروح ويعيدها للطبيعة، ويعيد معها هيبتها، في مقاصد عميقة لإنسانية المرء، التي باتت منفلتة عن أصولها، تدمير للوجود نفسه:

“لم يلقِ وجهه حين أبصرَ المرايا

من فرط حنينه نسيّ ظلّهُ

غائب والنسيان غيبوبة الحنين

لا متاهة تدلّهُ عليه

قضى المتاهات وحشةً في خياله

بل كان يترقبُ التقاط الدّهشة

من طرقات ليست له

منذ أن كانت خطاه تعزفُ لحن عزلته

بينما تتساقط الأمكنة”([16]).

وكأنّ الشاعر يُراهنُ على علاقة تنتصر للطبيعة، ليُلغي القطيعة بينهما، ففي نصه المعنون بـ “معزوفة”، يحفلُ النّصّ بدلالة العنوان؛ فالرقص كما وردَ في العنوان؛ لابُدَّ أنْ يرافقه عزف/ موسيقا/ لحن ما، وبالعودة إلى النّصّ، تجدُ القراءة؛ إنَّ الشاعر يتبنى بنسب عالية ما يوحي إلى عنوانه “الإيقاع، العري، الثّمِلة، والرقص سيودي إلى مضمار النشوة:

 “على إيقاع الدّهشة

كانت تتعرى

تنثر وريقاتها الثمِلة

بالندى وعطر الخريف

ووحدي كنتُ أعانق الرّيح

منتشياً بهطول الفراشات”([17]).

يقول الشاعر: “أعانقُ الرّيح”، وكأن ثمّة مشاعر كانت مغلقة، وبدأ الشاعر يفتحُ عليها نوافذه، فانفلتت منه، يقول أعانق الرّيح، من يقصد الشاعر في ذلك العناق الحاصل، هل هو نفسه من يعانق الرّيح، أم يقصد الشجرة التي تعانق الرّيح؟ ونلاحظ أن الشاعر لم يكتفِ بشجرة كستناء في تناوله لها في نصوصه، والتي وردتْ وبتكرار لفظيّ في بعض النصوص، كما في نصيه “وعود من الخريف ـ رياح اكتوبر”([18])، إنّما أيضاً لشجرة البندق نصيب في هذا المحفل، تحضرُ هي بحضور الرّيح، وبحضور الشاعر؛ يحتفي الجميع معاً بالخريف. وفي نصه الموسوم بـ “مزاج” يشتغلُ الشاعر على الإشارة والتحضير للقاء بين الرّيح والشجرة، والضمير “لـها” هنا تعود للشجرة على نحو مؤكّد، فمزاجها مزاج الريح، وخصرها خصر الراقصة، يمدُّ ظلّهُ للسماء “ولها مزاج الرّيح، لها خصر راقصة يهتزُّ على إيقاع الرّهبة، تخلعُ رداءها في وجه الغيب أجنحةٌ تطايرت في فصل التبعثر، …. مددتُ ظلّي إليك وظلّك يمدُّ ظلّهُ للسماء”([19])، وكذلك تحضرُ مفردة الرّيح في نصه الموسوم بـ “دهشة”، حيثُ الرّيح في طريقها لشجرة الكستناء، مكونة حقلا دلاليّاً، ووصفاً جماليّاً لمجيء الخريف؛ إذ يستمدُّ معانيه من خطاب العنوان في بنيته وتركيبه فيما يتعلّق بالرّيح:

“على أطراف أصابعها

كانت تمشي الرّيحُ بين الغابات”([20]).

وفي نصه “أنخاب الخريف” لا تفتأ كائنات العنوان تتبادلُ الاستعارات مع تجليات العنوان، ولأنّ “العنوان والنّصّ يشكلان بنية معادلية كبرى ـ العنوان: النّصّ”([21]) يقول الشاعر متمعناً في تفاصيل الخريف والذي ينعته بـ “الذّهبي العجيب”، وجدليّة العلاقة مع الشقراء/ الشجرة التي اعتراها ألق الحبّ/ حبّ الخريف، فتقمصت روحه وأخذت ظلّه:

“لهذا النّشيد المنبعث من شهقاتكِ

 لحنٌ يُسقطُ كلّ أوراقك المتبقية على أغصان الشجر

 تعالَ لنحتسي نخبك

 لنتلذّذ بنبيذك المعتّق

 كأسُكَ يا الذّهبي العجيب”([22]).

وليؤنسن الشاعر الرّيح، وبلغة انزياحيّة، يخلق لها كينونتها وسيرتها الذاتية، ولها إيقاع تنفتحُ في وجه الشجرة، ولا يتحكم في العلاقة بينهما فقط حدثُ الرقص، وإنّما العلاقة قائمة على الاستمرارية، وعلى مجموعة من المتراكمات، والشاعر يُشكّل الجزء الأهم في ذلك:

“تتنهدُ بحسرة الرّيح

 تشهقُ أبجديتك بوحاً وناي

 إيقاعاً لسيرتك الذاتية

وعيناك مغرَوْرَقةٌ

في خريفك الأصفر”([23]).

واستناداً إلى هذه العلاقة المترامية والمنبسطة بين العنوان الرئيسي والنصّ، ولأن الشاعر حاضر بذاكرته المتجددة، فهو في تماس مع علاقة الكائنين معاً، أو بديلا على لسان الشجرة، يقول في نصّهِ “أطياف صفراء”، مؤكّداً على نشوة العلاقة مع الخريف وأداء شعائره:

“أنا وإيّاك أيها الخريف

نتدحرجُ بنشوتنا

على طرقات المدينة

كلّ عامٍ في مثل هذا اليوم

كلّ عام … وأنت نديمي

أيّها الماتعُ الأصفر”([24]).

يمكن للقراءة الاكتفاء بالنّصين الأخيرين من المجموعة؛ حيثُ خلاصة خطاب العنوان، فالقارئ/ المتلقي سيُحيلُ النصين إلى كائنات العنوان، فكلّ حقل دلالي و وحدة تركيبية من العنوان، يمثّلُ نصّاً بعينه، كما أنّ وظيفة العنوان تتمثّلُ؛ بإنّه “يُظهر معنى النصّ، ومعنى الأشياء المحيطة بالنّصّ، فهو من جهة يلخصُ معنى المكتوب بين دفتين، ومن جهة ثانية، يكون بارقة تحيل على الخارج، خارج النّصّ”([25])، إذ عنونَ نصّهُ بذات عنوان العتبة بـ “شجرةُ كستناء تراقصها رياح الخريف”، حيثُ دلالة العنوان تتجلّى بأكمله لوحةً منسجمة، فالشجرة تتجهزُ للرقص، ووصفه لها، هو توصيف لأنثى بكامل أنوثتها ورقتها وجمالها وشفافيتها، أنها شجرة الكستناء التي أصابها السُكر والعُري، وهي تتمايلُ على لحنِ الرّيح القادم إليها، أمّا العنوان بشقه وتركيبه الثاني، فتمثّلهُ الراقصة/ الرّيح، وبذلك يكتملُ مشهد إغواء الشجرة ودهشتها.

“تتوارى من فرطِ نشوتها

كلما طوّقتها الرّيح الراقصة

لتتساقط كلّ ثمارها

دهشة وغواية

شجرة الكستناء”([26]).

IIII ــ بمثابة خاتمة:

     بنصٍّ اشتغلَ فيه الشاعر على غواية العنوان/ العتبة، وفاعليته الممّتدة كنصٍّ موازٍ، يؤدي دلالات ومقومات موضوعية تربطه بالنصّ، ضمن سياق متناغم وجمالي بين النصوص والعناوين، بين العنوان العتبة والعناوين الداخليّة، والعنوان العتبة والمتن الشعري، تمكّنَ الشاعر أن ينقلَ قارئه/ متلقيه إلى أفق خطاب العنوان وبلاغته، وراهن على ذلك بعنوانٍ بعيداً عن أيّ قطيعة دلاليّة، وما ذهبَ إليه محمد فكري الجزار في تعريف العنوان “قد يكون كلمة ومركبا وصفيّا ومركبا إضافيّا أو جملة فعليّة أو اسميّة وقد يكون أكثر من جملة، وتتكافأ كلّ صور التنوع التركيبي”([27])، قد فتحَ المجالَ للقراءة أنْ تتوغلَ في تضاريس العنوان، وتلجَ رمزيته التي تأسست على شيء من المجاز والاستعارة التي وظفها الشاعر، وذلك لإنتاج عنوان شعري بليغ، ويكونَ تأشيرة للدخول إلى خبايا النصّ وعناوين متنه، بمجموعة من الأدوات الإجرائيّة، وبلغة مرنة/ شعرية/ إشارية تنتجُ الصوت والصورة.


([1]) ـ بدر السويطي: شجرة كستناء تراقصها رياح الخريف، دار دراويش للنشر والترجمة، بلوفديف ـ بلغاريا، الطبعة الأولى 2020، (شاعر وكاتب عربي مقيم في المانيا، صدرت له ثلاث مجموعات شعرية باللغة العربية، الفتى الذي لا وطن له 2008 ـ خطبة الجوع من على منصة الحاوية 2011 ـ بصمات على حائط المنفى 2012، وله في مجال السرد: متسلل نحو المتاهة نصوص سردية 2016 ـ حياة أخرى لضفة النهر اليابس 2018، وصدر له طبعة باللغة البلغارية من ديوانه بصمات على حائط المنفى 2018. 

([2]) ـ نبيل منصر: الخطاب الموازي للقصيدة العربية المعاصرة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء ـ المغرب، الطبعة الأولى 2007، ص45.

3 ـ عالم الفكر: تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ دولة الكويت، العدد الثالث ـ مارس 1997، بحث عن السيميوطيقا والعنونة، د: جميل حمداوي ص99.

([3]) ـ محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص)، الناشر: المركز الثقافي العربي، ط3، تموز 1992، الدار البيضاء ـ المغرب، ص58.

([4]) ـ عالم الفكر: تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ دولة الكويت، العدد الثالث ـ مارس 1997، بحث عن السيميوطيقا والعنونة، د: جميل حمداوي ص106.

([5]) ـ فيليب سيرنج: الرموز في الفن ـ الأديان ـ الحياة، الترجمة: عبد الهادي عباس، الناشر: دار دمشق، دمشق ـ سوريا، ط1 1992، ص296.

([6]) ـ الرموز في الفن ـ الأديان ـ الحياة، مرجع مذكور، ص286.

([7]) ـ الديوان، مصدر مذكور، ص5.

([8]) ـ حسن كريم عاتي: الرمز في الخطاب الأدبي/ دراسة نقدية، الناشر: الروسم للصحافة والنشر والتوزيع، بغدار ـ العراق، ط1، 2015، ص7. 

([9]) ـ “شجرة كستناء تراقصها رياح الخريف”: مصدر مذكور، ص5.

([10]) ــ الخطاب الموازي للقصيدة العربية، مرجع مذكور، ص26.

([11]) ـ كشجرة كستناء تراقصها رياح الخريف، مصدر مذكور، ص83.

([12]) ـ خالد حسين: في نظرية العنوان (مغامرة تأويلية في شؤون العتبة النّصيّة)، الناشر: دار التكوين، ط1، 2007، ص198.

([13]) ـ مصدر مذكور، ص27.

([14]) ـ مصدر مذكور، ص30.

([15]) مصدر مذكور، ص33.

([16]) ـ شجرة كستناء تراقصها رياح الخريف، مصدر مذكور، ص47.

([17]) ـ مصدر مذكور، ص49.

([18]) ـ مصدر مذكور، ص51 ـ 72.

([19]) ـ مصدر مذكور، ص54.

([20]) ـ مصدر مذكور، ص71.

([21]) ـ جيرار فينييه: نقلا عن جميل حمداوي، مرجع مذكور، ص106.

([22]) ـ شجرحدثُ ة كستناء تُراقصها رياح الخريف، ص75.

([23]) ـ مصدر مذكور، ص78.

([24]) ـ شجرة كستناء تراقصها رياح الخريف، مصدر مذكور، ص82.

([25]) ـ عالم الفكر: تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ دولة الكويت، العدد الثالث ـ مارس 1997، بحث عن السيميوطيقا والعنونة، د: جميل حمداوي، ص109.

([26]) ـ شجرة كستناء تراقصها رياح الخريف، مصدر مذكور، ص86.

([27]) ـ محمد فكري الجزار: العنوان وسميوطيقا الاتصال الأدبي/ دراسات أدبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998، ص39.