بقلم الـ د. إبراهيم إبراهيم

يعتبر الشاعر جگرخوين (1900/1903-1984) من رواد الشعر الكردي الحديث، استلهم الكثير من موضوعات شعره من الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للكرد، إضافة إلى قدرته الكبيرة في توظيف التاريخ الكردي واستحضاره، أو تحويل قصائده إلى وثيقة تاريخية، تصف المجريات والأحداث التي عاشها وكان شاهداً عليها، بأسلوب أدبي شيّق، تلك القصائد التي تندد بكل ما ارتكب بحق الكرد من المجازر، وتفضح وتستنكر تلك المشاريع العنصرية التي استهدفت الجغرافية الكردية، ومنها تلك التي قامت بتنفيذها أنظمة الحكم في سوريا، ولا سيما حزب البعث العربي الاشتراكي.

1. الكرد وجغرافيتهم في مرمى المشاريع العنصرية

في عام 1958 شكّلت سوريا مع مصر وحدة عرفت باسم الجمهورية العربية المتحدة، برئاسة جمال عبد الناصر وكانت تلك الفترة انتكاسة للديمقراطية التي سادت في الفترة التي سبقت الوحدة، وبرز الفكر القومي العربي، والذي حاول إلغاء الوجود الكردي في سوريا فمنعت رسمياً المنشورات باللغة الكردية، ومُورست بحق الكرد سياسات تمييزية، كما حدث في عام 1960 مجزرة رهيبة راح ضحيتها العشرات من الأطفال الكرد حرقاً داخل صالة سينما في مدينة عامودا، وباتت الحادثة تُعرف بحريق سينما عامودا، وكان ريع الفيلم مخصصاً للثورة الجزائرية.[1]

لقد كان لاحتكار مصر القيادة ردّة فعل سورية إضافة إلى عوامل أخرى أدّت إلى تفكك دولة الوحدة عام 1961، وأصبحت لأول مرّة سوريا تُعرّف بالجمهورية العربية السورية، وكانت هذه إشارات واضحة لإلغاء القوميات الأخرى غير العربية ولا سيما الكُرد[2].

 في 23 آب من عام 1962 أصدرت حكومة الانفصال في دمشق مرسوماً تشريعياً حمل الرقم (93) القاضي بإجراء إحصاء استثنائي لمحافظة الحسكة ليوم واحد فقط، وتم تنفيذه في 05-10-1962، وجرد بموجبه الآلاف من الكرد من الجنسية السورية، وكافة الحقوق المدنية.[3]

في 8 آذارعام 1963 تمكّن حزب البعث العربي الإشتراكي من استلام السلطة في سوريا، ومنذ البداية أوضح عدائه للكرد وقضيتهم، وقد قدّم الملازم في الأمن السياسي محمد طلب هلال مشروعاً متكاملاً لصهر الكرد في البوتقة العربية، من خلال عدّة إجراءات يجب القيام بها وفق رؤيته، ومنها تهجير الكرد من أراضيهم، ونشر التخلف والجهل بين الكرد من خلال تحريمهم من التعليم، ونزع الصفة الدينية عن مشايخ الكرد، وسد باب العمل، وإنشاء حزام أمني عربي على طول الحدود مع تركيا، وغيرها من الاجراءات  العنصرية التي توضّح هوية البعث وموقفها من الكرد.[4]

باشر حزب البعث بتطبيق ما اقترحه محمد طلب هلال خلال حكم الأسد الذي استلم السلطة بانقلاب عسكري في 16 تشرين الثاني 1970، ومن خلال تنفيذ ما سمي بالحزام العربي وذلك في عام 1973 حيث جُلب عرب من الرقة باتوا يُعرفون بعرب الغمر، وأسكنوا في الجزيرة بعد منحهم أفضل الأراضي الزراعية وأخصبها والتي تم مصادرتها من الكرد.[5]

واستمرت الإجراءات العنصرية بحق الكرد من خلال حرمانهم من التعليم، وفصلهم من المدارس والمعاهد، والوظائف، بذريعة الخطر على أمن الدولة، أو إلزامهم بالانتساب إلى حزب البعث والمنظمات الرديفة له مثل شبيبة الثورة. كما اتبعت سياسة التعريب على قدم وساق، فتم تعريب أسماء القرى والبلدات والمدن الكردية والامتناع عن تسجيل الأسماء الكردية للولادات الجديدة الا بموافقة أمنية، هذا فضلاً عن الإهمال المتعمد للمناطق الكردية من النواحي المختلفة واعتبارها مناطق حدودية خاضعة لممارسات استثنائية.

2. رسم وتوثيق الجغرافيا الكردية:

في قصيدته (Rêberê Me Seydayê Xanî)، يبدأ جگرخوين برسم خارطة للمناطق الكردية في سوريا، محدداً الإطار الجغرافي للكرد، مؤكداً أنّها كردستان، كما يصف التضاريس، ذاكراً أسماء المدن والبلدات، والأنهار، هو مسح جغرافي، وتوثيق للمكان، وجماله، إنه يركّز على “الجزيرة السورية”، ومدنها وبلداتها في بداية القصيدة لينتقل بعدها إلى أمكنة أخرى من كردستان، هو يؤكد في كل تنقلاته تلك على كردية المكان، ويلوم بشدّة هذه المرة أسلاف الكرد الذين لم يدونوا عن جغرافيتهم ولا عن تاريخهم  كما يجب، ولذلك فهو يعطي الشاعر أحمدي خاني أسبقية في الوعي القومي، فيقول:

Di navbera çemê Ferat û çemê Şet;

Cizîrek e zirav û dirêj e, yek xet

Tev çîya û deşt û dar û kanî

Kelat û sera û gund û birc û xanî

Kanîya Ereban Tilebyed û Ras-el-Eyn

Derbasî û Amûd û Qamişlo, Nesîbeyn

Tirbe-sipî Dêrûn û Dêrik û Eyndîwer,

Di gel Hesîça bajarên Kurd in yekser [6]

ولا ينسى جگرخوين توزع القبائل في هذه المناطق، والتي أصبحت أسماء تطلق على الرقعة الجغرافية نفسها، (برازي، ملي، كيكي، دقوري، بينارعلي، سنجقي، آشتي، دشتا هسنان، آلي)، ويرى الشاعر أنّ هذه المناطق كلّها كردية، إنّها كردستان، وطن الكرد المتعددين في أسماء قبائلهم، إنّهم شجعان ولكنهم سيؤوا الحظ، كما أنه ينقصهم الاتفاق والوفاق، ولا يمكن الوصول إلى حل للقضيّة الكردية من غير ذلك، والعدو نفسه يرى في هذا التفكك في الافكار والأمزجة عاملاً مساعداً في الاستبداد والسيطرة، فيقول:

Ev tev Kurd in û Kurdistan welatê wan

Lê bê xîret û bindestin tev mane wek bêgan

Bêzar û xwendin û tarîx tev bêkes

Bê ser û ber in , ne wek Çeçan û Çerkes

Berg û zar û nav û gonê wan sed reng in

Li nav xelkê bê nav û nîşan û dengin

Her êlek çar hezar mêrin bêgoman

Hemî rêncber û cotar û şivan û gavan [7]

أراد الشاعر جگرخوين أن يكون مرآة لمجتمعه، فكانت مآسي الكرد حاضرة في قصائده دائماً، كان يرى في نفسه ذلك الحكيم الذي يدرك مستقبل الأشياء، والواعظ الذي تهمّه حالة الوطن وناسها، فيدلّهم على طريق الصواب والخلاص، ويستغرب من حالة التشرذم التي يعيشها الكرد، وكيف أنّ كل تلك المآسي لم تكن قادرة على توحيد الكرد في سبيل الخلاص، وماذا ينتظر الكرد حتى يصبحوا ذا هدف واحد، لا بد أن يفقهوا واقعهم حتى يتمكنوا من العيش مرفوعي الرأس وبشموخ، وهم يحتاجون إلى عارف يدلهم إلى طريق الصواب، فيقول:

Rojekê bîr nabin ko destên hev bigirin

Ji bona welatê xwe serbilind bimirin

Çiqasî ew mêr in , hewqasî ew merd in

Tev nandar û navdarên nejadê Kurd in

Ji wan re divê yek hozan û yek pispor

Wan bigihînî hev geh bi xwendin û geh zor [8]

ورغم كل ذلك فالشاعر يعرف جيداً أنّ عدو الكرد ليس بهيّن فهو الذي أوصلهم إلى هذه الحالة من خلال سياساتهم متعددة الأشكال، وكل واحدة منها أقبح من الأخرى وأكثر عنصرية.

3. تكبيل جغرافيا الكرد بسلاسل عربية

 من المشاريع العنصرية التي تركت أثراً كبيراً على الكرد ومن نواح عديدة، ذلك المشروع الذي عرف بالحزام العربي، والذي أراد البعثيون من خلاله تغيير ديموغرافية كردستان، وصرحّوا بذلك علانية، وذلك من خلال إنشاء مستوطنات عربية على طول الشريط الحدودي ليكون مانعاً بين تواصل الكرد في كردستان (تركيا وسوريا)، ويقف جگرخوين مطولاً عند هذا المشروع العنصري، وبقصيدة طويلة بلغ عدد أبياتها 156 بيتاً، يتوزع على 14 صفحة من الديوان، عنوانها (Hizam Zinar)، وقد استخدم الشاعر في العنوان المفردتين ذات الدلالة والمعنى الواحد تأكيداً أن المعنيين بهذا المشروع طرفان؛ الكردي الفاقد للحقوق والأرض، والعربي الذي شارك النظام في الاستيلاء على ممتلكات الكرد وأراضيهم الزراعية، فالقصيدة ليست موجهة للكردي فقط، وإنّما لذلك العربي الذي رضي أن يسكن في أرض ليست أرضه، ويأكل ثمراً ليست بثماره، لا بل وكأنّه كان سعيداً في أن يكون هو الأداة لهؤلاء البعثيين الذين فاقوا في عنصريتهم وحقدهم على الكرد أي ّتصوّر.

في هذه القصيدة يؤكد الشاعر أنّ ما يحدث في الجزيرة ليست مزحة، ولا خيالاً، وأنّ ذلك الحزام العربي ليست خرقة أو حبلاً أو ما شابه لشدّ الظهر لبرهة من الوقت، وإنّما هي سلاسل ثقيلة من الحديد، يريدون تكبيل جغرافية الكرد به، ليكون بداية لاقتلاعه من جذروه، وهذا تأكيد من الشاعر على مدى خطورة هذه المؤامرة، وهذه السياسة التي سترهق الكرد لاحقاً.

 إن الشاعر في هذه القصيدة يعرّف المتلقي بالحزام العربي، والجغرافيا التي شغلتها، والأهداف التي أقيم من أجلها هذا المشروع والغاية منه، هي شهادة حيّة عاشها الشاعر بنفسه، وتذوق مأساتها، وشاهد عن قرب هؤلاء المتضررين منها روحياً ومادياً، عدا عن البعد القومي لهذا المشروع، فالشاعر يقوم هنا بوظيفته كمؤرخ اولاً يوثق الزمان والمكان، وكسياسي استنكر وفضح هذه السياسة العنصرية ثانياً، وكشاعر بنى نصّه الشّعري بكلمات تتناسب وأجواء الحدث، (زنار، سلاسل، حديد، اقتلاع، …)، ونظم قصيدته بأبيات قصيرة، موزونة، ومقفاة، وكأنّه أرادها أن تكون أغنية يرددها الناس فتصبح سلاحاً للاستنكار والتنديد بتلك السياسة، وما نتج عنها، فلا يبقى الحدث جامداً كأي حدث تاريخي، بل يبقى على الدوام حيّاً حتى يستمر النضال في سبيل إزالته، وإنهائه، لذلك كان الشاعر في هذه القصيدة ذا أبعاد متعددة، وذا رؤية بحدقة واسعة في اتجاهات عدّة، فيقول:

Ev zinara Erebî

Ku li cizîrê dibî

Ne pişteke çar ta ye

Ne benekî bada ye

Zincîreke ji hasin

Ew tavêjin milê min

Da min ji qurm verakin

Qada min jî leva kin

Kurd nemênin li welêt

Hîzam çiqas li me têt

Ereb anîn gundê min

Min di jmêrin ji dijmin [9]

يدرك الشاعر جيداً أبعاد هذا المشروع، ويعرف أّنّه ليس وليدة اللحظة، بل خطط له منذ أمد وقد تكون سنوات، ولذلك نجده يُطبّق ليس في الجزيرة فحسب بل في أماكن أخرى من كردستان، في كركوك وشنگال، وصاحب المشروع ومنفذه هو ذاته، هو البعث الذي يحكم الشام وبغداد، وأهدافه واضحة، سلب ونهب خيرات كردستان، سواء أكان النفط، أو الثروات الزراعية، ولا ينسى الشاعر الهدف الأساس هو محاولة صهر الكرد وتعريبهم.

هكذا وبتشويق يستمر الشاعر في بناء قصيدته، وبناء الصور الشعرية التي تمنح النص الشعري جمالية خاصة، ولكن يبقى الجانب التوثيقي هو الطاغي على النص ومضمونه، فيتطرق الشاعر إلى تلك المأساة الأخرى التي تعرّض له الكرد، حيث تم تجريدهم من الجنسية الوطنية السورية، وأصبحوا في ليلة وضحاها غرباء عن أرضهم ودارهم، وسميوا بالأجانب، إنّه ملامسة الواقع بكل بؤسه، ويقوم الشاعر برسمه كلوحة مأساوية، أبطالها كرد تسلب منهم أرضهم وأملاكهم وجنسيتهم، وليس ثمة عنصرية أكثر قذارة من هذه، ويدرك المتلقي الهم الذي يشغل بال الشاعر، الباحث عن العدالة الاجتماعية، والباحث عن حقوق شعبه، كما أنّ الشاعر يدرك الهمّ الذي يشغل بال المتلقي، فيقول: 

Pêk anîne sal bi sal:

Li Kerkûk û li Şengal

Basên Bexdad, Basên Şam

Anîn meydan ev hizam

Da petrola min bixwin

Bere dijmin biruxwin

Em sed hezar bê mikûs

Li Cizîrê bê nifûs [10]

إنّ للشاعر قدرة في التأثير وبعمق على وجدان المتلقي الذي يتحول فجأة إلى جزء من النص الشعري، وكأنّه هو المتضرر من كل ماحدث، وهذا ما يُقرّب المسافة بين الشاعر والمتلقي،  وتبرز أهمية الشعر ودوره في محاكاة أحداث التاريخ، وتوثيق الوقائع، فيصوّر الرعب الذي تزامن مع تطبيق هذا المشروع، وما عاد أحد يتجرأ على الاعتراض أو الرفض، بل رضخوا للأمر الواقع، وباتوا مضطرين للخروج من قراهم ومدنهم باحثين عن عمل لتأمين رزق أطفالهم، فتوجهوا إلى المدن الكبرى، ولا سيما بيروت، وهم حائرون في أمرهم، ووضعهم المأساوي الذي يدعو إلى الشفقة، والحزن، فهم في غربتهم لا يجيدون تلك الأعمال المطلوبة منهم، فايّة مأساة هذه، وأيّة شوفينية تتحلى بها هذه الأنظمة التي لا ترى الكرد شعباً، فأين تلك الشعارات التي تنادي بها حول الأخوة والمساواة، إنّهم يكذبون علناً، ويمارسون تلك السياسات التي ترغم الكردي على الخنوع والخشوع، وهم يحاولون أن يصبغوا كل محيطهم بصبغة عربية، ولو كانت النتائج إزالة شعب من جذوره، ثقافياً وسياسياً واقتصاديا ومدنيّاً، إنّها أسوأ السياسات التي عرفها الكرد، من أنظمة لم ترَ سوريا ولا العراق أقسى وأفظع وأكثر نفاقاً منها على مرّ تاريخها، وهم بأفعالهم هذه يظنون أنّهم أسياداً، وأنّهم أصحاب سلطات واقتدار، أما في الحقيقة فيرى الشاعر أنّهم عبيد ليس أكثر، وما ممارساتهم تلك إلاّ دليل على وضاعتهم، وغياب مداركهم الإنسانية، فيقول: 

Yek jî dengê xwe nakî

Heta newêrî bakî

Ji birçîna tên Bêrût

Hemî birçî û pêrût

Dixwazin bibine karker

Lê heq ji kar nayên der

Nakin qêrîn û hawar:

Dijmin qada me tev xwar !

Ev Erebên şovînî

Kurdan milet nabênî

Dibêjin em hevparin

Dijminê koledarin (!)

Lê ew bi xwe koledar

Li me pêçan ev zinar

Divên me bikin Ereb

Bimrin bê sûc û sebeb [11]

ولشدّة تأثر الشاعر بهذه المأساة، فإنّه يستهزأ بتلك الأنظمة، وبأسلوب ساخر يسألهم ما إذا كانت ممارساتهم هذه هي المساواة التي ينادون بها، فأيّة مساواة، وأيّة عدالة هذه، ولأنّ الشاعر يدرك طبيعة هذه الأنظمة الكاذبة، والمنافقة التي تتكلم شيئاً وتمارس شيئاً آخر، فإنها قبّحت بممارساتها كل المصطلحات الجميلة التي تنادي بها الأنظمة العادلة (العدالة، الديمقراطية، المساواة، الإنسانية، …..)، إنّهم يتاجرون بهذه الكلمات، وهم في جوهرهم شوفينيون ومتعصبون، ولا يفقهون إلاّ لغة إنكار الآخر، ومحاولة صهره، ولذلك فالشاعر لا يستسلم، ولا يريد للمتلقي أن يصاب باليأس والخنوع، فيتوعّد بأنّ يوم التخلص من هذا الاستبداد قادم، وهو واثق مما يقول، فتجارب الحياة أثبتت أن الظلم لا يدوم، وأنّه زائل مهما طال، وأنّ الكرد صامدون وسيبقون كرداً، ولن تنجح أية من السياسات الرامية إلى صهرهم وإذابتهم، فهم لن يصبحوا عرباً، ولن يصبحوا تركاً ولا حتى فرساً، هم كرد ولهم خصوصيتهم، وسيناضلون حتى تحقيق اليوم المنشود، ولن يستسلموا أبداً لتلك السياسات، وهم يتذكّرون حدودهم، ولن ينسوا أبداً، فيقول:

Gelo ev e wekhevî (!)

Wey sed qeda pêkevî !

Ne hevparîye, zor e

Tenê dinya bi dor e

Roja me jî demek tê

Em guh nadin vê xetê

Em ne gelek nezan in

Em sînorên xwe zanin[12]

هي حالة تحدّ يعلنها الشاعر ضدّ تلك الأنظمة، مؤكداً لها بأنهم سينتصرون وأنّ كل تلك السياسات غير قادرة على ثني الكردي لخوض غمار المعارك من أجل الحرية، وأن كردستان سيبقى وطناً للكرد، وبأنهم سيحاكمون تلك الأنظمة على سياساتهم وأفعالهم، ولن يرحموهم أبداً، وسينتقمون منهم بكل ما يستطيعون، (العين بالعين واليد باليد)، فيقول:

Welatê me Kurdistan

Wer namênî kolistan

Çav bi çav û dest bi dest

Çendan me ev ne dixwest

Lê dijminê me pir hov

Me nabênin wek mirov[13]

يدرك الشاعر الوحشية التي تتحلى بها تلك الأنظمة، لذلك لا بدّ من التحدي، فالوطن وطن الشاعر ووطن أجداده، ولن يتّمكن أحد من مجابهتهم سوى هؤلاء الأبطال الشجعان الذين اتّخذوا من الجبال أمكنة لهم، يراقبون الوطن ولا يتأخرون في الدفاع عنه إذا ما تطلّب الأمر، وثمة شيء آخر لا بدّ منه أيضاً؛ وحدة الصفّ الكردي، الذي سيجلب النصر للكرد دون أدنى شك، فيقول:

Ev gernasên ser çîyan

Eger rabin ser piyan:

Zû dest biavêjin tiving

Bi gernasî bikin ceng

Roja em dest bidin hev

Bi dest wa nakevî rev

Tenê ew gunehkar in

Li ser me koledarin [14]

يستمر الشاعر في توثيق كل ما تزامن مع تنفيذ مشروع الحزام العربي، وما تمخّض عنه من نتائج انعكست سلباً على المجتمع الكردي، كما وانعكست على بنية العقل الكردي ككل، فازداد التنافر الكردي والصراع الأخوي، والذي ما كان الشاعر يرغب به ولكنها واقعة مفروضة على الكرد، فالعدو يلعب هذه اللعبة، ويجيدها بإتقان، فيقول:

Çiqas pîs  û nezan bûn

Li ser me xanedan bûn

Em kiribûn gurên har

Tev ji hev re bûn neyar

Bi xenceran diçûn hev

Kuştin hebû, nebû rev

Talan û çîr û hawar

Dizan malê me tev xwar[15]

إنّ عدوّ الكرد الذي سيُحاسب ذات يوم على كل ذنوبه التي اقترفها وفق رؤية الشاعر، هو ليس الشعب بل الأنظمة التي تحكم، ولإبلاغ المتلقي أنّ الشاعر جگرخوين لايريد القتال والحروب فإنّه يوجّه خطابه إلى الشعب العربي ويخبره أن الكرد والعرب ليسوا خصوماً وإنما الأنظمة هي التي تلعب لعبتها في الإبعاد بين الشعوب، حتى تتسنى لها السيطرة وسهولة الإدارة، فرغم الخصومات بين النظامين البعثيين السوري والعراقي فإنّ ثمة ما يجمعهم، كالديكتاتورية والاستبداد، والتسلط، وإنكار الآخرين، وكل طرف يحاول استغلال الكرد لصالحه، يريدون منه أن يكون عسكرياً وفياً له، ينفذ مايريد، ووقت ما يريد، ولكن الشاعر يعي جيداً هذا الأمر، لذلك يقول أنّ هذه الحيل السياسية حتى الحمير باتوا يعرفونها، وأنّ كل تقرب من قبل العدو إلى الكرد هو مصلحة وقتية، يراد بها تنفيذ مآرب، وغايات تعود بالنفع على العدو، ولذلك لا بدّ من الوعي، وفهم ما يجري، وأن لا ينساق الكرد وراء الأوهام والوعود، فيقول:

Em ê alî we bikin

Bi Tirkan re hevrikin

Win ji me pir nêzî kin

Em karin we xwedî kin

Bibin weke saziman

Em ê çêkin Kurdistan !

Lê ev xapên eşkera

Nakevin serên kera[16]

إنّ جگرخوين من خلال هذه القصيدة أراد أن يعطي وصفاً طويلاً ودقيقاً للكرد وواقعهم والأنظمة التي تحكمها، وكيفية تعاملهم معهم، واستطاع بإتقان ان يتوغل في الواقع الكردي والتاريخ الكردي ويزاوج بين الاثنين، ليتمكّن من أخذ العبر، والتّمكن من رسم مستقبل أفضل، وقد استطاع أن ينقل إلينا صورة العدو الذي يرغب بتغيير معالم الكرد، وممارسة سياسة ممنهجة في تغيير ديموغرافية كردستان، وتغيير أسماء الأماكن والأشخاص، ليصبغ وطن الكرد بألوان عربية، غريبة عما اعتاد عليه الكرد، محاولة تعريب الزمان والمكان والإنسان، وهذه من السياسات التي تميّز فيها البعث السوري والبعث العراقي، ولكن لن يبقى الواقع هكذا كما يريدون، ودورة الحياة مستمرة، فالفصول تتغير، والعشب ينمو رويداً رويداً ويخرج من بين الصخر معلناً عن اخضراراه ونيله ضياء الشمس، هكذا سيكون الكرد، سينتصرون، وسيفرحون، وسيصرخون بأعلى أصواتهم، رافضين العبودية محيين الكرد وكردستان، فيقول:

Navên me tev guhertin;

Da bibêjin, ne Kurd in

Lê bizane, ey neyar:

Zivistan çû, tê bihar

Ew giyayê bin kevir

Şîn tê rojek diçî der

Bijîn Kurd û Kurdisan!

Nema dibî kolistan ![17]

وإذا كان موضوع القصيدة هو الحزام العربي، إلاّ أن الشاعر يرى فسحة واسعة يستطيع من خلالها أن يصف الواقع الكردي في مناطقه المختلفة، ليس الواقع الاجتماعي فحسب ولكن الواقع السياسي، والفكري، والاقتصادي، ويفضح سياسات الدول التي تتقاسم كردستان، وألاعيبهم، واتفاقياتهم، ورغباتهم التي تريد إزالة الكرد وكردستان من الخرائط، ومن العقول، وفي كلّ مقطع يحاول الشاعر بثّ روح الحماس لدى الكرد، وإيصال رسالة إلى العدو أنّ الكرد باقون وصامدون ومستمرون في نضالهم، ولا شيء يحيدهم عن هذا النضال، و بصورة شعرية بليغة يصف تلك القوّة التي يتحلّى بها الكرد، فهم قادرون على تفتيت تلك الصخور الضخمة التي ينهال بها العدو على الكرد إلى قطع صغيرة وخفيفة كالقشّ، بحيث لا قيمة لها من حيث الأذية أو التأثير، بل وأبعد من ذلك عندما يصف الكرد بأنّهم بعنفوانهم، وصمودهم ونضالهم يتحولون إلى أسود الشرق قاطبة، فيقول:

Lata we ew kirî pûşt

Baran lê hat hemî şûşt

Kurd şiyar dibî bi lez

Gavan tavêjî bi bez

Hawîr civat û xebat

Dibin şêrên Rojhilat[18]

إنّ قيام الشاعر بتوثيق هكذا حدث، وبإلهام شعري يجعلنا نقارب بين النص الشعري والوقائع، حيث لم يبتعد الشاعر أبداً عن الحالة التاريخية، بل جاء النص متناسقاً متماشياً والحدث لدرجة أنّ النص الشعري نفسه أضحى نصّاً تاريخياً، وبإمكان المؤرخ أن يعتمده، وإن كانت الصور الشعرية تطغى في أحيان و كذلك انفعالات الشاعر، وهي حالة طبيعية في كتابة الشعر.

– نتائج

إذا كان للتاريخ قوانينه في سرد الأحداث، وللشعر قوانينه فإنّ جگرخوين حاول جاهداً أن لا يستسلم لهذا الأمر، كما حاول جاهداً أن لا يتجاوز هذا الأمر، مدركاً خصوصية التاريخ والأحداث التاريخية، ومدركاً أكثر خصوصية الشعر وجماليات القصيدة، فالشّعر يستطيع أن يبني إيحاءات كثيرة من خلال فضائه الواسع، كما يستطيع أن يولّد أفكاراً لا يستطيع النص التاريخي السردي القيام بذلك، كما أن النص الشعري لجگرخوين استطاع أن يحافظ على طغيانه أحياناً، وأن يكون هو الحاضر وإن كان المعني هو التاريخ ضمن علاقة متوازية ودقيقة.

وإذا كانت علاقة الشعر بالتاريخ وثيقة منذ القدم، فقد أدرك جگرخوين بعمق هذه المسألة، ولم يكن الواقع الاجتماعي فقط هو الشاغل له بل كانت قضايا الكرد وتاريخهم السياسي محط اهتمام الشاعر، ومن موضوعات شعره، فسجّل تلك الأحداث، وتفاصيلها ليكون شاهداً على بعضها وناقلاً لبعضها الأخرى، وباتت العلاقة بين التاريخ وشعره علاقة تفاعلية، لا يمكن لطرف أن يتكئ على الآخر، وإذا كان التاريخ قاسياً بمجرياته على الكرد، ولا يمكن الخروج عن الوقائع المؤلمة التي عاشها الكرد وما زالوا يعيشون، فإنّ قدرة القصائد كانت أكبر، وكانت تقوم بدور إيجابي في التخفيف من وطأة الآلام، وبثّ روح التفاؤل، والتحريض وبث روح الحماس عند الكرد لإشباع مداركهم، وإشباع رغباتهم الروحية التي افتقدوا إليها بسبب عنف ما ارتكب بحقهم، وبحق كل ما يمسّهم، وجعل من تلك الأحداث السردية نصّاً شعرياً بجماليات خاصّة ومفردات استثنائية، قرّب ذلك الحدث إلى النفس، وبات التأثر بها على أشدّها، ولا سيما إذا تدخل الخيال في رسم وقائع ذات بعد روحي على الدوام.


[1] – للمزيد عن حريق سينما عامودا انظر؛

M. Ehmedê Namê, Agirê sînema Amûdê, Ç.1, Weşanên Jîna Nû, Uppsala, 1987.

وترجمتها باللغة العربية؛ ملا أحمد نامي، قصة حريق سينما عامودا، ترجمة: صلاح محمد، منشورات مركز عامودا للثقافة الكردية، 2003.

[2] – ديفيد مكدول، تاريخ الأكراد الحديث، ترجمة: راج آل محمد، ط1، دار الفارابي، بيروت، 2004، ص701.

[3] – للمزيد عن الإحصاء الاستثنائي عام 1962، انظر؛ م. أوسي، الإحصاء الاستثنائي في محافظة الحسكة 5/10/1962، منشورات التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا، 2010. 

[4] – للمزيد انظر: محمد طلب هلال، دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية – الاجتماعية – السياسية، منشورات مركز عامودا للثقافة الكردية، 2011.

[5] – للمزيد عن الحزام العربي، انظر؛ عبد الصمد داوود، الحزام العربي في الجزيرة – سوريا (مقدمة، تنفيذ، نتائج)، ط2، 2015.

[6] – Cegerxwîn, Pirîsk û Pêtî, ç.1., Şam 1945, r. 30.

[7] – Cegerxwîn, Pirîsk û Pêtî, r. 30.

[8] – Cegerxwîn, Pirîsk û Pêtî, r. 30.

[9] – Cegerxwîn, Ronak, ç.1., weş. Roja Nû, Stockholm 1983, r. 70.

[10] Cegerxwîn, Ronak, r. 70.

[11] – Cegerxwîn, Ronak, r. 70-71.

[12]– Cegerxwîn, Ronak, r. 71.

[13]– Cegerxwîn, Ronak, r. 71.

[14]– Cegerxwîn, Ronak, r. 72.

[15]– Cegerxwîn, Ronak, r. 73.

[16]– Cegerxwîn, Ronak, r. 80.

[17]– Cegerxwîn, Ronak, r. 81.

[18]– Cegerxwîn, Ronak, r. 81.