المحتويات

مُقدمة. 2

القضية الكُرديّة والقضية الفلسطينيَّة. 2

القضية الكُرديّة والقضية اليهوديّة. 4

خاتمة. 9

قائمة المصادر والمراجع. 10

مُقدمة

أعلم جيداً أن قضية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي معقدة للغاية، وهي ما تزال تشهد تطورات مستمرة منذ أولى الحروب التي دارت بين الطرفين عام 1948. كما وأنني مدركٌ جيداً لضرورة توخي الحذر حين إبداء الرأي بهذا الصراع عموماً وبما يستجد منه بين الحين والآخر خصوصاً. فهو صراعٌ مستمر مشحونٌ بالتناقضات، ولم ينتهِ بعد.

هناك توجهٌ شبه عام في الوسط الكُردي يشتمل على مقارنة القضية الكُردية بالقضية الفلسطينيَّة، كما وهناك توجهٌ آخر مغاير للأول تمأمّا يشتمل على مقارنة القضية الكُردية بالقضية اليهودية – الإسرائيلية.

التوجه الأول ينطلق من عدالة وشرعية القضيتين وأن الكُرد والفلسطينيين شعوب مُضطهدة وأراضيهم التاريخية مُحتلة؛ في حين ينطلق التوجه الثاني من قضية إشكاليّةِ عدم التحول إلى دولة قومية لدى الشعبين الكُردي واليهودي، وكيف أنهما تعرضا للإبادة الجسدية في القرن العشرين. فلا اليهود كان لديهم دولة تحميهم من الإبادة، ولا الكُرد لديهم دولة تحميهم من الإبادة.

كلا التوجهين ينطويان على عدة مغالطات كان جديراً بالوسط الكُردي عدم الدخول في متاهته. سأقف في إطار هذا البحث على بعض تلك المغالطات محاولاً في الآن نفسه توضيح أوجه الشبه والقواسم المشتركة الصحيحة المُنسجمة مع تاريخ تطور وتشكل القضايا الثلاث.

القضية الكُرديّة والقضية الفلسطينيَّة

لا شك أن القضية الفلسطينيَّة قضية عادلة (إنني اتعمد استخدام اصطلاح “القضية الفلسطينيَّة” لتأكيد خصوصيتها الفلسطينيَّة جغرافياً وتاريخياً دون مزجها بالوسط العروبي – الإسلامي)، إلا أنها مختلفة عن القضية الكُردية من حيث الجوهر. الركيزة الأساسية في القضية الكُردية تاريخياً – منذ التقسيم الأول لكُردستان بموجب اتفاقية قصر شرين في العام 1639 بين المملكة الصفوية والسلطنة العثمانية – هي الحقيقة الكُردية. فمسائل العدالة والشرعية في القضية الكُردية لا تتمتع بالدرجة الأولى من حيث الأهمية، فهي قضايا لا يسعى الكُرد إلى إثباتها نظراً للتاريخ الطويل المشترك الذي يجمع الكُرد بالشعوب التركية والعربية والفارسية. فوجود الكُرد في هذه الرقعة الجغرافية أي في كُردستان (الأرض التاريخية للكُرد) لم يكن موضوع الحديث إلا مؤخراً وذلك أعقاب الحرب العالمية الأولى. ولم يبحث الكُرد عن إثبات عدالة وشرعية قضاياهم من المنظور الحقوقي، مع التأكيد على أن ميدان الحقوق بصيغته الراهنة (أي ببصمة الحضارة الأوروبيّة الحديثة) لم يساعد في تقدم القضية الكُردية خلال القرن العشرين قيد أنملة. فالوثيقة الحقوقية الوحيدة المعنية بالقضية الكُردية بصيغتها الحديثة في بدايات القرن العشرين كانت البنود 62، 63، 64 من اتفاقية سيفر من العام 1920، والتي أُلغيت بموجب اتفاقية لاحقة وهي اتفاقية لوزان لعام 1923 (عثمان 2016). وبذلك لم يبقَ ما يمكن تثبيته حقوقياً وإقراره بموجب القانون الدولي أو ما يُسمى حق الشعوب أو حتّى في إطار “علم العناصر الثلاث” كما صاغه حقوقي الدولة الألماني- النمساوي جورج يلينك (يلينك 1905: 381–420).

كما أن القضية الكُردية لم تكن قضية حقوقية في كل من الدول تركيا، سوريا وإيران. فالجانب الحقوقي للقضية الكُردية يظهر فقط ضمن حدود دولة العراق الحديث. ففي العراق ثمة وثائق حقوقية تُقرُّ بالحقوق السياسية والثقافية الكُردية في إطار الحكم الذاتي. اتفاقية الحكم الذاتي الأولى تعود إلى العام 1970 والأخرى إلى بداية التسعينات من القرن الماضي وذك بعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 688 الخاص بالكُرد عام 1991. كما وشهدت القضية الكُردية في العراق تطورات أخرى مثيرة للاهتمام على الصعيد الحقوقي بعد سقوط نظام البعث عام 2003.

أمّا بالنسبة للجهود المبذولة في الدول سوريا، تركيا وإيران لإقرار الحقوق الكُردية دستورياً فقد باءت جميعها بالفشل. فالقضية الكُردية في الأجزاء الكُردستانيّة الثلاث لم تلقَ آذاناً دوليّة صاغية كما في الحالة الكُردية العراقيَّة.

فعلى سبيل المثال: جميع مرافعات عبد الله أوجلان الموجهة لمحكمة حقوق الإنسان الأوروبيّة لم تجلب أية نتائج خاصة بالقضية الكُردية ضمن تركيا. كما أن جهود عبد الرحمن قاسملو أيضاً في دفع المجتمع الدولي لإقرار وتثبيت الحقوق السياسية والثقافية للكُرد في إيران باءت بالفشل. أمّا في سوريا فلم تغدُ القضية الكُردية موضوع الحديث دولياً إلا مؤخراً في ظل الحرب الدائرة في البلاد، مع الإشارة إلى أنها كانت ولفترة وجيزة على أجندة الاستعمار الفرنسي إبان حركة الاستقلال الذاتي أو ما كان يُسمى حينها أيضاً “بالتحالف الكُردي – المسيحي” عام 1937 (آلسوب 2014: 58 – 61).

إذاً والحال هذه، فإننا أمّام سيناريوهات تاريخية مختلفة فيما يخص القضيتين الكُردية والفلسطينيَّة. فقد تم إقرار تقسيم فلسطين – إسرائيل الحالية إلى دولتين بموجب قانون أممي يعود إلى العام 1947، وقد تَبِعَ ذلك القرار جهودٌ دوليةٌ أخرى خاصة بحل الصراع بين الطرفين، وما تزال هذه الجهود قائمة حتى اللحظة. أمّا بالنسبة للواقع الفلسطيني الحالي فهو “أفضل” بكثير مما هو عليه الواقع الكردي الحالي. ففي الضفة الغربية توجد حكومة مُعترفٌ بها دولياً، كما وهناك اعترافٌ بدولة فلسطين من قِبَلِ 138 دولة في العالم. كما وتتمتع فلسطين بوضع “دولة مراقبة غير عضو” في الأمم المتحدة ولها عضوية كاملة في اليونسكو وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. كما أن حماس كحركة سياسية مُقابلة لمنظمة التحرير تنفرد بحكم قطاع غزة منذ قرابة 14 عاماً من النواحي كافة.

وعليه، فإن وضع الفلسطينيين مختلفٌ تماماً عن وضع الكُرد. فإسرائيل لم تمنع اللغة والثقافة العربية أبداً، وتعترف بمنظمة التحرير الفلسطينيَّة مُمَثِلةً للشعب الفلسطيني بحسب اتفاقية أوسلو. أمّا في تركيا فقد كانت اللغة الكُردية ممنوعة والتحدث بها يُعتبر جرماً يُحاكم عليه القانون التركي، كما ومنعت الحكومات التركية المتتالية ،منذ تأسيس الجمهورية مطلع عشرينات القرن المنصرم وحتى بداية الألفية الثالثة ، الثقافة الكُردية. عدا عن أن إنكار الوجود الكُردي كان الخطاب السائد في تركيا حتى أمد قريب. فتركيا الجمهوريَّة لم تكن تعترف بوجود الكُرد أصلاً وتعتبر كُرد تركيا أتراك الجبال فقط لا غير.

أمّا في سوريا ومع صعود حزب البعث إلى السلطة في سنة 1963 فقد تعرض الكُرد للتهجير القسري والاضطهاد السياسي على نحو مُكثف. كما ومُنعت اللغة والثقافة الكُردية، وعاشت المناطق الكُردية في وضع أسوأ من وضع المُستعمرة من النواحي كافة. أمّا في إيران فلم يكن الأمر مختلفاً كثيراً. ففي عهد الشاه قُمِعَتِ الثورات الكُردية (انتفاضة سمكو شكاك 1919 وإعلان جمهورية مهاباد 1946) وفي عهد الثورة الإسلامية الشيعيّة ازداد الوضع بالنسبة للكُرد أكثر سوءاً.

أوجه التطابق بين القضية الكُردية والفلسطينيَّة تتلخص في أمرين أثنين هُما: واقع الاحتلال والاضطهاد المُمَارس مع ضرورة التمييز بين حجم وتبعات واستمرارية الأمرين. ففي الواقع الفلسطيني شمل الاضطهاد الجوانب السياسيَّة بالأكثر، كما أن إسرائيل لا تحتل غزة ولا الضفة الغربية. أمّا في الواقع الكُردي فالاضطهاد يشمل الجوانب اللغوية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والحقوقية كافة. كما أن الدول المُحتلة لكُردستان – من منظور الحركة القوميّة الكُردية قديماً، وخصوصاً تلك الحركات التي كانت تنادي بتحرير وتوحيد كُردستان كاملةً – تحتل كُردستان من خلال سلطتها المركزية، وما على الكُرد إلا مقاومة تلك السلطات وإعادة أوصال كُردستان المُجزأة . أمّا واقع الحراك القومي الكُردي فمختلفٌ تماماً عما كان عليه من قبل. فالحركات السياسية الكُردية تُطالب اليوم بإدارات ذاتية وحكم ذاتي محلي في الدول التي يعيش فيها الكُرد. فالحزب الديمقراطي الكُردستاني – إيران على سبيل المثل يطالب بإيران ديمقراطيّة فِدراليّة. أمّا الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا فتسعى لنفس المطالب مع تأكيد التعدديَّة الإثنيَّة والدينية للإدارة الحالية وتطوراتها المُستقبلية. الجهود ذاتها نلاحظها في تركيا أيضاً. فحزب العمال الكُردستاني هو الآخر يسعى لتثبيت واقع مُشابه لما تسعى إليه القوى الكُردية في كل من إيران وسوريا. الاختلاف الوحيد هُنا يظهر مرة أخرى في الجزء الكُردي ضمن دولة العراق الحاليّة. فالكُرد في جمهوريّة العراق الفِدرالية يتمتعون بحكم ذاتي مُوسع منذ سنوات طويلة وقد سعوا منذ فترة وجيزة من خلال استفتاء شعبي عام لإعلان الاستقلال عن العراق وتشكيل أول دولة قومية كُردية مُكتملة الأركان في المنطقة.

القضية الكُرديّة والقضية اليهوديّة

 والآن سنأتي لمناقشة التوجه الثاني المعني بوضع كُلٍ من القضيتين الكُرديّة واليهوديّة في إطار واحد.  

بداية عليَّ التبيان جيداً أننا في هذا السياق نتحدث عن اليهود بصفتهم شعب تعرضوا للإبادة الجسديّة والثقافيّة والتهجير القسري منذ قرون، على عكس الكُرد. ومن الناحية الزمنية سأقتصر هُنا على مناقشة واقع الشعبين خلال القرن العشرين والحادي والعشرين على نحو مُوجز مع إعطاء لمحة تاريخية .

قضيّة التحول إلى دولة قومية لدى اليهود تبلورت على نحو جاد من خلال نشاطات المنظمة الصهيونيّة العالميّة نهايات القرن التاسع عشر وحتَّى العقد الثاني من القرن العشرين. فقد تعرض اليهود في أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية لإبادة جسدية واسعة، عُرفت في الأدبيات التاريخية لشدة هولها “بالمحرقة اليهودية” أو “الهولوكوست”، مارستها ألمانيا النازية على نحو مُمنهج للغاية. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وسقوط “الرايخ الثالث” أصبحت حاجة اليهود الناجين من الإبادة (Shoa) لتأسيس دولة تحميهم من إبادات أخرى مُحتملة، مُلحة أكثر فأكثر. وبالفعل فقد حققت الصهيونية بوصفها ايديولوجيّا قومية النجاح على درب التحول إلى دولة. حيث كانت تسود الأوساط اليهودية الأوروبيّة آنذاك توجهات أخرى مغايرة للصهيونيّة وكانت التناقضات قائمة بين مختلف شرائح اليهود الأوروبيين. فمنهم من كان يرى على سبيل المثال ضرورة اندماج اليهود ضمن المجتمعات الأوروبية الديمقراطية، والتعايش مع الأوروبيين وفق أُسس السلم الأهلي والمجتمعي.  

بالنظر إلى سياق تحول اليهود إلى دولة يتضح لنا على الفور أنه مختلفٌ تماماً عن ماضي وراهن القضية الكُردية. فالحركة السياسية القوميّة اليهودية أسست لدولة إسرائيل على أرض لا يسكنها يهود بأعداد كبيرة، ما يُنافي بالمقام الأول – من المنظور الحقوقي على أقل تقدير – مبادئ “علم العناصر الثلاث” بحسب يليك، واعتمدت في تحديدها واتخاذها لجغرافية فلسطين أرضاً للوطن الجديد على نصوص دينية موجودة في العهد القديم. وحين قَدِمَ اليهود في سياق الهجرات الكبيرة قبل وبعد تأسيس الدولة عام 1948 فلم يجدوا “أرضهم” بطبيعة الحال أرضاً خالية من السكان، فسكنوها. بالعكس تماماً فهذه الجغرافية مأهولة بالسكان منذ قرون.

ما يمكن تأكيده في هذا السياق من أوجه الشبه بين القضيتين هو حقيقة أن كُلاً من الشعبين الكُردي واليهودي قد تعرضا للإبادة الجسدية والثقافية المُمنهجة، إلا أن الاختلاف الجوهري للقضية الكُرديّة عن القضية اليهودية يكمن في مساعي التحول إلى دولة قومية.

فالكُرد وعلى عكس الشعب اليهودي يعيشون على أرضهم التاريخية منذ قرون طويلة وقد أسسوا على هذه الأرض الممالك القوية (مملكة ميتاني حوالي 1450 ق.م، ومملكة ميديا حوالي سنة 850 – 550 ق.م) والإمارات والحكومات وسلطات الحكم الذاتي المُوسعة بشكل مستمر، نذكر منها على سبيل المثال:

1. الحكومة الرواديَّة في أذربيجان (حكمت بين أعوام 844 – 1221 ميلاديّة).

2. الدولة الحسنوية أو ما تُسمى أيضاً البرزيكانية في همذان (حكمت بين أعوام 941 – 1014 ميلاديّة).

3. الدولة الشَّدَّادية في أرّ!ن (حكمت بين أعوام 951 – 1072 ميلاديّة)، وتتوزع أرّان بين جمهوريات أرمينيا وجورجيا وأذربيجان الحاليّة.

4. سلطة الحكم الدوستكية بشمال كُردستان الحالية والتي تُعرف أيضاً بالدولة المروانية (حكمت بين أعوام 961 – 1085 ميلاديّة).

5. سلطة الحكم العنازية في حلوان بجنوبي كُردستان الحالية (حكمت بين أعوام 990 – 1054 ميلاديّة).

6. سلطة الحكم الشبانكارية بفارس (حكمت بين أعوام 1021 – 1259 ميلاديّة).

7. سلطة الحكم اللورية الكبرى في لورستان بشرق كُردستان الحالية (حكمت بين أعوام 1155 – 1423 ميلاديّة).

8. سلطة الحكم اللورية الصُغرى في لورستان بشرق كُردستان الحالية (حكمت بين أعوام 1174 – 1834 ميلاديّة).

9. سلطة الحكم الأردلانية في شرق كُردستان الحالية (حكمت بين أعوام 1220 – 1867 ميلاديّة).

10. الحكومة الملكية الكُردية في خراسان في شرق كُردستان الحالية (حكمت بين أعوام 1245 – 1383 ميلاديّة).

11. سلطة الحكم الزَنديَّة في شرق كُردستان الحالية (حكمت بين أعوام 1753 – 1787 ميلاديّة).

12. سلطة الحكم البراخُوئية في بلوشستان (حكمت بين أعوام 1758 – 1882 ميلاديّة).

هذا بالإضافة إلى عدد من الإمارات الكُردية نذكر منها:

1. إمارة حصن كيفا (حوالي 1335 ميلادية).

2. إمارة سليفاني: والتي ظلت قائمة حتّى مطلع القرن العشرين.

3. إمارة بدليس: (حكمت بين أعوام 1182 – 1847 ميلاديّة).

4. إمارة بابان: (حكمت بين أعوام 1649 – 1850 ميلاديّة).

5. إمارة سُوران: (حكمت بين أعوام 1816 – 1850 ميلاديّة).

6. إمارة بادينان: تأسست هذه الإمارة في النصف الأول من القرن الخامس عشر الميلادي وانتهت منتصف القرن التاسع عشر.

7. إمارة الهكاريَّة: (حكمت بين أعوام 1390 – 1845 ميلاديّة).

هذا فضلاً عن وجود عدد من الدول والممالك الأخرى التي أسسها الكُرد، والتي لم تكن بطبيعة الحال سلطات حكم كُرديّة على أراضٍ كُرديّة. نذكر منها على سبيل المثال:

1. الدولة الأيوبيّة في مصر والشام (حكمت بين أعوام 1171 – 1254).

2. الحكومة السالاريّة في أذربيجان (حكمت بين أعوام 913 – 1029). والجدير بالذكر هنا أن جمال رشيد أحمد ذكر في كتابه “لقاء الأسلاف” أن الأسرة المُؤسِسة لهذه الحكومة ديليمية الأصل (أحمد 1994: 212). في حين يعتبر المؤرخ محمد أمين زكي في كتابه “خلاصة تاريخ كُرد وكُردستان” هذه الأسرة من أصول كُردية (زكي 1939: 82) (الخليل 2013: 239 – 241).

أمّا في العصر الحديث فقد كانت هناك محاولات عديدة لتشكيل كيان كُردي، إلّا أن معظمها قد باءت بالفشل. نذكر منها بحسب التسلسل الزمني على سبيل المثال:

1. ثورة الشيخ عبيد الله النهري (1826 – 1883) عام 1880 في مناطق شرق كُردستان. وقد طالب الشيخ النهري بالاستقلال الذاتي ضمن الإدارة العثمانيّة.

2. ثورة محمود البرزنجي (1881 – 1956) عام 1919. هو الآخر طالب بحكم ذاتي للكُرد في جنوب كُردستان، كما وعين نفسه ملكاً لكُردستان.

3. ثورة سمكو شكاك (1887 – 1930) عام 1919. أعلن سمكو في عام 1920 جمهورية آزادستان المُستقلة، والتي دامت لأشهر قليلة.

4. منطقة الحكم الذاتي ضمن الاتحاد السوفياتي سابقاً والتي عُرفت بكُردستان الحمراء وعاصمتها لاجين. تأسست هذه الإدارة الذاتية عام 1923 ودامت حتّى عام 1929.

5. ثورة الشيخ سعيد بيران (1865 – 1925): كان يترأس الشيخ بيران جمعية آزادي لتحرير كُردستان، وقد بدأ الثورة المُسلحة عام 1925.

6. عصيان وانتفاضة آغري بين أعوام 1926 – 1930 والتي سعت لتحرير كُردستان.

7. انتفاضة سيد رضا (1863 – 1937): قاد سيد رضا في سنة 1937 في منطقة ديرسم بشمال كُردستان عصياناً مُسلحاً ضد الدولة التركية لانتزاع الحقوق السياسية والثقافية الكُرديّة.

8. جمهورية مهاباد: أسسها القاضي محمد (1893 – 1947) في شرق كُردستان. دامت إحدى عشر شهراً.

9. ثورة أيلول 1961: ثورة مُسلحة دامت لعدة سنوات، قادها المُلا مصطفى البرزاني (1903 – 1979) من جبال كُردستان. انتهت بإعلان الحكم الذاتي في جنوب كُردستان عام 1970 (بيري 2020: 4 – 8).

أمّا الشعب اليهودي فقد عاش قطيعة زمنية طويلة الأمد فيما يخص الاستيطان على “أرضه التاريخيّة”. وأولى مساعي التحول إلى دولة قومية جاءت في وقت كانت التناقضات في الشرق الأوسط في أوجها. فهندسة الدول القوميّة المُستحدثة بعد الحرب العالمية الأولى على يد القوى الاستعماريّة اقتطعت للشعب اليهودي أيضاً أرضاً تستوطنه وهي نفسها أيضاً الدول (بريطانيا وفرنسا) التي حرمت الشعب الكُردي من الاحتماء في ظل دولة قوميّة خاصة به. فهذا الواقع الجديد الذي اقره الاستعمار الأوروبي للشرق “حَمَا” اليهود من إبادات أخرى قد يتعرض لها في حال لم يحتمِ في ظل دولة قومية، وزج بالكُرد في الوقت نفسه في حضن دول قوميّة مُستحدثة مارست بحقهم شتى أنواع الإبادة الجسدية والثقافية وأفظعها على الإطلاق.

 يقول عبد الله أوجلان واصفاً الإبادة الثقافية التي تعرض لها الكُرد ما يلي: “ومن بين الشعوب المُعرضة للإبادة الثقافية، يمثلُ الكُرد حالَ الشعبِ الذي يعاني من ويلاتِ هذه الإبادة الثقافية بأكثر أشكالها لفتاً للأنظار. فبينما يُفرضُ اجترارُ الألم على الشعب الكُردي ضمن آلية الصَّلبِ التي تَنصبُها الدولُ القوميّة المُسيطرةُ وتُسَلَّطُها على جميع قيمه الثقافية المادية والمعنوية، فإن مواردَ الغنى، التحتية منها والفوقية، والإرث المجتمعي بأكمله – وعلى رأسه قيم الكدح – يُعرَّضُ للسلبِ والنهبِ المكشوفين، ويُتركُ الباقي يواجهُ المحوَ والبطالة والعطالة والتفسخ، ويُجعَلُ قبيحاً، ويُقحمُ في وضعِ لا يُطاق وبمنأى عن النظر إليه. كأنه لم يبق سوى طريقٌ واحدٌ أمّام الإنسان الكُردي: الانصهارُ في بوتقة الدولةِ القوميّة المُهيمنة” (أوجلان 2018: 35).

لا يمكن وضع الكُرد واليهود بالنظر إلى الحقائق التاريخية التي أفرزت واقع الشعبين في الإطار نفسه ووصفهما “بضحايا الحرمان من الدولة القوميّة”، ذاك الحرمان الذي زج بهما في جحيم الإبادة. فمن حَمَا اليهود من الإبادة أرغم في الآن نفسه الكُرد على التعايش معها قرناً من الزمن.

علاوة على ذلك فإن دولة إسرائيل بوضعها الراهن لا تشبه كُردستان المرجوة أبداً. فكُردستان بوصفها الأرض التاريخية للكُرد منذ أقدم العصور ظلت مأهولة بالكُرد حتَّى اللحظة، وقد كانت وطناً، ليس للكُرد فحسب وإنما لمجموعة من الشعوب الأخرى التي عاشت على هذه الأرض وخاضت حروبها عليه وولَّدت التناقضاتِ وراكمتِ الأزمات التي لا تنفك قائمة إلى الآن. ثم أن لاسم كُردستان دلالة سياسية وتاريخية في حين أن لإسرائيل دلالة دينية محضة. فكُردستان كأرض للكُرد معروفة في السجلات التاريخية منذ القرن الثاني العاشر الميلادي. وقد ظهر هذا الاسم بوصفه أرضاً للكُرد خلال حكم السلطان السلجوقي سَنجر (نيكيتين 2001: 69). عدا عن وجود إشكاليات جَمَّة حول تكون وتطور الشعب اليهودي. فهناك آراء مُثيرة للاهتمام في هذا المضمار تنفي وجود شعب يهودي بالأصل وفقاً للمعنى المُتفق عليه والرائج الآن في الأوساط.

فلو ألقينا نظرة على كتاب أستاذ التاريخ المُعاصر بجامعة تل أبيب شلومو ساند “اختراع الشعب اليهودي” سنجد آراء راديكاليّة جديرٌ بالمرء الوقوف عندها. ولأنني لن أخوض هُنا نقاشاً من هذا النوع ولن أقارن ما قاله ساند وبما قاله آخرون من آراء مغايرة لكيلا تكون الرؤية من وجهة نظر واحدة، فسأكتفي بالإشارة فقط إلى بعض الجوانب التي أثارها ساند في كتابه الآنف الذكر، لأتخذ منها مادة مقارنة فيما يخص الحالة الكُردية.

عليَّ بداية تلخيص ما جاء في الكتاب لتوضيح الصورة على نحو أفضل. يرى ساند أنه ليس هناك وجودٌ تاريخيٌ للشعب اليهودي بالمعنى المتفق عليه إجمالاً، بل ثمة مجموعة أقوام يهوديّة، وهي تتمتع بثقافات مختلفة لا يجمعها سوى الشعائر والطقوس الدينية المشتركة.

ويعتمد ساند في تعريفه للشعب على معنى سائد في علوم الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والقائل: بأن مصطلح “شعب” يُستخدم للدلالة على مجموعة بشرية مُعينة تجمعها مجموعة خصائص ثقافيّة مُعينة من مثل: اللغة والأدب والموسيقى والفن وشروط ثقافيّة أخرى، وهي ما لا تتوفر في مجموعة الأقوام اليهودية.  فهو يرى أن الشعب اليهودي “اختراعٌ” صهيونيٌّ بحت لا يمتّ للحقيقة التاريخيّة بصلة.

ويوضح ساند فكرته بطرح مثال الثقافة. حيث يؤكد على عدم وجود ثقافة مشتركة بين اليهود القاطنين في دول مختلفة. فلا شيء يجمع يهود ألمانيا بيهود المغرب على سبيل المثال من النواحي اللغوية والثقافية والفنية كافة. كما ولا توجد ثقافة مُشتركة متكاملة بين يهود العراق ويهود فرنسا وهكذا. بالإضافة إلى ما ذُكر يتناول ساند شرطاً آخر خاص بتحديد وتعريف مصطلح “الشعب”، وهو مسألة الانحدار من جذر مشترك أو أصل واحد. فهو يرى أن ما دأب مروجو الحركة الصهيونيّة على ترويجه فيما يتعلق بأصل الشعب اليهودي وأرضه فلسطين، الذي طُرد منه سنة 67 ميلادية من قبل الإمبراطوريّة الرومانية في عهد القيصر تيتوس محض أسطورة، لا تُثبتها أية أدلة تاريخيّة دامغة. ويُناقش ساند في كتابه أيضاً أن الديانة اليهوديّة كانت في البدء ديانة تبشيرية وقد انتشرت على إثر ذلك في منطقة الشرق الأوسط، إلا أنها سرعان ما انكفأت على نفسها وانحسر تأثيرها (ساند 2011).

إذاً والحال هذه، فنحن أمام واقعين مختلفين. فالشعب الكُردي المتحدث بالكُرمانجيّة مثلاً يتمتع بخصائص ثقافية مشتركة كثيرة من مثل: اللغة والأدب والموسيقى وثقافة الطعام واللباس أيضاً. فسكان مدينة ديريك الكُرد الواقعة أقصى الشمال الشرقي في سوريا يتحدثون بنفس لكنة سُكان مدن جزيرة بوطان الواقعة في تركيا ومدينة زاخو الواقعة في إقليم كُردستان العراق. ثلاثة مدن في ثلاثة دول يتميزون بالخصائص الثقافية نفسها. وإذا ما اتجهنا من ديريك غرباً بمحازاة الحدود السوريَة – التركيّة سنجد أمثلة أخرى مُثيرة للاهتمام أكثر. فسكان مدينة قامشلو الكُرد تربطهم بمدن نصيبين وماردين وسائر القرى التابعة لها علاقات قرابة ما تزال قائمة حتى الآن. كما أن المشترك الثقافي واضحٌ لا يقبل اللبس والشك في كل تفاصيله. حيث إن اللغة واللهجة واللكنة (كيفية نطق الأحرف ومخارج الأصوات والحروف) متطابقة، فضلاً عن وجود قواسم ثقافية مشتركة أخرى متمثلة في الأدب والفنون. وهكذا إلى أن نصل عفرين الواقعة في شمال غرب سوريا. فكل مدينة وقرية على الطرف السوري تشبه المدن والقرى الواقعة على الطرف الآخر من تركيا على نحو مُذهِلْ. وتفسير هذا الواقع أمرٌ بسيطٌ للغاية. فهذه البلاد كانت منذ ما يقرب المائة سنة أرضاً واحدة لا يفصلها حدود مُصطنعة وأسلاك شائكة وشريطٍ حدوديٍ مزروعٍ بالألغام.

الأمر نفسه نجده بين المدن والبلدات والقرى الكُردية الواقعة على طرفي الحدود بين العراق وإيران. ما يمكن تأكيده والحال هذه هو تمتع الكُرد في الأجزاء الأربعة بخصائص أنثروبولوجيّةٍ وسوسيولجيّةٍ مُشتركة رغم الحدود الدوليّة المُصطنعة التي قَطَّعت أوصال جغرافيتهم على مدى عقود طويلة، وفي حالة شرق كُردستان قرون طويلة، ورغم شتى أشكال الإبادات الثقافية التي تعرضوا لها حتَّى وقتٍ مُبكِرْ.

خاتمة

يمكن تلخيص ما سبق على الشكل الآتي: ليست هناك أوجه شبه محددة بين قضايا الشعوب الثلاث (الكُرد والفلسطينيين واليهود) ولكل قضية سياسية من هذه القضايا  واقعٌ خاصٌ به وتطورٌ تاريخي مغاير ومختلف عن الآخر. كما أن قضايا العدالة والشرعية وعدم التحول إلى دولة قومية والتعرض الممنهج للإبادة الجسدية والثقافية تحمل في بعض جوانبها القواسم المُشتركة للقضايا السياسية الثلاث بحالتها الراهنة. فما يمكن تأكيده هو وجود واقع يتمثل في أن وطن الكُرد ما زال مُقسماً بين أربع دول قومية، حيث تعرض فيها الشعب الكُردي حتى أمد قريب للإبادة الثقافية والجسدية المُمنهجة. وهناك شعبٌ فلسطيني مُنقسمٌ على نفسه أشد انقسام بين معسكرات ثلاث غير مُنسجمة بالمعنى السياسي: وهي السلطة الفلسطينيَّة في الضفة الغربية وعاصمتها الإدارية رام الله، وحركة حماس الإسلاميّة حاكمة قِطاع غزة، وعرب 48 الذين تحولوا إلى مواطنين إسرائيليين ويعيشون الآن ضمن حدود دولة إسرائيل الحالية. أمّا واقع اليهود كشعب وإسرائيل كدولة قومية لليهود والعرب الفلسطينيين فهو في تطور مستمر منذ إعلان الدولة في سنة 1948 وحتَّى اللحظة. هذه التطورات تشمل شتى مناحي الحياة العلمية، والثقافية، والاقتصادية، وتكنولوجيا الأسلحة، والجيش. فاليهود كواقع شعب يعيش الآن على أرض لن يرحل عنها إلا في حال تعرض للإبادة مرة أخرى فعلاً، وهو ما يستحيل حدوثه في ظل تحالفات إسرائيل الحالية وواقعها المُتقدم على مُختلف الصُعد، في حين أن الإبادة الجسدية ما تزال مُستمرة في الواقع الكُردي، وكانت أخرها الفرمان الرابع والسبعين الذي تعرض لهُ الكُرد الإيزيديين في شنكال بجنوب كُردستان.

قائمة المصادر والمراجع

المصادر العربية:

أحمد، جمال رشيد (1994): لقاء الأسلاف: الكُرد واللان في بلاد الباب وشَرْوان، لندن: رياض الريس للكتب والنشر.

الخليل، أحمد محمود (2013): تاريخ الكُرد في العهود الإسلاميّة، أربيل & بيروت: دار آراس & دار الساقي.

زكي، محمد أمين (1939): خلاصة تاريخ كُرد وكُردستان، القاهرة: مطبعة السعادة.

ساند، شلومو (2011): اختراع الشعب اليهودي، عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع.

عبد الله، أوجلان: مانيفستو الحضارة الديمقراطية: الحضارة الكُردية وحل الأمة الديمقراطيّة، ديرك: مطبعة هركول.

عثمان، فارس (2016): الكُرد بين سيفر ولوزان ]أونلاين[ https://www.medaratkurd.com/2016/01/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D8%AF-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%B3%D9%8A%D9%81%D8%B1-%D9%88%D9%84%D9%88%D8%B2%D8%A7%D9%86 ] 28.05.2021].

نيكيتين، باسيل (2001): الكُرد: دراسة سوسيولوجية وتاريخية، بيروت: دار الساقي.

المصادر الألمانية والإنكليزية: 

Allsopp, Harriet (2014): The Kurds of Syria. Political Parties and Identity in the Middle East, London & New York: I.B. Tauris.

آلسوب، هارييت (2014): كُرد سوريّا. الأحزاب السياسيّة والهويّة في الشرق الأوسط، لندن & نيويورك: أي.بي. تاوريس.

Jellinek, Georg (1905): Allgemeine Staatslehre. Recht des modernen Staates, Bd. 1, Berlin, 2. Aufl.

يلينك، جورج (1905): علم الدولة العام. قانون الدولة الحديثة، المجلد الأول، برلين، الطبعة الثانية.

Pire, Alan (2020): Barzanis September-Revolution 1961. Politische Betrachtung der ersten kurdischen Autonomie, München: Grin Verlag.

بيري، آلان (2020): ثورة بارزاني أيلول 1961. رؤية سياسيّة لأول تجربة حكم ذاتي كُردي، ميونخ: دار غرين.