إنَّ الآخر هو أنا مُلقى في الخارج/ ميرلوبونتي 

بمثابة مقدّمة:

 إنَّ محاولة الإمساك باللحظة الجماليّة والمعرفيّة أمام المُنجز الفنيّ/ التشكيليّ هي خوضٌ وغوصٌ في بحرٍ من الخطوط والألوان والاختلافات في الصورة/ اللوحة الماثلة أمام المتلقي/ وهي إجراء للمقارنة والصلة التي تجمعُ بين عدة جوانب، مع الطبيعة، الفكرة، والمجتمع، طالما كانت الصورة أكثر الأسلحة فعاليّة في وجه الفائض من البشاعة والحروب والدّمار، عندما تتحولُ الصور إلى منافذ للحبّ والحياة، ويبقى الفن بشكله العام والتشكيلي الوجه الجمالي في مواجهة القبح والكراهية.

أولاً ــ الفنانُ وأعماله:

     مهارةُ الفنان ليستْ في ريشته التي تتناغم معها أصابعه فتندلقُ بما يجولُ في ذهنه، بقدر ما هي مهارة أُضيفتْ إليها المعرفة الفكرية والفنيّة التي استوحاها الفنان خلال مسيرة حياة.

وخيرُ من يمثّلُ هذا الحضور الفنّي والمعرفي، في التجربة الكورديّة التشكيّليّة، هو الفنان السّوري الكورديّ، عبد الرحيم حسين/ رحيمو، حيث تخوضُ القراءة في لوحة له بعنوان (موسيقى اللون)، يستوحي الفنان عوالمه التشكيلية من فضاءات مدينة بروكسل بعد عامودا حيث قضى شطراً من حياته، وحيثُ عوالمه المُبطّنة والمرسومة بلغز اللون، وابن مدينة عامودا التي يفتخرُ بها ويذكرها دائماً في كلّ حواراته، وكيف لا وهي المدينة التي شهدت طفولته المُتعبة. تخرّجَ الفنان عام 1991 من قسم التصوير الزّيتي في كليّة الفنون الجميلة بدمشق، والحديثُ يطولُ في تناول تجربة هذا الفنان العاشق للألوان، ولاسيّما السّر الفجائعيّ وراء غلبة اللون الأزرق في أغلب لوحاته، فلا لون يضاهي سماء الشمال السّوري إلا ريشة بين أصابعه بعد حصاد طويل للنحيب.  

لا يتوفر وصف.

ثانيّاً ــ توصيف العمل الفني/ اللوحة:

     اللّوحة التي نحنُ بإزائها، أنجزها الفنان في العام (2006)، واكتسبت تسميتها من علامة سيميائيّة مركبة “موسيقى اللون”، هذا العنوان الذي يسمُ اللوحة ويعطي المعنى لمكوناتها، يكشفُ عن عالم متداخل من الشخصيات والمكان والزمان، أو بالنسبة للمكونات التشكيليّة، مع الكثير من الغموض الذي يكتنفُ هيئة هذه الكائنات التي تشغلُ اللوحة مما يضع المرء على أعتاب تأويلات عديدة.

في اللوحة ــ قيد القراءة ــ ثمة تفاصيلٌ كثيرة تكتنزُ بالتعبيريّة، وقدرة عالية على ترميم الألوان والفواصل بين الشكل والآخر، كائناتها تتسم بالجمال فليس للبشاعة ممرات في اللوحة، ولكن من أينَ يأتي الفنان بوجوه كائناته، ثمّة مشاهد شائهة، حضور إنساني مكثف، كتلٌ لونيّة تتمفصلُ إلى كائنات بشرية تتمركز وسط اللوحة، وثمّة رؤوس ضخمة/ شخوص تنظر من بعيد ومتوزعة في فضاء اللوحة لتعلن عن وجودها، هل ثمة طقوس للفرح أم هي طقوس جنائزيّة تسيرُ في رتل منتظم ثم تتقابل في زاوية ما للوحة؟

ثالثاً ــ سيميائيّة العنوان:

     ستحاولُ القراءة الأخذ بالعنوان لعدة اتجاهات ومفاهيم لربما يمكنها أن تقاربَ هذا العنوان الإيحائي والمركب “موسيقى اللون”، في منأى عن العمل التشكيلي/ اللوحة في قراءة أولى، كما لا يمكنُ قراءة العمل التشكيليّ أو تناول الخطاب البصري للوحة، دون العتبة/ العنوان التي تُشكّلُ اللقاء التفسيري الأول مع العمل، فالعنوان أدبيّاً وفنيّاً يُشكّلُ بوابة التشفير وفكّ التشفير والرّموز. ولأجل قراءة جادة للعلاقات بين بنيات/ عناصر اللوحة تشكيّليّاً ودلاليّاً، والولوج إلى البنيات العميقة للعمل الفني/ التشكيليّ، فالمتلقي بحاجةٍ إلى إعمال نظره وذهنه ومعرفته وإلاّ فثمة عناصر يتوه عنها وذلك اعتماداً على معطيات اللوحة.

وبناء على ذلك لنبدأ بالحد الأول من العنوان (موسيقى) فالموسيقى كفن سماعي والاهتمام العالي به كثقافة سماعيّة قائمة على جملة من الأنماط والأنواع سواء في مجال اللحن، الغناء، أو التّأليف، هو فنٌ يعتمدُ التذوق الإنساني، “فهي ميّزة يكتسبها الإنسان بالمران والتجربة حتى يصلَ إلى الإحساس بالجمال”[1]، فالاتصال هنا بالعمل الفني/ الموسيقي، هو علاقة إنفعاليّة وجدانيّة تُقام بين اللحن وبين المتلقي/ السّامع. وعليه فالموسيقا ظاهرة صوتية بحتة، واللون ظاهرة بصرية، ولكن الموسيقي الأمريكي John Milton Cage ، خالفَ هذه النظرية بمقطوعته الشهيرة الصامتة “أربع دقائق وثلاثة وثلاثون ثانية”، حيثُ حاولَ أن يثبتَ بأنه ليسَ بالضرورة أن تكونَ الموسيقا مسموعة دائماً أو تأتي بطريقة تراتبيّة ولغرض واضح ومُعلن عنه، أو بشكل إبداعي مميّز، بعكس ما تداوله علماء النفس، عندما حددوا مفهوماً للموسيقا بأنه “شكلاً من أشكال توليد التوترات التي نحصلُ بعدها على المتعة”[2]، فالموسيقا “قادرة على نقل العواطف النبيّلة والغامضة”[3]. أمّا (اللون ــ الحد الثاني) في تركيبة العنوان فهو كمفهوم فيزيائي ليس إلا انعكاساً للضوء على اللون الأبيض، فلا ألوان خارجة عن الكائنات إلاّ ضمن الجهاز العصبي، أمّا في الفن كمفهوم تشكيلي فهي التقنية/ العنصر الأهم في العمل الفني/ التشكيلي، ولها قابلية عالية في التغيير من مدلولاتها، وذلك بحسب كل فنان وما تخطه فرشاته، حيث يمكنُ للفنان التشكيلي أنْ يبدلَ من مدلول اللون الأحمر لوناً للحبّ، القتل، القوة والحركة إلى لونٍ لليقظة، الإثارة، والخجل أو السّكون.

واللّون كمفردة في العنوان، من أكثر العناوين التشكيليّة وضوحاً، فهي اللغة التي لا تحتاجُ لساناً يتقنُ الكلام، بقدر ما يحتاج النّاظرُ إلى عينٍ تُبصرُ جيداً وتُدرك ما تراه بوجدانيّة وانفعاليّة، وقد أشار رولان بارت إلى هذه النقطة، مُبرزاً أهمية السنن التي يستندُ عليها المتلقي/ النّاظر في أيّ حكم يُطالُ الصورة/ اللّوحة، ولا حكم لحضور اللغة، وهذا ما أكدّه أيضاً الفنان التشكيلي والإعلامي مخلص الورار “اللوحات عبارة عن معزوفات لونيّة، وبدوري لا أطلبُ من المتلقي أن يترجمها إلى موضوع تعبير وإنّما إلى إحساس يشعر به في داخله”[4]، فالألوان تكشفُ الكائن البشري وتُعرّي دواخله وخباياه، وإن اختلفت في رؤاها وتذوقها ومتعتها الشخصيّة، كما إنّ لكلّ متلقٍ/ ناظر انطباعه الخاص في استيعاب سرديّة اللون.

وفيما يخصُّ علاقة العنوان “موسيقى اللون” مع النّصّ البصري/ اللوحة التشكيليّة، وذلك من خلال الحركة الشّائهة لحركة الفرشاة، والتي تحركت بطريقة توحي للمتلقي/ الناظر بالتموج، وكذلك من خلال اللون والذي يشكّلُ العنصر الأساسي كتقنيّة فنية في الّلوحة؛ فـ “موسيقا اللون” بوصفه عنوناً يعكسُ الزمانُ بالمكانِ، أي الموجة، اللحن، الصوت بالّلون، الخطوط، والنقاط، وهذا ما يمنحنا بعداً زمانيّاً للوحة كما لو أننا إزاء قصيدة شعرية، ولكلّ لون إيقاعه.

بالنسبة إلى “موسيقى اللون”، ترى القراءة أنّ الألوان المُتعددة وتداخل الضوء مع هذه الألوان والحركة الشائهة للكائنات البشرية، هي التي تمنحُ اللوحة بُعداً موسيقيّا، يقول كاندانسكي إنَّ للألوان تأثيراً ثنائيَّ الدلالة: فيزيائي وروحي، فيقولُ في علاقة الألوان بالموسيقا: “الّلون هو الّلمسة، والعين هي المطرقة التي تعزفُ عليه، والرّوح هي الآلة المُتعددة الأرواح، والفنان هو اليد التي عن طريق استعمال هذه اللمسة أو غيرها يؤدي بالرّوح إلى الاهتزاز”[5]، فالموسيقا كما أشرنا مُسبقاً ذات طابع زماني واللون ذات طابع مكاني، وهذا الدمج بين الزمن والمكان منحَ اللوحة بعداً ديناميّاً وحركيّاً، “فالموسيقا هي فن الزمن واللحظة، بينما يستعمل الفن التشكيلي الفضاء بشكل تقليّدي”[6]، وربما هذا ما حتّمَ على الفنان أنْ يُسمي لوحته بـ “موسيقى اللون”،..

ثالثاً ــ سيمياء التّكوينات التشكيليّة:

      هل ثمّة تعالق بين العنوان واللوحة، هل أضاف العنوان “موسيقا اللون” خطوط وإيحاءات مُفسّرة أكثر لولوج الّلوحة واستسهالها، هل فتحَ العنوان الشّرفات للمُتلقي لتتوضّحَ أمامه العناصر/ التكوينات التشكيليّة ومدلولاتها؟!

إنَّ اللوحة التشكيليّة كلغة فنيّة/ كفن مرئي، والموسيقا كفن سماعي/ لامرئي، وتداخلهما معاً، هي عمليّة استفزازيّة للمتلقي/ النّاظر، ولربما شكّل حضور العنوان الزمكاني للوحة دافعاً ليشدّ المتلقي/ الناظر ويدفعه للتّفرّس باللوحة واستنطاقها وذلك تبعاً للمعرفة والذّائقة الفنيّة لدى المتلقي، وخاصة أنَّ “الموسيقا لا تعتمدُ لغة محددة أو هي ليست لغة كما يعتقدُ الكثيرون، فلو كانت الموسيقا لغة لفهمها النّاس بمستوى واحد أو مستويات متقاربة”[7]، أيّ أنَّ إدراك اللوحة الفنية بكلّ عناصرها وتقنياتها التشكيليّة، لن تكون بمستوى واحد لدى كل متلقي/ ناظر، إنّما بمستويات متفاوتة. بناءً على فهمه ووعيه للألوان وللأصوات، فالمتلقي يحتاجُ إلى وعيٍ بصريٍّ يُمكنهُ من الاستعارة، فكما أنّ الموسيقا لعبة الموجة، فاللون لعبة الفرشاة بيد مُبدعها، والمنتج البصري/ اللوحة يخلقُ مشهداً تحاوريّاً بين العنوان والناظر وبين الناظر كمتلقي والّلوحة، إذن القراءة إزاء علاقة ثلاثيّة الزّوايا (العين، العنوان، الّلوحة) ويمكن للقراءة أن توزعها وفق الهرم الآتي:

                                      العين

                      العنوان                        اللوحة                          

 ــ العين/ المتلقي ـ النّاظر: كأداة أساسيّة وفعّالة في التحاور، واللاعبُ المُشارك في تحريك المخيال.

ــ العنوان/ كنصّ لغوي مرئيّ، وبه يحققُ تواجدهُ لدى المتلقي.

ــ الّلوحة/ كنصّ بصري مرئيّ/ لوني، وذلك بحثاً عن الرمز والمعنى والدّلالة، وهكذا فالعنوان يُعدُّ الحامل المساعد بين العين والّلوحة.

هل ثمّة من وشائج بين الموسيقا والألوان، طالما كانا فنين مختلفين في التناول وفي العناصر الفنيّة، عالمان مختلفان أحدهما ولاءهُ للزمن/ الموسيقا، والآخر للمكان/ الفن التشكيلي، وفي أداة التناول، الموسيقا تستسيغها الأذن/ السمع، أما اللوحة تستسيغها العين/ الرؤية، ولعلّ الفنان/ رحيمو أرادَ أن يثبتَ مقولة كاندنسكي بأنّ “هناك علاقة تآلف بين الفنون وخاصة بين الموسيقا والفن التشكيلي”[8].

ثمّة احتفاء بالكائن والألوان في لوحة “موسيقى الألوان”، وقد أصابَ كاندنسكي بقوله “الّلون هي القوة التي تؤثر في الرّوح مباشرة”[9]، وأمام هذا الخطاب اللامرئي، القائم على تفكيك الدواخل اعتماداً على كائنات تتوزع هنا وهناك، بعضها خلفَ سواتر لونيّة، والبعض تمّ تسليط الضوء عليها، وأخرى في الظلّ/ العتمة اللونيّة، عوالم تتضاربُ في ثنايا الألوان فتصدرُ أصواتاً لامُتناهية أمام المتلقي/ النّاظر، “فالمرئي هو ثمرة نزاع حاد على حافة الوجود بين الظهور والخفاء، بين الفجوة التي يبزغُ منها المرئي ويضيء ما حوله وبين الحجب الذي يحاولُ طمس إنارته”[10]، وفعل القراءة هنا، يكمنُ في البحث عن شخوص/ كائنات الّلوحة، ثمّة كائنان، وكأنهما في حالة احتجاب، رؤوس لكائنات بشرية/ ربما رجال ونساء، على طول ومساحة القماش/ اللوحة، وانعكاس الضوء عليها، ولكن ما هو مؤكد أنّ ثمة علاقات واضحة نوعاً ما بين كلّ هذه الكائنات، هناك تجاور وتقابل بين كلّ كائنين، فالمتلقي/ النّاظر إذا ما تمعنّ في الّلوحة جيداً، سيكتشفُ أنَّ الفنان هنّدسَ لوحته بإتقان لوني وحركي وتوزّيع مدروس للتكوينات التشكلية، ثمّة حضور إنساني، ومساحة للبياض، ومنطقة مُحرمة، معتمة ومضاءة. وبناءً عليه يمكنُ أنْ نقسّمَ اللوحة إلى أقسام، أعلى ـ أسفل، أيمن ـ أيسر، ففي فضاء اللوحة/ العلامة المهيمنة، والمُحاطة بكائنات متفرقة وظلال متعددة، ثمة كائنان يتوسطان اللوحة/ المركز، في حالة من التقابل والتموضع، الكائن/ الأنثى في حالة من الضعف والانحناء، وفي الجهة المقابلة، كائن ضخم، متحكم في حضوره، يبدو أكثر طولا وتحكّما فيمن يقابله، وإلا لما هذا الاختلاف الكبير بين الحجمين! ثمّة فكرة يثيرها الفنان، ليعصفَ بذهن المتلقي/ النّاظر، ويسلطّ عليها الضوء، فكرة ينحازُ لها رحيمو، ويريدُ من النّاظر أن ينشغلَ بها، وإلا من ــ هو، هي ــ الكائن الذي يختفي وراء الأنثى وكأنّهُ يدفعها للأمام وللسير نحو جهة ما، بينما هي وكأنها في حالة من اللاوعي، والصمت، أمام الكائن الذي يخفي شيئاً من ملامحه غير الواضحة تماماً للمتلقي/ النّاظر. ولا يبدو منها وراء الستار العاتم الذي يخفي الكثير من مواصفاتها سوى وجهها المُضاء، وكأنّ ثمّة مخاوف تُقوّضُ الفنان/ الكائن الماثل هناك، هل ثمّة ما هو أعمق في العقل الباطن يخشاه الفنان/ الكائن، ولم يتمكنْ من إظهاره، وبدا التكوين شائهاً غير واضح الملامح سوى اللون الذي يبدو عليه، والذي يتخفى وراء أنثى، لا ذاكرة للمكان هناك، يعرضُها الفنان للنّاظر، سوى نافذة بعيدة/ أعلى اللوحة والتي من خلالها تُرسلُ ظلال مُعتمة تُعكسُ على الكائنين في محور اللوحة، عبر درفتين تبدوان  مختلفتين في مساحة الظل، حيثُ إحداها أكثر اتساعاً من الأخرى، ولربّما هذا التفاوت بين الدرفتين أمر يبعثُ على الخوف والقلق، في الوقت الذي يطمأنُ قلب المتلقي، للنور المنبثقِ من الخارج، ولكن هذا الاختلاف بين خطٍ رفيعٍ وآخر يخالفه في ذلك، هو مصدر للخطر والانزلاق، لا يشي براحة ودفء وتوزان. والفنان يفصلُ بتلك الخطوط المتغايرة، بين الكائنات/ الشخوص في اللوحة ذاتها، ويخلقُ جداراً من العزلة والانطوائية بين الطرفين، “الخط يمكنُ أنْ يعبرَ عن بداية أو نهاية كما يمكنُ أنْ يصبحَ حداً فاصلاً بين متناقضين، الليل والنهار، والظّل والنور”[11]. إنَّ مهمة القراءة هي أنْ تترّصدَ كامل المساحة التشكيليّة، كما هي مهمة العين النّاظرة، فـ”البصر ذو طابع تفكيري أكثر من غيره”[12]، يتراءى في العمقِ على زاويتي اللوحة، كائن/ رأس كبير على يمين اللوحة، لصيق الإطار، وبعيداً عن الضوء، ورأس أصغر حجماً على يسار الّلوحة، لصيق العامود، وبعيداً عن إطار اللوحة، كائنان في مواجهة واضحة، وإنْ اختلفت مواقعهما ودلالاتهما، ولكنّ ثمّة تقابل، مساحة تنأى بهما عن عوالم ما لتدخلهما إلى عوالم أخرى، فثمّة عيون تراقب من بعيد، من وراء النّافذة ولكنه يبدو من الصعوبة، أنّ يمسكَ ذلك الكائن بتفاصيل الأنثى في محور اللوحة، بينما الكائن في أقصى يمين اللوحة، والمُدرك لهدفه، يراقبُ بقوة كائنه الضخم هناك، فينكشفُ للمتلقي/ النّاظر، عاموداً مائلا، يبثه من عينه باتجاه الأسفل، في حركة مضطربة، هناك ما يجولُ في بصيرته، سؤالاً يحفرُ في إجابته، فهذه الرؤوس كما هي في وجهة نظر كوبلر “إنّها مرتبطة بشكل وثيق بالجسم البشري الذي يستقبلها، بحكم وجوده قبالتها، وبالجهاز الذي يؤمّن عمليّة تأمّل بينها وبين الجسد”[13]، هناك تعايش بصري بين هذه الكائنات والتي تتبدى للمتلقي، فتُشكّلُ لديه متعة بصرية، والسؤال: لِم كلُّ هذه الكائنات الشبه شائهة، رؤوس متوزعة، شخوص يتحركون من بعيد وفي فوضى؟ إلامَ يعبّرُ الفنان؟ ما الرّمزية التي يبتغيها من كلّ هذا الحضور الإنساني؟ إلاَم يدعو الفنانُ المتلقيَ/ النّاظرَ والحاضرَ أمامَ اللوحةِ؟ هل ثمّة ما يُرتكبُ تحتَ مسميات عُرفيّة، ويودُّ أن يتلقاه النّاظر؟ وإلامَ هذه الصرامة والإرباك اللوني.

هي جملة أسئلة تطرحها لوحة الفنان/ رحيمو (موسيقى اللون) حيث جرى توزيع مكونات اللوحة بشكل متوازن لتأخذُ بأحاسيسِ المتلقي إلى أبعد ما هو من الخطوط والمساحات اللونية والكائنات، التي تُشكّلُ ولابد محصلة حياة، تساؤلات تُقرّبُ المتلقي تارةً لوعي ومدارك الفنان الخفيّة، وتارةً تُضربُ بمخيّلته جدران الّلوحة الملوّنة على كامل البياض، بياضٌ قد لا يعيه، ولكنه يتحسّسهُ جيّداً، وكأنَّ الفنان يغورُ بعيداً في أعماق النفس الإنسانيّة، ويحاولُ أنْ يكشفَ في حالة من اللاوعي، الضجيج البشري وصخب الحياة اللامتناهي، كلّ ذلك في انسجام كليّ مع الألوان المتلاطمة، كمعزوفة لبحر يأخذُ بصياده لشواطئ لا يعلمها، هو فقط يبحرُ ويبحرُ بحثاً عن اللامكان ولكنه آمن ..!!

وهكذا فالقراءةُ أمام لوحةً على شاكلة معزوفة موسيقيّة، ولِمَ لا تكونُ كذلك، طالما في الّلوحة ما يشيرُ إلى هوية العنوان “موسيقى اللون”، فالعنوان كثيمة أدبيّة يرافقُ الثيّمة التشكيليّة،  وإنْ كانت اللوحة في حالة من الفوضى السّرية، الطاغية على كامل مساحة اللوحة، سواء تعلق الأمر باللون أم حركة الكائنات، فهي أي اللوحة حركة لونيّة بجدارة إلى درجة من التماهي، طالما كانت الموسيقا مُحفّزة للمشاعر والرغبات، وعلى تدفقِ موجات لونيّة، وتوظيفها بما يخدم المعنى، فتُبعدُ وتُكسرُ التكثيف اللوني في حالة احباطات تأسستْ عليها كائنات “موسيقا اللون”، وإبداعيّة المُنجز الفني هنا، تكمنُ أيضاً في قدرة الفنان العاليّة على دمجِ التّركيبة المكانية للون مع الخواص الزمانيّة للموسيقا، فالألوان في السياق الخاص تحملُ عدّةَ دلالات، وإنْ لم تُشابه مدلولاتها العامة، وقد دلّت على أهمية عين الناظر في تلقيه وقدرته على تفسير الرسائل المشفرة للتقنيات التشكيليّة، يقول بول كلي بأنَّ “الإنصات إلى اللوحة يكون عن طريق العين”[14]، ولعلّ الفنان/ رحيمو في لوحته هذه استفاد من الترابط بين الحواس السّمعية والبصرية، وهذه إشارة إلى أنَّ ثمّة علاقة بينهما، وهذا يندرجُ تحت مُسمى “تركيبة السّماع الملون”، هذه التركيبة التي تعتمدُ الخبرة وهي “عبارة عن نزعة متسقة للرؤية الدّاخليّة للون خاصة عندما يستمعُ المرء لتردد صوتي محدد”[15]، أيّ بما معناه أن أيّ سلم موسيقي أو موجة صوتية تثير لوناً معيناً لدى المتلقي/ السّامع، أو تثيرُ إحساساً بصريّاً لدى المتلقي/ السّامع، والتي سماها كاندنسكي بـ “ظاهرة الحسّ المرافق”، ولاسيّما أنَّ الألوان تُشكّلُ لغة قائمة على الابتكار، تُجسّدُ جمالَ الوجود وبشاعته، عبرها يمكنُ تشفير الرسائل المُدلجة، واستقراء العلاقات التي لا جدوى منها، أو أن نقول احتفاء بالكائن وانعكاس ما لا يمكنُ تجاوزه في شيءٍ من الغموض، وفضاءات شخوصه غائمة ويضعُ بعضها في زوايا معتمة. فهل اللوحة هي ترجمة للخراب الحاصل في العلاقات الإنسانية؟ إن فعل القراءة هنا محصور بين اللون والإيقاع، دون الانحياز للشخوص الكائنة أو ـ ربما ـ الذّهنية، وذلك بمساعدة ضربات خشنة من ريشة تتقنُ جيداً، كيف تكون لعبة الألوان مع التّأويل، فالألوان تقومُ بوظيفة تواصليّة بين خطاب الفنان الغائم وبين الانطباع الذي سيتشكّلُ لاحقاً لدى المتلقي/ الناظر بفعل القراءة البصريّة، دون محاسبة القراءة لانحيازه إلى اللون الذّكوريّ، والتي تمحورت حولها اللوحة، والبحث عن بلاغة الرسالة الفنيّة التي يريدُ الفنان أن يقدمّها عموماً، كما لا يمكنُ اختزال الموسيقا في مساحة ضيقة أو إخفاءها، لأنّ الصوت يُسمعُ لفضاءات واسعة ومفتوحة، فيقرّبُ الأمكنة، ويخفّفُ المسافات، ومن خلال هذا المنجز الفني/ التشكيليّ، ربما تصلُ القراءة إلى رسائل من ذات رحيمو المبدعة، في بحثه المستديم عن الحبّ والحياة، والذي يتجلّى في عنوان لوحته، وهي دعوة لرحلة بحث عن حقيقة نخشاها، أو نخافها، فنكتمُ على ذواتنا.

رابعاً ــ بمثابة الخاتمة:

    ربّما الاستجابة النفسيّة تختلفُ من متلقٍ لآخر “فإدراك الصورة وعدم وضوح معانيها مباشرة، لا يتمُ إلا على خطوات وبالمصادفة من خلال مبادرات ومراجعات وتخمينات وتساؤلات”[16]، فيتبادرُ لأيّ متلقي/ مشاهد/ ناظر، أمام أيّ لوحة على جدار في معرض فنّي، سؤال تشكيّلي وشائك؛ هل نفكرُ قبل أنْ نرسمَ، أم أن الفكر والرسم متلازمان معاً، هل الفكرة ترافقُ الرّيشة، أم أنَّ الرّيشة تسبقُ الفكرة؟

ما زاد صعوبة عمليّة القراءة السيميائية للوحة “موسيقى اللون”، إنَّ القراءة تمتْ اعتماداً على صورة عن اللوحة الأصل ــ للأسف ــ ولم تقفْ القراءة في مواجهتها بشكل مباشر ولذلك أثر كبير على منتوج القراءة. إلى ذلك يقول جورجيو فاساري: “علينا عندما نحلل عملاً فنيّاً ألا نقوم بدور النّاصح أو المرشد، بل بدور المتبتل المتواضع الذي يتحرى الحقائق المطلقة في الشكل واللون”[17]، فالقراءة النقدية لم تتناول إلا العناصر البصرية للوحة، مع الحفاظ على القيّمة الفنيّة للوحة دون التجهيّز على موضوعها وكينونتها، وإنّ كان إنتاج العمل الفني ليس بمعزل عن علاقات الفنان مع بيئته، وثقافته، فثمّة ربط قوي بين الحياة والذّات، ولا شيء يتولّد بشكل اعتباطي، بقدر ما هي ذاكرة، ماض، تجارب، مضامين ورؤى، وانفعالات خاصة، والمبدع/ الفنان التشكيلي جزء مهم من السّياق الثقافي والاجتماعي وحتى السياسي، ولا يمكنُ فصل العمل الفني عنه، فهو عمل يبحث في المعاني الإنسانيّة.    

فلا يمكنُ للقراءة ــ هنا ــ أنْ تحكمَ على العمل الفني/ التشكيليّ، بشأن انتمائه، أو علاقته مع الواقع من عدمه، أو ارتباطه بحالة من الإبداع الواعي أو اللاوعيّ للفنان، ولربما يختلف هذا كله عن وجهة نظر الفنان ذاته “لأنَّ الصورة يتمُ إنتاجها في إطار اجتماعي وإنساني معين، ويمكنُ أن تختلفَ وجهة نظر أغلبية الجمهور عن وجهة نظر الفنان، وهذا لا يكفي لتسوية الأمور”[18]، وبناءً عليه فقد كانت القراءة مغامرة صعبة المنال في اللوحة التشكيليّة للفنان الرّائع/ رحيمو والموسومة بـ “موسيقا اللون”، ومحاولة لاصطياد دلالات غامضة ومشفّرة ما دامتْ القراءة خارج ورشة العمل، فلا يمكنُ إغلاق الدائرة التأويلية للقراءة.


[1] ـ معجم المعاني الجامع، مفردة الموسيقا.

[2] ـ غلين ويلسون: سيكولوجية فنون الأداء، ترجمة: د. شاكر عبد الحميد، العدد (258)، سلسلة عالم المعرفة ــ 2000، ص291.

[3] ـ مصدر مذكور، سيكولوجية فنون الأداء، ص284.

[4] ـ محمد فؤاد مارديني/ تجميع وتصميم: جدلية اللون والشكل عند مخلص الورار، مارس ـ 2018، ص8.

[5] ـ Wassily kindinsky ، نقلا عن: د. أحمد بوخطة: الشكليّة بين الأدب والفن التشكيلي، مجلة مقاليد، المجلد الأول ـ العدد الأول 2011، ص142.

[6] ـ نفس المصدر السّابق، ص 142.

[7] ـ أسعد محمد علي: بين الأدب والموسيقى (دراسة مقارنة في الفن الرّوائي)، سلسلة كتب شهرية تصدر عن دار آفاق عربية للصحافة والنشر، ص27.

[8] ـ Wassily kindinsky ، نقلا عن: د. أحمد بوخطة: الشكليّة بين الأدب والفن التشكيلي، مجلة مقاليد، المجلد الأول ـ العدد الأول ، 2011، ص141.

[9] ـ نفس المصدر السّابق، مجلة مقاليد، ص141.

[10] ـ خالد حسين: شؤون العلامات (من التشفير إلى التأويل)، دار التكوين للنشر والتأليف والترجمة، دمشق – سوريا، ط1، 2008، ص147.

[11] ـ كلود عبيد: الفن التشكيلي نقد الإبداع وإبداع النقد، الناشر: دار الفكر اللبناني للنشر والطباعة والتوزيع، ط1، 2005، ص138.

[12] ـ جاك أومون: الصورة، ترجمة: ريتا الخوري، الناشر: المنظمة العربية للترجمة، بيروت ـ لبنان، ط1، 2013، ص137.

[13] ـ Kubler ، نقلاً عن جاك أومون، مصدر مذكور، ص213.

[14] ـ Paul Klee ، نقلاً عن كلود عبيد: الفن التشكيلي نقد الإبداع وإبداع النقد، دار الفكر اللبناني للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2005، ص 143.

[15] ـ جلين ويلسون: سيكولوجية فنون الأداء، ترجمة: د. شاكر عبد الحميد، عالم المعرفة، سلسلة كتب شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت، عدد حزيران ـ 2000، ص292.  

[16] ـ أرنولد هاوزر: تاريخ فلسفة الفن، ترجمة: رمزي عبده جرجس، المركز القومي للترجمة، القاهرة ـ مصر، العدد 1272، ط 2008، ص110.

[17] ـ كلود عبيد: الفن التشكيلي نقد الإبداع وإبداع النقد، الناشر: دار الفكر اللبناني للنشر والطباعة والتوزيع، ط1، 2005، ص144.

[18] ـ جاك أومون: الصورة، ترجمة: ريتا الخوري، الناشر: المنظمة العربية للترجمة، بيروت ـ لبنان، ط1، 2013، ص283.