غلاف كتاب "الإعلام والرأي العام الكردي في سوريا" للكاتب علي شمدين

شكل صدور العدد الأول من جريدة (كردستان)، التي أصدرها الأمير مدحت بدرخان في القاهرة بتاريخ (22 نيسان 1898)، نقلة نوعية في أسلوب نضال الشعب الكردي، وتطوراً مؤثراً في أساليب الدفاع عن قضيته القومية والتعريف بها، فتمكنت هذه الجريدة وخلال فترة قصيرة من إستقطاب دائرة واسعة من القراء والمتابعين لها، كما احتضنت مجموعة لايستهان بها من الكتاب والمثقفين والأدباء والشعراء الذين وجدوا في هذا المنبر الإعلامي الكردي اليتيم متنفسا لهم للإعلان عن صرخاتهم في وجه مضطهديهم ومستعبديهم، وإيصال صوتهم المحرّض للمقاومة والنضال إلى الشعب الكردي وإيقاظ وعيه القومي، فكانت هذه هي أول جريدة كردية في تاريخ الشعب الكردي تصدر باللغة الكردية (اللهجة الكرمانجية)، وبذلك عد تاريخ صدورها تاريخاً لولادة الصحافة الكردية، حيث نحتفل اليوم بذكراها الـ(123).

وبهذه المناسبة، وفي الوقت الذي نهنئ فيه جميع العاملين في ميدان الصحافة والإعلام الكرديين،

فإنه يسرنا أن نلقي بعض الأضواء على كتابنا الذي أصدرناه في هذا المجال عام (2013)، بعنوان (الإعلام والرأي العام الكردي في سوريا)، والذي جاء في (264) صفحة من القطع الكبير، تزين غلافيه الأول والأخير لوحتين للفنان (كاميران شمدين)، وضم الكتاب أربعة فصول، وكذلك الإهداء والمدخل والخاتمة ومجموعة من الوثائق والصور المتعلقة بموضوع البحث، فضلاً عن المقدمة التي كتبها الراحل عبد الحميد درويش بتاريخ (01/07/2013).

هذا وقد شملت فصول الكتاب مواضيع مختلفة تتعلق بالاعلام الكردي في سوريا الذي ظل حتى وقت قريب مقتصراً على الصحافة الورقية التي كانت تصدر بوسائل بدائية جداً، ففي الفصل الأول تم البحث في مواضيع (الإعلام ودوره في تنمية الوعي القومي، الخبر الإعلامي بين الجدية والإثارة، الإعلام ووحدة الخطاب الكردي)، وفي الفصل الثاني تم البحث في مواضيع (الإعلام ودلالاته في التراث الكردي، نماذج من الدلالات الإعلامية في التراث الكردي، الإعلام والرأي العام الكردي في سوريا، الصحافة الكردية كلمة حق في وجه سلطان جائر، الصحافة الكردية في سوريا/ جريدة “الديمقراطي” نموذجاً)، وفي الفصل الثالث جاءت المواضيع التالية (الشائعات ودورها في تشويه القضية الكردية في سوريا، ظاهرة “الإغتيال” السياسي في الحركة الكردية في سوريا، “الأنترنيت” وفيروس المهاترات، جكرخوين داعية إلى اليقظة القومية، صلاح بدرالدين ذاكرة محشوة بالأضاليل).

وقد حاولنا عبر هذه المحاور العديدة التي طرحناها خلال بحثنا هذا: (أن نضع الرأي العام الكردي في سوريا الذي مرّ بظروف ذاتية وموضوعية قاهرة، وجهاً لوجه أمام الإعلام الموجه إليه من مختلف الجهات الصديقة للشعب الكردي والمعادية له، الداخلية منها والدولية، المقروءة والمسموعة والمرئية، وحاولنا رصد الخط البياني الذي سار فيه هذا الرأي صعوداً وهبوطاً، وتلمسنا مدى تفاعله مع الرسائل الإعلامية والخطابات المختلفة التي تلقاها الرأي العام الكردي عبر مسيرته.. ص223).

لقد اخترنا لهذا الكتاب عنوان (الإعلام والرأي العام الكردي في سوريا)، وأن: (الإعلام هنا يشمل مختلف قنوات الإتصال الشفاهية والمقروءة والمسموعة والمرئية بمختلف إتجاهاتها، التي تسعى إلى نقل الرسالة من مرسلها ومصدرها باختلاف غاياته وأهدافه، الموجهة بكل الوسائل باتجاه متلقيه في المجتمع الكردي في سوريا، بهدف التأثير على الرأي العام فيه وتوجيهه الوجهة المطلوبه والمساهمة في تكوين وعيه.. ص13)، وكذلك: (يتكون الرأي العام، وبحسب المختصين، نتيجة التفاعل بين مجموعة من العناصر الفسيولوجية والوظيفية والاجتماعية والنفسية المتداخلة بحيث يمارس كل منها أثرها في تكوينه وبلورته، فعندما تظهر مشكلة أو قضية تمس مصالح الجماهير واهتماماتهم سرعان ما يتبلور لهذه الجماهير رأي يطلق عليه الرأي العام.. ص13)، وعلى ضوء ذلك فإن: (الرأي العام الكردي في سوريا عاش منذ تبلوره وحتى يومنا هذا ظروف إستثنائية، وتابع طريقه المتعرج بين الألغام التي كانت تزرعها سياسات القمع والاضطهاد، تتقاذفه الحملات الإعلامية الموجهة نحوه من كل حدب وصوب بهدف التأثير عليه وتوجيهه كل حسب غاياته ومصالحه، فقد واجه الرأي العام الكردي بمفرده وبشكل أعزل ومن دون أن يمتلك إلاّ الوسائل البسيطة، كل هذا الضخ الإعلامي المتطور الموجه إليه من الخنادق المختلفة التي لم تكن تريد لقضيته القومية الخير، وقد ظلّ ولعوامل كثيرة صامداً محتفظاً بهويته القومية بالرغم من الصراعات الداخلية التي كانت تنخر صفوفه وتقسمه بين الحين والآخر بإتجاهات مختلفة وصلت في بعض المراحل إلى حد التناقض، وظلّ كذلك متفاعلاً مع الأحداث والتطورات دون أن ينزلق إلى متاهات سياسية كارثية، أو ينجرّ خلف شعارات مخادعة ظلت تضخها وسائل الإعلام تلك دون هوادة على مدى أكثر من نصف قرن من الزمن.. ص14).

الحقيقة، أن هذا البحث: (هو محاولة متواضعة منا في مجال الكتابة، ولكنها جادة بإعتقادنا، حاولنا خوضها بوجل من أجل رصد واقع الرأي العام الكردي في سوريا، وإلقاء الأضواء على مستوى تفاعله مع الإعلام الموجه إليه من جهات مختلفة، وهي محاولة لم تكن سهلة بكل تأكيد، وقد خبرنا صعوبتها خلال العمل الدؤوب والإنجاز الذي أخذ من جهدنا ووقتنا الكثير، لأنها كانت هي المحاولة الأولى بالنسبة لنا في خوض مثل هذه التجربة في مجال البحث والتأليف، ثم إن بحث كهذا يتطلب الكثير من الوثائق والمراجع والمعلومات التي مازالت المكتبة الكردية تفتقدها وتفتقر إليها مع الأسف الشديد، كما إن موضوع البحث نفسه يعد من المواضيع الهامة التي لم تكن مطروقة كما يجب من قبل المهتمين بهذا الشأن على الساحة الكردية في سوريا، ولهذا ولعوامل أخرى غيرها كان الخوض في هذه التجربة بمثابة مجازفة بالنسبة لنا، وندعي اليوم بإننا إنجزناها رغم ذلك، إلاّ أن القارئ الكريم يبقى هو الحكم الرئيس في تقييم مدى نجاحنا في هذا الإنجاز المتواضع الذي لايخل من النقص والخلل بكل تأكيد، وحكمه هو الأصل والأساس الذي سيكون زاداً لنا للإنطلاق نحو تجارب أخرى أكثر نضجاً وكمالاً.. ص22).

وفيما يلي ننشر نص المقدمة التي شرفنا بها المعلم الكبير الراحل (عبد الحميد درويش)، وقدم بها كتابنا هذا (الإعلام والرأي الكردي في سوريا)، إلى القراء الأعزاء:

(المقدمة)

بقلم: عبدالحميد درويش

الكتاب الذي بين أيدي القراء الكرام، كتاب فريد من نوعه ينشر على الصعيد القومي الكردي في سوريا، فالعديد من الكتب نشرت وتناولت هذا المجال، إلاّ أن الميزة في هذا الكتاب هو أنه يعالج معالجة موضوعية وعلمية المسائل الإعلامية التي تواجه الكرد في نضالهم ومسيرة تنظيماتهم السياسية.

ولما كان الإعلام هو الموضوع الأهم في هذا العصر بالنسبة لجميع المسائل والمواضيع الإقتصادية والإجتماعية، وفي مقدمتها السياسية، فقد إعتاد الناس إستخدام الإعلام لتحسين صورتهم في مجال ما، وهذا حق لكل البشر والمجتمعات والدول والأحزاب، إلاّ أن الجانب السيء في مجال الإعلام هو أن بعض الناس يستخدمون هذا العلم لتشويه صورة الآخرين دونما حق.. ويحاولون تحسين الجوانب الغامضة والمظلمة للبعض من الأمور لدى بعض الناس الآخرين..

إن الكتاب الذي ألفه الكاتب والمناضل علي شمدين هو بحق يحظى بالتقدير والإحترام، كونه يضع بين أيدي القراء مادة في غاية الدقة والأمانة والموضوعية، بعيداً عن التحامل والإساءة للغير.

وعلي شمدين كما أعرفه خلال ثلاثين عاماً كان أميناً على أهدافه السياسية ومبادئ حزبه الذي ناضلت وإياه بين صفوفه، وكان دوماً قدوة لرفاقه، بعيد عن الإزدواجية والمصالح الشخصية..

وأكثر ما لفت إنتباهي في كتابه القيم هذا، هو موضوع (ظاهرة الإغتيال السياسي في الحركة الوطنية الكردية في سوريا)، فقد شكلت هذه الظاهرة خطراً شديداً على الحركة الكردية وعلى الشخصيات المناضلة فيها… وقد أورد الكاتب بعض الوقائع التي حدثت في بعض الأوقات مما يندى لها الجبين.. ومما لاريب فيه هو أن عملية الإغتيال السياسي هي أشد إيلاماً من الإغتيال بالبندقية والمسدس.

والكتاب يضم بين دفتيه أربعة فصول، وكل فصل يحتوي على عدد من البنود والفقرات، وكلها تشير إلى دراسة مستفيضة لجوانب هامة عانت منها الحركة والأحزاب الكردية، وخاصة الفصل الثالث منه، الذي يضم موضوع (الشائعات.. ودورها في تشويه القضية الكردية في سوريا).. وكذلك موضوع الإغتيال السياسي..

وأعطي الحق لنفسي لأضيف على معلومات الكاتب المناضل علي شمدين إضافة واحدة وهي أن ظاهرة الشائعات، وما يؤدي إلى الإغتيال السياسي لم تأت إعتباطاً وهي ليست من صنع جهات جاهلة أو أمية، وإنما كان روادها جهات خبيرة بعلم الإشاعة وتأثيرها على النفوس، وذلك لأن الشائعات وظاهرة الإغتيال السياسي كانت الجهات التي تقف وراءها وتحبكها هي بمستوى عال من الخبرة والعلم والثقافة وإن كانت تستخدم الأميين والجهلة وأصحاب النفوس الضعيفة لتنفيذها.

وإنني أقول هذا لأن الدعاية الكاذبة والتشويه كانت تأتي تباعاً وبشكل منسق وفي كل مرة تستهدف جانباً من الحياة، وتركز على المادة التي يتأثر بها الناس أكثر والشخصيات التي كان لها وزن في الحياة الحزبية والإجتماعية، ولكن لا أطيل في هذه المرة وإنما أدعو القراء الكرام إلى تناول هذا الكتاب القيم والإستفادة من محتواه الذي هو خبرة مناضل وليس طرح كتاب للبيع، كما أدعو رفاقي الآخرين أن يقتدوا به في كتابة تجاربهم ليستفيد منها رفاقهم وأبناء شعبهم.

كل التمنيات الطيبة للرفيق علي، وله الموفقية..