تمهيد

قي هذه القراءة سأتناول رواية “قيبار” للكاتب والقاص والفنان التشكيلي نيروز مالك. وتعتبر هذه الرواية سيرة ذاتية، يخبرنا فيها فتى “قيبار” الذي يأخذ موقع الراوي (=قناع المؤلف) موضوعات شتى، هذه الموضوعات التي تجد نفسها قريبة بشكل أو بآخر من كل السوريين/ات الذين أنهكه(م)ن الفقر عصرئذ، وهو العامل المشترك الذي أسهم دون هوادة في تشكيل حيواته(م)ن إلى جانب موضوعات أخرى كالهجرة والسكن ثم التصادم معه في الحياة اليومية.

من جهة أخرى فإن رواية “فتى قيبار” قائمة على بؤرتين مكانيتين قيبار/عفرين، حلب أما الراوي فيها فهو فتى وهو في الوقت ذاته قناع المؤلف للتعبير عن نفسه وذكرياته وما تشكلت منه شخصيته لاحقاً. الأهم من هذا وذاك هو الخيال، الخيال والفانتازيا اللذان تشكلا في مرحلة مبكرة لدى الفتى إثر حكايات الجدة وهي تحضن الكاتب وتروي له ما يجتاح مخيلتها الأمر الذي أثر في نمو هذه الملكة وتطورها لديه فأبحر في عالمي الفن والكتابة كقبطان متمرس يعلم ما يدور في عالم البحار متأهباً دوماً لمفاجآت ومغامرات. وجدير بالذكر أن مسقط رأس الكاتب قرية قيبار/عفرين حيث اعتاد العيش فيها وألف أزقتها، دروبها، بيوتها وأشجارها أما في السهرات فكانت حكايات القوالين والرواة (التراث الكردي ـ الإيزيدي) التي تشبع فضوله يحلق معها في رحلات جامحة من مجلس جده، حيث كان يعج بهم واعتاد الفتى الجلوس بينهم والاستماع لما يقولونه. قرية “قيبار” تترك في نفس الكاتب الأثر الكبير، يلتزم بالعودة إليها كلما سنحت للعائلة الفرصة لزيارتها فقد هاجر الصبي مع عائلته بحثاً عن مصدر للرزق إذ عثر عليه والده في مدينة حلب متطوعاً في الجيش حيث من حقه الحصول على غرفة في الكامب الذي يشاركه فيها العشرات من الذين وجدوا في التطوع مصدراً للبقاء على قيد الحياة حتى وإن كان الراتب  قليلاً ودوماً يقبضونه متأخراً.

الشعور بالتميُّز والفقر

كانت أولى بوادر الشعور بالتميز بالنسبة للفتى حين عاين الكامب ووجد أنه ينقسم إلى قسمين الأول للضباط على شكل فيلات صغيرة، فيلا لكل ضابط مع أسرته والثاني على شكل غرف سقوفها من التوتياء غرفة لكل جندي مع أسرته. حينما رأى الفيلات كان يتساءل: هل سكان الفيلات يشبهوننا أم لهم أشكال مختلفة عنا؟!

كانت حديقة السبيل تفصل بين فضاءين متضادين: الكامبات والفيلات، هذه الحديقة التي كانت ملاذ الفتى حين تحاصره أسئلة شتى ولا يجد جواباً شافياً لها فيركض إليها ليحصل على بعض السكينة. في الوقت نفسه كان مجتمع الكامب يضم عائلات غريبة لها عادات تختلف عن العادات التي ألفها الفتى أدى وجودها مع بعضها البعض إلى نشوء ألفة بين هذه العوائل وتبادل ثقافي ما فتح عين الفتى وأسرته على أشياء جديدة.

إنَّ ذهاب الفتى إلى المدرسة السريانية وتأقلمه السريع مع أترابه التلاميذ وحبه لمعلمته وعدم استمراره هناك وانتقاله إلى مدرسة أخرى كان الاحتكاك الأول للفتى مع الفقر ومعرفته أنه يتحكم بمصير الإنسان: ” قام أبي، دار حول نفسه دورة كاملة، ثم جلس مقرفصاً فوق حصير ممدد على الأرض، أمسك بعضدي المسبلين إلى جانبي وقال: يجب أن تعرف، نحن فقراء… وليس بإمكاني أن أعيدك إلى مدرسة السريان…”ص58 قول الأب كان كافياً ليحفر عميقاً في ذات الفتى ومؤلماً إلى حد الصمت ليرضى بواقعه الذي أدرك أنه سيكون سبباً في تخليه عن أمور أخرى في الأيام القادمة.

وهكذا فإن الكامب كان مجتمعاً مرئياً لكل ساكنيه لا توجد خصوصية للفرد هناك، فالكل يعلم ما يحدث في تلك الغرف المتلاصقة مع بعضها البعض، الأمر الذي بقي كذلك حتى بعد مغادرة الأسرة للكامب. وحين وصل والد الفتى إلى التقاعد اضطر إلى ترك الكامب مجبراً فهو لم يعد متطوعاً في الجيش وليس من حقه البقاء في غرفة الكامب، سكنت الأسرة في عدة أحواش وكانت تفتقر إلى الخصوصية كما في الكامب فالأمور كلها على بينة لساكني الحوش. الجميع يرى عريك في هذه الأحواش، مهما حاولت أن تداريه، فأنت مكشوف للجيران، حتى أنَّ أدق التفاصيل في حياة السكان يعرفها كل ساكني الحوش.
كان الفتى مدركاً للوضع المادي لعائلته آنذاك فالفقر يلازمها ولا يود أن يفارقها: “أذكر كنت قابعاً في زاوية البيت، وأنا أسمع صراخ الخباز واللحام والخضرجي بآن واحد لقد اجتمع الثلاثة معاً، وراحوا ينوحون من أنهم يريدون أموالهم، ديونهم عن الأكل والشرب الذي قدموه لنا.” ص87. الفقر والفقر ثم الفقر الحالة التي تتحكم في مصير الإنسان وتجعله مكتوف اليدين لا يدري ما الحيلة للتخلص منه يتساءل دوماً متى يكون الفرج؟ متى سيفتح باب رزق ينهي مآسي من يقبع تحت ظله؟!! 

نمو الوعي

صاحب الفتى فتيان الأحواش وفتياتها وكان بالانخراط معهم/ن في الأحاديث يزداد وعياً ونباهة فبدأ بالمطالعة والرسم الهوايتين اللتين بدأتا تتشكلان لديه بزخم ملفت للدهشة، لم يتجاوز الخامسة عشر وقد قرأ لكبار الكتّاب المعروفين ما ساعد في نضوج وعيه ومعرفته، كما إنه كان يرتاد مركزاً للفن التشكيلي مع صديقه حيدر الذي ينتمي إلى مستوى معيشته نفسه ويعاني الفقر مثله، كانا في حوار دائم معاً يذهبان إلى فرن يبعد عن الحوش مدة نصف ساعة ليجلبا منه الخبز الأرخص ويعودان معاً مدة نصف ساعة أخرى ثم يحملان حقيبتيهما ليذهبا إلى المدرسة يتحدثان عن كل شيء إلا الفقر فكلاهما يتحاشى ذكره وكأنه من المحظورات عندهما. ربما حبه للفن التشكيلي نشأ في صغره حين كان يشاهد جدته وهي تنسج من الخيوط والألوان سجاداً يبهر الناظرين/ات إليه، كان يعجب بالصور التي تنسجها أنامل جدته الحنونة على السجاد، فأمسى يرسمها بالطباشير على كل سطح يصادفه، كما ورث من جدته الفانتازيا التي بات ينهي بها كل القصص التي يقرؤها على طريقته، يحاور أبطال الكتاب ويقوم معهم بمغامرات شتى ويضع نهايات أخرى للقصص والروايات بعيدة كل البعد عن نهاياتها وأحداثها الحقيقية.

 الحوش الأخير الذي سكنته العائلة كان لها وحدها، حينها فقط تنفس الصعداء فقد شعر بالاستقلالية والحرية فكل ما في البيت للأسرة دون أن يشاركها فيه ساكن آخر إلا أن الفقر باق يخيم على العائلة وعلى صدره.

الحب

على الرغم من صغر سن الفتى إلا أن مشاعر الحب تنتابه ولم يكن باستطاعته الهروب منه وهو في مواجهة أو احتكاك مع الطرف الآخر، عاش الفتى حين كان صغيراً حالات حب عديدة وشعر بسعادة غامرة حينها، لكن أعمقها كانت مع زينب التي ذهبت بعقله فقد عشقها من كل قلبه يحلم بها كل يوم ويتمنى لو يصادفها في كل مكان يكون فيه، قصة حب جميلة تنشأ بين الاثنين تبدأ بالنظرات والابتسامات التي تجتاح شواطئ الفتى فينكمش على نفسه خجلاً ومن ثم ليعترف لزينب على إثر ضغط منها: ـ ما بك؟… كأنك تريد قول شيء ما، قله… لا تخجل!

 ثم تابعت بصوت خافت، فيه من الموسيقا قدراً لا يستطيع أن يتصوره، تابعت: ـ أتريد القول إنك تحبني؟ شعر بشيء ضاغط على صدره ولكنه، رغم الضغط فتح فمه وقال: ـ نعم أحبك.

ولم يدر كيف قام وركض بأقصى ما يستطيع من القوة هارباً كأنه يهرب من قدر ظالم يريد أن يمحقه محقاً. ص128. لكنْ تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. تُخطب زينب، فيقرر الفتى كتابة رواية عن حبهما وحين ينتهي من الرواية يخبّئها تحت قميصه ويذهب ربما يلقاها مجدداً، يلمحها من بعيد فتأتيه فتاته حزينة، يسلمها الرواية في مفترق تلك الطريق حينها تنفلت دمعتان من عين زينب تضم الرواية إلى صدرها ثم تغيب أما هو فيبقى متسمراً في مكانه لا يزال غير مصدق أنها غادرت ص139.

كما لم يكن له حول ولا قوة أمام الفقر، أمسى ساكناً لا يستطيع أن يحرك ساكناً لاسترجاع محبوبته، التي تمضي نحو قدر مجهول ومن ثم يهنأ بها آخر، سيخطفها منه هكذا دون أن يراعي الحب الكبير بينه ويبن فتاته، سيرضخ لعادات المجتمع التي سحقت حبه كما رضخ مؤخراً للفقر الذي رافقه في رحلة حياته.

“فتى قيبار” من منشورات (الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة ـ دمشق 2009 ) سيرة ذاتية جريئة تعمق الكاتب فيها وأخبرنا عن تفاصيل مهمة في حياته وعن أحداث ووقائع كان لها الأثر الكبير في حياته ومستقبله، رواية جديرة بالقراءة أدع القارئ أن يتجول في تضاريسها ويتعمق في سطورها.