لمحة:

هذا المقال هو ترجمة لفصل من كتاب بعنوان (نساء من أمة بدون دولة: الكرد) باللغة الانكليزية من إعداد شهرزاد موجاب ومن منشورات (كوستا ميسا، كاليفورنيا: مازدا ناشرون، 2001م) ويقع في 263ص، هذا الكتاب هو المجلد الثالث من سلسلة الدراسات الكردية ومؤلف من عدد من المقالات بقلم عدد من الكُتّاب منهم: سوزان ماكدونالد، جانيت كلاين، أمير حسنبور، وآخرون. قامت بكتابة هذا الفصل الدكتورة شهرزاد موجاب وهي ناشطة أكاديمية وأستاذة في التدريس في قسم القيادة والتعليم العالي وتعليم الكبار ومعهد دراسات المرأة والجنس في جامعة تورنتو في كندا.

مقدمة:

مع أن الكرد معروفون بأنهم أكبر أمة في العالم مجزّأة و ليست لها دولة، إلّا أنّ لديهم تاريخ طويل من الحكم السيادي.

ألّف حاكم إمارة بدليس القوية شرف خان البدليسي عام 1597م الكتاب الأول في تاريخ الكرد (شرفنامة) لأن المؤرخين تجاهلوا التدوين عن “حكام كردستان وأحوالهم”، وفقاً لهذا المصدر المشهود على نطاق واسع تتمثل الدولة الكردية بأشكال متنوعة من أنظمة الحكم بدءاً من الممالك (السلطنات) إلى الإمارات شبه المستقلة، تلك الأنظمة استمرت حتى منتصف القرن التاسع عشر عندما استخدمت الدولتان العثمانية والإيرانية القوة العسكرية للقضاء على آخر الإمارات الست الكبرى.

كان النضال من أجل إقامة دولة يقع في صلب تركيز الحركات القومية الكردية خلال القرن العشرين، وقد كانت التجربة الأهم والتي يمكن تمييزها عن تشكيلات الدولة قبل العصر الحديث هي الجمهورية الكردية عام 1946م التي أُنشئت في شمال شرق كردستان التي هي الآن جزء من شمال غرب إيران، حيث يمكن التمييز ليس فقط من خلال شكلها الجمهوري الذي كان يديره حزب سياسي ومجلس وزراء، ولكن أيضاً من خلال نظامه التعليمي الحديث ووسائل الإعلام الحديثة والجيش الوطني والنظام الضريبي والنشيد الوطني والعلم الوطني واللغة الوطنية، إلّا أنّ ما يميّزها بسهولة هو مشاركة المرأة في الحياة التعليمية والثقافية والسياسية.

يناقش هذا الفصل كون ممارسة سلطة الدولة في كلتا الحالتين ذكورية، والواقع أنّ النضال القومي من أجل السيادة مثله مثل القانون الدولي الذي يدعم حق تقرير المصير الكردي (انظر ماكدونالد، هذا المجلد) هو سياسة ذكورية تماما، ويدرس هذا الفصل مساهمة المرأة في المجالات الذكورية التقليدية للسياسة في الجمهورية الكردية ويستند إلى مسح لمنشورات ووثائق الدولة ومقابلات مع رجال ونساء عاشوا في الجمهورية، وقد بيّنت الدراسة تصوَّرَ القادة الذكور للحركة القومية دوراً مناسباً ومشرفاً للمرأة كرموز لدولة عصرية وأمهات الوطن المجيدات، واتخاذَ الحكومة خلال حياتها القصيرة عدة خطوات نحو مشاركة المرأة في الحياة العامة، إذ دخلت النساء الميادين غير المنزلية لدعم القضية القومية ولم تكنّ مجرد ناشطات في حركة نسائية أو قيادات أو كوادر فاعلة في الحزب الحاكم.

قومية أمة بدون دولة

بعد سقوط الإمارات في منتصف القرن التاسع عشر استمرت المطالبة بدولة كردية على جدول أعمال عائلات الأمراء المعزولين، إذ دعا الملا والشاعر الذي هاجر إلى اسطنبول حاجي قادري كويي (1818-1897)م الكردَ إلى النهوض وإقامة دولة لهم كما وشجعهم على استخدام اللغة الكردية، وجمع ونشر أدبهم الشفوي والمكتوب، واكتساب العلوم العلمانية الحديثة، والسماح بتعليم الإناث، والانخراط في نشر الصحف والمجلات. لتظهر مع بداية القرن العشرين مجموعة مثقفة جديدة تلقت تعليمها في المدارس الحديثة التي أنشأتها الدولتان العثمانية والإيرانية، ففي العاصمة اسطنبول وغيرها من المراكز الحضرية الكبرى شارك هؤلاء النشطاء في النشر والعمل التنظيمي. كما شجعت حركة تركيا الفتاة في أوائل القرن العشرين وكذلك الحركات القومية والديمقراطية في أوروبا وآسيا لفكرة أمة كردية حديثة ودولة قومية. ليتوَّج النشاط بصدور أول صحيفة كردية عام 1898م وتلاها تأسيس أول تنظيم سياسي عام 1908م (انظر كلاين، هذا المجلد). إلا أنّ قيادة هذه الأنشطة كانت في أيدي الأرستقراطية المالكة.

تسببت الحرب العالمية الأولى في دمار هائل لكردستان، فقد قامت الدولة العثمانية بعد الإبادة الجماعية للشعب الأرمني عام 1915م بترحيل مئات الآلاف من الكرد إلى غرب تركيا مما أدى إلى لقاء الكثيرين حتفهم قبل وصولهم إلى وجهتهم، وأدت هزيمة الإمبراطورية في الحرب إلى تقسيم جزء كبير من أراضيها بين القوى الأوروبية وإنشاء الدولتين الجديدتين في العراق وسوريا من قبل بريطانيا وفرنسا وبالتالي تقسيم كردستان العثمانية بين الدول التي تم تشكيلها حديثاً وتركيا. وعد المنتصرون في الحرب بإقامة دولة كردية في معاهدة سيفر عام 1920م، لكن تعافي العثمانيين من الهزيمة قبل تشكيل هذه الدولة وقيام القوى – التي أعاد مصطفى كمال تنظيمها- بإنشاء سلطة فعالة فيما تبقى من الإمبراطورية (أي في أراضي تركيا الحالية) أدى إلى تغيير توازن القوى ليتم استبدال معاهدة سيفر بمعاهدة لوزان التي لم تذكر إنشاء دولة كردية، ويتم إعلان تركيا جمهورية بحلول عام 1923م التي سرعان ما بدأت في الدمج القسري للكرد في النظام العرقي القومي الناشئ.

استمر النضال الكردي من أجل السيادة تحت حكم الدول المركزية المشكلة حديثاً في سنوات ما بعد الحرب، إلّا أنّه تم قمع سلسلة من الثورات الكبرى التي حدثت بين عامي 1925م و 1942م في إيران وتركيا والعراق بشدة. قاد الزعيم الديني والإقطاعي الشيخ محمود حكومة مستقلة وصلت إلى السلطة أوائل العشرينات من القرن الماضي في ظل الاحتلال البريطاني والانتداب على العراق، وقاوم القيود التي فرضتها عليه بريطانيا وأعلن نفسه ملكاً على كردستان، لكن حكومته كانت شبيهة بالإمارات القديمة المنظمة إقطاعياً رغم وجود مجلس الوزراء والجيش المدرّب جزئياً الصحافة الحكومية ، إلا أنه لم يكن هناك حزب سياسي، وكانت السلطة بيد الشيخ محمود والطبقة النبيلة الإقطاعية المعيّنة من قبله إلى حد كبير، ولم يطرأ أي تغيير على حياة النساء والفلاحين الذين شكلوا غالبية السكان.

كان لإعادة تقسيم كردستان آثار متضاربة على تطور الكرد كأمة، فبينما كان الإقطاع والقبلية سائدين في ريف كردستان، كان المجتمع الكردي في أرمينيا السوفيتية يمر بتحول اشتراكي في منطقتهم المتمتعة بالحكم الذاتي (1923-1929)م في ناغورنو قره باخ. وبينما عرّضت تركيا وإيران الكرد لأقسى أشكال الإبادة اللغوية والعرقية، منح الانتداب البريطاني في العراق تحت إشراف عصبة الأمم الكردَ حرية استخدام لغتهم في النشر والتعليم الابتدائي. رغم أن غالبية الكرد البالغين كانوا أميين حتى وقت قريب، إلا أن أكراد الاتحاد السوفييتي أصبحوا متعلمين بالكامل بحلول الثلاثينيات. عاش الشعب الكردي منذ عام 1918م تحت حكم أنظمة سياسية متنوعة: من الانتداب الفرنسي (في سوريا: 1920-1946م) والبريطاني (في العراق: 1920-1932م) إلى الملكية العلمانية (في إيران: 1925-1979م، والعراق: 1932- 1957م)، الحكم الديني (في إيران منذ 1979م)، والأنظمة الجمهورية العلمانية القومية المتطرفة (في تركيا منذ عام 1923م، والعراق منذ عام 1963م، وسوريا منذ عام 1963م).

عندما تم إنشاء أول حكومة مستقلة من النمط الحديث وهي الجمهورية الكردية عام 1946م في إيران، كان المجتمع الكردي في الغالب ريفياً مع نظامٍ ناشئ من العلاقات الإقطاعية وتشكيلات قبلية قوية وإن كانت آخذة في التراجع، وسكان حضريون يتزايدون ببطء وباستمرار، وبرجوازية صغيرة وتجارية، ونخبة مثقفة مدنية ناشئة، إلّا أنّه لم يكن هناك أي أثر للتنمية الصناعية الحديثة وطبقة العمال إلا في صناعة النفط على أطراف كردستان في كركوك وكرمانشاه (كرماشان بالكردية). أدى تجزؤ الحركة القومية بسبب حدود الدول القومية إلى زيادة تعقيد مشروع الحركة القومية الكردية لبناء الأمة والدولة.

قيام وسقوط الجمهورية الكردية

بدا تشكيل دولة كردية في ظل الظروف الجيوستراتيجية الموضحة أعلاه مستحيلاً، لكن الحرب العالمية الثانية غيّرت توازن القوى في المنطقة وخلقت ظروفاً مواتية للحركة القومية في إيران، فبعد فترة وجيزة من هجوم ألمانيا على الاتحاد السوفييتي عام 1941م قامت قوتان متحالفتان هما بريطانيا والاتحاد السوفييتي بغزو إيران من أجل استباق الاحتلال الألماني للبلاد التي كانت تميل في عهد رضا شاه نحو ألمانيا، حيث احتلت القوات السوفيتية شمال إيران بينما سيطر البريطانيون على الجنوب ليفصلهما منطقة عازلة صغيرة.

رحب أكراد شمال كردستان (شمال شرقي كردستان-المترجم) جزئياً بوصول الجيش الأحمر لأنه أدى إلى التفكك الفوري لأجهزة السلطة لدولة رضا شاه – وهي الشرطة والجيش والدرك- مما أدى إلى ظهور الوعي القومي بين الكرد والأتراك الأذربيجانيين المجاورين مع إضعاف الدولة البهلوية، وقد كانت قوات الاحتلال السوفييتي ملتزمة باحترام سلامة أراضي الدولة الإيرانية طالما أنها احتلت البلاد أثناء الحرب، وكانت مهتمة أيضاً بالحفاظ على النظام في كردستان وأذربيجان اللتين استخدمتهما بريطانيا والولايات المتحدة كطريق لإرسال مساعدات حيوية إلى ساحات القتال من ستالينجراد إلى لينينغراد، وهكذا لم يشجع الاتحاد السوفييتي القومية الكردية أو الأذربيجانية خاصة من عام 1941م إلى عام 1945م، إلّا أنّ القوميتان الكردية والأذربيجانية شهدتا نهضةً رغم هذه القيود.

كانت الولايات المتحدة حتى قبل نهاية الحرب تساعد شاه إيران الجديد في بناء الجيش والدرك، وكان الناس في جميع أنحاء إيران يناضلون من أجل الديمقراطية والاستقلال عن الهيمنة البريطانية والأمريكية المتزايدة. أدّت مطالبة شركات النفط الأمريكية الحكومة الإيرانية بامتيازات نفطية في شمال إيران بالقرب من حقول النفط في باكو إلى اعتبار الاتحاد السوفييتي ذلك بمثابة خطة أمريكية لإنشاء قواعد مراقبة على حدود جمهورياته القوقازية.

على الرغم من اهتمامها بهزيمة ألمانيا إلا أنّ القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة شعرت بالقلق من انتصارات الاتحاد السوفييتي ونجاحات الأحزاب الشيوعية في اليونان وألبانيا ويوغوسلافيا والصين وأجزاء أخرى من العالم، وقد عززت هذه الانتصارات الحركات الاشتراكية والتحرر الوطني في إيران ودول آسيوية أخرى. في ظل الظروف السياسية المتغيرة للعام الأخير من الحرب كانت القوى الغربية تحاول منع تصاعد الحركات المناهضة للاستعمار، واعتبرت الولايات المتحدة إيران وتركيا واليونان مناطق استراتيجية رئيسية لتأسيس قواعدها ضد الاتحاد السوفييتي واحتواء الحركات الشيوعية في البلقان وغرب آسيا، لتظهر صراعات أخرى بعضها قديم وبعضها الآخر جديد بين الاتحاد السوفييتي والقوى الغربية في أوروبا وآسيا مع انتهاء الحرب في عام 1945م.

رفض الاتحاد السوفييتي في ظل هذه الظروف سحب قواته من شمال إيران بعد انتهاء الحرب وشجعت موسكو علاوة على ذلك القوميين في أذربيجان وكردستان على تشكيل حكوماتهم ذاتية الحكم في إطار الدستور الإيراني، لتتأسس “الحكومة الوطنية لأذربيجان” في كانون الأول عام 1945م ويتم إعلان “جمهورية كردستان” في مهاباد في 22 كانون الثاني عام 1945م [2]. أصبح نظاما الحكم الذاتي موقعاً للصراع بين الغرب (بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا) والملكية الإيرانية واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، والكرد والأذربيجانيين. تبنّت إيران بمساعدة الغرب حالة الرفض السوفييتي للجوء إلى الأمم المتحدة المشكلة حديثاً، ليهاجم الجيش الإيراني الحكومتين بعد ستة أشهر من انسحاب آخر الوحدات السوفيتية من إيران في أيار 1946م زاعماً أنها كانت عملية الحفاظ على القانون والنظام لأجل انتخابات البرلمان الإيراني المقبل، ولم يقاوم نظاما الحكم الذاتي مقتنعَين بالاتحاد السوفييتي مما أدى إلى سقوطهما من خلال العمليات العسكرية في كانون الأول عام 1946م وإلى إعدام مئات القادة والمشاركين في الحركة.

نساء الوطن

تأسست الجمهورية الكردية من قبل الحزب الديمقراطي الكردي (KDP) الذي تم تشكيله في آب عام 1945م من خلال الحزب القومي المنحل كومله (”جمعية إحياء كردستان” والمعروف باللغة الكردية باسم Komeley J.K.) الذي كان سرياً وغالباً ما يُعتبر الحزب الكردي الأول ذو النظرة القومية الحديثة، فقد روَّج لتكوين دولة كردية تضم جميع أجزاء كردستان الكبرى، وأصدر العديد من المنشورات التي تشرح موقفها من القضايا السياسية، وشارك في النشر السري، وعلى سبيل المثال: الشعر القومي، والتقاويم الكردية، ومجلة شهيرة للغاية هي الوطن (نيشتمان). كان المؤسسون له أعضاء من الذكور في البرجوازية الصغيرة الحضرية، وقد اعتبر القبليّة والإقطاعية وبشكل أدق الزعماء القبليين والإقطاعيين غير القوميين عقبات أمام تطور الأمة الكردية وحركتها السياسية، وكان أول منظمة تروج للحاجة إلى تحسين ظروف حياة الفلاحين على الرغم من أنه لم يطالب بالإصلاح الزراعي.

كان أعداء كومله الرئيسيون في الخارج هم الدول الأربع إيران وتركيا والعراق وسوريا وهي التي حكمت كردستان ونفت الحقوق القومية للأكراد، أمّا الأعداء الرئيسيون في الداخل هم العشائرية والأميّة والتخلف الاقتصادي والصناعي. وفي هذا الإطار دُعيت النساء أحياناً للانضمام إلى الرجال والمشاركة في تحرير الوطن الأم، ففي إحدى قصائد “محادثة الأخوات والإخوة” المنشورة في مجلة نيشتمان (هيمن. 1943-1944: 23-4)، أخبرت أختٌ أخاها بأن عليه ألا يتسامح مع التبعية لأن جميع الشعوب الأخرى قد تحررت وعليه أن يضحي بحياته وممتلكاته من أجل قضية الوطن الأم، ليجيب الأخ:

أختي العزيزة (dêde)، أيتها الفتاة الكردية الذكية والجميلة

لربّما لا تتلطخ عفتك.

انتفضَ لينين وجورُ الحجاب قد زال

لكنّك ما زلتِ متقوقعة في النقاب.

الفتيات بين كل الشعوب أحرار الآن

فقط الفتيات الكرديات حقوقهن مهضومة.

اكسري القيود والسلاسل من قدميك

أختي العزيزة (dêde) بمساعدة أخيك!.

في سبيل الوطن بعون الله

لنعمل معاً مثل الأخوات والإخوة.

مثل جان دارك، انتفضي مثل الرجال

اطردي العدو من الأرض الكردية!

تكرر هذا الموضوع في الكثير من الشعر القومي الكردي طوال هذا القرن، فالأنثى الكردية عفيفة وجميلة ولكنها مضطهدة كالرجل من قبل العدو، وبمساعدة الرجال يمكنها مثل جان دارك تحرير الوطن الأم. يحمل العدد نفسه من المجلة مقالاً موجزاً عن “الشاعرة الكردية حيران خانمي دنبلي” (1943-1944: 29-30) التي نظّمت الشعر باللغة الفارسية، ويبدو أن المقال مذكور فقط لإظهار مدى وصول المرأة الكردية في الشعر.

يحمل العدد الأخير من نيشتمان (7-8-9 [ربيع] 1944: 10) صورة سيدتين كرديتين تم إعدامهما في تركيا، إذ تُقدم الأبيات الشعرية الموجودة أسفل الصورة تصويراً نموذجياً للمرأة من قبل القوميين:

أيّاً من كان سيصرخ على شخص آخر قائلاً: “اذهبْ

ليكنْ جُبنك (bêxîretî)) مث

ل النساء، وليكنْ سروالك مثل النساء! “.

أيوجدُ امرؤٌ في أي مكان في العالم مثل هاتين المرأتين

ليكون رمزاً سياسياً لقضية الوطن؟.

تم التضحية بهاتين الشتلتين من أجل الوطن الكردي

كم سيكون سعيداً المرءُ الذي يمكن أن يكون مثل هاتين الفتاتين!.

تمجّد هذه القصيدة النساء اللواتي يقاتلن العدو لكنها تُخضع جميع النساء للعنف الذكوري الرمزي – تركِهن بوصفهن “جبناء”. ويمكن للنساء والرجال تحقيق المساواة فقط في نضالهم من أجل تحرير الوطن؛ أمّا في حالة المرأة فإن قضية الجنسانية لا تنفصل عن مشروع بناء الوطن، فطهارة الوطن وقوته غير منفصلة عن عفة نسائه (dawênpakî, be namûsî) وإذا كان يجب تطهير الوطن الأم من الهيمنة الأجنبية فيجب أن تكون المرأة المثالية أيضاً عفيفة ومرتبطة بالرجل بطريقة مشروعة.

هدف كومله إلى بناء وطن كردي واحد من خلال تشكيل دولة تحكم كردستان الكبرى، إلا أنّ طبيعة هذه الدولة لم تُشرح بشكل واضح رغم إعلانه أن “الديمقراطية” هي إحدى مواد دستورها (meřamname) [3]. ومع ذلك كانت كومله مثل الكثير من الحركات القومية الأخرى منشغلة بمبدأ واحد فقط للديمقراطية ألا وهو الاستقلال عن الحكم الأجنبي، وكانت المنظمة لا تعالج متطلبات الحياة الديمقراطية الأخرى مثل المساواة بين الجنسين إلا بالكلمات، ولم تفكر حتى في إلغاء العلاقات الإقطاعية، فقد كانت المرأة تعتبر ملكاً للوطن والأمَ العفيفة.

نجحت كومله بالإضافة إلى الدعاية من خلال وسائل الطباعة والشعر في استخدام المسرح لدعم القضية القومية، فقد قام كومله بتأليف وإخراج العرض المسرحي الأول في الأجزاء الشمالية من كردستان إيران والمسمى “أم الوطن” (Daykî Nîştman)، وقد كانت الوطن الأم في هذه المسرحية مقيدة بالسلاسل ومرتدية ملابس سوداء وذات شعرٍ أبيض وكانت تدعو “أبناءها المعرضين للخطر” للتحرر من نير الحكم الإيراني والتركي والعراقي، وقد أثار هذا الفعل الدموع في عيون الحضور. وفي الفصل التالي لبى أبناء الوطن الأم النداء وحملوا السلاح وأرغموا المحتلين على الهرب وحرروا الوطن. يصور الفصل الأخير وصول الوطن الأم إلى السلطة – تشكيل الدولة الكردية. تخللت فصول المسرحية الخمسة والاستراحات مع شعر حاجي قادري كويي والعديد من الأغاني القومية. وقد كان تأثير المسرحية التي تم إجراؤها مراراً وتكراراً على صالات ممتلئة في مهاباد ومدن أخرى عميقاً، فقد بقيت كل لحظة مجداً في الذاكرة الشعبية للمنطقة. ليس من المستغرب أن منتج المسرحية (كومله) لم يحاول أو لم يتمكن من العثور على ممثلة تلعب دور الوطن الأم، فقد كان طاقم الممثلين بأكمله من الذكور، حتى أن بعض الممثلين وفناني الأداء الشباب واجهوا عوائق من آبائهم الأثرياء الذين نظروا إلى الترفيه والتمثيل كمهن من الطبقة الأدنى لا تتوافق مع مرتبتهم الطبقية وسمعتهم [4] .

بناء الوطن في جمهورية كردستان

الجمهورية التي هي أول تجربة كردية في تشكيل حكومة مستقلة من النمط الحديث كانت مستقلة عملياً عن الدولة الإيرانية. لم يكن مؤسس الجمهورية زعيماً قبلياً أو إقطاعياً بل كان حزباً جديداً هو النسخة المعدلة من كومله. كان التغيير الرئيسي في المنظمة هو تجاوز المطالبة بإنشاء كردستان كبرى، يُعزى هذا إلى حد كبير بسبب الوجود السوفيتي في المنطقة الذي دعم حكومتي أذربيجان وكردستان المتمتعتان بالحكم الذاتي ولكنه كان ملتزماً بحماية السلامة الإقليمية للدولة الإيرانية.

تضاءلت العاصمة مهاباد من الناحية الديموغرافية أمام الريف الذي كان تحت حكم زعماء القبائل وملاك الأراضي الإقطاعيين. لم يتحرك الحزب الديمقراطي الكردي لإلغاء العلاقات الإقطاعية على الأرض – ناهيك عن الإصلاح- التي تركت الفلاحين تحت ظروف العبودية، وقد ثبت أن التقصير في إلغاء العلاقات الإقطاعية كان كارثياً. ظل غالبية السكان سياسياً تحت السيطرة المباشرة للزعماء الإقطاعيين والقبليين لذلك لم يكن الفلاحين في الجمهورية مواطنين يتمتعون بحقوق متساوية مع سكان العاصمة، بالإضافة إلى أنّه تم منح الزعماء القبليين والإقطاعيين مناصب مهمة في الإدارة العسكرية والمدنية. على الرغم من أنهم تعرضوا لقمع كبير في ظل حكومة رضا شاه (1925-1941)م انضم الكثيرون إلى الجمهورية عن غير قصد وكانوا ينتظرون سقوطها وعودة الحكومة المركزية وكانوا خائفين من الوجود السوفيتي والخطر الشيوعي وظهور السياسة الكردية الحضرية وتدخلها في شؤونهم. على الرغم من أن القوميين الحضريين لم يطالبوا بإلغاء الإقطاع والقبلية إلا أنهم انتقدوا الظروف القمعية في الريف واستاءوا من انغرار الحركة القومية بزعماء القبائل.

ورثت الجمهورية النظام الإداري الذي أنشأته الدولة الإيرانية في مدينة مهاباد والمنطقة. وقد قام الحزب بتكريد البيروقراطية المدنية، في حين تم تفكيك الجيش والدرك واستبدالهما بـجيش وطني يقوده في الغالب ضباط أكراد تركوا صفوف القوات المسلحة العراقية والإيرانية، تم تشكيل مجلس الوزراء والمجلس الوطني والمؤسسات الثقافية مثل المكتبات ومحطة الإذاعة والسينما والمطابع والصحافة، ووسع الحزب نشاطه من خلال تشكيل قسم شبابي ومنظمة نسوية، وتم اتخاذ تدابير لتحسين أوضاع أصحاب المتاجر الصغيرة والفقيرة، إلا أن العلاقات الإقطاعية في القرية بقيت على حالها على الرغم من الوعد بالتدخل لصالح كل من الفلاحين وملاك الأراضي [5].

أمهات الوطن

اقتصرت أراضي الجمهورية على الأجزاء الشمالية من كردستان الإيرانية. كانت العاصمة مدينة مهاباد التي يبلغ عدد سكانها حوالي 16000 نسمة وكانت أهم مدنها بوكان ونغدة وشنو. كان عدد سكان مهاباد وفقاً لسجلات الحكومة في نهاية عام 1948م حوالي 16455 نسمة منهم 8189 من النساء و 8266 من الرجال [6]. كان عدد السكان الذي قدمه الجيش الإيراني عام 1951م هو 15971 نسمة [7]، والمصدر نفسه يحسب بوكان عند 3074 نسمة وشنو عند 2212 نسمة.

من الصعوبة بمكان توفير معلومات دقيقة عن حياة المرأة في ظل عدم وجود بيانات إحصائية من هذه الفترة. يوفر أول إحصاء وطني لإيران تم إجراؤه في تشرين الثاني عام 1956م أي بعد عشر سنوات بالضبط من سقوط الجمهورية، أرقاماً إحصائية حيوية للمدينة والمحافظة بأكملها (منطقة الإحصاء مهاباد).

لم تتغير حالة مهاباد الطبيعية بشكل واضح على الرغم من مرور عشر سنوات، فقد زاد عدد سكان المدينة إلى 20332 نسمة. وفقاً لهذه البيانات وبعد مرور عشر سنوات على الجمهورية كانت نسبة 10 في المائة فقط من الإناث بعمر 10 سنوات وما فوق متعلمة أي “قادرة على القراءة والكتابة”، وباستخدام أرقام الإحصاء هذه من الممكن الحصول على بعض اللمحات عن معدلات معرفة القراءة والكتابة للإناث البالغات (15 عاماً وما فوق) عام 1946م، فعلى سبيل المثال كانت الفئة العمرية من 25 إلى 34 عاماً في إحصاء عام 1956م تتراوح من 15 إلى 24 عاماً في عام 1946م، ومن المستبعد جداً أن تكون مهارات معرفة القراءة والكتابة لهذه الفئة العمرية قد تغيرت خلال العقد. وفي عام 1956م كانت نسبة المتعلمات من الإناث من الفئة العمرية 25 إلى 34 عاماً هي 6.4 في المائة فقط (85 من أصل 1321 شخصاً)، ومعدلات الإلمام بالقراءة والكتابة لعام 1956م تنخفض بشكل حاد إلى 3.7 في المائة (27 من 738 شخصاً) للفئة العمرية من 35 إلى 44 عاماً، وإلى 0.8 في المائة للفئة العمرية من 35 إلى 44 عاماً (6 من 765) [8]. تشير هذه الأرقام إلى أن معدل معرفة القراءة والكتابة للإناث البالغات (15 سنة فأكثر) عام 1946م لم تتعدى أكثر من أربعة في المائة. ومن الواضح أيضاً من مصادر أخرى أن غالبية المتعلمات تلقّين تعليمهن في المدارس الحديثة التي تأسست بعد الثلاثينيات (من القرن العشرين).

أعلن الحزب الديمقراطي الكردي في دستوره الذي نُشر في كانون الأول عام 1945م قبل أقل من شهرين من إنشاء الجمهورية أنه في كردستان وكذلك في جميع محافظات إيران التي يعيش فيها الكرد “يجب أن تصان مصالح جماهير الشعب على أساس الديمقراطية” (الفصل 2، المادة 4)، كما أعلنت الوثيقة وبنفس الصيغة المستخدمة في دستور كومله أن “هدف الحزب هو توسيع الديمقراطية وعلى هذا الأساس هو النضال من أجل رخاء البشر” (المادة 5)، وتم النص على المساواة بين الرجل والمرأة بشكل واضح: ” يجب أن تتمتع المرأة بحقوق متساوية مع الرجل في جميع الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية ” (الفصل 4، المادة 21) [9].

خلال حياته القصيرة والمضطربة لم يتمكن الحزب من عقد مؤتمر على النحو الموعود في دستوره، كما أنه لم ينشئ آليات للانتخابات والديمقراطية البرلمانية، فقد كان الحزب هو السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وكانت سياسته الجنسانية مشروطة بالنظرة القومية للقيادة الذكورية والطريقة التي حاول بها القادة والنساء تغيير الوضع القائم ضمن السياق الاجتماعي والثقافي والسياسي في ذلك الوقت.

حزب المرأة

وإذا كانت قيادة الجمهورية قد حرمت غالبية السكان وهم من الفلاحين من الحقوق الديمقراطية، فقد أُعطيتْ النصفَ الآخر من السكان وهم النساءُ مكانةً بارزةً في حياة العاصمة. خلال احتفالات استقلال كردستان (serbexoyî w istiqlal) في 22 كانون الثاني عام 1946م والتي نُشرت في عدة أعداد من صحيفة كردستان خاطب 23 شخصية بارزة من الجمهورية الجمهورَ، ومن أصل ستة عشر من الذين تحدثوا كانت اثنتان من النساء، ومدرسة البنات كانت واحدة من المدارس الأربعة التي قدمت أغاني وطنية [10]. واحتفلت المتحدثتان، وكلاهما معلمات في المدرسة الابتدائية، باستقلال كردستان وأكدتا على الحاجة للمشاركة الفعالة للمرأة في النضال، وقالت إحدى المعلمات خاجيجاي مجدي:

أيتها الأخوات العزيزات، الآن دعونا ننظر إلى إخوتنا الأعزاء ونمد أيدينا لبعضنا البعض، لأنني أرى أن الوطن يتوقع من بناته أن يبدأن العمل والتعليم حتى نلحق أيضاً بإخوتنا الأعزاء؛ عالم اليوم يحتاج إلى الفتيات والفتيان للانضمام إلى بعضهم البعض مثل الأخوات والأخوة من أجل تحرير الوطن [11].

هذا الخط السياسي الذي تم صياغته بالفعل في منشورات كومله تم التعبير عنه مراراً وتكراراً في كل من خطابات الإناث والذكور والصحافة والشعر[12].

نظمت معلمات مدرسة البنات بعد حوالي أسبوعين تجمعاً في قاعة مكتب التربية للاحتفال بالاستقلال والتعريف بقائد كردستان [13]، وبحسب تقرير الصحيفة (الذي نشر بعد تشكيل الحزب النسائي) شاركت في هذا الحدث “السيدة زوجة زعيم كردستان” (yay Pêşeway Kurdistan) وعدد كبير من النساء الأعضاء في الحزب الديمقراطي الكردستاني وأشخاص من جميع مناحي الحياة، وألقت السيدة [الأولى] كلمة حول “النهوض بالمرأة وتوجيهها” ثم قدمت زوجاً من الأقراط الذهبية لمديرة مدرسة البنات ويلما صياديان، وذكّرت الجميع في حديثها بضرورة أن تتعلم النساء من النساء في الخارج اللواتي “قدمن مساعدة كبيرة لأزواجهن في الحرب العظمى” ثم قالت:

لا ينبغي أن نتوقع دائماً من أزواجنا [أن يعطينا] المال والملابس والذهب. السيدات العزيزات، لا تجعلن أطفالكن بائسين (bedbext kirdin) من خلال [إبقائهم] بين الجدران الأربعة في المنزل؛ أرسلوهم إلى المدرسة حتى لا يكونوا مثل الرجال والنساء الأميين وحتى يتمكنوا من الدفاع عن حقوقهم الوطنية وخاصة حتى تتمكن المرأة الكردية من أن تكون على قدم المساواة مع النساء المتحضرات في الخارج.

شدّدت المتحدثة التالية وهي مديرة مدرسة البنات على تعليم المرأة واتحادها مع الرجل من أجل تمكين وطنها من التقدم، قالت المتحدثة الثالثة وهي عصمت قاضي ابنة زعيم كردستان: إنه كان علينا نحن النساء أن نقوم بعدة احتفالات بحريتنا حتى يعرف العالم كله أن المرأة الكردية تحب الحرية أكثر من الرجال، والمتحدثة الرابعة كبرا عزمي وهي معلمة انتقدت بشدة نساء مهاباد:

نظراً لأننا أكثر تخلفاً (le paşîn) فإن مهمتنا أصعب وسيكون حملنا أثقل. يجب أن نعرف كيف نرفع هذا العبء الثقيل عن ظهورنا، وبالطبع سيتم إزالته بقوة المنطق والعلم. لكن للأسف فإن أهل مهاباد لا يرون الأمر بهذه الطريقة، على سبيل المثال يجعلون بناتهم الصغار بائسات (bedbext) وأميّات، ويطلبون منهن نسج زوج من الجوارب أو غطاء للرأس وإلا يقولون: “أنا لا أرسل ابنتي إلى المدرسة لأنها ستكون سيئة الأخلاق”، سيداتي الأعزاء: ما هي الأخلاق السيئة عندنا؟ أولئك الذين يفكرون بهذه الطريقة بعيدون جداً عن الحقيقة ولم يفهموا المسألة، فعلى سبيل المثال لقد سمعت بنفسي في العديد من التجمعات عندما يروننا يقولون: “ها هي المعلمات” وينظرون إلينا بازدراء، وإذا نظرنا إلى كتابات ومؤلفات الأجانب سنكون حزينين للغاية ونسأل: “يالله، هل نحن بشر مثلهم؟ لماذا لا يجب أن يكون لدينا في مدينة مثل مهاباد جراح أو طبيبة أو طبيبة أسنان أو حتى قابلة قانونية؟”.

ثم دعت المتحدثة النساءَ للاستمتاع بسقوط دكتاتورية رضا شاه و”عدم التردد في إرسال بناتهن إلى المدرسة” حيث سيتم تعليمهن بلغتهن الأم. تبرعت المشاركات في وقت لاحق بالمال للحزب الديمقراطي الكردستاني، وتحمل الصحيفة قائمة من 41 سيدة تبرعت بالمال والذهب للحزب [14]. ومن المفارقات أن جميع النساء يُعرفن بأسماء أزواجهن؛ وعلى سبيل المثال: السيدة “زوجة السيد صالح شاطري”. لقد أعدت صحيفة كردستان قبل أسبوع تقريراً عن عقد مؤتمر للسيدات في مهاباد:

مؤتمر السيدات في الجمعية الثقافية الكردية السوفيتية

في يوم الجمعة الواقع في 8 آذار عام 1946م عقدت السيدة زوجة قائد [أي رئيس] كردستان مؤتمراً في الجمعية الثقافية الكردية السوفييتية لتنوير عقول المجتمع النسائي في كردستان، وتمت دعوة عدد كبير من السيدات [زوجات] أعضاء اللجنة المركزية [للحزب الديمقراطي الكردي] ومعلمات وطالبات مدرسة البنات وموظفات الحزب الديمقراطي والمكاتب الحكومية والتجار وأصحاب المتاجر (kesebe). وقد تحدثت أولاً السيدة زوجة زعيم كردستان عن أهمية تعليم النساء والفتيات وتقدم الاتحاد النسائي السوفييتي وضرورة التعرف عليهن، بعد ذلك ألقى الخطب عدد كبير من المدرسات والطالبات وغيرهن من السيدات. المؤتمر الذي بدأ الساعة 2:00 بعد الظهر انتهى عند الساعة 5:00 [15].

لم يرد ذكر يوم 8 آذار وهو اليوم العالمي للمرأة والذي كان يتم الاحتفال به دائماً في الاتحاد السوفيتي. تم إنشاء منظمة نسائية بعد أسبوع وكان هناك تقرير موجز في صحيفة كردستان:

تشكيل الحزب الديمقراطي

(من قبل نساء كردستان)

في يوم الجمعة الواقع في 15 آذار عام 1946م دعت السيدة زوجة قائد كردستان عدداً معتبراً من سيدات كوردستان، وتجمعن في الساعة 3:00 مساءً في الجمعية الثقافية وأسسن تحت إدارة السيدة زوجة زعيم كردستان (السيدة مينا … [كلمة واحدة غير مقروءة]) الحزبَ الديمقراطي لنساء كردستان؛ وقد سجل عدد كبير من النساء أنفسهن وتعهدن بدفع رسوم العضوية من واحد إلى عشرة تومان[16].

يختلف اسم المنظمة باختلاف أعداد الصحيفة؛ على سبيل المثال: اتحاد النساء الديمقراطيات في كردستان (Yeketî Jinanî

Demokratî Kurdistan) [17] وحزب السيدات (Ĥizbî Yayan) [18].

وعليه كانت المنظمة هي الجناح النسائي للحزب الديمقراطي الكردستاني، وبعيداً عن كونه نتاجاً لحركة نسوية تم إنشاء حزب المرأة من قبل منظمة سياسية يهيمن عليها الذكور تماماً، وكانت الشخصية البارزة فيها ياي مينا التي هي زوجة رئيس الجمهورية.

يبدو أن حزب النساء كان له تنظيم واسع، فبجانب ياي مينا التي قادت المنظمة كانت هناك رئيسات (serok) الأحياء العشرة (geřek) في مهاباد. في تقرير حول إيرادات ونفقات الحزب النسائي في الشهر الثالث من الربيع (cozerdan ، أيار-حزيران) تم ذكر أسماء رئيسات وإيرادات (رسوم العضوية) كل حي: [19]

تسلسل الاسم الحي الرسم

1. كلثوم سلطانيان هارمانيان 1305.0

2. خورشيدي شاطري بازار 282.5

3. خجيجاي قازي جومة 227.5

4. سيد عاشياي شاطري حاجي حسن 822.5

5. صديقاي ولي زادة خيرة 936.5

6. زيبا خانم قولاقابران 230.0

7. أميناي داودي قبلا 210.0

8. زاراي ماولاوي رزغايان 200.0

9. بيروزاي مشيري جامعة 120.0

10. ماوزري بلازادة ياهوديان 95.0

المجموع 4429.0

بلغ الدخل في الشهرين الأولين من الربيع 9291 ريالاً. اشتملت النفقات على الإيجار (1200 ريال)، وتغيير الأثاث ومفارش المائدة (5200 ريال)، وراتب شهرين لموظفة واحدة (400 ريال)، وثلاثة أشهر راتب لموظفة أخرى (600 ريال)، والتنقل والفحم (80 ريالا)، ومنادي البلدة (carçî ، 60 ريالا)، وبقيمة إجمالية 7540 ريالا [20]. كان مقر الحزب في البداية في مدرسة ابتدائية ولكن سرعان ما انتقل إلى مكتب جديد وهو منزل مستأجر. تطلب مذكرة موجزة من “السيدات المتعلمات” التقدم لشغل الوظائف التالية: محاسبة (ĥisabdar)، أمينة صندوق (xezanedar)، سكرتيرة (munşî)، صرافة (sindûqdar) [21].

كان الهدف الأساسي للحزب النسائي هو حشد النساء البالغات لدعم الجمهورية والأمة. ونظراً لأن غالبية هؤلاء النساء أميات فقد نظم الحزب فصولاً لتعليم القراءة والكتابة بالإضافة إلى تجمعات غير رسمية، وشملت الأنشطة الأخرى جمع التبرعات للجيش الوطني والمشاركة في المسيرات والمظاهرات والكتابة في الصحيفة، كما وشملت المساعدة للجيش الوطني عمل النساء في حياكة الملابس والجوارب للجنود “البيشمركة” (pêşmerges). لقد أعطى التنظيم النسائي للجمهورية صورة الدولة الحديثة المهتمة بالنهوض بالمرأة.

أكد القوميون منذ الجزء الأخير من القرن التاسع عشر على التعليم كشرط رئيسي للتحرر الوطني. وخلال القرن العشرين دعا العديد من المثقفين ذكوراً وإناثاً إلى توفير التعليم للمرأة لكن بعض الآباء بمن فيهم الأمهات في مهاباد عارضوا حملة تعليم الفتيات، إن انتقاد كبرا عزمي للآباء والأمهات الذين رفضوا إرسال بناتهم إلى المدرسة، مذكور أعلاه، يكشف عن تضارب بين المصلحة القومية في دمج النساء في الوطن والنهج التقليدي الذي من شأنه إعادة إنتاج النظام الاجتماعي السابق للرأسمالية والعلاقات بين الجنسين. في الواقع كانت قيادة الجمهورية المكونة من ذكور فقط، ولاسيما الرئيس نفسه، أكثر اهتماماً من كثير من النساء بتعزيز تعليم الإناث، على سبيل المثال رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في شنو افتتح أول مدرسة للبنات في المدينة، وأشار التقرير الذي كتبه المدير حسن كاظمي عن المدرسة إلى أنه “من الضروري أن يشكر جميع أهالي [المدينة] [رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني] على هذه الخدمة المهمة وأن يرسلوا بناتهم إلى هذه المدرسة بحماس ورغبة. … ” [22]. يتم التأكيد على أن كردستان المحررة تحتاج إلى نساء متعلمات، إذ أنّ التحرير والحرية والتعليم لا تنفصل عن بعض، وإنّ المرأة غير المتعلمة عبء على الوطن وعلى الرجل المتعلم وإنّ أعظم إنجاز هو أن تكون مثل الرجال. كتب رجل في مقالته عن “تعليم المرأة”:

ذات يوم كنت ذاهباً إلى المنزل من مكتب التربية ورأيتُ امرأة واقفة أمام مقر الحزب الديمقراطي الكردي وجهتْ وجهها نحوي وسألتْ بلغة تميز نسائنا الأميات والبسيطات: “أخي، ما هذا؟” اعتقدتُ أنه إذا أجبتُ أن هذا هو مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني، فإنها لن تقهم لا “المقر” ولا “الحزب” ولا “الديمقراطي”، وبلا حول ولا قوة فكرت لبرهة وقلت: “هنا يجتمع بعض الكرد المهمين ويتعاملون مع شؤون البلاد”.

ثم يناقش الكاتب بأنه لا ينبغي للكرد أن يفكروا في أنهم اتخذوا خطوة كبيرة على طريق الحرية والحضارة حتى تتعلم المرأة وتعرف حقوقها السياسية والاجتماعية (ميكائيلي 1946: 4).

دعم أعضاء الحزب الحكومة من خلال التبرعات المالية وتحصيل الأموال من غير الأعضاء، وذات مرة أخبر رئيسُ الجمهورية ياي مينا أنّ “ملكة فرنسا قد تبرعت بخاتمها للشعب الفرنسي فلماذا لا تحذين حذوها وأنا متأكد من أن هذا سيشجع النساء الأخريات على دعم الجمهورية مالياً”.

تنظيم مؤسسة الزواج

كان تشكيل الحزب النسائي على ما يبدو الخطوة الأبرز التي اتخذتها قيادة الحزب لتعبئة النساء في عملية بناء الدولة، وتظهر إجراءات أخرى اهتماماً بالتدخل في العلاقات التقليدية بين الجنسين، أحدها كان سياسة تجريم ومعاقبة أنواع معينة من الهروب، ومن أحد القرارات التي اتخذها المجلس الوطني وأعيد طبعه بانتظام في عدة أعداد من الصحيفة:

(إشعار)

حظر هروب (redûkewtin) الفتيات والنساء

يقرر المجلس الوطني الكردستاني أن أي رجل يفر بالإجبار مع امرأة متزوجة أو [امرأة] لما انتقلتْ بعد إلى [منزل الزوج] سيُحكم عليه بالإعدام؛ وإذا كان الفرار مع فتاة يجب قتل الرجل؛ أما إذا طلب الرجل يد الفتاة ورُفض ولم يكن هناك مانع شرعي [للزواج] و [الفتاة] غير متزوجة وبرضاها، فلا عقاب، وإلا فسيسجن من ثلاثة أشهر إلى ثلاثة سنوات.

13 شباط عام 1946م

رئيس المجلس الوطني الكردستاني حاجي بابا شيخ [23].

هذا القرار إلى جانب عدد من القرارات الأخرى أظهر استقلال الجمهورية عن النظام القانوني للدولة الإيرانية، وقد كان موجهاً بشكل رئيسي إلى المناطق القبلية والريفية حيث يتم ممارسة الاختطاف أو الهروب، وصدر عن سلطة دينية متمركزة في العاصمة كانت امتداداً لسلطة المركز/المدينة على المناطق غير الحضرية التي كانت تحت حكم زعماء القبائل الإقطاعية، كما وكان أيضاً فرضاً للمبادئ الإسلامية على نظام العلاقات بين الجنسين الذي قاوم سلطة الدين. من الواضح أن أسلوب النص قائم على سلطة الأب (انظر حسنبور، هذا المجلد)، ففي عنوان الإشعار لم يتم استخدام مصطلح الاختطاف (jin heĺgirtin) الذي هو مصطلح الجانب الذكوري من الممارسة. ومن الجدير بالذكر أن قيادة الجمهورية لم تحاول تدخلاً مشابهاً في علاقات الأراضي في الريف والتي كانت في القرى الخاضعة للإقطاعيين استغلالية كما ولم تحترم حق المرأة في امتلاك الأرض، وفي الواقع كان تقليد حرمان المرأة من حق وراثة الأرض الزراعية انتهاكاً للشريعة الإسلامية التي تخصص للمرأة نصف نصيب الرجل، لكن حتى إلغاء الاختطاف/الهروب لم يكن ناجحاً تماماً.

في تعليق نادر أشار أحد المشاركين في الإدارة العسكرية للجمهورية محمد أمين منكوري إلى أن الحكم المتعلق بالاختطاف/ الهروب يتعارض مع تقاليد اتحاد بلباس القبلية في غرب مهاباد، واعتبره أهل المنطقة حكماً “جائراً ومكروهاً” لأنه لا يسمح بـ “حرية المحبة والمغازلة والوقوع في الحب والرقص المختلط والاختطاف، فقد حولت الشباب إلى نسّاكين (wişkesofî) وأخفت عنهم عالم الحب”. وفقاً لمنكوري كان هناك الكثير من الانتقادات للحكم لأن الهروب كان يعتبر شرفاً، إذ لو لم تهرب المرأة لما كانت ستُحترم، والشيء نفسه ينطبق على الرجال: “لو لم يخطف رجل امرأة لقيل له: أنت لست رجلاً؛ لو كنت رجلاً لكنت قد خطفت امرأة”. ادعى منكوري أن “الصدفة الوحيدة التي أسبغ التاريخ على الكرد كانت” الحب والرغبة الجنسية (diĺdarî w ‘elaqey cinsî) وحب الحرية”، وأنّ الكرد كانوا متقدمين على الأوروبيين في التمتع بهذه الحريات، كما يذكر أن لهذه الممارسة وظيفة اقتصادية. مغامرة الهروب محفوفة بالمخاطر دائماً لكن جميع الأطراف على دراية بكيفية حل النزاع، إذ يبحث الرجل والمرأة عن ملجأ (مع زعيم قبلي أو مالك عقار أو سلطة دينية أو أي شخص محترم ومحايد) حيث سيكونان بأمان حتى يتم التفاوض على تسوية؛ عادة ما يُمنح والد الفتاة “مهر العروس” أو “مهر اللبن” (şîrbayî)، وقد يربح آخرون أيضاً مادياً [24].

ومن بين الإصلاحات التي بادرت بها القيادة هو مرسوم رئاسي بإقامة خطبة الجمعة لأول مرة باللغة الكردية، لقد تم تسليط الضوء على عدد من المواضيع التي سيتم تناولها في هذه الخطب، ومن بينها “كيف يجب أن تكون المرأة في المجتمع”، كما وكانت هناك مواضيع أخرى: مكافحة الخرافات، واحترام الشريعة، والصرف الصحي وبناء المستشفيات، تأثير الأمن على تقدم الوطن، وحضارة كردستان القديمة [25].

تمتعت النساء في حكومة أذربيجان المجاورة ولأول مرة في إيران بحقوق الاقتراع، أما في الجمهورية الكردية كان الرئيس متعاطفاً مع الاقتراع العام على الرغم من عدم إثارة التصويت كقضية، وفي مقابلة صحفية مع قاضي محمد سُئل: “منح الحزب الديمقراطي الأذربيجاني المرأة حق التصويت في الانتخابات فهل فعلتَ نفس الشيء؟”، كان الجواب: ” على الرغم من أنني أعتبر عمل أذربيجان إيجابياً ينبغي أن أبلغك أننا لم نتمكن من تحقيق هذا النجاح”[26].

مسألة الوعي النسوي

يتضح من الأدلة المقدمة حتى الآن أن الوعي النسوي لم يكن واضحاً بعد بين نساء الجمهورية، إذ تؤمن النساء المتعلمات بتعليم الإناث والمساواة الرسمية مع الرجال لكنهن لم يتحدّين بشكل جدي حتى النظام السائد للعلاقات بين الجنسين، وقد كان النقد الأكثر تطرفاً هو للسيدة “كبرا عزمي” مما أدى إلى استياء بعض النساء، ويمكن توثيق غياب الوعي النسوي التحرري من خلال صفحات كردستان، إذ كتبت إحدى المعلمات “نصحاً للنساء” تضمنت من بين أمور أخرى ما يلي:

• يجب على الزوجة أن تسأل الزوج قبل أن يغادر كل يوم إلى السوق: “هل لديك أية طلبات [لي لأدائها]؟”

• إنّ المرأة الطيبة والصادقة تاج على رأس زوجها.

• إذا كان زوجك لا يحب سلوكاً، فلا يجب أن يعجبك ولا تفعليه أيضاً….

• لا تتحدثي بشكل إيجابي عن رجل غريب وإلا سيشعر زوجك بالريبة.

• لا تكوني متجهمة عندما يعود إلى المنزل حتى لو كنتِ حزينة جداً.

• حاولي أن تتفهمي مزاج زوجك بحيث تتصرفين وفقاً لذلك. [27]

قدم معظم الذكور والإناث الذين كتبوا عن مشاركة المرأة في حياة الأمة “النساء في البلدان الأجنبية” (في كل من أوروبا والاتحاد السوفيتي) كنموذج يحتذى به، حيث إنّ المرأة الأجنبية في هذه الكتابات تلقت تعليمها في العلوم والتكنولوجيا والفنون وتتمتع بالمساواة مع الرجل وتساهم مثل الرجل في بناء الوطن، كما يتم من حين لآخر ذكر توصية النبي محمد بشأن التعليم لكل من الرجال والنساء، كما شددت إحدى المتحدثات السيدة شاه سلطان فتاحي في كلمة ألقاها على دعم الرئيس لتعليم الإناث بإرسال بناتها إلى المدرسة [28].

ثمة موضوع آخر هو قدرة المرأة على أن تكون مقاتلة جيدة، ففي مقال عن النساء في أذربيجان السوفيتية (مقتبس من مصادر سوفيتية) تم التأكيد على المستويات العالية لتعليم النساء وكذلك مساهمتهن العسكرية في الحرب الوطنية ضد الفاشية[29]، وفي مقال محرر آخر حول “حرية الدين في روسيا الاشتراكية” تم التأكيد على حرية المرأة السوفيتية في العمل خارج منازلهن وفي جميع المجالات، مع ملاحظة أن المرأة الروسية هنا تعمل جنباً إلى جنب مع الرجال. وقد كان لعدم الفصل بين النساء والرجال الأجانب مثيل في الوطن “انظر إلى وضع القبائل في كردستان وسترى أن الرجال والنساء يعملون معاً (في الحصاد والبذر والدرس) ويساعدون بعضهم البعض وتعتني النساء بالإضافة إلى ذلك بالمنزل والأطفال، ومع ذلك فإنّ ما تفعله النساء الروسيات له قيمة كبيرة لأنهن على دراية ومتعلمات أمّا نسائنا فهنّ جاهلات جداً” [30].

الاستنتاجات

. تؤكد الحالة قيد البحث بعض الاتجاهات التي لاحظها باحثون آخرون في الحركات القومية في جميع أنحاء العالم، فقد كانت الحركة النسوية متخلفة عن الحركة القومية في كردستان عام 1946م وكان الوعي القومي أكثر اتساعاً وأقدم بكثير، وبينما دخلت حرية المرأة والمساواة في الحقوق والمشاركة في النضال في الأجندة القومية لم يتجاوز الوعي مطالب البرنامج النسوي التحرري البسيط.

. تم تشكيل أول منظمة نسائية كردية عام 1919م من قبل أعضاء النخبة القومية في المنفى في اسطنبول مثل الجماعات السياسية والثقافية الكردية الأخرى التي اختفت بعد قيام الجمهورية التركية التي قمعت جميع الأنشطة القومية في أعقاب الثورة الكردية عام 1925م، ويبدو أن حزب المرأة هو ثاني منظمة نسائية كردية. كانت العضوة في الطبقة الأرستقراطية المالكة للأراضي حبسة خان نشطةً خلال حكومة الشيخ محمود المستقلة في أوائل العشرينات من القرن الماضي، لكن عملها لم يُؤشر إلى صعود الوعي أو التنظيم النسوي، فقد دعمت القضية القومية واتبعت أجندة للنهوض بالمرأة لاسيما في الوصول إلى محو الأمية والتعليم.

. شجعت الحركة القومية عام 1946م النساء على المشاركة في الأنشطة غير المنزلية لكنها وضعت عدة حدود لحضورهن العام: يتم تقدير النساء فقط إذا كان بإمكانهن مساعدة الرجال في القضية القومية، وكانت الجمهورية أول دولة كردية تدعي أنها ديمقراطية وحديثة، وقد عزز تشكيل حزب نسائي هذه الصورة: إذ كانت النساء حاضرات في الأماكن العامة منذ بداية نظام الحكم الذاتي، وأدى وجود حزب نسائي إلى إضفاء الطابع الرسمي على وجود المرأة في الحياة السياسية للجمهورية ولكنه في الوقت نفسه برر استبعادها من مناصب صنع القرار في الحزب الديمقراطي الكردستاني، وباعتبارها المنظمة النسائية للحزب الديمقراطي الكردستاني فقد أضفت الطابع الرسمي أيضاً على الفصل بين المناصب على أساس الجنس، وكان لكل منهما منظمة خاصة بهما لكن من الواضح أن الاثنين لم يكونا على قدم المساواة.

. جريدة كردستان التي تُنشر كل يومين مع العديد من المجلات ومن ثم محطة إذاعية أعطت مظاهر الحياة العامة في طور النشوء، ومع ذلك لم يتمكن من الوصول إلى أجهزة الراديو سوى النخبة والأثرياء في حين أن بقية السكان في العاصمة كان بإمكانهم الاستماع إلى مكبرات الصوت المثبتة في التقاطع الرئيسي للمدينة، ومع ذلك من المهم ملاحظة أن جميع الصحافة والمحطة الإذاعية كانت مملوكة ومدارة من قبل الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو وضع لا يشبه الحياة العامة مع وجود متحدثين/مستمعين وكتاب/قراء مستقلين عن السلطة الحاكمة، ومع ذلك فقد وفرت مساحة لتغطية أنشطة المرأة والسياسة الرسمية الخاصة بالجنسين.

. كانت الحكومة الوطنية الأذربيجانية المجاورة راديكالية أكثر من الجمهورية الكردية، إذ أجرت أذربيجان على عكس كردستان استصلاحاً للأراضي على الرغم من محدوديتها واعترفت بحقوق المرأة في التصويت. ذلك لعدة عوامل منها أنّ عاصمة أذربيجان تبريز ثاني أكبر مدينة في إيران وكانت حتى نهاية القرن التاسع عشر أكبر مركز حضري في البلاد وكانت أيضاً المركز الراديكالي للثورة الدستورية الإيرانية 1906-1911م، وأنّ زعيم الحزب الديمقراطي الأذربيجاني ورئيس وزراء الحكومة الوطنية مير جعفر بيشاوري كان أحد الشخصيات الرئيسية في الحركة الشيوعية الإيرانية، ولقد كان وجود القوات السوفيتية في المنطقة عاملاً أيضاً. كان الوضع المعزّز للمرأة في المجتمع السوفييتي أحد الموضوعات المتكررة في وسائل الإعلام المطبوعة والمسموعة السوفيتية، ففي الصحافة الكردية والأذربيجانية تم تقديم مشاركة المرأة السوفيتية في الحرب ضد الفاشية دائماً كدليل على تحررها، ومن الجدير بالذكر أنه لم يتم الاعتراف بحقوق المرأة الفرنسية في التصويت إلا عام 1944م أي قبل عامين من أذربيجان.

. بعد نصف قرن من تشكيل الحزب النسائي يبدو أن الحركة النسوية في كردستان ما زالت متخلفة عن الحركة القومية، لقد طغى الاضطهاد القومي الوحشي على الاضطهاد الطبقي والجندرية، والأكثر إعاقة هو تركيز القادة الوطنيين على النضال الوطني، فمن الواضح أنهم يميزون الوطني على النضالات بين الجنسين والطبقية ؛ ويقلل العديد من الأحزاب القومية من شأن الهيمنة الطبقية والجندرية وتحيل مثل هذه القضايا إلى المستقبل، إلّا أنّ حزبان سياسيان كومله (المنظمة الكردستانية للحزب الشيوعي الإيراني) وحزب العمال الكردستاني سمحا للنساء بمساحة أكبر في الكفاح المسلح والتنظيم السياسي، ومع ذلك فإن دور المرأة في الحالتين الأخيرتين يذكرنا بعام 1946م فبينما انخرطت العديد من النساء في أنشطة غير تقليدية (على سبيل المثال: الوظائف العسكرية القتالية وغير القتالية والصحافة الحزبية والعمل الجماعي) لم تصل أي منهن إلى المناصب القيادية العليا.تمت إعاقة انتشار الحركة النسائية في الواقع من قبل بعض الأحزاب السياسية وعلى سبيل المثال الحزب الديمقراطي الكردي – العراق والاتحاد الوطني الكردستاني، الأول أكثر من الأخير، حيث يدعي الحزب الديمقراطي الكردستاني على سبيل المثال أن المجتمع الكردي إسلامي وتقليدي وبالتالي يجب على النساء إتباع الأشكال الدينية والتقليدية لسيطرة الذكور، وفي سياق التأكيد على تخلف المجتمع الكردي فإنّ هذه المجموعة من القوميين تقول المزيد عن إخلاصهم لنظام التسلط الذكوري أكثر من اهتمام النساء بالتقاليد [31].

. إنّ تزايد التحضر وتشكيل الطبقات الوسطى والعاملة وتقدم التعليم وظهور الجالية الكردية في الغرب كلها عوامل تساهم في انتشار الحركة النسوية وتواصلها المتزايد مع النسويات الاشتراكية والراديكالية، وقد بدأ بالفعل نقد نظام التسلط الذكوري من قبل النسويات الكرديات اللواتي لا ينتمين إلى أي حزب، إذ شكك الكتّاب الكرد إناثاً وذكوراً في عنف التسلط الذكوري الكردي في كردستان والمهجر.

. إن تاريخ حركة تحرير المرأة الكردية مثل الشعب الكردي نفسه مكبوت ولا يُعرف سوى القليل جداً عن إنجازاتها وإخفاقاتها، ويعتمد الكشف عن هذا التاريخ على تطور الحركة نفسها.

. أحد الاختلافات بين كردستان والغرب هو انتصار القومية في “الديمقراطيات الغربية”، فمنذ أواخر القرن الثامن عشر تولّت الحركات القومية الغربية سلطة الدولة وبنت أوطانها ودولها القومية، منذ البداية أقصت “القومية” النساء (انظر، من بين أدبٍ ناشئٍ، نيلسون 1998) ولم يتم اعتبار النساء “مواطنات” كاملات واستغرق الأمر أكثر من قرن من النضال النسوي قبل أن يُسمح لهن بممارسة حقوق المواطنة مثل التصويت، وقد تمكنت النساء فعلاً من خلال النضال السياسي المنظم والمواجهات الفكرية واسعة النطاق مع نظام التسلط الذكوري من انتزاع المساواة القانونية في العديد من “الديمقراطيات الغربية”. ومع ذلك فإن عدم المساواة متجذّر بعمق في المجتمع الرأسمالي.

. لا يزال الصراع بين القومية والنسوية دون حل والتناقض أكثر وضوحاً في الحركات القومية في العالم النامي، فقد تولت القوميات التركية والعربية والفارسية سلطة الدولة في سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى، إنّ سجلهم في التعامل مع العلاقات بين الجنسين ليس أفضل بأي حال من نظرائهم الغربيين، وعلى النقيض من ذلك تهدف الحركات القومية الكردية إلى تحقيق سلطة الدولة، وبقدر ما اكتسبوا خبرة من خلال الحكم الذاتي في إيران عام 1946م والعراق منذ عام 1992م لم تنحرف الحركات القومية الكردية عن الاتجاه الذي بدأ في الغرب.

. في كردستان سيستمر الصراع في التوسط من خلال المفاوضات والتسويات المفروضة على الجانبين من خلال وحشية الإبادة العرقية والإبادة الجماعية التي تمارسها الدول القومية الأربعة، ويبقى أن نرى ما إذا كانت النسويات الكرديات ستسمحن للقومية بأن تظل الحارس لنظام التسلط الذكوري. ومع ذلك سيكون من السذاجة افتراض أن القومية هي العقبة الوحيدة أمام تحرير المرأة، وكحركة واعية لإلغاء نظام التسلط الذكوري يتم إخضاع النسوية من الداخل من خلال المواقف النظرية التي تصدر دعوات المساومة. إن الدعوة في الغرب لـ “النسويات المحلية” الصادرة عن النسويات ما بعد الحداثة ومنظري سياسات الهوية تشجع على التسويات مع نظام التسلط الذكوري العرقي والقومي والديني. ومع ذلك فإن السياسة القومية الكردية “لقضية المرأة” تسبق دعوات ما بعد الحداثة بعقود (انظر كلاين، هذا المجلد). في حين أن القومية الكردية نجحت في القيام بدور الحارس للنظام الذكوري فإن المذهب المحلي ونظريات “الإذلال” تدعو النسوية إلى أن تكون مطيعة للحركة القومية. على الرغم من القمع القومي الوحشي الذي يُمارس ضد الشعب الكردي فمن المرجح أن النسويات الكرديات لن تلجأن إلى النظام الذكوري من أجل الدين والقومية والنقاء العرقي.

ملاحظات

1. هذا الفصل هو إعادة كتابة أخرى لبحثي المستمر حول هذا الموضوع، لقد استخدمت منشورات “Komeley J.K” (انظر أدناه) وصحافة جمهورية كردستان والمخطوطات والمقابلات والمصادر الثانوية.

2- استُخدمت كلمة “جمهورية” في جريدة كردستان الصادرة عن الحزب الحاكم، ولُقِّب قاضي محمد زعيم الحزب والحكومة بـ “رئيس الجمهورية”، كما وأصدرت اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردي قراراً أبلغت فيه الجميع باستخدام لقب “رئيس جمهورية كردستان” (re’îsî cumhûrî Kurdistan) في مراسلاتها مع قاضي محمد (كردستان، (1946م) 14، 13 شباط، ص 4) إلا أنه تحت الضغط السوفيتي تم إسقاط الاسم في السياقات الرسمية وأطلق على الرئيس لقب “الزعيم” (pêşewa)، بينما يواصل الكرد تسميتها “الجمهورية”.

3. “عقيدة كومله هي الديمقراطية وتسعى جاهدة لإسعاد حياة البشر” (المادة 8 من البرنامج المنشور في نيشتمان (1942م) 6: 6، تم نشر ثلاث مقالات فقط من الوثيقة الطويلة).

4. فُقد نص المسرحية وتم توفير الوصف الأكثر تفصيلاً بواسطة (فارشي، 1995) وتقديم سرد موجز في (ايغلتون، 1963).

5. جاء هذا الوعد في دستور الحزب (انظر الحاشية 9 أدناه)، انظر أيضاً (ايغلتون، 1963: 1-70).

6. سجل قرى البلاد (Ketāb-e Asāmi-ye Dehāt-e Keshvar) (1950: 26).

7. قاموس إيران الجغرافي (Farhang-e Joghrāfiyā’i-ye Irān) (1951: 512).

8. معلومات مستمدة من الحكومة الإيرانية (1961: 14-5).

9. دستور الحزب الديمقراطي الكردستاني(Marāmnāme-ye Hezb-e Demokrāt-e Kordestān) (1970: 30-1).

10. كردستان (1946م) 10 (6 شباط): 1، 4.

11. كردستان (1946م) 13 (11 شباط): 1.

12. نشرت مجلة الأطفال مناغاة الأطفال الكرد (Giřûgaĺî Mindaĺanî Kurd) هذه القصيدة:

إلى الفتيات

أيتها الفتاة الكردية! تعلمي أيضاً مثل أخيك الأكبر ولا تتراجعي أبداً عن التعليم يا عزيزتي. أخوكِ يحتاج إلى مساعدتك فهو بحاجة ماسة إلى أفكارك الرائعة. لا تخذليني، تعلمي لأن من يكون أمياً يكون أشبه بالحيوان. (1946: 7)

13. كردستان (1946م) 27 (25 آذار): 2-3

14. كردستان (1946م) 29 (30 آذار): 4.

15. كردستان (1946م) 24 (13 آذار): 7.

16. كردستان (1946م) 24 (13 آذار): 3.

17. كردستان (1946م) 79 (22 آب [يجب أن يكون 20 آب، أي 29 من شهر Gelawêj]): 4.

18. كردستان (1946م) 85 (5 أيلول [يجب أن يكون 12 أيلول، أي 21 من شهر Xermanan]): 1.

19. كردستان (1946م) 77 (15 آب): 4.

20. كردستان (1946م) 77 (15 آب 1946): 4.

21. كردستان (1946م) 85 (5 أيلول [يجب أن يكون 12، أي 21 من شهر Xermanan]): 1.

22. كردستان (1946م) 24 (13 آذار): 5.

23. كردستان (1946م) 16 (18 شباط): 4.

24. استناداً إلى المخطوطة التي كتبها محمد أمين منكوري (1958: 176-7) كان المؤلف نفسه من قبيلة منكور في اتحاد بلباس واستفسر عن تأثير الحكم على سكان المنطقة عندما كان مختبئاً هناك بعد سقوط الجمهورية بفترة وجيزة. انظر ادموندز (1957: 225-6) عن الفرار بين بلباس. أود أن أشكر السيد محمود ملا عزت على إتاحة المخطوطة لي والتي قد نشرها في السويد.

25. كردستان (1946م) 10 (4 شباط): 3.

26. كردستان (1946م) 2 (13 كانون الثاني): 4.

27. كردستان (1946م) 27 (25 آذار): 3.

28. كردستان (1946م) 28 (27 آذار).

29. كردستان (1946م) 73 (4 آب): 2.

30. كردستان (1946م) 72 (30 تموز): 4.

31. لإعطاء مثال واحد على هذا الخط في التفكير أقتَبسُ من مقابلة أجريت عام 1993م مع أربعة من قيادات اتحاد نساء كردستان (Yeketî Afretanî Kurdistan) وهو أحد منظمات الحزب الديمقراطي الكردي في العراق، لقد أنكرت إحدى النساء القتل الواسع النطاق للنساء في كردستان العراق وزعمت أن امرأتين فقط ربما قُتلتا في السليمانية، وعند سؤالها عن موقفهن من الهروب كوسيلة لتجنب الزواج المرتب أو تبادل البنات أو بيع البنات عارضت إحدى النسوة الأربعة هذه الممارسة لأنها كانت تتعارض على حد قولها مع تقاليد الشعب الكردي، وقد عارضت زعيمة أخرى في المنظمة النسائية الهروب وقالت:

لا أستطيع أن أقول بشكل مباشر إن [الهروب] أمر جيد، يجب أن نفهم المجتمع الذي نعيش فيه بوضوح ونتساءل أي ثقافة لدينا؟ وإذا تحدثنا عن حقوق المرأة في إطار واسع للغاية فإن المجتمع (komeĺ) نفسه سيقف ضدنا، يجب أن نسير مع المجتمع خطوة بخطوة، لقد أصبحت الثقافة الإسلامية والثقافة الكردية قانوناً مجتمعياً (yasay komeĺayetî) وإذا تجاوزنا هذه الحدود فلن ننجح.

كانت النساء الأربعة اللواتي تمت مقابلتهن من قيادات اتحاد نساء كردستان، وكُنّ في رحلة إلى أوروبا من أجل حشد الدعم لعملهن (جنكياني 1993: 122، 124).

المراجع

هيمن، م. (1943-4). محادثة الأخوات والإخوة (Axaftinî Xuşk û Birayan). نيشتمان ¾ (1322، كانون الأول 1943م-كانون الثاني 1944م): 23-4.

جنكياني، جزا (1993م). مقابلة مع أربع نساء ينتمين إلى اتحاد نساء كردستان (Çaw pêkewtinêk legeĺ çuwar afretî ser be Yekêtî Afretanî Kurdistan). خرمانه 9-10: 122؛ 124.

ايغلتون جونيور، وليام (1963م). الجمهورية الكردية عام 1946. لندن: مطبعة جامعة أكسفورد.

ادموندز، س.ج. (1957م). الكرد والأتراك والعرب. لندن: مطبعة جامعة أكسفورد.

قاموس إيران الجغرافي (Farhang-e Joghrāfiyā’i-ye Irān) (1951م) المجلد. 4. طهران- مطبعة آرتيش، 1330.

فارشي، برايم (1995م). موجز (ملاحظة) عن مسرحية “الوطن الأم” (Kurteyek le ser şanoy “Daykî Nîştman).كزنك 7: 23-28.

مناغاة الأطفال الكرد (Giřûgaĺî Mindaĺanî) (1946م). 1 (1) (21 آذار).

الحكومة الإيرانية (1961م). وزارة الداخلية، الإحصاء العام، إحصائيات منطقة التعداد الوطني الأول لإيران، أبان 1335 (تشرين الثاني 1956م)، المجلد 47، منطقة تعداد مهاباد، أيار 1961م: 14-5.

سجل قرى البلاد (Ketāb-e Asāmi-ye Dehāt-e Keshvar) (1950م). المجلد. 1، المقاطعات 1 و 2 و 3 و 4، طهران، وزارة الزراعة ، إدارة الإحصاء والمواطنة (Vezārat-e Keshvar, Edāre-ye Koll-e Āmār va Sabt-e Ahvāl, Farvardin) 1329، الطبعة الثانية: 26.

منكوري، محمد أمين (1958م). القصة السياسية للكرد من 1914م إلى 12 تموز 1958م (Beserhatî Siyasî Kurd le 1914-ewe heta 12-ey Temûzi 1958)، المجلد 1، مخطوطة. نُشر في السويد بالعنوان نفسه الجزء 1، 1999م.

دستور الحزب الديمقراطي الكردستاني(Marāmnāme-ye Hezb-e Demokrāt-e Kordestān). في: توده 19، تير 1349/1970: 30-1.

ميكائيلي، رسول (1946م). تعليم المرأة (Ĥamlandinî Jinan). ‘كردستان 75 (11 آب): 4.

نيلسون، دانا (1998م). الرجولة الوطنية: المواطنة الرأسمالية والأخوّة المتخيلة للرجال البيض. دورهام: مطبعة جامعة ديوك.