كان قد صدر عن مركز الأبحاث العلمية والدراسات الكردية في دهوك، الطبعة الأولى من الجزء الأول لكتاب (سلاطين هفيركان/ صفحة من تاريخ الكرد)، وهو من تأليف الباحث الكردي (نذير جبو)، قام الدكتور خليل علي مراد بترجمته من التركية إلى العربية، وراجعه وقدمه الدكتور (عبد الفتاح علي البوتاني)، وطبع الكتاب في مطبعة جامعة دهوك عام (2012)، يتوزع الكتاب على (356) صفحة من القطع الكبير، يتناول المؤلف خلالها تاريخ التحالف الهفيريكي الذي يضم، إلى جانب الكرد، الإيزيديين والمسيحيين، ويلقي الأضواء على علاقاته مع إمارة بدرخان، والدور الذي لعبه هذا التحالف بعد انهيار إمارة بوتان وتحرره من تبعيتها، ومن ثم بروز نجم حاجو الثالث من بين زعماء هذا التحالف العشائري، الذين سموا أنفسهم بـ(سلاطين هفيركان).

ويتناول المؤلف في كتابه، الصراعات التي شهدتها عائلة عثمان، ويفتح سجل التصفيات الداخلية بين أفرادها على الزعامة، ويتناول أيضاً تطور الأحداث المتسارعة التي أدت إلى نشوب الحرب العالمية الأولى (1914- 1918)، وانهيار الامبراطورية العثمانية، واندلاع ثورة الشيخ سعيد بيران عام (1925)، والنتائج التي تمخضت عن القضاء عليها بالحديد والنار، ويبحث الكتاب في مواقف حاجو الثالث من كل تلك الأحداث، وبشكل خاص اللغط الذي رافق حادثة حضوره جلسة محاكمة الشيخ سعيد، حيث أشيع بأنه كان من المقرر- حينذاك- أن يتم تكليفه بسحب كرسي الإعدام من تحت قدمي الشيخ سعيد بيران، وانسحابه في اللحظة الأخيرة من قاعة المحكمة بعد أن حذره البعض في اللحظة الأخيرة من مغبة ذلك..

يبحث الكاتب موسعاً في تاريخ التحالف الهفيركي وتاريخ سلاطينه، وبشكل خاص الدور الذي لعبه حاجو آغا في الصراع الدائر على جانبي الحدود بين الدولة التركية والفرنسية، حيث كان هجومه على الحامية الفرنسية المتواجدة في بياندور، وتصفية الضابط الفرنسي (روكار)، بالتعاون مع عشائر منطقة آشيتا، بمثابة الاختبار الأول الذي اجتازه بنجاح، وهذه الخطوة شكلت البوابة التي سطع منها نجمه في المنطقة.

ولكن بعد انهيار ثورة الشيخ سعيد، وبدء الدولة العثمانية بتصفية الزعماء الكرد من دون استثناء حتى الموالين لها، يضطر حاجو للانتقال مع عدد من مقاتليه إلى الطرف الآخر من الحدود حيث الفرنسيون له بالمرصاد، ولكنه ينجح في الأخير بدهائه في إقناعهم بأنه سيلعب دوره الجديد بالتعاون معهم في مواجهة الدولة التركية التي كانت في صراع ساخن- آنذاك- مع الفرنسيين حول رسم الحدود التي لم تكن قد أخذت شكلها النهائي، فيصبح- خلال النصف الأول من القرن العشرين- رقماً مؤثراً في الصراع الدائر بينهما على جانبي الحدود، اللذين كان يفصل بينهما خط سكة الحديد المتجه نحو الموصل، فسميت المناطق التي بقيت داخل الحدود التركية بعبارة (فوق الخط/ Serxet)، ويقصد بها المناطق الواقعة شمال خط الحديد، أما عبارة (تحت الخط/ Binxet)، فيقصد بها المناطق الواقعة جنوبي هذا الخط، وهي الواقعة ضمن الحدود السورية، وهكذا، وكما يقول صالح هوّاش المسلط: ( انقسمت بموجبها عشائر- الجزيرة- الكرديّة إلى قسمين، شطرٌ في تركيا، والآخر في سوريا، وأصبح الخطُّ الحديدي حدوداً رسميةً بين الدولتين- سوريا وتركيا- وتم تفريق شمل العشيرة الواحدة، والعائلة الواحدة..)(1).

لقد تبين بأن الدور الجديد لحاجو آغا، وهو الزعيم القبلي ذائع الصيت، تمثل في إلباسه لباساً قومياً، لذلك سلط الكاتب، خلال القسم الأخير من كتابه، الأضواء على هذه الشخصية المثيرة للجدل، وأمعن في تشريحها من خلال التركيز على الأحداث المتتالية التي لعب فيها هذا الدور المركب كقائد عشائري ارتدى ثوباً قومياً تبين بأنه كان فضفاضاً، فقد حاول حاجو، وكما يقول الدكتور عبد الفتاح بوتاني: (أن يوفق بين العشائرية والدين والقومية، وأن يوجد ما يمكن أن يسمى بالقومية العشائرية، ولكن لم يكن ذلك صحيحاً)(2).

ويتناول المؤلف موقف حاجو آغا من ثورة الشيخ سعيد بيران عام (1925)، حيث يقول: (اضطرت الدولة إلى استخدام الوسيلة الفعالة المألوفة لديها، وهي تحطيم الكردي بالكردي، فكان الهفيركانيون إحدى القوى التي أرادت الدولة استخدامها ضد حركة الشيخ سعيد.. ص125)، ويضيف المؤلف: (كان زعيم الهفيركان في مأزق لا يمكن الخروج منه، وكان التعامل مع الوضع صعباً جداً، فقد كان عليه أن ينهج أسلوباً لا يثير انتقادات الدولة ضده، وفي نفس الوقت لا ينضم إلى جانب الدولة حتى لا يوصم بعار الخيانة، أي كان عليه ضرب عصفورين بحجر.. ص126)، وفي هذا المجال يقول بروينسن: (إن من غير الممكن القول أن حاجو نجح في تحقيق هدفه هذا، وهو أن يبقى بعيداً عن قوات الحركة ولا يشتبك معها لئلا يقع في موقف خيانة القضية الكردية.. ص130).

يتوقف الكاتب عند الصراع الذي كان يدور داخل عشيرة هفيركان حول الزعامة، وكذلك صراعها مع العشائر الأخرى حول مناطق النفوذ، وخاصة مع خصومها اللدودين من (الدكشوريين)(3) ، وهنا يلقي الكاتب الأضواء على ظاهرة العشيرة في المجتمع الكردي وتأثيرها على وحدته، ويتطرق خلال دراسته هذه إلى تركيبة التحالف الهفيركي الذي ضم (24) عشيرة(4)، بينهم الايزيديون والمسيحيون والسريان الذين تجمعهم روح التعاون والتكاتف والوئام، حيث ذكر بروينسن قائلاً: (إن المسيحيين الذين يعيشون بين الهفيركانيين أقل تعرضاً للاضطهاد، سياسياً واقتصادياً من المسيحيين الذين يعيشون في مناطق أخرى من كردستان، بل حتى أنهم كانوا يعدون من منتسبي العشيرة.. ص80)(5)، وكذلك ينقل المؤلف عن المؤرخ السويدي (يوناس لندر هولم)، بأنه كتب في كتابه الصادر عام (1915)، بعنوان (شرق الأناضول)، مايلي: (كان الاتحاد الهفيركاني الكردي موجوداً منذ منتصف القرن التاسع عشر في طور عابدين في القسم الشرقي من سنجق ماردين، ويتألف هذا الاتحاد من العشائر الأربع والعشرين الباقية من إمارة بوتان، وكان المسيحيون السريان والإيزيديون يعاملون على قدم المساواة كغيرهم من أعضاء الاتحاد.. ص81).

الحقيقة، أن أهمية الكتاب تنبع من جرأة الكاتب في اقتحام بعض الخطوط الحمراء حول دور حاجو الثالث الذي كان بحق شخصية كارزمية هامة جمعت خلال النصف الأول من القرن العشرين بين الزعامتين (العشائرية والقومية)، وأدت دوراً سياسياً خطيراً باللعب على التناقضات الشديدة بين الفرنسيين والحكومة التركية، وكذلك محاولة الكاتب وبنظرة نقدية الكشف عن جوانب القصور والخلل في هذه الشخصية التي وصمت في بعض المنعطفات بالخيانة، ويقدم التفاصيل عن موقف حاجو من ثورة الشيخ سعيد وحضوره شخصياً جلسة محاكمته، وكذلك موضوع تكليفه بسحب كرسي الإعدام من تحت قدميه.. إلخ.

وحول حكاية حضور حاجو محاكمة الشيخ سعيد، يقول نجله جاجان: (حكى لي والدي- أيّ حاجو- إنهم ألبسوه زي ضابط في الجيش التركي، وأجلسوه بين الضباط في قاعة المحكمة..)(6)، ويضيف جاجان بأن: (المحقق علي صائب سأل الشيخ سعيد: ألم يكن حاجو مؤيداً لك؟ فيجيب الشيخ سعيد على سؤاله: كلا أنه كان عدونا وقد قاتل ضدنا..)(7)، ويقول أيضاً: (كلف علي صائب والدي في نهاية المحكمة أن يسحب حبل مشنقة الشيخ سعيد، وضغط عليه من أجل القيام بذلك..)(8)، وهكذا يضطر حاجو آغا أن يغادر المحكمة على عجل وينصرف بعد أن أشار عليه البعض في اللحظة الأخيرة، ففعل ذلك واضطر أن يواجه الدولة فيما بعد وينسحب بنتيجة فشله في تلك المواجهة إلى تحت الخط عام (1926)، ليستقر في تربسبيي (القحطانية)، بعد أن رفض البريطانيون استقباله في العراق: (فلجأ إلى الفرنسيين ليعلن لهم بأنه لا يكن لهم أيّ عداء..إلخ)(9) ، وهكذا: (يكون حاجو قد غير من ولاءاته ثلاث مرات في غضون أقل من سنتين، من الأتراك إلى البريطانيين ثم إلى الفرنسيين)(10).

ومن هنا تبدأ المحطة الثانية من حياة حاجو، والدور الذي لعبه في الجزيرة السورية بالتعاون مع الفرنسيين خلال أحداث النصف الأول من القرن العشرين، فيتناول الكاتب بالتفصيل هذا الدور الذي لعبه حاجو في الصراع الدائر حول مشكلة ترسيم الحدود، حيث يبادر في البداية إلى نسج علاقات قوية مع متصرف نصيبين (النقيب اسماعيل حقي كوندز)، الذي كان هدفه الاستراتيجي إبعاد خطر القوات الفرنسية عن حدود تركيا مع سوريا، وحينذاك كانت الثكنة العسكرية التي نصبتها القوات الفرنسية على تلة قرية (بياندور)، تقلق الحكومة التركية جداً، فاستغل حقي بمهارة احتقان أهالي منطقة (آشيتا)، وانزعاجهم من انتهاكات القوات الفرنسية الموجودة في حامية بياندور وإهاناتها المستمرة لهم، ليبادر إلى التنسيق مع حاجو وتقديم الإمكانات اللازمة له ليتواصل مع هؤلاء السكان والعمل معهم من أجل اقتحام الثكنة وحرقها وإجبار قواتها على الرحيل، وفي هذا المجال يؤكد حفيد حاجو، شاهوز، على الدعم الذي قدمته الحكومة التركية لجده، فيقول بأن: (القتال الذي نشب بين حاجو آغا وبين الفرنسيين فيما سبق لم يكن هكذا من دون سبب، وإنما بتحريض من الأتراك، وبأن الأتراك أرسلوا إليه كمية من ذخيرة البنادق كي يحاربهم بها..)(11).

لقد توارثت عائلة (آل عثمان)، زعامة التحالف الهفيركي رغم الانشقاقات والصراعات الداخلية والتي بلغت حد التناحر في بعض المراحل، وكان التحالف الهفيركي على علاقة دائمة مع أمراء بوتان، متعاوناً معهم ضد الدولة العثمانية، وذلك كردة فعل من الهفيركيين ضد خصومهم التاريخين (الدكشوريين)، الذين اصطفوا من جهتهم مع الدولة واستقووا بها ضد آل عثمان، ولكن المؤلف يبين بأن حاجو الثالث قام بخرق هذا التقليد واصطف مع الدولة ضد ثورة الشيخ سعيد بيران عام (1925)، وينقل المؤلف عن (نورالدين زازا)(12)، بأنه قال: (أثناء الانتفاضة الكردية في عام 1925، نجح كمال أتاتورك في خداع حاجو آغا، واستخدم قواته ضد رجال الشيخ سعيد..ص 128).

المهم في الأمر، أن المؤلف يتابع بدقة خيوط هذه القضية التي اختلفت حولها الآراء وكثرت السجالات، فيقول بأن علي بطي الثاني يدافع عن موقف عمه حاجو آغا، ويشكك في كلام الشيخ سعيد بيران في المحكمة: (عندما سأله علي صائب عما إذا كان يعرف حاجو أم لا، فأجابه الشيخ سعيد: كلا، إنه عدونا وقد قاتل ضدنا.. ص133)، وينقل الكاتب عن لسان علي بطي الثاني الذي قال بأن ما قاله الشيخ سعيد لم يكن صحيحاً، وبأنه قال ذلك فقط من أجل أن يحمي حاجو وينقذه من انتقام الدولة، حيث يقول علي بطي الثاني: (كانت الدولة تعرف أن حاجو مؤيد للشيخ سعيد ويقدم الدعم لحركته، ولهذا السبب دعي حاجو إلى المحكمة، وكانت الغاية من ذلك اغتنام الفرصة وإعدامه.. ص136)، ويعترض بهجت بطي (وهو من أحفاد علي بطي)، أيضاً على ما قاله عمه جاجان حاجو في لقائه المذكور ويطعن في شهادته، قائلاً: (كان عمي جاجان رجلاً طاعناً في السن ومريضاً عندما أجريت المقابلة الصحفية معه، ولم يكن في حالة يستطيع فيها أن يتذكر بشكل سليم، فقد كان يخلط بين أمور كثيرة، وربما كان لايتذكرها.. / ص136)، إلاّ أن أوصمان صبري من جهته يؤيد في مذكراته المنشورة بالكردية ما قاله جاجان، حيث يقول: (قام محمد أمين وعبدالقادر ديريي وحاجو آغا الهفيركي مع أتباعهم بقطع الطريق على الحركيين قرب قرية قرة باغجة ودخلوا في معركة ضدهم..)(13)، ويضيف أوصمان صبري أيضاً بأن حاجو شخصياً أخبره فيما بعد: (إن سبب اشتراكه في هذه المعركة ضد الحركيين، هو أنه لم تكن لديه معلومات عن أهداف الحركة..)(14)، وفي هذا المجال يقول الكاتب نذير جبو: (مهما يكن مبرر تحرك حاجو، فقد لاحظنا أن ابنه جاجان بالذات يروي مسألة وقوف والده إلى جانب الدولة ضد الحركة الكردية، أو إنه اضطر إلى أن يتخذ هذا الموقف.. ص130).

ويقوم المؤلف بالمقارنة بين ما قاله جاجان ابن حاجو وما قاله علي بطي الثاني حفيد علي بطي (عم حاجو)، حول حقيقة موقف حاجو الثالث من حركة الشيخ سعيد، مرجحاً رأي جاجان باعتباره كان مشاركاً بنفسه في الأحداث، فضلاً عن أن والده أقرّ بنفسه لأوصمان صبري بذلك خلال لقائه به، أما علي بطي الثاني فيظل موقفه مفهوماً بالنسبة للمؤلف ويعتبره مجرد رغبة عاطفية، وتأويل شخصي لا يستند على أيّ دليل، وأخيراً يؤكد المؤلف بأنه: (مهما كانت نية حاجو وهدفه، فإنه لم يتخلص من وصمة العميل والخائن في أوساط القوميين الكرد.. ص138)، وبغض النظر عن حقيقة موقف حاجو، فإن الدولة التركية، وعلى إثر قضائها على ثورة الشيخ سعيد وإعدامه، لم تستثن أحداً من الاننتقام، وإنما استهدفت الجميع، المعارضين والموالين معاً ومن بينهم حاجو أيضاً، لمجرد كونهم أكراداً ليس إلاّ، وذلك انطلاقاً من شعارها المتمثل في أن الكردي الجيد هو الكردي الميت ليس إلاّ.

يتناول الكتاب في قسمه الأخير انتقال حاجو إلى سوريا عام (1926)، مع أقربائه وأصدقائه المقربين له، ومن بينهم عوائل ايزيديه وسريانية كثيرة، وذلك بعد انتهاء علاقاته مع الحكومة التركية، وفشل الانتفاضة التي قادها ضد الدولة عام (1926)، والذي سارع إلى التصالح مع الفرنسيين الذين قرروا التعاون معه والاستفادة من نفوذه وأخذه ورقة مؤثرة للضغط على الحكومة التركية من أجل القبول بالشروط الفرنسية في مسألة ترسيم الحدود من جهة، ومن جهة اخرى لخلق نوع من التوازن الداخلي مع المكونات السورية الأخرى وخاصة المكون العربي، ومواجهة الكتلة الوطنية التي كانت تطالب بانهاء الانتداب الفرنسي وخروج قواته من البلاد، وفي هذا المجال يقول الدكتور سعد ناجي جواد، ما يلي: (بالإمكان التأكيد على أن فرنسا فعلت ذلك بهدفين: الأول لتشجيع الأكراد للوقوف الى جانبها من جهة، ومن جهة أخرى لموازنة ثقل الوطنيين السوريين الذين كانوا يطالبون بالاستقلال الكامل ويرفضون ربط سورية بأية معاهدة، والهدف الثاني هو لتخويف تركيا التي كانت تحارب نفوذ فرنسا في المنطقة وترفض تخطيط الحدود بينها وبين سوريا..)(15).

وبعد أن أعفى الفرنسيون عن حاجو الذي كان مطلوباً لديهم بسبب دوره في أحداث بياندور عام (1923)، قاموا بدعمه وتعزيز نفوذه في المنطقة ليصبح: (وبسبب مهاراته الديبلوماسية المتحدث الأول باسم العشائر الكردية لدى الفرنسيين.. / ص181)، وخصصوا له راتباً شهرياً، وساعدوه في امتلاك بلدة تربسبيي (القحطانية)، والاستقرار فيها لتصبح فيما بعد عاصمة جديدة له بعد (مزيزخ)، وشجعوه على وضع يده على العشرات من قرى جراح المحيطة بتربسبيي، ونزعها من ملاكيها الكرد وتمليكها لأبنائه، كما أن الفرنسيين صاروا يشغلون العمال عن طريقه الأمر الذي استقطب حوله قطاعات واسعة من الجماهير الفقيرة والمسحوقة، فيقول الكاتب بأنه: (صار القرويون يدفعون لحاجو قسماً كبيراً من ضريبة العشر التي كانوا يدفعونها إلى الدولة العثمانية على مدى قرون.. ص182)، كما أن الكاتب الهولندي بروينسن، يقول: (عندما كان الفرنسيون يحتاجون إلى عمال كانوا يطلبون ذلك من حاجو، وكانوا يدفعون الرواتب لهؤلاء، ولذا كان كثير من الناس ينضمون إلى حاجو..)(16).

يبحث المؤلف في أصول عائلة عثمان، وينتهي إلى القول، بأنه: (لا توجد لدينا معلومات قاطعة حول المكان الذي جاءت منه أسرة آل عثمان، الأسرة الأخيرة التي تزعمت الهفيركانيين، وحسب قول جاجان حاجو فإنهم جاؤوا من أطراف مدينة تبريز.. ص45)، ويضيف، قائلاً: (في عام 1847، وهو العام الذي سقطت فيه حكومة بوتان، كان زعيم أسرة آل عثمان هو حسن الأول، وكان قائداً قوياً جداً، فمع سقوط إمارة بوتان أمسك حسن بزمام قيادة الهفيركان، واستطاع أن يعزز التنظيم المشتت ويؤسس مجدداً وحدة الاتحاد الهفيركاني، وبعد وفاته حل محله ابن أخيه ساروخان الأول.. وبعد مقتله ساروخان تولى حاجو الثاني، ابن أخيه حسن الأول، زعامة العشيرة في عام 1875.. ص62).

لقد ولد حاجو آغا الثالث أواخر عام (1889)، وهو الإبن الوحيد لحاجو الثاني الذي كان جمو (وهو زعيم الدكشوريين، والخصم اللدود لحاجو زعيم الهفيركيين)، قد قتله نحراً، حيث كان حاجو الثالث لايزال حينذاك جنيناً في بطن أمه، ويعتبر حاجو الثالث من أشهر زعماء آل عثمان بعد عمه عليكي بطي الذي قتل هو الآخر في ظروف غامضة عام (18/8/1919)، وسمي زعماء آل عثمان بـ(سلاطين هفيركان)، الذين حكموا التحالف الهفيركاني لعقود متتالية مصطفين مع آل بدرخان في الجبهة المعادية للدولة التي تقف معها خصومهم (الدكشوريون).

وهكذا، وكما يقول المؤلف، فقد استطاع حاجو آغا: (ومن خلال مناورات ديبلوماسية غير متوقعة من زعيم عشيرة تقليدي كسب ثقة الفرنسيين في غضون فترة قصيرة.. ص180)، فتنامت نفوذه بشكل متسارع يوماً بعد يوم، وتمكن بذكائه وحكمته من استثمار الإمكانات التي وفرّها له الفرنسيون ليصبح زعيماً قوياً يمثل العشائر الكردية لدى الفرنسيين من دون منازع، فأثار دوره المتنامي هذا، القلق لدى زعماء المنطقة كلهم وخاصة الكرد منهم، فوقفوا ضده، وفي هذا المجال يقول المؤلف: (كانت قوة وسلطة حاجو تزداد يوماً بعد آخر، وكان هذا مبعث الانزعاج وعدم الارتياح لدى عشائر المنطقة، وحتى لدى آغوات دوركا، الذين ساعدوه قبلاً وأهدوه قطعة أرض ومدوا له يد الصداقة، فأنهوا الخلافات فيما بينهم وشعروا بضرورة توحيد قواهم ضده.. /ص 182)، ويقول برونسين أيضاً: (ان ما كان يثير قلقهم أصلاً هو النفوذ الذي صار يتمتع به حاجو لدى الفرنسيين..)(17).

إن حشد العشائر الكردية ضد حاجو فيما بعد بسبب تخوف زعمائها من تراجع نفوذها، وكذلك التذمر الذي أثير بين الهفيركيين بسبب مساهمته عن طريق أحد رجاله اليزيديين (شمدين اليزيدي)، في قتل ابن عمه وشقيق زوجته ومنافسه الأقوى على زعامة العشيرة (ساروخان)، هذا فضلاً عن ابتعاده عن جمعية خويبون بسبب استقالته منها عام (1934)، التي – وكما ينقله المؤلف عن جكرخوين- بأنها: (جاءت نتيجة الخلاف بين عائلة حاجو وعائلة جميل باشا.. ص 226)، كل ذلك قلّل من أهمية حاجو ودوره لدى الفرنسيين، خاصة وأن ذلك جاء متزامناً مع إنهاء الفرنسيين لخلافاتهم الحدودية مع الدولة التركية، وبالتالي ليس فقط توجههم نحو الاستغناء عن استخدام حاجو كورقة ضغط، وإنما بدأوا يمتثلون للشروط التركية ومطالبتها لهم بالكف عن دعم حاجو وإبعاده عن الحدود، وبهذا الصدد يقول جاجان حاجو: (وفي النهاية قام الفرنسيون بنفي أبي إلى دمشق قائلين له أنك تنتهك الحدود بدون علمنا، وحسب التفاهم الذي توصلوا إليه مع حكومة أنقرة وضعوا شرطاً لإبعاده عن الحدود مسافة 50 كم..)(18)، وعلى إثر ذلك سارع الفرنسيون أيضاً في عام 1939: (إلى قطع الدعم المالي الذي كانوا قد خصصوه لحاجو آغا منذ عام 1930../ ص221).

لاشك بأنه وبالرغم من صعوبة تلخيص كتاب بهذا الحجم وبهذه الأهمية، في مقال كهذا، حيث تطرقنا باختصار شديد إلى المحاور الأساسية التي طرحها المؤلف في كتابه (سلاطين هفيركان)، ولكن مع ذلك حاولنا أن نقرأ بإسهاب الخطوط العريضة لملامح شخصية حاجو الثالث الذي كان بحق شخصية هامة أشغل الفرنسيين والأتراك على جانبي الخط الفاصل بين تركيا والدولة السورية الحديثة، على مدى النصف الأول من القرن العشرين، والذي حاول جاهداً أن يلعب على تناقضاتهما ولكنه لم يفلح، فمثلما انقلب عليه الأتراك، كذلك تخلى عنه الفرنسيون بعد أن قاموا بتسوية مشاكلهم مع الجانب التركي الذي اشترط أن يقوم الفرنسيون بتطويق حاجو والتضييق عليه، وكان لهم ذلك بالفعل حيث تم إبعاده وعزله إلى أن توفاه الأجل، ليدفن في مقبرة دوكر بتاريخ (23/4/1940).

حقيقة كان حاجو آغا زعيماً عشائرياً متألقاً لتحالف واسع من العشائر الكردية، ضم أيضاً الايزيديين والسريان، ونجح بجدارة في تصفية خصومه العشائريين ليظل في قيادة عشيرته من دون منازع، إلاّ أنه لم ينجح مع الأسف الشديد في أن يكون قائداً قومياً كما كان يطمح إليه، وهكذا، فإن النتيجة التي توصل إليها الدكتور نذير جبو، مؤلف كتاب (سلاطين هفيركان..)، هي أن حاجو آغا لم ينجح في إيجاد ما يسمى بـ(القومية العشائرية)، وهي النتيجة نفسها التي أكدها الدكتور عبد الفتاح بوتاني أيضاً في تقديمه لهذا لكتاب الذي بين يدينا.

وختاماً، لابدّ أن نذكر بأن الكاتب كان قد أنجز كتابه هذا باللغة التركية في استنبول عام (2010)، واعتمد في إنجازه على سلسلة طويلة من المراجع الدقيقة والمصادر ذات المصداقية، فضلاً عن جملة من الملاحق والخرائط والصور الهامة بالنسبة لبحثه، كما إن الكاتب نفسه نشأ في أسرة ذات شأن من عشيرة (سيدان)، التابعة لاتحاد عشائر هفيركان، فهو مطلع بنفسه على بعض من هذه الاحداث التاريخية عن قرب، الأمر الذي زاد من أهمية الكتاب، وعزز من مصداقيته أكثر، ولكن بالرغم من ذلك، يقول المؤلف: (لاشك أنني لا أدعي القيام بإنجاز دراسة غنية وشاملة عن الموضوع، بل إن هدفي هو ضمان تقديم مساهمة، حتى لو كانت صغيرة، وسأعتبر نفسي سعيداً إن كنت قد نجحت في ذلك..ص24).

24/3/2021

——

*- تنويه: لقد نشر هذا المقال في (مجلة الحوار- العدد 76- عام 2020)، بعنوان: حاجو آغا في مرآة (سلاطين هفيركان)، وقد رأينا أن نعيد نشره من جديد بعنوان (قراءة في كتاب: سلاطين هفيركان)، وذلك بعد إجراء بعض الإضافات الضرورية.. (ع. ش).

(1)- للمزيد راجع مقال صالح هوّاش المسلط، المنشور بتاريخ (03/05/2018)، في موقع (مركز الفرات للدراسات)، بعنوان (نبذة تاريخيّة عن عشائر الجزيرة السورية في أوائل القرن الماضي)، على الرابط التالي:

نبذة تاريخيّة عن عشائر الجزيرة السورية

(2)- عبد الفتاح بوطاني، تقديم كتاب (سلاطين هفيركان)..ص 18.

(3)- الدكشوريون: هم عبارة عن تحالف عشائري كبير، ويعد هذا التحالف المنافس الأساسي للتحالف الهفيركي، وبينما كان التحالف الهفيريكي تابع لإمارة بوتان ضد الدولة، كان التحالف الدكشوري مؤيداً للدولة العثمانية ولم يدخل في أيّ وقت من الأوقات تحت سلطة إمارة بوتان، لابل كان يستقوي بالدولة ضد إمارة بوتان، وبشكل خاص ضد التحالف الهفيركي..(للمزيد راجع كتاب سلاطين هفيركان.. ص 62).

(4)- العشائر المتحالفة في إطار التحالف الهفيركي، هي: 1- عليكا، 2- شمكا، 3- دومانا، 4- دلممكا، 5- أربيا، 6- سالحا، 7- دوركا، 8- داسكا (يزيدي)، 9- خليل بكي (محلمي)، 10- حجي سليمانا، 11- برافي، 12- باسقلي، 13- رايت (مسيحي)، 14- شفقتا، 15- جيلكا (يزيدي)، 16- محوكا (يزيدي)، 17- جومرا، 18- بعجولا (يزيدي)، 19- كليلكا، 20- بوتا، 21- سالكا (يزيدي)، 22- أومركا، 23- أليكا، 24- ديرا.

(5)- مارتن فون بروينسن، كتاب (الآغا والشيخ والدولة/ البنية الإجتماعية والسياسية لكردستان)، ترجمة أمجد حسين، صادر عن مكتب النشر التابع لمعهد الدراسات الإستراتيجية ببيروت، عام 2007.

(6)- لقاء أجراه الصحفي الكردي (حامد قليج ارسلان)، مع جاجان ابن حاجو، نشر في مجلة (جرا). عام (1982).

(7)- لقاء أجراه الصحفي الكردي (حامد قليج ارسلان)، مع جاجان

(8)- لقاء أجراه الصحفي الكردي (حامد قليج ارسلان)، مع جاجان

(9)- شاهوز حاجو، (حاجو)، على الرابط:

http://www.welateme.net/kurdi/modules.php?name=News&file=article&sid=1770#.XriL2_8zbIU

(10)- محمد جمال باروت، (التكوين التاريخي الحديث للجزيرة السورية)، ط1/ بيروت ت2 2013 ص251.

(11)- شاهوز حاجو، (حاجو).. مصدر

(12)- الدكتور نور الدين زازا: شقيق الدكتور نافذ بك، وهو من مواليد معدن بكردستان تركيا عام (1919)، حاز شهادة الدكتوراه في العلوم التربوية في عام 1956، عاد بعد تخرجه إلى سوريا ليصبح أول رئيس لأول حزب سياسي كردي في سوريا، تعرض خلال نضاله للسجن والملاحقة والتعذيب، توفي في سويسرا ودفن هناك عام 1988 ، للمزيد راجع مقال (زنار مصطفى)، بعنوان: (سطور عن حياة الدكتور نور الدين ظاظا/ 1919- 1988)، المنشورة في موقع ويكبيديا، بتاريخ (19/3/2017)، على الرابط:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B4_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AF%D9%85:Z.Siamend

(13)- مذكرات أوصمان صبري، ص37.

(14)- مذكرات أوصمان..

(15)- الدكتور سعد ناجي جواد، كتاب (الأقلية الكردية في سوريا، عام (1988)،. ص14.

(16)- مارتن فون بروينسن، كتاب (الآغا والشيخ والدولة).. مصدر سابق.

(17)- مارتن فون بروينسن.. مصدر سابق.

(18)- لقاء أجراه الصحفي الكردي (حامد قليج ارسلان)، مع جاجان .. مصدر سابق.