(تنشر المادة بالتزامن بين مجلة “الحوار” العدد76 و” مدارات كرد” )

 

 

الكولونيل مارك سايكس Mark Sykes (1879–1919م) دبلوماسي وسياسي بريطاني معروف ارتبط اسمه باتفاقية سايكس وبيكو السرية (1916) والتي عقدت بين بريطانيا وفرنسا بغاية تقسيم إرث الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1918). عمدت بريطانيا وقبل رسم سياساتها بخصوص الشرق إلى ارسال دبلوماسيين وجواسيس إلى المنطقة ومن بينهم مارك سايكس، للقيام بدراسة أحوال المنطقة وشعوبها من مختلف النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولتحقيق هذه الغاية قام مارك سايكس برحلة طويلة ضمن مناطق سوريا والأناضول وكردستان. ويخبرنا سايكس في كتابه “ميراث الخلفاء الأخير״[1] بأن المعلومات التي جمعها في كتابه هي نتائج تجوالٍ لنحو  (12 ألف كلم) على ظهر الخيل، ومحادثات لا تعد ولا تحصى مع رجال الشرطة والمسلحين والملالي والرعاة وتجار الأغنام وتجار الخيول وشركات النقل وغيرهم من الأشخاص القادرين على إعطاء معلومات مباشرة.

يتألف كتاب سايكس من جزأين يحوي كل منهما عدة فصول: في الجزء الأول يعرض سايكس وبشكل مختصر تاريخ المنطقة والإمبراطوريات والممالك التي حكمتها منذ القدم وحتى الفترة العثمانية. أما في الجزء الثاني فيعرض فيه معلومات عن الجزيرة والعراق والأناضول وكردستان وسوريا. في هذه الأسطر سأعرض فقط المعلومات التي عرضها سايكس عن منطقة الجزيرة و التي أفرد لها فصلاً خاصاً في الصفحات 298-340 من الكتاب.

بدأ مارك سايكس رحلته إلى الجزيرة من مدينة حلب وذلك سنة 1906، انطلق منها باتجاه مسكنة وبحسبه فإن الناس في المنطقة الممتدة بين المدينتين يسكنون في قرى بنيت منازلها من الطين ، وينتمي سكان تلك القرى إلى خليط من الأثنيات، يتحدثون التركية والكردية والعربية. وبعض تلك القرى كانت تخص أثرياء حلب، وكان لهم نفوذ كبير بحيث يستطيعون حماية مستأجريهم من السلطات، الأمر الذي يشير إلى فساد السلطات العثمانية والفساد المستشري في مؤسساتها. ثم يبدأ سايكس بوصف مكونات شرق حلب حيث يقول: إلى الشرق من حلب يوجد شعب مميز، حيث يتمتع الكرد والعرب بمزايا آبائهم المفعمة بالاحترام. يبدو لي أن شباب الجيل الأول يتمتعون ببشرة جميلة وبنية جسدية قوية وقلوب طيبة وهم بطبيعتهم أناس كادحون . وقبل سرده لتفاصيل رحلته إلى منطقة الجزيرة يتحدث سايكس عن مكونات الجزيرة بالشكل الآتي: خلف الفرات تقع الجزيرة وهي مسكونة بقبائل كردية وعربية ويزيدية (إيزيدية – المترجم). وقد انتقل عدد جديد من السكان الكرد والعرب إلى المنطقة. لقد اندفع العرب نحو الشمال نتيجة للجفاف والجوع أما الكرد فقد اندفعوا إلى الجنوب من منطقة الجبال نتيجة لحروب سليم الأول في سنة 1566.(توفي سليم الأول عام 1520 م وتوفي سليمان القانوني عام 1566م ) ويشير سايكس إلى حالة الفوضى والصراعات بين قبائل الجزيرة حيث يذكر الآتي: في شهري آذار ونيسان توجد حروب في جميع جهات الجزيرة، ليس لأن الناس دمويون وليس لأنهم متوحشون وجشعون بل لأنه أمر ممتع بالنسبة لهم (ص 303).

انطلق سايكس من مسكنة وعلى بعد أربعة أميال باتجاه الجنوب التقى بشيخ نايف، شيخ عشيرة الولدة، وهي حسب وصفه عشيرة فقيرة لا تملك الجمال والأحصنة وتعتمد على الحمير في نقل خيمها وأغراضها. ثم يصف سايكس رحلته من هناك نحو تل السمن: في منتصف الطريق صادفنا عشيرة العنزة وفي الصباح الباكر صادفنا مجموعة من الكرد ظهروا من وادي دوشان وامتطوا أحصنتهم وتوجهوا نحو تل السمن، وفي الطريق عند الكويلة [2]Guela (وهي بحيرة ربيعية ترتبط مع البليخ عن طريق قناة) التقى سايكس ب شيخ خلف شيخ قبيلة الفلاحين (هكذا ورد الاسم من قبل المؤلف Fellahin tribe) الذي كان يخضع لسلطة إبراهيم باشا الملّي الكردي. ومن خلال حديث سايكس مع الشيخ خلف يبدو جلياً ما جلبته غزوات القبائل من دمار ومآسي لأبناء الجزيرة، وكنتيجة لتلك الغزوات فأن أبناء المنطقة لم يكن بإمكانهم ممارسة الزراعة والاستقرار في القرى، بل أن قبيلة الكيكان وكما سنرى أدناه قد اضطرت إلى ترك قراها والتوجه نحو الشمال نتيجة لغزوات الشمر، وكانت القبائل الأقل قوة وعدداً مضطرة إلى ممارسة البداوة وتقديم الطاعة للقبائل القوية ، التي كانت تفرض سطوتها على المنطقة وتغزو القبائل الصغيرة وتنهب مواشيها وممتلكاتها، وأورد هنا ما قاله الشيخ خلف لسايكس: على ماذا يتقاتلون؟ على عدة جمال؟، إن ضفة البليخ اذا تم زراعتها ستكفي مليون شخص ليعيشوا برفاه (ص 304-312).

توجه مارك سايكس من تل السمن باتجاه الرقة ومنها إلى تل حمام حيث صادف عشيرة تركمانية صغيرة كانت قد تم معاقبتها من قبل السلطات العثمانية التي أجبرتها على الانتقال إلى منطقة البليخ، وكانت تلك القبيلة تخضع بداية لسلطة القبائل العربية ولكنها خلال زيارة سايكس كانت تخضع لسلطة إبراهيم باشا المللي (ص 315). توجه سايكس من منطقة البليخ باتجاه الشرق وبعد مسيرة دام سبع ساعات وصل إلى مضارب قبيلة العدوان. وهنا يزوّدنا سايكس بمعلومات هامة عن طبيعة السكان في الجزيرة، حيث يقول: أن موقف عشيرة العدوان تعطينا نظرة ثاقبة عن التاريخ السياسي للمنطقة، هذه العشيرة هم في الأصل فرع من العنزة وقد هاجرو إلى الجزيرة من محيط تدمر بعد غزو قبيلة الشمر وذلك بنهاية القرن الماضي. منذ ذلك الوقت ابتعدت عشيرة العدوان تدريجياً عن وسطها العربي وارتبطت مع القبائل الكردية وبسبب المصاهرات مع الكرد أصبحوا كرداً تقريباً. يُدعى شيخهم محمود آغا ويتحدث العربية بصعوبة (ص 316) وخلال حديثه عن سلوك الشيخ الذي يصفه سايكس بغير اللائق، يصفه سايكس بالآغا الكردي.[3]

ويشير سايكس إلى الأمان الذي كان يتمتع به التجار خلال تحركهم ضمن مناطق القبيلة الملُية[4] وبشكل خاص التجار الأرمن إذ يقول: اليوم الثاني من الرحلة كان مشابهاً لليوم الأول حيث أننا في وضع جيد وآمن وصادفنا قوافل التجار الصغيرة التي تتاجر بين مختلف قبائل الاتحاد الملّي، وقد ساهم في تلك التجارة بعض تجار القرى الأرمنية حول ويران شهر[5] الذين كانوا يشعرون بأمان كبير ويتم معاملتهم بلطف واحترام في منطقة الملّان، في حين أنهم كانوا عرضة للسرقة في مناطق الحدود الجنوبية من قبل العنزة والشمر (ص 316-317). بالطبع لم تكن القبائل العربية وحدها تمارس الغزو وإنما كانت تلك حالة عامة مارستها جميع القبائل التي وجدت في نفسها القوة لمهاجمة من هم أضعف منهم.

ويسرد سايكس ما سمعه أو شاهده خلال رحلته إلى إبراهيم باشا ، زعيم قبائل الملّية: اجتزنا عدة مخيمات للكرد ولم نحصل إلا على معلومات قليلة من قبل الناس وقد وصلنا خبر نهب المبشرة السيدة شاتوك في أورفا من قبل قبيلة البرازية وتم سجن الكثير من الناس بسببها. وبعد المسير  لمدة ساعة وصلنا إلى خيمة إبراهيم باشا (ص 317)، الذي خرج لاستقبالي وقبّل كتفي واستقبلني في خيمته الضخمة التي تحملها مئة عمود وتبلغ مساحتها 150 متر مربع. ينقل لنا مارك سايكس معلومات تاريخية هامة على لسان براهيم باشا، وهنا سأكتفي بسرد أهمها وأتجنب ذكر ما أورده أحمد أبو بكر عثمان في كتابه المعنون: أكراد الملّي وابراهيم باشا، والذي صدر في بغداد 1973.

لا يتوفر وصف.

سايكس مع ابراهيم باشا في ويران شهر 1906

يذكر سايكس بأنه في بداية القرن 19، في عصر السلطان محمود كان يوجد ثلاثة أمراء أقوياء في المنطقة الغربية من الإمبراطورية العثمانية، أحدهم أيوب بك وهو والد جد ابراهيم باشا وكان يسيطر على الجزيرة من بحيرة بنكول (Bengol) في الغرب إلى جبل سنجار في الشرق، أما الأمير الثاني فكان مير محمد ، حاكم رواندوز، وكان سيداً على  كامل المنطقة بين الموصل والحدود الشرقية، في حين أن  صفوق شيخ الشمر كان رئيس جميع قبائل البدو في الجنوب. وعاش هؤلاء الأمراء في حالة حرب دائمة على الزعامة ولم يعيروا هتماماً كبيراً بالسلطان العثماني وكذلك بوالي بغداد العثماني، ولهذا بعث السلطان العثماني رشيد باشا لمحاربتهم، وقد تمكن من القبض على الأمير محمد الرواندوزي وقتله، أما  صفوق وأيوب فقد تم القبض عليهما وسجنهما في ديار بكر، وقد توفيا في السجن (ص 319).

خلف تيماوي أيوب في حكم قبيلة الملاّن، وعند اندلاع الحرب بين ابراهيم باشا ابن محمد علي باشا والي مصر وقف أيوب إلى جانب المصريين ضد العثمانيين وهاجم القوات العثمانية في ماردين ليمنعهم من المشاركة في الجيش المرسل إلى نزيب (بلدة قريبة من جرابلس). سيطر تيماوي على ماردين لكنه قُتل خلال المناوشات. بعد خسارة المصريين تعرّضت القبيلة المليّة لنكبات وساد الفقر بينهم وسادت النزاعات بين أبناء القبيلة وتم نهبهم من قبل الشمر والطي الذين دمروا قراهم ودفعم للانسحاب نحو جبل قره جداغ، بينما منعتهم السطات العثمانية من الأقتراب من بنغول أو دياربكر حيث كانوا يخيمون هناك قديماً. وظل الوضع على هذا الحال إلى أن شب محمود بك ابن تيماوي وبدأ بقيادة القبيلة ولكن لم يحالفه الحظ في لم شمل القبيلة، فأرسل له والي دمشق العثماني ،بناءاً على طلبه، بعض الجند (100 رجل) حيث استطاع بمساعدتهم طردَ عشيرتي الطي والشمر ، وجمع قواته في ويران شهر وبنى قلعة هناك. لكن عمر باشا والي دياربكر سحق هذا التحرك وأسر محمود بك وحرق قلعة ويران شهر.

عندها كان ابراهيم باشا في السابعة عشرة من عمره توجّه بأمر من والده ابراهيم برفقة 50 فارسٍ إلى مصر ساعياً إلى طلب المساعدة من الخديوي اسماعيل.  لكن الخديوي قدم له فقط بعض المال. لهذا توجه ابراهيم إلى دمشق لطلب المساعدة من أمير الحج الكردي الذي نصحه بالتوجه إلى السلطان العثماني ووضع طلبه أمام السلطان مباشرة. عندما وصل ابراهيم باشا إلى القسطنطينية ولحسن حظه كان الخديوي اسماعيل موجوداً هناك، الأمر الذي أتاح له الفرصة ليذكّره بالعلاقة بين قبيلته المليّة ومصر. توسط الخديوي اسماعيل لدى السلطان عبد العزيز وحصل منه على أمر بإطلاق سراح محمود بك. عاد ابراهيم مع والده إلى ويران شهر وبدأ بإدارة القبيلة مع والده. توفي محمود مباشرة بعد إطلاق سراحه من السجن. تولى ابراهيم رئاسة القبيلة, وبدأ بنهب القوافل والتجار الأمر الذي دفعت بالسلطات للتدخل والقبض عليه وارساله إلى سيواس مع ستة شيوخ آخرين. بقي إبراهيم هناك لمدة ستة أشهر واستطاع بعدها الهروب والعودة إلى ويران شهر ، في رحلة شاقة استغرقت عدة أيام وهي قصة مشوقة بكل تفاصيلها وقد سردها أحمد أبو بكر عثمان في كتابه عن الملّان نقلاً عن سايكس. نظراً لأن العثمانيين كانوا على وشك الدخول في حرب ضد روسيا فأنهم لم يسعوا إلى إلقاء القبض عليه، بل أن السلطات حرصت على أن تبقى المنطقة آمنة في ذلك الوقت. بدأ ابراهيم بتحسين علاقاته مع “الشيشان” وتمكن من كسب ولاء شيوخ القبائل الصغيرة في المنطقة. في ذلك الوقت بدأ السلطان عبد الحميد بإنشاء فرق الفرسان الحميدية. زار ابراهيم باشا السلطان (سنة 1902) وحصل منه على لقب باشا وبدأ بانشاء فرق الخيالة التي زادته قوة واستطاع مقاومة شمر وعنزة وطردهم إلى مناطقهم. [6]

تميز ابراهيم باشا بحسن تعامله مع المسيحيين، حيث شجع الأرمن والكلدان باللجوء إلى ويران شهر وأسس سوقاً في المدينة. بينما كانت القبائل الأخرى تقوم بقتل ونهب الأرمن كان ابراهيم باشا يحميهم ويشجعهم على الهجرة إلى منطقة نفوذه. ويقدر عدد الذين أنقذهم ابراهيم باشا من مجازر العثمانيين بحوالي 10 آلاف أرمني. وكسب ابراهيم السيادة على قبيلة قيس (جيس) بعد أن تزوج من أخت شيخهم، وتبعه العفادلة والبكارة والشرابيين والشيشان والكرد المحيطين بماردين، بينما أصبح الطي والشمر والجبور والعنزة أعداءه الدائمين. استفاد ابراهيم من العداء الطويل بين طرفي شمر واستطاع بحكمته واتباع اسلوب الرشوة والخطابة من كسب الشيخ جار الله إلى جانبه وكان يتبعه 1500 خيمة. ازداد الباشا قوة وغنى ً واستطاع جذب القوافل إلى منطقة نفوذه وأمّن لهم الحماية. كان على جميع القوافل التي تتاجر بين ديار بكر وماردين المرور من منطقة نفوذ ابراهيم باشا. وعندما بدأ قبيلة قرةكيج  Qeregêçبنهب القوافل احتج ابراهيم باشا 1904 لدى والي اورفا لكنه لم يتدخل ، فأراد بنفسه وضع حد لتصرفاتهم، فهاجمهم لكن والي أورفا أرسل قوة لمنع ابراهيم باشا من مهاجمة القره كيجية ، فقام ابراهيم بقتل الضابط العثماني وتجريد جنوده من السلاح ثم قام بمحاسبة القرةكيجية وجلب خيامهم وممتلكاتهم إلى ويران شهر. بعد ذلك حدثت مصاهرات بين العشيرتين وأعاد ابراهيم إليهم جميع ممتلكاتهم وأكثر مما كان قد أخذ منهم. ولتجنب غضب السلطان العثماني قام ابراهيم باشا بإرسال حمولة 500 جمل من السمن إلى السلطان. بدأ الباشا بعد ذلك بالهجوم على قرى العشائر المحايدة كالبرازية لإجبارهم على قبول سيادته. وكان له جواسيس في كل مدينة (ص 325-327).

يشير سايكس إلى أسباب سيادة نمط البداوة وعمليات الغزو في الجزيرة كالآتي:

الأكراد والعرب الأوغاد (يقصد سايكس من يقوم بأعمال السطو) ليسوا أغبياء بأي حال من الأحوال ، قد تم فرض حياة القرصنة الرعوية عليهم بسبب سياسة الحكومة لتشجيع العداوات القبلية. من الصعب تقدير ذلك ، لكني أرى أن الجزء الأكبر من البدو في شمال الجزيرة سيتحولون إلى حالة الاستقرارعلى الفور إذا تم ضمان الأمن لهم فقط. وأنا على يقين من أن قوات الشرطة الحالية للحكومة كافية للحفاظ على النظام ، إذا سمح للضباط فقط باتخاذ الخطوات اللازمة للتحقق من المداهمات ومعاقبة المخالفين (ص 330-331). وقد أشار إلى هذه الحقيقة باحثين ورحالة آخرين كالعالم الروسي ديتيل على سبيل المثال الذي قام بجولة سياحية في الشرق بين عام 1842-1845، حيث ذكر بأن ״السلطات التركية قلما تتدخل لاصلاح خلافات القبائل لانها لا ترى في ذلك منفعة لها فهي تفرح إذا ترى القبائل تستأصل بعضها البعض في سبيل سلامة تركيا.[7]

انطلق سايكس من ويران شهر باتجاه رأس العين وعندما وصلها كان يسكنها خمسة آلاف عائلة شركسية (يقصد الشيشان Çeçan)، أسكنهم العثمانيون هناك ليمارسوا الزراعة، ولكن بعد وصول الشيشان إلى المنطقة بفترة قصيرة انتشر بينهم مرض الجدري والكوليرا والحمى، وبحسب مارك سايكس فإنه كان للملابس التقليدية التي كان يرتديها الشيشان دور كبير في ازدياد أعداد الضحايا. يصف سايكس وضعهم كالآتي: في وقت قصير احتوت المقبرة على عدد من السكان أكثر من سكان البلدة الجديدة وهجر الشيشان مستوطنتهم في حالة فزع، ولم يتركوا وراءهم سوى عدد قليل من الرجال ذوي العزم، الذين تمسكوا بعناد بأرضهم الجديدة. لكن هذه الكارثة يجب ألا تثبط أولئك الذين يأملون في استعادة الجزيرة. الشركس هم أناس يتمتعون بصفات عديدة مثيرة للإعجاب. لكن النظافة ليست واحدة منها. الشعور الخاطئ بالشرف جعلهم يحتفظون بثيابهم الأصلية وقبعاتهم الصوفية، التي رفضوا التخلي عنها خوفًا من فقدان هويتهم. كان نتيجة هذا العناد أن ضربة الشمس والسكتة الدماغية والجدري والكوليرا تمكنت منهم بشكل أسهل مما كان يمكن أن يكون عليه الحال مع أي نوع آخر من المستوطنين (ص 328). قدم الشيشان إلى رأس العين من مناطق القفقاس نتيجة للحرب ضد روسيا القيصرية وقد بدأ هجرتهم إلى منطقة رأس العين منذ عام 1854 واستمرت حتى سنة 1888، حيث استقروا بداية في رأس العين وقرية السفح ومن ثم توزعوا في 16 قرية حوالي رأس العين. [8]

قبل وصول الشيشان إلى رأس العين بحوالي 40 سنة مر جون مكدونالد كينير، الوكيل السياسي لشركة الهند الشرقية، بالمكان (سنة 1813) وذلك خلال رحلته من سيرت إلى ماردين، ووصف المكان على أنه خربة وأن مضيفه شاهد هناك أنقاض معبد رائع، حيث وُجِد ثمانية أو عشرة أعمدة رخامية جميلة مقلوبة في الرمال. لسوء الحظ لم يعطي جون مكدونالد معلومات أخرى بخصوص المكان ولا نعلم على ماذا ارتكز في وصفه لتلك الأعمدة على أنها بقايا معبد.[9]

تابع سايكس طريقه من رأس العين باتجاه نهر الزركان Zirgan التي كتبها بصيغة Girgan  ولكن من خلال الوصف يتبين أنه يقصد نهر الزركان لأن سايكس وقبل وصوله إلى الزركان اجتاز نهر الجرجب ومن بعد اجتيازه نهر الزركان توجه غرباً واجتاز نهر العويج (كان يسمى أيضاً اوكسس ويمر غرب بلدة الدرباسية مباشرة ويسمى حالياً نهر جتلي Çetelê). وهنا صادف سايكس خيم قبيلة الكيكية وألتقى برئيسهم عبد الرحمن آغا ، ونظراً لأهمية الحديث الذي دار بينهما ننقل لكم ما ذكره سايكس عن اللقاء وبشكل شبه مفصل:

في زركان وجدنا معسكراً كبيراً للكرد الكيكية ، تحت قيادة الشيخ عبد الرحمن آغا. دخلت وحسب عادات البادية إلى باب خيمة الشيخ وألقيت عليه التحية المعتادة ولكن بدلاً من الترحيب العميق على الطريقة البدوية سمعت فقط صوتاً مشوشاً وغاضباً إلى حد ما ومع ذلك جلست على وسادة واتخذت لي مكاناً عند النار، ولكن لم يتم التحدث بكلمة. كان الآغا ، وهو رجل طويل القامة ذو مظهر غير لطيف ، وشيء في وجهه يذكرني بوزير اسكتلندي صارم لا يلين عرفته ذات مرة ، كان يحدق في وجهي من تحت حواجبه المتدلية. أصبح الصمت لا يطاق. إن النظرة الثاقبة لخمسين رجلاً مسلحاً مشوشة إلى حد ما وهذا الصمت الذي يشبه الموت جعل من الوضع أكثر من محرج. عجزت عن الحديث. بدأ يعقوب في تولي المهمة ببعض الخوف ، وأمره الآغا بالهدوء ونهض بدون كلمة، وفي هذا الوقت بدأت أشعر بعدم الارتياح حقاً ، تساءلت عما سيحدث بعد ذلك. ومع ذلك ، عاد الآغا فجأة ، ويتبعه ما لا يقل عن أربعة رجال ، محملين بالطعام من جميع الأوصاف. قال “أكل” ، ذلك الرجل الحجري بصوت مهدد ، وبسبب جوعي، كنت سعيداً بما يكفي للامتثال لطلبه. كان تعليق يعقوب وهو يبتلع كمية من الأرز: “هؤلاء الناس فضوليون ، لكنهم ليسوا سيئين تماماً”. بعدما تناولنا الطعام ، خرج عبد الرحمن عن جموده قليلاً ، ووصل إلى حد الاستفسار عن جنسيتي ، وأصبحت الأمور أقل توتراً قليلاً ، ثم لاحقاً تمكنت من الجلوس في خيمتي. بعد الظهر بقليل زارني الآغا وبصحبته ابن أخيه والملا .

لم يوافق عبد الرحمن حتى الآن على مناقشة مشروع سكة الحديد الجديدة (يقصد سايكس سكة حديد برلين بغداد التي بدأ المباشرة بتنفيذها من قبل ألمانيا سنة 1906). لقد كان هو والملا مؤيدين بشدة للمخطط. كان الملا فخوراً بمعرفته ، بدأ بسرد أسماء قائمة من المدن العظيمة التي كانت موجودة سابقاً تحت حكم الخلفاء في بغداد، ودفع نظارته إلى حواجبه، وعبر عن أمله بالاستعادة السريعة لمجدهم السابق وأنهى حديثه بالقول في ظل أي حكومة أخرى كان يمكن القيام بهذا الأمر منذ فترة طويلة”. قاطعه الآغا وقال له أنت غبي لقول ذلك أمامه (أي أمام سايكس)، وانهار الملا وابتسم وغمز في اتجاهي. ومع ذلك ، واصل الآغا نفسه مناقشة الأمر وقال: ” في السابق كان الكيكان يعيشون هنا في القرى، ثم جاء الشمر وقاموا بطردنا. لقد هجرنا آخر قرانا قبل حوالي 12 عاماً، وبنينا قرى جديدة على جبل “قره جداغ” ، حيث نزرع الأرض الآن. ما زلنا نأتي إلى هنا لرعاية قطعاننا في الربيع، لإظهار حقنا بهذه الأرض “.سألته إذا كان الشمر قد سبب له أي مشكلة. “سابقاً” ، كان رده مقتضب. سألته لما  ليس الان؟، قال: في السابق “كان لدينا فقط رماح ، والآن الشمر بارعون في استخدام الرماح وأحصنتهم سريعة أيضاً. إلى جانب ذلك فهم أكثر عدداً من رجالي. لكنني اشتريت مؤخراً وبثمن باهظ خمسين بندقية من نوع مارتيني. وجدير بالقول أن المارتيني لا فائدة منه لرجال على ظهور الخيل ضد رجال يحملون الرماح. يصرخ البدويون ويجرون بسرعة نحو الرجال المسلحين ببندقية المارتيني فينتابهم الخوف ويهربون. وقد علمت ذلك حين اشتريت المارتيني ، وكذلك علمت الشمر. لكن شمر لم يكونوا يعلمون ما كنت أعرفه ، وهو أن الرجل الذي يسير على الأقدام وهو مسلح ببندقة المارتيني يساوي العديد من الرجال الذين يحاربون بالرماح. في العام الماضي نهب الشمر عدة آلاف من أغنامنا. فاخذت معي خمسين رجلا ومعنا بنادق المارتيني وسرنا خلفهم. وعندما وصلنا بالقرب منهم أمرت رجالي بالترجل عن أفراسهم.

فظن الشمر أننا قد أتينا للاستسلام ، وركضوا نحونا كأشباح، يصرخون ويلوحون برماحهم حسب العادة. قلت لرجالي أن يقفوا بلا حركة على الأرض وينتظروا. عندما جاء الشمر على بعد دقيقة واحدة، طلبت من رجالي أن يطلقوا النار في الحال. هرب الشمر ، لكن أطلقنا النار أربع مرات قبل أن يكونوا على مسافة آمنة. غضب شيوخهم ، وقالوا إن ذلك مخالف لقواعد الغزو، ومخجل ، لأننا جرحنا أثني عشر منهم. لكننا تمكنا من استعادة كل أغنامنا، وأنا لا أهتم بما يقوله الشمر ، فهم الآن يخشون لمس أي من ماشيتي ، وعليهم أن يبحثوا عن السرقة في مكان آخر. إن البدو لا يفهمون “المارتيني” أكثر مما أنا أفهم الرماح. هذه الغزوات أعمال حمقاء ولكن ابراهيم يحبها وهي لا تجلب الثروات، بعكس عمل الفلاحين والزراعة. عندما يتم مد سكة الحديد سأصبح غنياً للغاية. سأجلب كل شعبي هنا ، ستضطر الحكومة لحمايتهم ، وسوف يبنون العديد من القرى ، ربما ستمائمة أو سبعمائة قرية”. سألته عمّا سيفعله الشمّر عندما تمتد خط سكة الحديد، قال: سيعودون إلى نجد ( في شبه الجزيرة العربية) أو سيعملون كرعاة لدينا. أنقل إليكم آراء عبد الرحمن أغا  كما سمعتها منه ، وأعتقد أنها، في الواقع، هي الآراء التي يحملها عموماً قادة المسلمين الأكثر ذكاءً في الجزيرة ، باستثناء شيوخ الشمر وأغاوات الكرد السيئين (ص 328-330).

(يتبع في الحلقة الثانية..)

هوامش :

 

[1] Sykes, Mark, The Caliphs’ last Heritage, A short History of the Turkish Empire, London 1915, 553.

[2]  ربما هي من كلمة gol  الكردية التي تعني حرفياً بحيرة.

[3]  كانت عشيرة العدوان منضوية ضمن تحالف القبيلة الملّية، وكان الباشاوات يعتمدون على أبناء هذه العشيرة والإيزيديين (شرقيان) في حراستهم الشخصية وكانون يسمون عبرة الباشا، انظر:

Driver, G.R., Kurdistan and the Kurds, 1919, 27.

[4]  يقطن الملّيون على منحدرات جبل قره جة داغ، بين بلدات بيرجيك وسيفيريك وديار بكر وماردين وويران شهر وأورفا، وهم رعاة ومزارعون  يقضون شهر كانون الثاني حتى نيسان على المنحدرات السفلية لقره جداغ وفي شهر نيسان ينزلون إلى السهول التي تقع حول رأس العين ويصلون حتى جبل عبد- العزيز. من منتصف حزيران وحتى أيلول كانوا يتجهون شمالاً نحو ديار بكر ، بينما من تشرين الأول إلى كانون الأول فأنهم كانوا يعودون ببطء إلى أماكنهم في قره جداغ ؛ يبدو أن أقصى حد شرقي لهم هو قرية ديريك، انظر:

Driver, G.R., Kurdistan and the Kurds, 1919, 26.

[5]  تقع ويران شهر جنوب جبل قره جداغ (بين اورفا وماردين)، حوالي 50 كم شمال بلدة رأس العين، كان ويران شهر مقر للقبيلة الملّية، بعد وفاة ابراهيم باشا عام 1908 تم نهب البلدة من قبل العرب والأتراك وقتل الكثير من سكانها، انظر:

Driver, G.R., Kurdistan and the Kurds, 1919, 7-8.

[6]  تم تشكيل ستة أفواج للفرسان الحميدية ضمن قبيلة الملّان، وبعد أن فرض ابراهيم باشا سلطته على القبائل الأخرى أصبح يشرف على 20 فوج بشكل مباشر أو غير مباشر. وكان يسمح للمسلمين السنة فقط تشكيل تلك الأفواج التي تأرجحت عدد فرسانها بين 500 إلى 1150 فارس. لكن أحد الأفواج التي كانت تحت أمرة ابراهيم باشا ضمت فرعاً من قبيلة تورينان الإيزيدية وكانت تحت قيادة القائد الإيزيدي بيساري كولوز. وقد بلغ عدد الفرسان في الأفواج الخاضعة لابراهيم باشا 16 ألف فارس. وحصل أولاد ابراهيم، محمود وخليل وتيمور، على رتبة قائمقام. في بداية حياته المهنية كقائد فوج ، فرض إبراهيم سلطته على منطقة تمتد من ويران شهر إلى سيفريك وديريك ودياربكر ؛ في مطلع القرن العشرين ، سيطر ابراهيم باشا على منطقة واسعة جدًا ، تُعرف الآن باسم مقاطعات ماردين وأورفا ودياربكر، انظر بالتفصيل حول دور ابراهيم باشا في:

Jongerden, Joost, Elite encounters of a violent kind MilliIbrahim Paşa, Ziya Gökalp and political struggle in Diyarbekir at the turn of the 20th century.2012, 61-64.

[7] خالفين، أ،الصراع على كردستان، ترجمة أحمد عثمان أبو بكر، في الآثار الكاملة للدكتور أحمد عثمان أبو بكر،الجزء الأول، إعداد آزاد عبيد صالح، السليمانية 2009. ص 32.

[8]  انظر في حاج درويش، نضال محمود، دراسات في آثار ميديا وبلاد الرافدين العليا، دمشق 2020، 55.

[9] Kinneir, J.M., Journey through Asia Minor, Armenia, and Kurdistan in 1813–14, with Remarks on the Marches of Alexander the Great and of the Ten Thousand Greeks (London, 1818) 431.