جوردي تيجيل **

ترجمة: مصطفى إسماعيل

لسنوات عديدة، نادراً ما ظهر الكرد السوريون في وسائل الإعلام، على عكس إخوتهم في تركيا والعراق وبدرجة أقل في إيران. ينطبق هذا أيضاً على البحث الأكاديمي المكرّس لسوريا، أقلّه حتى عهد قريب جداً. نجمتْ هذه الفجوة عن عوامل عدة من بينها ضعفهم الديمغرافي النسبي فضلاً عن افتقارهم إلى حركة سياسية مسلحة في سوريا، إذ أسس حزب الاتحاد الديمقراطي PYD جناحه العسكري وحدات حماية الشعب YPG فقط في 2012.
تغير هذا الوضع بشكل ملحوظ في أواخر عام 2014 حيث ساعدت الولايات المتحدة وحدات حماية الشعب على استعادة مدينة كوباني التي كانت تحت الحصار من قبل الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). الأهم من ذلك، عندما أقامت واشنطن تحالفاً عسكرياً- مع دمج الميليشيات الكردية في قوات سوريا الديمقراطية المنشأة حديثاً- لمحاربة داعش ووضع حد لـ “الخلافة” الإسلامية التي أعلنها.
إن مشاركة آلاف الكرد العاديين- رجالاً ونساء- في الكفاح ضد داعش، منح أوراق اعتماد جيدة لوحدات حماية الشعب ومشروعها السياسي في شمال سوريا أو روجآفا أو الإدارات الذاتية الديمقراطية التي تهتدي بمبادئ “الكونفدرالية الديمقراطية” كما حددها زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان.
لاحقاً، حوّل نشطاء حقوق الإنسان ودعاة تغيير العولمة والمراقبون والباحثون انتباههم باتجاه محنة الكرد السوريين والإدارات الذاتية الديمقراطية التي يعتبرها العديد مشروعاً سياسياً طوباوياً، حيث تطلعات القاعدة الشعبية- متضمنة تلك التي للنساء وجميع الأقليات الدينية في المنطقة- بإمكانها أن تجد أخيراً قناة تمثيل لها.

على ضوء هذه الخلفية، عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب المفاجئ للقوات المسلحة الأمريكية من شمال سوريا في وقت مبكر من أكتوبر 2019، الأمر الذي سمح لتركيا والمليشيات العربية (السورية) الموالية لها بمهاجمة مقاتلي وحدات حماية الشعب، وضعت موجة من الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي ضد قرار ترامب الكرد السوريين مرة أخرى في بؤرة الاهتمام، وبوجه خاص في الغرب. كيف يمكن لواشنطن “أن تخون” الكرد السوريين بعد أن خدموا بكفاءة في الحرب (الغربية) ضد داعش؟ كيف يمكن للرئيس الأمريكي أن يبرر هكذا تحول دراماتيكي عبر القول ببساطة إن الكرد لم يدعموا إنزال الحلفاء في نورماندي في المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الثانية (O’Grady 2019)؟ وأخيراً، من هم الكرد السوريون؟ ما هي تطلعاتهم؟ ما هو المشروع الذي يقوده حزب الاتحاد الديمقراطي والذي ظهر في شمال سوريا عقب الثورة السورية 2011؟ هل المزاعم التركية حول تعاون حزب الاتحاد الديمقراطي مع حزب العمال الكردستاني صحيحة؟ وبصورة أعم، ما هي فرص الإدارة الذاتية الديمقراطية في مواجهة الضغوط الإقليمية والوطنية المتزايدة؟

رغم إصداره قبل التدخل العسكري التركي الأخير في شرق نهر الفرات (عملية ربيع السلام)، يلقي الكتاب الضوء على هذه الأسئلة والعديد من الأسئلة الأخرى من خلال تقديم تحليل شامل للهوية السياسية الكردية في سوريا، وكذلك تقييم دقيق لهياكل الحكم شبه المستقلة التي يهيمن عليها حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا. وفي سبيل ذلك، تعتمد تحليلات المؤلفين على الأعمال الأكاديمية المتعلقة بالكرد السوريين، ومراكز الأبحاث والتقارير الإعلامية، وكذلك الأبحاث الميدانية التي لا نظير لها والتي أجريت بين عامي 2014 و2018 في أوروبا والشرق الأوسط.

لا يتوفر وصف.

يتكون الكتاب من ستة فصول. يستكشف الفصل الأول الطبقات المختلفة للهوية الكردية إضافة إلى مشاكل التمثيل الذاتي والهوية بين كرد سوريا داخل منطقة روجآفا. بذلك، يتجنب المؤلفان جوهرة القضية الكردية أو بالأحرى الهويات الكردية في سوريا (صفحة 46 من الكتاب). في الفصل الثاني يقدم كل من ألسوب وفان ويلغنبرغ مقارنة منهجية بين الكتلتين الكرديتين السياسيتين الرئيسيتين في سوريا: حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي المؤلف من تحالف أربعة عشر حزباً سياسياً مرتبطين بالحزب الديمقراطي الكردي الذي تأسس في 1957. يدقق هذا الفصل في أيديولوجياتهم وأهدافهم وممارساتهم السياسية وتشكيل التحالفات، ويتفحص موازين القوى بينهم. تسمح هذه المقارنة للمؤلفين بالنظر في مخططاتهم غير المتوافقة بشكل واضح فيما يتعلق بالإدارة في روجآفا والهياكل التمثيلية المتاحة للكرد السوريين. ففي حين يجادل الأول (حزب الاتحاد الديمقراطي) من أجل قطيعة حاسمة مع الأنظمة المركزية والتمثيلية لاحتضان نوع من التنظيم الذاتي المجتمعي بدلاً من ذلك، فإن الأخير (المجلس الوطني الكردي) لا يزال يفضل “الديمقراطية البرجوازية” (ص 73-87).

يقدم الفصل التالي تحليلاً مستضيفاً للهياكل التنظيمية في روجآفا وفاعليها الاجتماعيين والسياسيين تبعاً للفصائل والخلفيات السياسية المختلفة. في الفصل الرابع، معتمدين على المقابلات التي أجريت مع العشرات من المسؤولين الحزبيين والأفراد غير المؤيدين، يتفحص المؤلفان نقدياً مفارقات النظام الذي حققه حزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا وكذلك التناقضات المتأصلة في أي مشروع سياسي بين النظرية والتطبيق.

يتعمق الفصل الخامس في العقبات الإقليمية والدولية التي تواجهها الإدارة المُقادة من حزب الاتحاد الديمقراطي منذ تأسيسها في عام 2012. من ناحية، يتقصى العلاقات الكردية العابرة للحدود بين حزب الاتحاد الديمقراطي وحكومة إقليم كردستان التي تديرها عائلة البارزاني. في الواقع، أثار التنافس بين المعسكرين على احتكار القومية الكردية توترات متكررة تم تعزيزها من قبل حلفائهم الإقليميين. وبينما دار الأول (حزب الاتحاد الديمقراطي) في إطار المحور الإيراني- العراقي- السوري- الروسي، فإن للأخيرة (حكومة إقليم كردستان) علاقات قوية مع تركيا والولايات المتحدة. إن إحكام التعاون بين قوات سوريا الديمقراطية وواشنطن في 2015 جعل التحالفات الإقليمية أكثر تعقيداً وعرضة للشكوك.

أخيراً، فإن الفصل السادس من الكتاب يبنى على التحليلات السابقة لأجل اقتراح آفاق مستقبلية للإدارات الذاتية الديمقراطية، وعلى نطاق أعرض لتمثيل الكرد في سوريا. في وقت كتابة هذا الكتاب، بدا المؤلفان بالفعل وكأنهما يشيران إلى أنه ورغم توطيد الهوية الكردية والحكم الذاتي في سوريا إلى درجة لا يمكن إيقافها، فإن التحرك نحو الاستقلال يمكن أن يتعرض لعوائق من قبيل الاختلافات الاجتماعية والسياسية التي سبقت تأسيس الإدارات الذاتية، وكذلك بسبب فشل عديد التنظيمات الكردية العاملة في شمال سوريا (p.215, 217).

“الكونفدرالية الديمقراطية” وحدودها

سوف يُقدّر قراء الموقع الإلكتروني للعلاقات الدولية E-IR على نحو خاص الفصول الثلاثة الأخيرة من الكتاب، لأن التشظي الإقليمي وفراغ القوة الذي خلقته الحرب السورية على سبيل المثال أتاح فرصة فريدة لصياغة وتنفيذ أشكال جديدة للحكم تحيدُ عن النماذج التقليدية، وتتحدى المقاربات الحداثية للعلاقات الدولية التي تعتمد إطار الدولة القومية (الغربي) كنموذج عالمي لا مفر منه في العلاقات الدولية.
في النظام السياسي لـ “الحكم الذاتي الديمقراطي” و “الكونفدرالية الديمقراطية” الذي يقوده حزب الاتحاد الديمقراطي، يشير الأول إلى إعادة تأسيس الوضع السياسي للشعب على أساس الإدارة الذاتية، بدلاً من تأسيسه على علاقات الشعوب بالدولة. بينما تهدف “الكونفدرالية الديموقراطية” إلى تقوية القدرات الإدارية المحلية المنظمة على شكل مجالس على المستوى المحلي البحت، من الشوارع ومن ثم الأحياء، من خلال المناطق/ القرى والبلدات/ المدن إلى المقاطعات. يدّعي حزب الاتحاد الديمقراطي على نحو حاسم أن الكرد، وكذلك جميع شعوب الشرق الأوسط، يجب أن يتخلوا عن نظام الدولة القومية لاحتضان نوع من التنظيم الذاتي المجتمعي، متبعاً نظرية موراي بوكتشين الفوضوية من جملة مصادر إلهام (Jongerden and Akkaya, 2013: 163-185).

وفي حين أن على “الكونفدرالية الديمقراطية” أن تبرز نظرياً الاهتمامات المحلية وتؤدي إلى أجندة كردية ذات جذور محلية أكثر، فإن الكتاب يسجل مدى صعوبة هذا الجهد وكيف كان الواقع على الأرض مختلفاً فعلياً. هنا تكمن إحدى أهم إسهامات هذا الكتاب. بخلاف الأعمال والمقالات المنشورة الأخرى حول هذا الموضوع التي إما أن تكون تقديسية أو انتقادية على نحو مفرط، يحلل المؤلفان ويعرضان الجوانب الإيجابية ومواطن الضعف في إدارة روجآفا، ويتصديان حتى لأكثر الجوانب إشكالية. في هذا السياق، تم انتقاد المشروع الذي يقوده حزب الاتحاد الديمقراطي بين الأفراد الكرد والأحزاب السياسية المعارضة على أساس حجتين رئيسيتين. فمن جهة، كان لدمج قوات وحدات حماية الشعب في عداد قوات سوريا الديمقراطية والنجاحات العسكرية اللاحقة آثار متناقضة. إذ كان على قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي أن تخفف من تطلعات الهوية الكردية لتفادي استعداء نظرائهم العرب والمسيحيين. ومن جهة أخرى، انتقد العديد من الكرد وكذلك الأمر جماعات حقوق الإنسان التكتيكات السلطوية لحزب الاتحاد الديمقراطي والتنظيمات الأخرى المرتبطة به (p.143-145). على سبيل المثال، في 2016 حظرت سلطات روجآفا أنشطة المجلس الوطني الكردي في المنطقة، وتم إغلاق 40 من مكاتبه وسجن المئات من أعضاء المجلس الوطني الكردي، وإن كان ذلك لفترات قصيرة.

في ضوء ما تقدم، وكما يقترح المؤلفان، ينبغي ألا ينسى المرء أن الإدارات الذاتية الديمقراطية هي بالفعل نموذج “مستقبلي” وليست نموذجاً “قائماً”. وبتعبير آخر، إن الديناميات الداخلية (علاقات القوة بين الكرد، والتحالفات مع الجماعات المتمردة العربية) وكذلك التطورات الخارجية (تدخل تركيا في شمال سوريا معارضةً التحالفات الإقليمية مع الولايات المتحدة أو روسيا) لها تأثير حاسم على خيارات حزب الاتحاد الديمقراطي وقراره النهائي. إن القرار الأخير بالسماح للمجلس الوطني الكردي بإعادة فتح مكاتبه في شمال سوريا دون الحاجة إلى إذن من الإدارة الذاتية الديمقراطية يوضح ذلك، فبعد أن فقد الكثير من مكاسبه السياسية ومناطقه، يضطر حزب الاتحاد الديمقراطي الآن إلى إعادة الانخراط في جهود جادة للتعاون مع منافسيه الكرد (Faidhi Dri 2019).

الأهم أن نفوذ الولايات المتحدة على قوات سوريا الديمقراطية في شمال سوريا وتطبيق الضمانة الروسية والإيرانية والتركية لمناطق خفض التصعيد قد حولت المنطقة الحدودية التركية- السورية إلى خليط من مجالات النفوذ (p.194). في السياق ذاك، ورغم أن الولايات المتحدة وروسيا لا تزالان اللاعبين الرئيسيين في الصراع، فإن تركيا تحتفظ بموقع مركزي في الأزمة السورية. إضافة إلى ذلك، توحي الخطط التركية في المناطق الحدودية بأن تركيا تنوي الاحتفاظ بنفوذ سياسي وعسكري وثقافي في فترة ما بعد الحرب على المنطقة، حيث يعيش قرابة ربع سكان سوريا تحت السيطرة التركية بشكل غير مباشر أو مباشر، بما فيهم 3.6 مليون لاجئ سوري في تركيا. من المؤكد أن الموقف التركي في شمال سوريا أصبح أقوى بين عامي 2017 و2019، وما لم يحدث تحول جذري، فلن يكون هناك حل ممكن في سوريا بدون تعاون تركي.

أحد الجوانب التي كان بإمكان المؤلفين الإحاطة به أكثر وعلى وجه التحديد هو دور تركيا في تطور تجربة روجآفا، وكذلك في الآفاق المستقبلية لشمال سوريا. بالنسبة لتركيا، فإن روجآفا هي قضية متعددة الطبقات والأبعاد (Lowe, 2016: 9). ومن هذا المنطلق، فإن سياسات تركيا تجاه الكرد بشأن سوريا لا تنفصل تماماً عن السياسات الكردية التركية المحلية، وكذلك عن التجمعين السكانيين الكرديين (في سوريا وتركيا) منذ تأسيس الدولة السورية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. رغم وجود بعض أوجه الشبه مع قلق تركيا بشأن إقليم كردستان العراق في التسعينيات، فإن روجآفا لها وضع مختلف بسبب الروابط الأيديولوجية بين وحدات حماية الشعب وحزب العمال الكردستاني. إن تحليلاً شاملاً أكثر لتطور القضية الكردية في تركيا وخاصة بعد “عملية السلام” التركية الفاشلة مع حزب العمال الكردستاني في عام 2015، كان سيسمح للمؤلفين بتزويد القارئ برؤية أعمق للأزمة الحالية في شمال سوريا.

كما أن الباحثين والطلاب المهتمين بنظرية الحركة الاجتماعية سوف يأسفون على افتقار المؤلفين إلى التعامل مع الأدبيات الأكاديمية الغنية عن الثورات والسياسات في الشرق الأوسط. بالنظر إلى مركزية المشروع السياسي الذي يقوده حزب الاتحاد الديمقراطي وإدارته الوارد في الكتاب، كان الأمر ليصبح مثيراً للاهتمام لو تم تقديم نقاش أكثر شمولاً حول الحركات الشعبية من أجل الإشارة بشكل أفضل إلى الخصوصيات وكذلك التشابهات بين التجربة الكردية في شمال سوريا ومشاريع ثورية أخرى في الشرق الأوسط وخارجه. لكن مفارقاً لبعض التقارير رومانسية الطابع عن روجآفا في المصادر الغربية، واستناداً إلى عدد كبير من المقابلات، يقدم الكتاب دراسة بارعة ودقيقة سوف تظل دليلاً قيماً للباحثين والطلاب والمراقبين الذين يرغبون في فهم أفضل لظهور وترسيخ وأزمة، وإن لم يكن ضرورياً انهيار، الإدارات الذاتية في شمال سوريا.

*الكتاب:
The Kurds of Northern Syria: Governance, Diversity, and Conflicts

By Harriet Allsopp and Wladimir van Wilgenburg

IB Tauris, 2019

** د. جوردي تيجيل هو حالياً أستاذ أبحاث في قسم التاريخ بجامعة نيوشاتيل السويسرية حيث يقود مشروعاً ممولاً من مجلس البحوث الأوروبي (ERC) حول الحدود وتشكيل الدولة في الشرق الأوسط في فترة ما بين الحربين العالميتين (BORDER). نشر د. تيجيل بشكل مستفيض عن القضية الكردية، ولعل من بين أبرز ما نشر هو كتابه: كرد سوريا: التاريخ والسياسات والمجتمع والذي صدر في 2009 عن دار النشر Routledge.
رابط المقال:

Review – The Kurds of Northern Syria

إحالات

Faidhi Dri, K. (2019). Kurds welcome NE Syria authorities’ decision to allow opposition political activities. Rûdaw, December 17 Retrieved from https://www.rudaw.net/english/middleeast/syria/19122019

Jongerden, J. and Akkaya, A. H (2013). “Democratic confederalism as a Kurdish spring: the PKK and the quest for radical democracy,” in The Kurdish Spring. Geopolitical Changes and the Kurds, ed. Michael Gunter and Mohammed M.A. Ahmed. Costa Mesa: Mazda Publishers, p. 163-185.

Lowe, R. (2016). Rojava at 4: Examining the Experiment in Western Kurdistan. London: London School of Economics-Middle East Centre.

O’Grady, S. (2019). Actually, President Trump, some Kurds did fight in World War II. The Washington Post, October 10. Retrieved from https://www.washingtonpost.com/world/2019/10/10/actually-president-trump-some-kurds-did-fight-world-war-ii/