6-  الأنثروبولوجيا

   دعونا الآن نعود إلى مناقشة بايزيدي للمواضيع الأنثروبولوجية المعروفة مثل العلاقات بين الجنسين والتركيب القبلي والهوية العرقية (الإثنية). ربما يمكن القول أن رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم أول عمل انثروبولوجي موّسع عن عادات الكرد، إذا ما تجاهلنا المشاهدات الأقل شمولاً للعثمانيين أمثال أوليا جلبي والأجانب أمثال سي. جي. ريتش وكارستن نيبور. ولكن ينبغي أن نحدد بشكل مادي أكثر نوع الأنثروبولوجيا التي نتحدث عنها ههنا. سيكون من  المبالغة بمكان الاستنتاج أن  رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم تعتمد على شيء من قبيل بحث انثروبولوجي ميداني، إنما، هي تقدم عدداً من الصور النمطية الثقافية والتصورات الذاتية الكردية التي تعتمد بمعظمها على الأقاويل وعلى المعتقدات الشعبية (الفلكورية) المحلية أكثر من اعتمادها على مشاهدات المشارك في جمع البيانات بشكل ممنهج. وهكذا، فإن وصف بايزيدي للعادات أو التقاليد الكردية المحلية المختلفة عن الحروب القبلية ومراسم الزواج والألعاب وتربية الخيول وما شابه ذلك، تأتي خلف بعضها دون ترتيب واضح للحجة أو العرض. كما يتسم النص بالتكرار إلى حد ما حيث يعود بايزيدي مراراً وتكراراً إلى مواضيع سبق مناقشتها من قبيل الأعراس والألعاب. وأخيراً يبدو أن النص يحمل بعضاً من آثار الحوار الذي لابد دار بين بايزيدي وجابا ويتجلى ذلك بشكل واضح في القول المكرر أن الكرد، في بعض الحالات الخاصة، “مثل الفرنسيين[1] تماماً” Wekû ifrancan /wekû miletê Efrenciyê[2]  ما من دليل على أن بايزيدي كان مطلعاً على أي عمل عصري مكتوب عن الفرنسيين أو صادر في فرنسا، ناهيك على وجود أي دليل على أية سفرات إلى ذلك البلد، ومن المرجح أنه اكتسب معرفة عن العادات الفرنسية المعاصرة ، مهما كانت، من خلال حواراته مع جابا أكثر من معرفتها من خلال أي كتاب فرنسي أو حتى من خلال كتاب مثل كتاب رفاعة الطهطاوي المعنون تخليص الإبريز في تلخيص باريز رغم إن الكتاب الأخير قد تُرجِم إلى اللغة التركية بُعيد نشره باللغة العربية في 1834[3].

    أبرز تلك الملاحظات المقارنة هي بلا شك زعم بايزيدي أن نساء الكرد متحررات serbest مثل نساء الفرنسيين لأنهن لا يُخطفن  أبداً. “نساؤهم وبناتهم لا يُخطفن[4] kidnapped من قبل أحد. إنهن مثل نساء الفرنجة تماماً” jin û keçêd wan ji kesî narevin. Wekû miletê ew jî serbest in . هنا توجد واحدة من أقدم الإشارات عن صورة الذات الكردية الحديثة من أن نساء الكرد متحررات أكثر من نساء الشعوب الإسلامية المحيطة بهم. لكنه يضيف بعد ذلك مباشرة أنه إذا ما ارتكبت امرأة عملاً سيئاً فإن مصيرها يكون القتل لا محالة. Îlla eger yekê ji wan şola xirab kirîn, çara nine ewê dikujin- مما يدل أن الحرية المزعومة لنساء الكرد إنما مقيدة[5] . ويذكر في مكان آخر أن رجال الكرد لم يمارسوا تقليديا اللواطة وأنهم بدأوا مؤخراً فقط في معاقرة المشروبات الكحولية نتيجة الآثار السيئة [لمخالطتهم مع] الأتراك.

ينبغي ملاحظة أن معرفة بايزيدي مقتصرة إلى حد كبير على كردستان الشمالية. وبالتالي، فإن قائمة القبائل التي يقدمها، مثل معظم كتاباته المحفوظة الأخرى، تركز على الشمال، ولا يُظهِر في أي مكان في كتاباته المحفوظة دراية كاملة بالمناطق المأهولة بالكرد جنوب منطقة بهدينان. ولكنه يُظهر عدداً من التباينات بين الكرد الذين يعيشون في مناطق بايزيد وقارص وأرضروم ووان وأولئك الذين يعيشون أبعد إلى الجنوب في مناطق هكاري وبوتان وبهدينان والعمادية حيث يكتب أن بين كرد الجنوب مزيد من الناس يقتنون البنادق وهناك علاقة متميزة بين السكان القبليين والحضر[6]. فيما عدا وصف قصير في مقدمة  كتاب تاريخ كردستان الجديد عن لهجة السليمانية، لا يتكلم بالتفصيل في أي مكان آخر عن القبائل والمواجهات القبلية والإمارات في كردستان الجنوبية (ربما باستثناء الفصل السادس من التاريخ المفقود)، ناهيك عن أي أية سمات لغوية أو تاريخية خاصة عن اللهجات الهورامية والكورانية وبشكل خاص كما يتم التحدث والكتابة بها في بلاط أردلان، رغم إنه يُذكر في الشرفنامة.

تستند كتابات بايزيدي بتمييز عام بين الريف والمدينة وبين البدوي-القبلي والحضري. فيكتب في تاريخ كردستان الجديد إن الكرد المسلمين في المدن “مسلمون صالحون ويوجد بينهم علماء شجعان وثقات”[7].  ولكن ذلك لا ينحصر فقط في ثنائية التعارض البسيطة بين التعلم الإسلامي الذي يُصاغ باللغة العربية والعادات الكردية المحلية أو بين الإسلام العربي القويم والجهل الكردي الريفي- يصف أيضاً التقليد المزدهر سابقاً في التعلم الديني الريفي باللغة الكردية. في رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم لا يلّمح بايزيدي، ناهيك عن مناقشة مستفيضة، إلى أي إرث أدبي كتابي من هذا النوع أو إلى إرث أدبي عامي من التعلم بين الكرد، لكن من الواضح أنه كان واعياً بوجوده كما يتبين في نصيه القصيرين عن الشعراء الكرد والتعليم باللغة الكردية اللذين تمت مناقشتهما فيما سبق. ربما يكون تمييزه الصارم ما بين الأدب العامي العلمي والثقافة الشفوية عاملاً في منعه من رؤية الكرد كـ “أمة فيلولوجية” -مثل الأرمن- تمتلك لغة مشتركة وإرثاً شفاهياً وأدباً كما حددها نيشانيان. مرة أخرى يشير ذلك إلى أن منهجه ومفاهيمه وافتراضاته المعيارية لم تكن بوضوح فيلولوجية حديثة (استشراقية) ولا قومية رومانسية فلكلورية المنحى.

بخصوص التنظيم الاجتماعي، فإن نمط الكردايتي للبايزيدي نمط شامل لأنه يتعلق باللغة. فهو لا يلّمح في أي مكان إلى اعتبار الجماعية القبلية rewend والحضر غير القبليين yerlû, goran كجماعات، أو أقوام أو أعراق مختلفة مثلما فعل كلوديوس جيمس ريتش و، ربما، بعد العملاء المحليين في السليمانية. بحسب ريتش، فإن كوران أو مسكين miskên متمايزون بلغتهم وصفاتهم البدنية وعاداتهم عن الأكراد الأصليين وأنهم كانوا يشكلون السكان الأصليين وتم اجتياحهم من قبل القبائل الكردية الغازية[8].  ملاحظات بايزيدي، الذي يركز باعتراف الجميع على شمال-شرق أكثر من جنوب كردستان،  يقدم القليل من الدعم، إن كان يقدم أي دعم أصلاً، لهذه النظرية. في رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم، تُستخدم كلمة كوران مرة واحدة بدون أي معنى إثني واضح، ناهيك عن أي ربط باللهجتين الكورانية والهورامية، وفي تلك المرة تكون في سياق التناقض الشامل بين أكراد ekrad الذي يأتي هنا بمعنى الأكراد القبليين rewend و yerlû  [الأكراد] الحضر أو الفلاحين. ويضيف بايزيدي أن الأول يطلقون على الثاني اسم كوران معتبرينهم جبناء ونادراً ما يتم التزواج بينهم. لكنه لا يأتي على ذكر أي اختلاف لغوي أو نسبي أو عرقي بين الاثنين وينكر ضمناً أن أي تباين موجود بين [الكرد] القبليين  rewend والحضر غير القبليين goran في مناطق هكاري، وبوطان، والعمادية وصوران.[9]

7- الدين والجماعات الدينية

وبالمثل تكشف كتابات بايزيدي عن الدين بين الأكراد عن أنماطه المختلفة. فهو لا يملك فهما واضحاً، ناهيكم عن فهم أنثروبولوجي وفيلولوجي حديث. إنه يستخدم كلمة ملة millet للإشارة إلى مجموعة من العقائد أو الطقوس لجماعة ما، ولكن هذه الكلمة غامضة وتشير في الوقت الحاضر إما إلى “الدين” أو “الأمة”[10]. علاوة على ذلك، لا يلّمح في أي من كتاباته إلى المعتقدات أو العادات الدينية التي يراها نموذجية بالنسبة للأكراد أو التي نشأت بينهم. وهكذا فإن نوروز، الاحتفال بالاعتدال الربيعي الذي سينظر إليه في العقود التالية على أنه العيد القومي للأكراد، غائب في رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم[11]. في الحقيقة، إن وصف بايزيدي لنوروز في ملخصه النثري لـ(مم وزين) يوحي ليس فقط بأنه لا يعتبر المهرجان كردياً فحسب، بل في الحقيقة يحاول بجد أن يأسلمه حيث يؤكد على توافقه التام مع الشرائع الدينية.

يُبدي بايزيدي بصورة ملحوظة في القصص التي جمعها في ” جامع الحكايات”   و رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم آراء معتدلة عن المسيحيين واليزيديين. ربما يكون البايزيدي قد عدّل آراءه عن الأرمن والنسطوريين واليزيديين وعينه على قرائه الروس والمسيحيين ولكن ما من سبيل لمعرفة ذلك. هنا، كما في أماكن أخرى، يعرّف بايزيدي المسيحيين بصفتهم “رعايا” مع إن الكلمة الأخيرة قد تشمل أشخاص عثمانيين مسلمين لا ينتمون إلى الطبقة العسكرية askerî وأهل الذمة dhimmis. ففي مقدمة رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم يكتب أنه “يوجد في كردستان حوالي 70,000 بيت [أي أسرة] من الرعايا الأرمن و15,000 بيت من النسطوريين [الآشوريين]، و200 بيت من اليهود”. ويضيف إن “رعايا كردستان يتكلمون الكردية”[12] حتى إن نساءهم وأطفالهم لا يعرفون لغة أخرى سوى الكردية، ملمحاً ضمنياً أن ذكور الأرمن ممن تلقوا بعض التعليم هم فقط من يعرفون اللغة الأرمنية (من المحتمل أن تكون أحد أشكال للغة الكلاسيكية التي يُطلق عادة كرابار  [اللغة الأرمنية الكتابية]grabar  ) فقط النسطوريون قادرون على التكلم بلغته الأم. ويزعم، بشكل أكثر عمومية، أن “الرعايا الأرمن في كردستان يشبهون الأكراد في كافة النواحي[13]. ولكن، رغم هذا الغياب الواضح بالفروقات اللغوية، فإنه لا يصنف المسيحيين كأكراد في أي من كتاباته. ففي مقدمة كتاب رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم، يكتب أن المسيحيين “يعيشون بشكل جيد مع الأكراد” الذين يبادلونهم رابطة الكريفية في مراسم الختان (ملمحين ضمناً أن الرعايا المسيحيين يقومون بالختان أيضاً[14].)

يشكّل اليزيديون حالة أكثر تعقيداً. رغم إنه من الواضح أن بايزيدي راغب عن الكتابة عن اليزيديين، فإنه يُدرجهم بشكل عام مع المسلمين السنة، أو كطائفة خاصة بين الكرد دون أدنى تردد[15].  عادات الأكراد لا يعطي بايزيدي أي وصف تفصيلي عن عادات اليزيديين ولكنه يصفهم فقط بشكل موجز:

“وفي كردستان توجد طائفة اليزيديين من الأكراد، وهم ليسوا مسلمين، إنهم يزيديون. إن طقوسهم وشعائرهم سلوكياتهم مختلفة. إنهم يعبدون الإبليس ويطلقون على الشيطان اسم طاووس ملك لكن لغتهم أيضاً كردية.”[16]

Li Kurdistanê jî ekradan ta’îfeya êzîdiyan jî heyîn ku musulman nînin, êzîdî ne. Resm û ayîn û ‘urf û adet û ayîna wan jî cihê ne. Ew ta’îfa bi perestiya Iblîs dikin û ji şeytan re dibêjin Melek ê Tawûs. Lâkin zimanêd wan jî kurdî ye

من الواضح أنه استقى معلوماته من مصادر معادية لليزيديين حيث إن اليزيديون أنفسهم يرفضون بشكل قاطع تعريف ملك طاووس على أنه الشيطان. تشي تعليقاته المقتضبة بإحجامه عن التوسع، بل هو في الواقع يرفض أن يعطي مزيداً من التفاصيل عن هذه الطائفة زاعماً أنه إن فعل ذلك، فإن  حجم كتابه سيصبح كبيراً إلى حد مفرط.

لكن تفاصيل أخرى عن اليزيديين وعلاقاتهم مع جيرانهم المسلمين السنة تظهر في الحكاية 7 من حكاياته والتي تتحدث عن العداوة بين القبائل اليزيدية والطلبة الدينيين (فقهاء) في كردستان. في تلك الحكاية يقوم بايزيدي بسرد قصة الملا محمودي قولبي الذي أُسِر بالقرب من بايزيد من قبل مجموعة من فرسان اليزيديين وكيف إن بير اليزيديين  عبثاً يحاول أن يجبره على الارتداد إلى عقيدتهم بالقوة. إن الحدث الرئيسي في هذه القصة هو ما كان يحدث  عملياً أثناء القرن التاسع عشر حيث كان الموظفون العثمانيون مثل الرائد عبدالقادر وزعماء القبائل الكردية السنية أمثال مير محمود الراوندوزي وبدرخان بك البوطاني يشنون حملات عسكرية على القبائل اليزيدية في مناطق شيخان وسنجار حيث اشتملت بعض تلك الغارات على محاولات لإجبار اليزيديين على اعتناق الإسلام السني.

أخيراً، يذكر بايزيدي في رسالة في عادات الكرد وتقاليدهم أن في كل جماعة كردية هناك عدة بيوت من الموسيقيين مرطب[17] mirtib “إن لديهم لغتهم الخاصة التي لا يفهمها سواهم ويتحدثون بها في بيوتهم، ولكنهم يتحدثون الكرمانجية مع الأكراد[18]. ويضيف أن الأكراد لا يتزاوجون معهم، بخلاف اليزيديين، أي أن مرطب لا يُعدّون أكراداً بحسب تصنيف بايزيدي الإثني.

كونه متسامح مع المسيحيين، يبدو بايزيدي ناقداً لرجال الدين المسلمين. وعلى الرغم من إن بايزيدي نفسه ممن تلقوا تعليماً دينياً، فإن بعض نصوصه تحمل بالتأكيد طابع مقاومة الإكليروس. في الحكاية الثانية من جامع الحكايات يشير بايزيدي إن علماء الدين الأكراد لا يعتبرون السرقة من الأرمن جريمة، كما إنه يذكر في عادات الأكراد أن المسلمين الكرد لا يعتبرون قتل الإيزيدي إثماً[19] ملمحاً عدم رضاه عن كلتا الحالتين. تصف الحكاية 3 جشع ملا كردي يرشد جماعة المصلين أن يتبرعوا بنصف ممتلكاتهم للفقراء، ولكنه يستشيط غضباً عندما يكتشف أن زوجته قد فعلت الشيء نفسه بممتلكاته (الهزيلة، باعتراف الجميع). يقول الملا “هذه النصيحة هي للآخرين وليس لي” ويضيف “لقد أوعظت بذلك حتى يعطونني الفائض من ملابسهم وخبزهم” ويختم قصته بتعليق إن معايير مزدوجة كهذه نموذجية “لكل علماء الدين من كافة الأديان”  (xwendêd hemi milletan[20]).

   يُظهر بايزيدي ميلاً لوصف العادات التي يراها كردية بشكل خاص بمفردات معيارية صريحة وإزدرائية لانحرافات العقيدة الدينية وبشكل أكثر تحديداً بوصفها أحد أشكال الجهل jahiliyya . وبالتالي، فإنه يصف ممارسات السحرة والمنجمين وقارئي الفأل بأنه جهل. بل إنه يدين حتى عادة الكرد في النظر إلى الخبز بوصفه شيئاً مقدساً “ومعظم جهلة الأكراد يحلفون – والعياذ بالله – برغيف الخبز ويقولون إن لم يقسم المرء بالخبز فلا دين له ولا إيمان، و يدعون أن الدين والإيمان يقوى بالخبز”[21] . ولكن يبدو بالنسبة له إن كلمة جاهل  لا علاقة لها بعادات الجاهلية السابقة للإسلام. وبالتالي، فإنه لا يقدّم أي من تلك العادات بصفتها بدائية وأولية أو كردية أزلية مثلما يعتبر الفقه اللغوي الأرمني الوثنية الأرمنية على أنها أرمنية “أصيلة”.[22] ويصف على نحو متكرر الأكراد القبليين والقرويين والرحل على إنهم جاهلين إلى حد ما بسبب اعتمادهم على الشيوخ. “لدى الكرد، وفق اعتقادهم الجاهلي، i’tiqadê cahiliyye ايمان قوي بشيوخهم. لدى كل طائفة و ملة منهم شيخها الخاص.”[23]

لكن نقد بايزيدي لا يستهدف فقط العلمانيين الريفيين الجهلاء، بل أيضاً الزعماء الدينيين. فيكتب أن معظم شيوخ الكرد جاهلون وغير متعلمون ekserêd şêxêd wan cahil û nexwendî ne. ورغم إنه يمكن إيجاد انتقادات مماثلة عن جهل الشيوخ المتصوفين sufi shaykhs بين المسلمين المجددين والمجددين العلمانيين على حد سواء، فإنه يبدو أن بايزيدي لا يرَ ذلك الجهل من زاوية التقدم والركود بل كمؤشر على انحطاط عصره. حيث يكتب “كانت الأجيال السابقة من الشيوخ أتقياء ومبجلين salih û şêx bûne لكن خلفاءهم جاهلون وغير متأدبين  cahil û bê   “edeb[24]تتماشى هذه الملاحظات مع تعليقه في مكان آخر بأن الاختفاء العملي للتعلم في كردستان من علامات الآخرة[25] elametê axirî من الواضح إن إحساس بايزيدي بالزمنية التاريخية يتشكل من خلال الإيمان بالآخرة أكثر من تشكلها وفق المفاهيم القومية عن التقدم والانعتاق. بالتالي سيكون من المبالغة وصف بايزيدي بالمؤلف العلماني أو الحداثي، لكن نقده لجهل وفساد صنوانه من رجال الدين أمر لافت للنظر مع ذلك. بهذه المناسبة يجب ملاحظة أنه لم يشر أو يلّمح في أي مكان إلى الإصلاحات الدينية التي اكتسحت الإمبراطورية العثمانية في بداية القرن التاسع مثل الحركات الوهابية والخالدية النقشبندية ولكن يبدو من غير المحتمل أنه لم يكن مطلعاً عليها.[26]

 

8- التاريخ:

   دعونا نبحث أخيراً عن علم التأريخ الذي يكتبه بايزيدي. إنه يذكر بشكل واضح أن ترجمته لكتاب شرفنامه كانت بطلب ودعم من “مسيو جابا”  (bi istidâ û xwaheş û himmeta Misyo Jabayî)[27] . وربما يكون جابا هو من جلب مخطوطة شرفنامه التي استخدمها بايزيدي في ترجمتها إلى اللغة الكردية، ولكن ما من دلائل على ذلك.[28]  قد يظن المرء أن لغة بايزيدي الكردية المبسطة تعكس ميلاً واضحاً، تُرى في اللغة الأخرى أيضاً في الإمبراطورية العثمانية في تلك الفترة، لوضع سجلات بلغة أبسط للغة النثرية المحكية تحتوي على كلمات وعبارات دخيلة أقل من العربية والفارسية وتصبح أكثر سهولة للقراء الأقل تعليماً. ولكن مرة أخرى، حقيقة أن هذا النص كُتب لجابا حصراً، يجعل هذه الفرضية، التي وإن كانت مغرية، ضرباً من التكهنات.

   يغطي تاريخ كردستان الحديث للبايزيدي،وهو تكملة للشرفنامة، الفترة الممتدة ما بين 1200/1785 إلى 1274/1857-58 وهي السنة التي كتب فيها أو قبلها الكتاب بسنة. لا تعطي المصادر المتوفرة سبباً واضحاً لما يبدأ العمل بـ1200 هجرية، بعد فترة طويلة من نهاية الفترة التي غطاها شرف خان البدليسي. يحتوي الفهرس، الذي أعاد نشره [جان]دوست وآفجي Avci من فاسيليفا، على قائمة بأحد عشر فصلاً عن الإمارات والمناطق الكردية المختلفة يستهلها بفصل عن ولاية أرضروم وتتضمن فصولاً عن مناطق مثل بايزيد (حيث وُلد بايزيدي نفسه) وراوندوز (من الممكن أنه يعالج نهوض وسقوط محمد باشا [الراوندوزي] الرجل القوي من القرن التاسع عشر) وبوتان (من المحتمل أنه يركز على حكم بدرخان بك) وعلى حصار روسيا واحتلالها المؤقت لمدينة قارص. إن احتواء الكتاب على كل هذه المواضيع يجعل فقدان العمل برمته محزناً أكثر. كما إن هناك فصل مستقل مخصص لأذربيجان (أي عن المناطق الكردية الواقعة تحت الحكم الفارسي). الملفت للنظر أن بايزيدي لا يبدي اهتماماً زائداً للإمارات الكردية الواقعة جنوب وشرق راوندوز مثل إمارات بابان وأردلان. ولا يسعنا إلإ اللجوء إلى التكهنات لمعرفة أسباب هذه الإغفالات.

ظاهرياً قد يبدو بايزيدي منخرطاً في نوع من التأريخ القومي النموذجي لأوربا في القرن التاسع عشر. على سبيل المثال في المقدمة المؤلفة من صفحة واحدة لترجمته لـ”شرفنامه” يكتب بايزيدي ما يلي:

“لدى كل الشعوب والأمم السالفة تاريخاً مستقلاً عن حسب ونسب المشاهير ، إلا الشعب الكردي الذي لم يكن لديه تاريخ مستقل حتى سنة 1000 للهجرة[29].”

ويتابع في ذات السنة، 1000 هجري، كتب شرفخان بدليسي تاريخ الحكام والقبائل الكردية في الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، ولكن هناك نسختان أو ثلاث من مخطوطة عمله، وهي تكلف آلاف القروش، يتم تداولها في عموم كردستان. تعليق بايزيدي اللاحق أن شرفنامه مكتوب بالفارسية يغري المرء أن يفترض أن [بايزيدي] قومي رومانسي مؤمن بأن التاريخ القومي يجب أن يُكتب باللغة القومية، ولذلك لا ينبغي اعتبار شرفنامه تاريخاً قومياً أصيلاً. لكن دافعه في كتابة التاريخ باللغة الكردية ربما يكون بالقدر نفسه، وقد كان على الأرجح، هماً عملياً لأن هذا العمل، بسبب لغته وسعره، لم يكن في متناول قراء الكردية بشكل عام الذين في ذلك الوقت كان مقتصراً على المتعلمين في المدارس من الذكور والحكام المحليين، أو ربما يكون ثمة سبباً بسيطاً وواقعياً وهو حقيقة أن الترجمة الكردية لعمل شرفخان تم بتكليف من جابا.

لكن ما يتضح من كتابات بايزيدي هو أن سنة 1000/1591-92 تحتل مكانة خاصة في مفهوم بايزيدي للتاريخ الكردي. ففي وقت ما من تلك السنة كتب شرفخان أول تاريخ كردي، كما يذكر بايزيدي[30]  وتولى علي ترماخي دوراً ريادياً في الكتابة بالكردية كلغة تعلم[31]   واستقر خاني في بايزيد حيث ألّف فيها أول وأعظم قصيدة مثنوية باللغة الكردية.[32]  تتباين تلك المزاعم في درجة دقتها: حيث  إن سنة 1000 للهجرة دقيقة تقريباً في حالة البدليسي الذي يعود تاريخ كتابه شرفنامه إلى 1005/1597، وممكنة، ولكن ليست مقبولة ظاهرياً، في حالة ترماخي الذي لم يُشهد كتابه Tesrîfa Kurmancî قبل أواخر القرن الثامن عشر، وغير صحيحة، كما هو واضح، في حالة خاني الذي يشير صراحة أن سنة ولادته كانت 1061/1650 والذي كتبَ أنه أنهى مم وزين في عمر 44، أي في سنة 1107/1695

Lewra ku dema ji xeybê fek bû/Tarîx-i hezar û şêst û yek bû/Îsal-i gihişte çil û çaran

لأنه عندما دخل إلى هذه الدنيا/ كانت السنة ألف وواحد وستون [أي 1650 ميلادي]

/ دخل الرابعة والأربعين هذه السنة.

خطأ بايزيدي فيما يتعلق بتاريخ ولادة خاني مثير للاستغراب حيث إنه اعتمد في ترجمته لقصة مم وزين على نص خاني أكثر من أية نسخة شفاهية للحكاية. وهذا [الخطأ] يوحي أنه ينبغي أن نأخذ استخدام بايزيدي لسنة 1000 هجرية على أنه ليس أكثر من ترسيم مناسب أو تقليدي لتطور هام في التاريخ الكردي، كما يوحي بأنه كان على اطلاع جيد تحويل اللغة الكردية إلى المحكية في الماضي غير البعيد وما تنطوي عليه من أهمية ثقافية وتاريخية.

ما ذُكِر أعلاه يغرينا أن ننظر إلى بايزيدي كمجدد يفكر في عملية التحول إلى المحكية من زاوية التقدم التاريخي والانعتاق واليقظة القومية. ولكن علينا مقاومة ذلك الإغراء؛ إذ لا يقتصر الأمر على خلو كتاباته من المفردات الإحيائية للتحرير أو الصحوة الدينية أو القومية بعد غفوة استمرت قروناً، بل لا يصف سنة 1000 هجرية، وإن كان يلاحظ أهميتها التاريخية، في اي مكان على أنها تمثل قطيعة جذرية، أو ثورة أو حتى مثالاً على التجديد الثقافي أو الإصلاح، وهي المصطلحات التقليدية للتغيير الكبير الذي أحدثه المجددون في المجالين الديني والثقافي. من ناحية أخرى، لم يعد بايزيدي يعبر عن “دورة العمران” في تفسير التاريخ (وأبرز ممثليه ابن خلدون) بل [لا] يعطي أي تلميح بالاعتقاد بالسيرورة التاريخية.  بدلاً من ذلك، ينظر إلى عصره على أنه يؤسس لانحطاط ثقافي كبير، دون أي احترام لأية مصادر تقرها الآلهة أو أي عصر أسطوري ذهبي، ولكن على صلة أكثر بالماضي القريب. وهكذا فإنه يزعم أنه بعد مراد خان (1150/1737/1199-1784-85)، وهو الشاعر الثامن والأخير الذي ناقشه في عرضه القصير، “لم يبرز من بين الكرد شاعر حتى الآن”. (paşê wî ji kurmanciyan aydî şâ‘ir pêda ne bûye heta niha)[33] وبالمثل، فإنه يكتب في تقديمه لتصريف الترماخي:

“لقد اختفت المدارس والمعلمون والتعليم تقريباً من كردستان هذه الأيام، أو أصبحت نادرة على الأقل. إنها بالتأكيد من علامات الآخرة أن يرى المرء تناقصاً في العلماء والعلوم.”

“Niha êdî medrese û ‘ulemâ û khwendîn di Kurdistanê da qewî kêm bûye… elbette elâmatê axirî ye ku ‘ilm û ‘ulamâ nuqsan dibin”[34]

ويضيف، في السابق كان من الممكن إيجاد المدارس في كل أنحاء كردستان، في البلدات والقرى الصغيرة، وكان الحكام والسكان على حد سواء يحمون المدارس والعلماء.

بالنظر إلى شح المصادر، فإنه من الصعب إن لم يكن مستحيلاً الإقرار بصحة تلك الملاحظات. من المغري ربط تباكيه بسياق أوسع في الاضطرابات السياسية والاجتماعية في ذلك الزمن مثل اختفاء الرعاية الرسمية من البلاط، والمساعي العثمانية في فرض المركزية، والانتهاكات الروسية. ولكن رغم أنه يرى تلك التطورات، يبدو أنه لا يعتبرها أسباب حقيقية لاضمحلال الثقافة الكردية. شيء آخر ينبغي الإشارة إليه في هذا السياق هو الإحساس بالزمن التاريخي الكامن في تشاؤم بايزيدي الذي يبدو أنه لا يرقى إلى الزمانية التاريخية، كما تتجلى في مقدمة ابن خلدون، ولا إلى مستوى مفهوم التطور الخطي كما يتجلى لدى المؤرخين المجددين و/أو القوميين. لا يستند كذلك على المفاهيم الحديثة عن “التقدم” و”الحضارة” و”الارتقاء”، بل يعكس ايماناً محافظاً بانحطاط الأخلاق المقرون بالإيمان بالآخرة (وربما يمكن أن نضيف إليها توقعاً دينياً تقليدياً أن نهاية الزمن وشيكة).

9 التعليم الكردي والروسي

مثلما أُشير أعلاه فإن كتابات بايزيدي من النوع الهجين. فكتاباته ليست فقط تشكل لحظة هامة في  التحول إلى اللغة الكردية  المحكية ولكن أيضاً تنتمي إلى فصل مبكر من تاريخ الاستشراق الروسي. على ما يبدو إنها لم تكن موجهة أبداً إلى جمهور القراء الكرد، بل كانت بتكليف من ومؤلفة فقط لصالح القنصل الروسي أوغست جابا. وبذلك، فإنها تندرج ضمن إطار أوسع من الدراسات الاستشراقية الروسية- في أواسط القرن التاسع عشر كان المسؤولون أو العلماء الروس (الذين غالباً لم يكونوا يعملون بشكل مباشر للدولة الامبراطورية الروسية) يقومون بتكليف علماء محليين من الشعوب الشرقية المختلفة بتدوين بعض الأعمال لهم. مؤلفو تلك الأعمال ليسوا “مصدر معلوماتين أصليين” بالمعنى المتعارف عليه للكلمة – فهم لم يكونوا أميين وبإمكانهم الزعم بنجاح بنوع من السلطة المعرفية. ولكن في إطار عملية دمج تلك الكتابات في الاستشراق الروسي، فإن تلك السلطة [المعرفية] كانت بشكل واضح وبصورة قاطعة دون مستوى العلماء الغربيين.

كانت أولى الاستشكافات الروسية الفيلولوجية والفلكورية للكرد، كما الشعوب الأخرى في الامبراطورية، في إطار اكتساب اللغة المحض ولم تكن مهتمة كثيراً بالعادات والتقاليد الفريدة للكرد. بناءً عليه، فإن 44 جملة رئيسية التي قدمها ليرخ في Forschungen هي في الواقع مجرد ترجمة كرمانجية وزازئية لنماذج الجمل التي ذُكِرت في 1733 Idea et desideria الشهيرة لباكميستر Bacmeiseter   وهذه القصص في الحقيقة هي ترجمة من مجموعة دايتريتشي Dieterici  و لاتيلييرLatellier للقصص التركية الشعبية، كما إن 25 حكمة كردية التي يعيد استنساخها ما هي إلا ترجمة بايزيدي للأقوال المأثورة التركية الواردة في قواعد اللغة التركية لجوبيرت Jaubert. ويتضمن النص أيضاً ترجمة للغة الفلندية بالأحرف الرونية القديمة. ترجمات كهذه إلى اللغات المحلية هي في الواقع ظاهرة متكررة في الدراسات الاستشراقية الروسية المبكرة. فيصادف المرء العديد من الترجمات الفارسية، التي أجريت بشكل خاص بتكليف، للأعمال الأدبية المعروفة وفي مقدمتها ترجمة عمل كلستان  لسعدي إلى اللغات المحكية المحلية المكتوبة بهدف واضح هو اكتساب ودراسة اللغة بشكل فقهي ممنهج من قبل العلماء الروس الذين سبق وأن امتلكوا ناصية اللغة الفارسية. من المفارقة أن هذا الاستخدام لـكلستان”  للتسريع في تعلم المحكية يماثل استخدام كتب سعدي من قبل ابناء شعبه نفسه لتعلم اللغة الفارسية[35].

لا يمكن التغاضي عن أهمية الدراسات السوفيتية والإمبراطورية الروسية في إحياء الاهتمام بالبايزيدي. في الحقيقة إن معظم، إن لم يكن كل، الطبعات الكردية عن أعمال بايزيدي هي في الواقع إما مخطوطات أو ترجمات و/أو إعادة طبعات فوتوغرافية عن المنشورات الروسية أو السوفيتية المبكرة[36]. ومع ذلك، غالباً ما يتم التقليل من أهمية دور البايزيدي والعلماء المحليين من أمثاله في الكتابات الروسية المبكرة. يصح ذلك بشكل خاص على كتابات العلماء المحليين أو اللغات المحكية، التي كان يُنظر إليها من قبل العلماء الغربيين بصفتها في أفضل الأحوال مصدراً خاما لمادة لغوية وفي أسوأ الأحوال سبباً للالتباس، حيث كان يُنظر إليها على أنها تعتمد على تعاليم لغوية وطرائق استنساخ غير كافية. وهكذا، تم رفض كتاب علي ترماخي Serfa Kurmanci ، وهو كتاب صرف (مو رفولوجيا) قام بايزيدي بنسخه لصالح جابا، من قبل لجنة الأكاديمية الروسية للعلوم، التي كُلِفت بنشر مواد جابا، معتبرةً الكتاب عملاً مشتقاً ذو أهمية ثانوية على الرغم من إنه، على الأرجح، أقدم كتاب عن قواعد اللغة الكردية وكذلك أقدم نص نثري موجود في اللغة الكردية[37].

وبالمثل فإن عمل ليرخ Forschungen  رافض للتعليم العامي الكردي. تتضمن مقدمة هذا العمل اقتباساً لبرنارد دورن، الذي كان معلم جابا، يمدح فيها معلم (خوجا) جابا، الذي من الصعب أن يكون أحداً سوى ملا محمود نفسه، بصفته “كردياً متعلماً” einen gebildeten Kurden “يعرف رغباتنا”. [38] لكن ليرخ يعبّر عن شكوكه من الفائدة اللغوية لنصوص متكوبة بالخط العربي الفارسي من قبل الأكراد المتعلمين المحليين. وهكذا، ينتهي به الأمر أن يمنح جابا مزيداً من الفضل في النسخ أكثر مما منحه للملا المجهول الذي قام بالكتابة بالخط العربي دون أي تداخل لا مبرر له من التركية والفارسية ويصرح عن شكوكه المستمرة حول جدوى النصوص الكردية ” التي كُتِبت بقلم كردي تعلّم بطريقته الخاصة.”[39] ويكتب بشكل متعال أن النصوص التي تلقاها من أرضروم فاقت توقعاته-فقد كُتِبت من قبل كردي متعلم ومثقف schriftkundige  ولكن “بغض النظر عن إنها كانت ترجمات عن الفارسية والتركية، فإن مؤلفها لم يقع في تلك التناقضات كنت أخشى من جانب كرديٍ.”[40]. سيُصدم قراء اليوم بنبرة ليرخ المتعالية ومن افتراضه أن النصوص المكتوبة من قبل عالم كردي محلي ينبغي أن تكون مليئة بالأخطاء و”التناقضات”.

مسألة أخرى يبدو أن جهود بايزيدي  لم تنل الإشادة المستحقة هي مسألة وضعه لقاموس كردي شامل. من الصعوبة بمكان، إن لم يكن مستحيلاً، تحديد المدى الدقيق لمساهمات بايزيدي فيما سيتم نشره على أنه قاموس جابا وجوستي الكردي-الفرنسي، ولكن يبدو إنه تم التقليل منها من قبل جوستي الذي يكتب في مقدمته فقط أن الصيغ في المخطوط الكردي-الفارسي قد كُتبت من قبل ملا كردي” (هو البايزيدي بدون شك). مضيفاً أن ذلك الملا قد ارتكب العديد من الأخطاء (على سبيل المثال يخلط ما بين الألف والهمزة، والقاف والكاف، والسين والتاء المبسوطة والتوكيدية (ص5-6)، ذلك الأديب الكردي، يكتب في مكان آخر، يدوّن حرف e بشكل خاطئ في وسط الكلمة (ص8). من خلال اعتمادع نظام التهجئة العربية كمعيار، ومن خلال اعتباره أن أي انحراف أو اختلاف في الكتابة بالكردية (التي لا يوجد فيها أحرف ساكنة مشدّدة) أخطاءً من جانب الملا، فإن جوستي يقلل من دور بايزيدي إلى مجرد مصدر معلومات محلي جاهل ومجهول الهوية.

يمكن رؤية نتيجة هذا الموقف المتعالي تجاه الدراسات المحلية –أو على الأقل الموقف من كتابات بايزيدي نفسه- بوضوح في الكتابات اللاحقة للكردولوجيين الروس. بناءً عليه، فإن فلاديمير مينورسكي يعتمد بشكل واضح في مادته عن الكرد في دائرة المعارف الإسلامية على المواد المكتوبة أو التي قدمها بايزيدي-وبشكل خاص عرضه عن الشعراء الكرد لكن دون أن يشير إليه في أي مكان بالإسم، بل يكتفي بشكل عابر بذكر “مصدر معلومات/مصدر معلومات” مجهول الهويةgewahrsmann لجابا. بالمثل، لا يأتي باسيل نيكيتين في دراسته المعنونة الأكراد Les Kurdes على ذكر بايزيدي رغم إنه كان مطلعاً على كتابات الأخير التي نُشِرت تحت اسم جابا. إنه يتكلم بشكل عام عن “مجموعة من العلماء الكرد” الذين يُزعم إنهم ساعدوا جابا في تجميع مختارات أدبية[41]. باختصار يبدو إن الدراسات الكردولوجية الإمبراطورية وما بعد الإمبراطورية الروسية قامت  بثبات، إن لم يكن بشكل ممنهج، بالتقليل ليس فقط من أهمية كتابات بايزيدي بل أيضاً الحض من مصداقيته وحاولت أن تزيل اسمه من ذاكرة الكردولوجيا.  وربما لم تكن هذه الحالة الوحيدة. ومن الواضح أن قصة تهميش التعليم العامي في الاستشراق الأوربي في مراحله الأولى تبقى جديرة بالكتابة.

خاتمة:

   مما ذُكِر أعلاه يتضح أن ملا محمود بايزيدي شخصية فائقة الأهمية في التاريخ السياسي والثقافي لكردستان في القرن التاسع عشر. ويستحق دوره كوسيط بين الإمبراطورية العثمانية الإصلاحية وثلاث من  حكام كرد الأكثر قوة أمراً يستحق البحث عنه. وربما تفصح السجلات [أرشيف] البريطانية والروسية والعثمانية عن مزيد من التفاصيل عن التطورات في كردستان الشمالية في القرن التاسع عشر ودور بايزيدي فيها.

إن كتابات بايزيدي هي على الأقل مثيرة بنفس قدر أفعاله السياسية. فضلاً عن أهميتها الأساسية كأحد أقدم المصادر عن الأدب الكردي وعاداتهم، وكأحد أقدم النصوص النثرية، فإنها تستحق الانتباه لمحتواها ومفاهيمها. ولكننا نعرف القليل او لا شيء تقريباً عن الأعمال التي شكلت مصادر أو قدوة لتلك الكتابات فيما عدا بعض الأعمال الواضحة مثل شرفنامه ومم وزين، كما إنه ما من دليل على إنه كان مطلعاً على الأعمال الأنثروبولوجية باللغات الفرنسية والروسية والأرمنية. يبدو من المرجح إن جابا كان يطلب من بايزيدي أن يكتب عن موضوع محدد وأن الأخير كان يمتثل من خلال كتابة نصوص قصيرة مثل تلك التي قدمها في جامع الحكايات أو مقطعاً في نص أطول مثل رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم. بناءً عليه [يمكن القول] أن المواضيع التي يناقشها بايزيدي هي عموماً تلك التي تثير اهتمام المستشرقين الأوربيين الجدد المدربين لغوياً [فيلولوجيا] والناشطين دبلوماسياً، لكن اللغة التي كُتِبت بها تلك النصوص لا تزال وفق التقاليد الإسلامية ما قبل الحداثية أو الحداثية المبكرة في التعليم والآداب.

مع ذلك، فإن نظرته لم تكن ببساطة “ما قبل حداثية” أو”تقليدية” إذا ما أخذنا بعين الاعتبار إدراك البايزيدي بأن اللغة المحكية للتعليم الكردي، التي يعيد تاريخها إلى سنة ألف ميلادية، تشكل صدعاً رئيسياً في التاريخ الثقافي الكردي. بالمثل، فإن الأصناف القومية-الرومانسية للأدب والنثر غائبة عن كتاباته مثلما تغيب عنها المفاهيم الحديثة للدين والثقافة والتراث. المثير للانتباه أنه يستخدم بثبات عبارات تحقيرية مثل عرف، وعادة وجاهلية للإشارة إلى المفهومين الأخيرين. لذلك، بالكاد يمكن الحديث عن صنف أصلي، بمعنى الشخصية الوطنية الخالدة الزاخرة بتقاليد الوثنية، ولا سيما اللغة المحكية والأدب القومي والفلكلور، مثلما زعم نيشانيان بخصوص القومية الأرمنية في فترة معاصرة تقريباً.أخيراً، فإن مفردات القومية-الرومانسية عن الحرية القومية والسياسية غائبة بالكامل تقريباً في كتابات بايزيدي؛ فهو يتحدث عن الحرية فقط في سياق قضايا الجنسانية (الجندرة) أكثر من السياسة والحرية الخاصة أكثر من العامة أو القضايا السياسية –لاحظ تعليقه في رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم بأن نساء الكرد متحررات مثل الفرنسيات[42]. لكنه لا يطالب في أي مكان إلى أن الكرد كشعب أو Volk ليسوا أحراراً ، ويجب أن يكونوا. باختصار ليست كتابات البايزيدي سرداً حديثاً للتطور التاريخي أو التحرر أو الحرية. وبالمثل، فإن أصناف فقه اللغة القومية-الرومانسية غائبة عن كتاباته؛ فهو لا يكتب عن تاريخ الأدب

الكردي، بل عن الشعراء الكرد ولا يتحدث عن الثقافة الكردية بل عن العادات الكردية. كما إن كتاباته لا تتضمن أية ترجمة بسيطة أو تلقياً سلبياً للاتجاهات اللغوية الاستشراقية الغربية-التي يُفترض أنها كانت مسيطرة أو مهيمنة.

لكن ينبغي ألا ينظر المرء إلى ما هو غائب عن كتابات بايزيدي بل استكشاف المرحلة المعينة التي تجسدها  تلك الكتابات في التاريخ الكردي السياسي والفكري. إنها [الكتابات] تعرض إحساساً لا يخطئ بهوية كردية متمايزة  لا يمكن اختزالها في الاتجاهات اللغوية  الاستشراقية المهيمنة أو القومية الثانوية أو تأثير روسيا الإمبراطورية. لهذا السبب، يسترعي بايزيدي الانتباه، ويجسد في الواقع، الأشكال المحلية للوكالة الفكرية إضافة إلى أهمية التعليم الحديث باللغة المحكية في تكوين الهويات القومية وبالتالي في تشكيل الحركات القومية في الإمبراطورية العثمانية الإصلاحية.

[1] حاشية المترجم: كذا في الأصل والأصح مثل الفرنجة ويقصد بهم الشعوب الغربية عموماً

[2] السابق، 46،54،99

[3] Rustem Besim (tr), Seyahname-i Ibn Rifaa [Tercüme-yi Seyahatname-yi Paris], Cairo, Bulaq 1839

[4] حاشية المترجم: كذا في الأصل والأصح لا يتوارين عن أحد.

[5] السابق، 107-108

[6] السابق، السابق، 117،127

[7] السابق، 221

[8] Claudius James Rich, Narrative of a Residence in Koordistan, 2 Vols. (London: J. Duncan, 1836): cf. Martin van Bruinessen, Agha, Shaykh and State: Social and Political Structures of Kurdistan (London: Zed Books, 1991), esp.109-21

[9] دوست، عادات، 116

[10] السابق،117

[11] بشكل عام فيما عدا استثناءات مميزة مثل كتاب الفارابي كتاب الملة، فإن المؤلفين ما قبل الحداثيين والحداثيين الأوائل لا يستخدمون كلمات مثل الدين، الملة…الخ للإشارة إلى المعتقدات الدينية لشعوب خاصة

[12] السابق، 226

[13] السابق، 236

[14] السابق، 226،236

[15] الملفت للنظر أنه لا يصف بشكل واضح القبائل المصنفة في رسالته كأكراد أو كرمانج. فهو يضم القبائل الكردية السنية واليزيدية لاعتقاده، على ما يبدو، بأن كلهم أكراد. (جابا1-7) . لا يُشير بايزيدي إلى أية قبائل مسيحية خالصة رغم إن إقليم هكاري بشكل خاص كان معروفاً في تلك الفترة بأنه يحضن قبائل نسطورية. لكنه يشير في مكان آخر إلى أن الكرد لا مذهب لهم سوى المذهب الشافعي، وبذلك يقصي ضمناً اليزيديين والمسيحيين. (جان دوست، عادا، 130)

[16] بايزيدي، رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم 1913-1918، دوست، عادات. من باب المصادفة أنها المرة الوحيدة عملياً التي يصف فيها بايزيدي اللغة الكردية بـ kurdî وليس  kurmanci

[17] كلمة كردية محرفة عن (مطرب) العربية

[18] بايزيدي، رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم، دوست، 134. من باب المصادفة أن هذه هي المرة الوحيدة التي يصف فيها بايزيدي اللغة الكردية بـkurdi  وليس kurmanji

[19] السابق، 227

[20] Jaba, Recueil, 17 Fr/22Kr.

[21] دوست، 112

[22] Cf. Nichanian, Deuil, Ch.2.

[23] دوست، عادات. فيما يبدو خطأ مبطعياً على الأرجح، يقوم [جان]دوست باعتماد تهجئة i’tiqadê   كما وردت في طبعة رودينكو. لاحظ أن بايزيدي يستخدم مرة أخرى كلمة millet وtayife بمعناهما العام “مجموعة” هنا.

[24] السابق، 101

[25] Jaba, Recueil ,14

[26] يذكر ابن جبير في رحلته وجود عدد من الوهابيين في أرضروم في 1805 مما يوحي أن الحركة الوهابية كانت فاعلة جداً في أصقاع مختلفة من الامبراطورية العثمانية في وقت مبكر.

[27] دوست، عادات،211

[28] تختلف الترجمة الكردية للشرفنامه عن الأصلية في عدة نقاط لا تقتصر فقط على تغيير بايزيدي الضمني لعدد من أسماء العلم وأسماء الأمكنة، بل إنه يحذف في ترجمته فقرات مختلفة في محاولة ظاهرة لتبسيط اسلوب بدليسي “المنمق”موساليان، “المجلد الأول”، 5-6. ورغم إن الجداول تتماثل بشكل منتظم في النصين الكردي والفارسي في كردوييف وموساليان.  ولكن لم تجر مقارنة بين أسلوب ومحتوى العملين. 17-45

[29] دوست، عادات، 216، آفجي، عادات، 25-26، قارن فاسيليفا، Kniga

[30] السابق

[31] Jaba, Recueil, 12

[32] السابق

[33] Jaba< Recueil, 11Fr/16K

[34] السابق، 14ف/19كردي

[35] Lerch, Forschungen, V

[36] يصح هذا الكلام عن، من بين أعمال أخرى، على طبعات دوست، ايزولي وافيجي من رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم، وطبعة افيجي … وطبعة ديرشي من

[37] Jaba, Recueil, VII

[38] Lerch, Forschungen  

[39] السابق، 50

[40] السابق

[41] نيكيتين، الكرد، 294. لاستكشاف أولي عن أهمية كتابات بايزيدي في الدراسات الكردية، انظر جان دوست: “بايزيدي والكردولوجيا: ازدهار النثر الكردي في ظل الكردولوجيا في “محاضرات مؤتمر الكرودلوجيا” تحرير إبراهيم أيدوغان “Bayezîdî û kurdolojî: Geşbûna pexşana kurdî di hembêza kurdolojiyê de”, in Kurdolojî: Gotarên Konferansa Kurdolojiyê , ed. by Ibrahim Aydogan (Hakkari: Hakkari Üniversitesi Yayinevi, 2012), 197-208.

[42] بايزيدي يقول نساء الكرد مثل الأجنبيات ، الكرد يطلقون كلمة الفرنجة على كل الغربيين  من باب اطلاق الجزء على الكل ، في الحروب الصليبية اصبحب كلمة العرب تطلق على كل المسلمين و في الحروب العثمانية الاوروبية أصبحت تطلق على المسلمين كلمة الترك  . هذه الملاحظة للصديق محسن