بريشة الفنان التشكيلي محمد شاهين
بريشة الفنان التشكيلي محمد شاهين

4– اللغة

من أجل تحديد طبيعة كتابات بايزيدي، دعونا نلقي نظرة أقرب على مفهوم بايزيدي للغة والأدب والدين والثقافة والتراث. السؤال الأول هو فيما إذا كان لدى بايزيدي إحساس بأن الكردية لغة متمايزة، وإلى الكرد كشعب مميز تحددهم لغتهم. وبشكل أدق ينبغي أن نسأل بأي معنى أو معاني بالضبط يستخدم بايزيدي تعابير مثل “كرد، أكراد وكرمانج” وما شابهها. مبدئياً لا يمكننا أن ندعي أنه يستخدم تلك العبارات بشكل متبادل ولا نستطيع أن نفترض أنه يستخدمها بمعناها الحالي كجماعة عرقية أو أمة محددة من جهة لغتها. بادئ ذي بدء، نادراً ما يستخدم بايزيدي المصدر كرد أو الصفة كردي بل غالباً ما يستخدم أما جمع التكسير أكراد أو الكلمة الكردية كرمانج[1]. بعد ذلك فإنه يشير باستمرار إلى اللغة المحكية المحكية من قبل الكرد كـ”اللغة الكرمانجية” Lîsanê kurmancî أو باختصار kurmancî،ويستخدم مرة في رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم عبارة  Lîsanê kurdî .إنه يعيد أصل كلمة كرد أو أكراد إلى الكلمة الفارسية ﮔرْد  “وتعني الجمع” أو “الجمع والخلط”(gird, yanî berhev û cemi’kirin) [2]. ولكنه ينظر إلى الكرد كشعب بأن أصولهم ليست فارسية بل عربية لكونهم “قسماً من الطوائف العربية التي تميزوا عنها” ( ji wan tayifêd ereban miqdarek cuda bûyîne) أي “عرب-أكراد”[3]. وهو لا يرى هنا أي تناقض أو التباس، فهو يعيد انتاج الأساليب المتبعة منذ وقت طويل لشخصيات من النخب الكردية كما في حالة الحكام الكرد في إمارة بوتان الذين يُعيدون نسبهم إلى الصحابي خالد بن وليد. بالمثل، يُقال أن الأمير الخيالي زين الدين في قصة حب مم وزين لأحمدي خاني، من أصول عربية دون أن تقلل هذه الحقيقة الظاهرة من كرديته:

نسلا وي عرب أميرِ أكراد…/منسوب ومسلسلي خالد[4]

كان أميراً كردياً يتصل بنسب عربي…/يتسلسل منهياً بخالد [بن وليد]

لكن خلافاً لهذه المصادر المبكرة، فإن بايزيدي يزعم النسب العربي ليس فقط للحكام العرب بل أيضاً للأكراد كشعب. في البداية يزعم إنهم ينتمون إلى طائفة عربية ويتكلمون العربية، ولكن في وقت ما اصبحوا قبيلة مستقلة وتطوروا-أو بالأحرى، بدأوا بالتحدث- بلغة مستقلة قائمة بذاتها. لم يفصّل بايزيدي كيف، إن حدث ذلك أصلاً، تطورت تلك اللغة الكردية من العربية باستثناء “مزج” العناصر العربية والفارسية، ويدّعي أن اللغة الكردية لغة “مركبة” أو “مزيجة” أي إنها خليط من الفارسية والإيرانية [أو الفرس والإيرانيين] (zimanê berhev, yanî mexlutiye, yanî girdkiride ye ji Faris îraniyan)[5] ، مجسداً الاعتقاد الواسع الانتشار بين المؤلفين المسيحيين والإسلاميين القدماء أن اللغات تكون في الأساس نقية وأنها تتغير فقط نتيجة فساد الناطقين بها، أو من خلال الاتصال بشعوب أخرى الذي ينجم عنه لغات “مزيجة” أو “غير نقية”[6]

وتتجلى مزيد من التفاصيل عن آراء بايزيدي عن اللغة الكردية لدى مناقشته اللهجات الكردية المختلفة في مقدمة كتابه رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم[7]. هناك يميز بايزيدي بين أربع لهجات رئيسية أو مجموعة لهجات للكردية: اللهجة الراوندية (يتكلم بها سكان المناطق الشمالية لجالديران وقارس وبايزيد وموش وبدليس ووان، ويزعم أن هذه اللهجة،  هي أيضاً “لغة الرعايا الكرد” في خربوط والعزيز ودياربكر)[8] ولهجة هكاري (التي، كما يزعم، تختلف قليلاً عن اللهجة الروندية ويتم التحدث بها في مناطق بوتان وموكس وهكاري وأشنويه في إيران الحالية، وإلى الجنوب فيما يُطلق عليه اليوم منطقة بهدينان، وكتبَ أنه بهذه اللهجة تحديداً كُتِبت كافة الكتب والأشعار الكردية)[9] ولهجة سليمانية (يتحدث بها قبائل بابان وبلباس وزيرزان وشكريان التي تعيش في منطقة السليمانية وشهرزور) والزازائية، التي تتميز من “كونها لغة [كذا في الأصل] كردية، ولكنها مختلفة عن الثلاث لهجات الأخرى” ويذكر أنه الكرد في المناطق التي تتكلم الزازئية يكتبون بلهجة هكاري ولكنهم يتحدثون فيما بينهم بلهجتهم الخاصة. ويضيف أنه مهما تكن هذه اللهجة مختلفة “فإنها ليست مستقلة عن اللغة الكردية” ji zimanê kurdî cuda nabe وأن أساس جميع تلك اللهجات واحد، ويبدو أنه يعني بذلك أن العبارات الأساسية مثل الماء والخبز وتعال واذهب وما شابهها متماثلة[10].

من المحتمل أن بايزيدي يعيد انتاج تمييز نظري-شعبي قائم بين اللهجات الروندية والهكارية هنا، لكن هذا التمييز لا يتماثل لا (مع النظرية-الشعبية) للتمييز بين اللهجات البوهتية والمهمدية والسليفية في مم وزين لأحمدي خان (البيت 2480) ولا مع التمييز الفيلولوجي والسياسي الحديث بين الكرمانجية والبهدينية (أو بهدينانية) واللهجات السورانية. ما يثير الانتباه هو أن بايزيدي لا يذكر في أي مكان اللهجات الكورانية التي يتم استخدامها في الكتابة والكلام في بلاط أردلان ناهيك عن اللورية واللاكية التي يتم التحدث بهما أبعد جنوباً. مرة أخرى يثبت هذا الانطباع بأنه لم يكن مطلعاً على أوضاع وتطورات كردستان الجنوبية.

باختصار يمكن القول أن مفهوم بايزيدي عن اللغة الكردية بالكاد يشبه، إن كان يشبه أصلاً، فقه اللغة القومية-فهو على ما يبدو لا يراها أساساً وأصلاً ومعياراً لهوية متمايزة، بل ينظر إليها من حيث النقاء والمزج والتحوير بدلاً من المصطلحات الرومانسية للتعبير والنمو العضوي. لدرجة أنه [عندما] يتحدث بايزيدي عن الكرد شعب أو كأمة متمايزة فإنه يفعل ذلك بشكل مستقل عن التصنيفات الغربية الحديثة لفقه اللغة والقومية الرومانسية.

5- أدب أم فلكلور

السؤال الثاني الذي يجب أن يُناقش يتعلق بمفهوم الأدب الذي تنطوي عليه أعمال بايزيدي. تبدو بعض جوانب كتاباته وكأنها تعكس أو تشير إلى حساسية أدبية حديثة؛ على سبيل المثال، تلخيصه لقصة مم وزين يعتمد على النص المكتوب لأحمدي خاني أكثر من أي نسخة شفهية للقصة ولكنه يجّرد السرد من كل محتوى وتلميحات صوفية. وبذلك، فإنه يمهّد الطريق ليس فقط لقراءات علمانية وقومية للملحمة بل أيضاً لمفهوم علماني عن الأدب والنثر. بناءً عليه، فإن كتاباته، وبخاصة الحكايات المجموعة في جامع الحكايات دفعت بحكيم إلى تسميته بـ” الرائد الحقيقي للنثر الكردي”[11] . ويرى فرهاد بيربال بشكل أكثر تحديداً أن حكايات بايزيدي، جنباً إلى جنب تلخيصه النثري لمم وزين والنصوص الأخرى، ليست فقط من بين أقدم النماذج عن النصوص النثرية الكردية بل أيضاً النماذج الأولى عن القصة القصيرة الكردية[12] . يبدو الزعم الأول صحيحاً إلى حد كبير إذا ما تجاهل المرء عدداً صغيراً، ولكن هاماً، من نصوص القرن الثامن عشر النثرية التعليمية المكتوبة بشكل حصري لاستخدامها من قبل تلاميذ المدرسة medrese  ولا سيما كتاب على ترماخي التصريف الكرمانجي  Tesrîfa kurmancîوكتاب ملا يونس خالقتيني تركيب وظروف Terkîb û Zurûf ونص طبي قصير للملا أرواسي. أما فئة القصة القصيرة فإنها تفترض مفهوماً حديثاً للأدب وبشكل جوهري التخيلي ويبدو أن هذا الافتراض لا ينطبق على كتابات بايزيدي-لاحظ حقيقة أنه يطلق على قصة سجن جوبيرت في بايزيد اسم حكاية مع  إنه يعتقد بشكل واضح أن كافة الأحداث التي يصفها قد وقعت فعلياً.

من المعروف أن ميشيل فوكو أكد على الطابع الحديث الواضح لمفهوم الأدب، ولكنه بالكاد تطرق إلى طابعها القومي بالتحديد. ووفقاً له، فإن مفهوم الأدب كصيغة جمالية بحتة مستقلة عن أي تمثيل أو محاكاة للعالم الخارجي، مفهوم جديد بالنسبة القرن التاسع عشر[13]. في هذه الفترة، تم اشتقاق تعبير جديد أدبية/أدبيات adabiyya/edebiyat من الكلمة الكلاسيكية أدب، “التعلم الإنساني” أو “حراثة/ثقافة” لكن الأدب بهذا المعنى القومي الموضوعي أُدخِل أيضاً في العالم الإسلامي أولاً إلى التركية العثمانية، كما هو واضح، ومن ثم لدى المبدعين في العربية والفارسية. كان المؤلفون في أواخر القرن التاسع عشر لا يزالون يستخدمون عبارة أدبيات، أما العبارة الكرمانجية الحديثة لكلمة “ادب”wêje فيبدو إنها استعارة من اللهجة الصورانية الجنوبية وقد تم استخدامها فقط من قبل [قناتي] كردوييف في 1957 في كتابه قواعد اللغة الكردية[14]. وبالمثل، فإن كلمة Çîrok بمعنى “قصة قصيرة” استخدمت لأول مرة في عام 1913[15]  أما اللفظان الجديدان الخاصان بالشعر والنثر في الكرمانجية helbest و pexşan على التوالي فمنشؤهما الصورانية أيضاً فيبدو أنهما حديثا العهد أكثر.

لا يمكن العثور في [كتابات] بايزيدي على أي من أصناف الأدب الرومانسية-القومية-إنه يستخدم باستمرار الألفاظ العربية شعر وحكاية بدلاً من الألفاظ الكردية الجديدة، ولا تبرز كذلك أي فكرة قومية أو وطنية في الأدب في كتابه رسالة في بحث الشعراء والكتاب في كردستان الذي ربما يكون أقدم مصدر عن تاريخ الأدب الكردي في الوجود. إنها مناقشة قصيرة عن حيوات وكتابات ثمانية شعراء يكتبون بالكردية الشمالية في مجموعة جابا لعام 1860[16] . أول هؤلاء الشعراء هو علي حريري الذي عاش بين 400 و471 هجري (1009/10-1078/79 ميلادي) الثاني هو شيخ أحمد الذي يُعرف أكثر باسم ملاي جزيري ، الذي وُصف من قبل بايزيدي بأنه وقع في حب أخت أمير جزيرة بوطان وتوفي في 556/1161. يؤرخ بايزيدي الشاعر التالي، فقه طيران، بعد قرنين كاملين رغم إنه على الأغلب كان معاصراً قريباً لملاي جزيري[17] . هنا نجد القليل من الصفات، إن وجدت أصلاً، ذات الطبيعة الجمالية باستثناء بعض الصفات القصيرة مثل أن شعر فقه طيران “زاخر بالألوان”.

الشيء ذاته ينطبق على الملاحظات القصيرة عن أحمدي خاني[18] الذي هو بلا شك الأكثر شهرة بين الشعراء المدرجين في هذا النص. ورغم إن بايزيدي يذكر أن خاني هو أكثر شاعر كردي محبوب، فإنه ما من شيء يوحي بأن بايزيدي يعتقد أن مم وزين ملحمة قومية كردية مثلما يفعل المثقفون الأكراد في أواخر القرن التاسع عشر فصاعداً. بدلاً من ذلك، يصفها ببساطة بأنه قصيدة “عن عاشق ومعشوقة”[19].

بتمحيص أكثر، يمكن القول أن بايزيدي كان بالكاد يملك أي مفهوم للأدب أو التاريخ القوميين. بادئ ذي بدء، ليست لغته نهضوية أو غائية لصحوة أدبية قومية، ويكتب أنه بعد مراد خان لم يعد هناك شعراء كرد[20] موحياً بذلك أن ذروة الشعر الكردي العامي تكمن في الماضي. بالمثل، فإن وصفه الموجز أبعد ما يكون عن الفهم التاريخانيhistoricist  لتاريخ الأدب القومي  مثلما كان رائجاً في القرن الثامن عشر- فهو يتحدث عن شعراء أكراد وليس عن أدب كردي. وبالتالي، فإنه يمكن وصف هذا النص القصير بأنه أول “تاريخ للأدب الكردي” شريطة ألا يكون لدى بايزيدي فكرة لا عن “الأدب” (ناهيك عن “أدب قومي”) ولا عن تاريخ الأدب الذي يتخطى الترتيب الزمني للمؤلفين الذي صدف أنهم كانوا يكتبون بالكردية.

لم يكن بايزيدي لا في هذا النص القصير ولا في أي مكان آخر أكثر واقعية حول “الفلكلور” الشفاهي الكردي أكثر من كونه واقعيا حول الأدب الكردي. الشيء الأكثر لفتاً للنظر هو صمته التام حيال التقاليد الأدبية الشفاهية التي بات يُنظر إليها على أنها الجزء الذي يُضرب به المثل في الثقافة الكردية- انظر ملاحظات نيكين وفليسيفيكج Vil’cevskiij عن “تضخم الفلكلور الكردي الفريد من نوعه.”[21] تركز المقالة القصيرة عن الشعراء الكرد على النصوص المكتوبة بدلاً من العروض الغنائية، رغم إن قصائد لشاعر مثل فقه طيران قد استخدمت منذ وقت طويل في الأغاني الشعبية.من ناحية أخرى، السرديات في (ج.ح) التي وصفها بايزيدي نفسه بأنها حكايات هي، في معظمها، لا قصص قصيرة ولا حكايات شعبية بالمعنى المتعارف عليه اليوم، بل إن الكثير منها في واقع الأمر لا خيالية وتحمل طابعاً سياسياً بكل تأكيد. فهي تناقش قضايا معاصرة مثل النزاعات الدينية والقبلية والمواجهات بين الحكام العثمانيين المحليين والزعماء القبليين. وهي نادراً ما تتطرق بشكل واضح إلى الحروب المتكررة ما بين الامبراطوريتين العثمانية والقاجارية ولا المواجهات العسكرية المتزايدة مع الامبراطورية الروسية الآخذة بالتوسع  رغم إنها بالتأكيد توفر السياق العسكري والسياسي لبعض من حكاياته. تشير الحكاية رقم 39 بشكل خاص، أو تلّمح، إلى الولاء المتأرجح للزعماء القبليين الكرد في الحروب العثمانية-الفارسية المتكررة. إنها تسرد كيف أنه في 1819- 1820 جاء الزعيمان القبليان الكرديان سليمان آغا من سِبيكي وحسين آغا من زيلان إلى بلاط ولي العهد والقائد العسكري القاجاري عباس ميرزا. ولكنهم يُهانون هناك من قبل أحد الموظفين الفرس اسمه زمان خان الذي يسميهم بـ”العاهرات”[22]qehbe . يغضب سليمان جداً من تلك الإهانة وفي معركة آلاشكير Alashkir ينقلب على القاجار  ويضرب بنفسه عنق  زمان خان ويأسر آلاف الجنود.

حكاية هامة أخرى في هذا الصدد هي قصة سجن جوبير Jaubert 1805 من قبل إبراهيم باشا في بايزيد. من المفيد أن نقارن بين هذه الحكاية ورواية جوبير للأحداث. إن رواية جوبير للأحداث تعيد انتاج الصورة النمطية للأكراد كلصوص وقطاع طرق الذين وإن كان ارث كرم الضيافة يعتبر واجباً مقدساً، فإنهم مستعدون لخيانة حتى ضيوفهم باستثناء حارس السجن النبيل الذي يُنقذ حياة جوبير. من الواضح إنها [الحكاية] تتجنب أية إشارة إلى أن شكوك الباشا في زائره الفرنسي (الذي، رغم كل شيء، كان في مهمة سرية للتوسط في تحالف بين روسيا وقاجار[بلاد] فارس، العدوين الإقلميين  الرئيسيين للعثمانيين)قد تكون مبررة. تعيد رواية بايزيدي بشكل ملحوظ هيكل قصة جوبير التي تؤكد أن العلاقة ما بين جوبير وسجنه تتخطى المواجهة السياسية والدبلوماسية بين الباشا والدبلوماسي الفرنسي الذي يقوم بمهمة سرية في أراضي العدو. ولكن ثمة عدد من الاختلافات الثانوية التي توحي أن بايزيدي قد اعتمد في روايته على مصادر كردية محلية (وربما شفاهية). وهكذا فإن حارس السجن الشجاع الذي يسميه جوبير محمود، يظهر هنا [في رواية بايزيدي] باسم قاسم آغا. وطبعاً من المحتمل جداً أن يكون بايزيدي مطلعاً، عبر جابا، على وصف جوبير للرحلة. ولابد أنه اطلع بكل تأكيد على كتاب الأخير عن قواعد اللغة التركية التي قام بايزيدي بترجمة عدد من الأمثال التركية فيها إلى اللغة الكردية.[23] يشير بايزيدي بكل وضوح عن عدم رضاه من سلوك الباشا، بل على العكس، يكتب في الختام أن صفات جوبير النبيلة باتت مضرب المثل في كردستان وأن معظم أكراد بايزيد يعرفون قصته (ekserê ekradêd bajêr pê dizanin)[24] .

    بمعنى آخر، ورغم الظاهر، فإن الفهم الفيلولوجي للأدب والفهم الأنثروبولوجي للفلكلور أو الحكايات الشعبية غائبان عن كتابات بايزيدي. كل ذلك يوحي بأن مقولة “الفلكلور الكردي” أو “الحكايات الشعبية الكردية” لم تكن ببساطة معطى عن الحياة الكردية اليومية بل تم بناؤه من قبل علماء أجانب- مع بعض الجهد كما يبدو. وتشكل مجموعة حكايات بايزيدي وتعليقاته على العادات الثقافية الكردية اللبنة الأولى في هذه العملية.

تعطي الحكايات والكتابات فكرة أيضاً عن الولاءات السياسية للبايزيدي. فهو يتهم بشكل متكرر الزعماء القبليين والآغوات بالظلم بحق الفلاحين الكرد والمسيحيين، ويقول ضمنياً أن إجراءات المركزية الجارية من قبل الحكومة العثمانية إنما تشكل تطوراً مفيداً للسكان المحليين. ففي رسالة في رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم يأتي على ذكر الظلم والاضطهاد cebr û te’eddî من قبل الكرد البدو بحق القرويين المستقرين (من الواضح يُقصد بهم المسلمين أو الكرد اليزيديين) أو المسيحيين (رعية) re’aya  . ويستمر بالقول أن ذلك الظلم قد شارف على نهايته في السنوات الأخيرة فقط نتيجة الاصلاحات التي بدأ بها السلطان عبدالمجيد الأول وبفضل إنشاء الجيش النظامي asakiri nizamiyya [ أي الجيش العثماني الجديدالذي  تشكل في 1841] وكتب أن الكرد (القبليين) “قد وُضِعوا جانباً” berteref bûyîn وأن الظلم والاضطهاد قد اختفى تدريجياً[25]. وبالمثل تسرد القصة رقم 40 من رسالة في رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم حكاية حافظ آغا، وهو رجل قوي من قوات الفرسان العثمانية غير النظامية (لفند) الذي يضطهد الرعية ويثور ضد الحاكم الإقليمي، ويرتكب بشكل ممنهج كافة أنواع الظلم والاضطهاد cebr û zulm. ولكن عبر مكيدة ذكية ينجح شمدين أمير عقرا الكردي، وزوجته ملكة التي لعبت دوراً أهم، في نصب كمين لحافظ آغا وقتله وإرسال رأسه إلى والي موصل. تشير هذه القصة وقصص أخرى مشابهة إلى أن بايزيدي اعتبر الإصلاحات العسكرية العثمانية والمركزية الحكومية باعتبارها عملية مفيدة وضعت حداً للظلم في المقاطعات الكردية- وهي بكل تأكيد قراءة متفائلة  للتطورات المحلية في تلك الفترة. كان لإزالة الأمراء الكرد في 1840، بشكل خاص، تأثيراً في زيادة الظلم عبر فرض ضرائب جديدة وأعلى وعبر ازدياد حالة انعدام القانون والأمن على يد القبائل المغيرة التي باتت تواجه قيوداً أقل من قبل. من غير المحتمل أن يكون بايزيدي، الذي كان يكتب في أواخر 1850، غير مدرك بهذه النتائج السلبية وحينها، ربما، نستطيع أن نؤّول كلامه على أنه موجه إيديولوجياً وأنه تعبير عن الدعم للحكم العثماني المركزي والآخذ صفة المركزية.

 

6-  الأنثروبولوجيا

   دعونا الآن نعود إلى مناقشة بايزيدي للمواضيع الأنثروبولوجية المعروفة مثل العلاقات بين الجنسين والتركيب القبلي والهوية العرقية (الإثنية). ربما يمكن القول أن رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم أول عمل انثروبولوجي موّسع عن عادات الكرد، إذا ما تجاهلنا المشاهدات الأقل شمولاً للعثمانيين أمثال أوليا جلبي والأجانب أمثال سي. جي. ريتش وكارستن نيبور. ولكن ينبغي أن نحدد بشكل مادي أكثر نوع الأنثروبولوجيا التي نتحدث عنها ههنا. سيكون من  المبالغة بمكان الاستنتاج أن  رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم تعتمد على شيء من قبيل بحث انثروبولوجي ميداني، إنما، هي تقدم عدداً من الصور النمطية الثقافية والتصورات الذاتية الكردية التي تعتمد بمعظمها على الأقاويل وعلى المعتقدات الشعبية (الفلكورية) المحلية أكثر من اعتمادها على مشاهدات المشارك في جمع البيانات بشكل ممنهج. وهكذا، فإن وصف بايزيدي للعادات أو التقاليد الكردية المحلية المختلفة عن الحروب القبلية ومراسم الزواج والألعاب وتربية الخيول وما شابه ذلك، تأتي خلف بعضها دون ترتيب واضح للحجة أو العرض. كما يتسم النص بالتكرار إلى حد ما حيث يعود بايزيدي مراراً وتكراراً إلى مواضيع سبق مناقشتها من قبيل الأعراس والألعاب. وأخيراً يبدو أن النص يحمل بعضاً من آثار الحوار الذي لابد دار بين بايزيدي وجابا ويتجلى ذلك بشكل واضح في القول المكرر أن الكرد، في بعض الحالات الخاصة، “مثل الفرنسيين[26] تماماً” Wekû ifrancan /wekû miletê Efrenciyê[27]  ما من دليل على أن بايزيدي كان مطلعاً على أي عمل عصري مكتوب عن الفرنسيين أو صادر في فرنسا، ناهيك على وجود أي دليل على أية سفرات إلى ذلك البلد، ومن المرجح أنه اكتسب معرفة عن العادات الفرنسية المعاصرة ، مهما كانت، من خلال حواراته مع جابا أكثر من معرفتها من خلال أي كتاب فرنسي أو حتى من خلال كتاب مثل كتاب رفاعة الطهطاوي المعنون تخليص الإبريز في تلخيص باريز رغم إن الكتاب الأخير قد تُرجِم إلى اللغة التركية بُعيد نشره باللغة العربية في 1834[28].

    أبرز تلك الملاحظات المقارنة هي بلا شك زعم بايزيدي أن نساء الكرد متحررات serbest مثل نساء الفرنسيين لأنهن لا يُخطفن  أبداً. “نساؤهم وبناتهم لا يُخطفن[29] kidnapped من قبل أحد. إنهن مثل نساء الفرنجة تماماً” jin û keçêd wan ji kesî narevin. Wekû miletê ew jî serbest in . هنا توجد واحدة من أقدم الإشارات عن صورة الذات الكردية الحديثة من أن نساء الكرد متحررات أكثر من نساء الشعوب الإسلامية المحيطة بهم. لكنه يضيف بعد ذلك مباشرة أنه إذا ما ارتكبت امرأة عملاً سيئاً فإن مصيرها يكون القتل لا محالة. Îlla eger yekê ji wan şola xirab kirîn, çara nine ewê dikujin- مما يدل أن الحرية المزعومة لنساء الكرد إنما مقيدة[30] . ويذكر في مكان آخر أن رجال الكرد لم يمارسوا تقليديا اللواطة وأنهم بدأوا مؤخراً فقط في معاقرة المشروبات الكحولية نتيجة الآثار السيئة [لمخالطتهم مع] الأتراك.

ينبغي ملاحظة أن معرفة بايزيدي مقتصرة إلى حد كبير على كردستان الشمالية. وبالتالي، فإن قائمة القبائل التي يقدمها، مثل معظم كتاباته المحفوظة الأخرى، تركز على الشمال، ولا يُظهِر في أي مكان في كتاباته المحفوظة دراية كاملة بالمناطق المأهولة بالكرد جنوب منطقة بهدينان. ولكنه يُظهر عدداً من التباينات بين الكرد الذين يعيشون في مناطق بايزيد وقارص وأرضروم ووان وأولئك الذين يعيشون أبعد إلى الجنوب في مناطق هكاري وبوتان وبهدينان والعمادية حيث يكتب أن بين كرد الجنوب مزيد من الناس يقتنون البنادق وهناك علاقة متميزة بين السكان القبليين والحضر[31]. فيما عدا وصف قصير في مقدمة  كتاب تاريخ كردستان الجديد عن لهجة السليمانية، لا يتكلم بالتفصيل في أي مكان آخر عن القبائل والمواجهات القبلية والإمارات في كردستان الجنوبية (ربما باستثناء الفصل السادس من التاريخ المفقود)، ناهيك عن أي أية سمات لغوية أو تاريخية خاصة عن اللهجات الهورامية والكورانية وبشكل خاص كما يتم التحدث والكتابة بها في بلاط أردلان، رغم إنه يُذكر في الشرفنامة.

تستند كتابات بايزيدي بتمييز عام بين الريف والمدينة وبين البدوي-القبلي والحضري. فيكتب في تاريخ كردستان الجديد إن الكرد المسلمين في المدن “مسلمون صالحون ويوجد بينهم علماء شجعان وثقات”[32].  ولكن ذلك لا ينحصر فقط في ثنائية التعارض البسيطة بين التعلم الإسلامي الذي يُصاغ باللغة العربية والعادات الكردية المحلية أو بين الإسلام العربي القويم والجهل الكردي الريفي- يصف أيضاً التقليد المزدهر سابقاً في التعلم الديني الريفي باللغة الكردية. في رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم لا يلّمح بايزيدي، ناهيك عن مناقشة مستفيضة، إلى أي إرث أدبي كتابي من هذا النوع أو إلى إرث أدبي عامي من التعلم بين الكرد، لكن من الواضح أنه كان واعياً بوجوده كما يتبين في نصيه القصيرين عن الشعراء الكرد والتعليم باللغة الكردية اللذين تمت مناقشتهما فيما سبق. ربما يكون تمييزه الصارم ما بين الأدب العامي العلمي والثقافة الشفوية عاملاً في منعه من رؤية الكرد كـ “أمة فيلولوجية” -مثل الأرمن- تمتلك لغة مشتركة وإرثاً شفاهياً وأدباً كما حددها نيشانيان. مرة أخرى يشير ذلك إلى أن منهجه ومفاهيمه وافتراضاته المعيارية لم تكن بوضوح فيلولوجية حديثة (استشراقية) ولا قومية رومانسية فلكلورية المنحى.

بخصوص التنظيم الاجتماعي، فإن نمط الكردايتي للبايزيدي نمط شامل لأنه يتعلق باللغة. فهو لا يلّمح في أي مكان إلى اعتبار الجماعية القبلية rewend والحضر غير القبليين yerlû, goran كجماعات، أو أقوام أو أعراق مختلفة مثلما فعل كلوديوس جيمس ريتش و، ربما، بعد العملاء المحليين في السليمانية. بحسب ريتش، فإن كوران أو مسكين miskên متمايزون بلغتهم وصفاتهم البدنية وعاداتهم عن الأكراد الأصليين وأنهم كانوا يشكلون السكان الأصليين وتم اجتياحهم من قبل القبائل الكردية الغازية[33].  ملاحظات بايزيدي، الذي يركز باعتراف الجميع على شمال-شرق أكثر من جنوب كردستان،  يقدم القليل من الدعم، إن كان يقدم أي دعم أصلاً، لهذه النظرية. في رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم، تُستخدم كلمة كوران مرة واحدة بدون أي معنى إثني واضح، ناهيك عن أي ربط باللهجتين الكورانية والهورامية، وفي تلك المرة تكون في سياق التناقض الشامل بين أكراد ekrad الذي يأتي هنا بمعنى الأكراد القبليين rewend و yerlû  [الأكراد] الحضر أو الفلاحين. ويضيف بايزيدي أن الأول يطلقون على الثاني اسم كوران معتبرينهم جبناء ونادراً ما يتم التزواج بينهم. لكنه لا يأتي على ذكر أي اختلاف لغوي أو نسبي أو عرقي بين الاثنين وينكر ضمناً أن أي تباين موجود بين [الكرد] القبليين  rewend والحضر غير القبليين goran في مناطق هكاري، وبوطان، والعمادية وصوران.[34]

[1] حقيقة أن بايزيدي يستعمل ، مثل خاني وبقية المؤلفين الكرد الشماليين، كلمة كرمانج أكثر من كلمة كرد، يقلل من قيمة فائدة أعيان أوزوغلو في بحثه عن التقلبات التاريخية للتصنيف العرقي للكرد.

[2] جان دوست، عادات، 36

[3] السابق 33-36

[4] Duhoki, Mem, 23

[5] جان دوست، عادات، 38

[6] CF. Foucault,  Mots, 50-51

[7] تم  إعادة طبعها في جان دوست، عادات ص221-22

[8] . من غير الواضح تماماً فيما إذا كان بايزيدي يقصد بـ”رعايا الكرد” المسيحيين وبشكل خاص الأرمن أو يقصد أيضاً الأكراد غير القبليين (السنة أو اليزيديين) ولكن يتضح بشمل عام من رسالة في عادات الأكراد وتقاليدهم أنه يستخدم كلمة رعايا للإشارة إلى المسيحيين، وكوران للحضر و/أو للكرد غير القبليين. جان دوست، عادات، 226

[9] هذا يعني أن أعمال بايزيدي نفسه قد كُتِبت بلهجة مختلفة عن اللهجة الأصلية لبايزيد (التي تشكل جزءاً من مجموعة راوندي)، لكن مزيد من الدراسة للخصائص اللهجوية لكتاباته ومسألة المحاولات الأولى لإيجاد لغة فصحى للكرمانجية تنتظر مناسبة أخرى.

[10] جان دوست، عادات -221-22

[11] Hakim, Mem,189

[12] Pirpal, Bayazidki, esp.80. see also Hashem Ahmadzadeh, Nationa and Novel: A Study of Persian and Kurdish Narrative Discourse (PhD dissertation, Uppsala University, 2003) esp.158n.

[13] Foucault, Mots, 313

[14] Cf. the lemma wêje in Michael Chyet’s Kurdish-English dictionary (New Haven: Yale University Press, 2003),646.

[15] Cf. Ahmadzadeh, Notion;13-16Kd.

[16] Jaba, Recueil, 8-IIFr; 13-1Kd.

[17] Cf. D.N. MacKenzie, “Mala-ê Jizrî and Faqî Tayran

[18] يذكر بايزيدي أحد أبناء مدينة خاني يُدعى إسماعيل بايزيدي 1065/1654-1121/1709-10 الذي يُقال أنه كتب معجماً كردياً-عربياً-فارسياً بعنوان زهرة الحديقة للأطفال);، ولكن يبدو أن هذا النص قد ضاع.

[19] Jaba, Recueil, 10Fr/Kd 15

[20] Jaba, Recueil, Fr/Kd

[21] السابق، 11

[22] Jaba, Recueil, 103 يستبدلها جابا بشكل رصين بكلمة “وغد/حقير

[23] Lerch, Forschungen, Vol.I:X, 25

[24] Jaba, Recueil, 102Fr, 119Kd.

[25] جان دوست، عادات، 114-15

[26] حاشية المترجم: كذا في الأصل والأصح مثل الفرنجة ويقصد بهم الشعوب الغربية عموماً

[27] السابق، 46،54،99

[28] Rustem Besim (tr), Seyahname-i Ibn Rifaa [Tercüme-yi Seyahatname-yi Paris], Cairo, Bulaq 1839

[29] حاشية المترجم: كذا في الأصل والأصح لا يتوارين عن أحد.

[30] السابق، 107-108

[31] السابق، السابق، 117،127

[32] السابق، 221

[33] Claudius James Rich, Narrative of a Residence in Koordistan, 2 Vols. (London: J. Duncan, 1836): cf. Martin van Bruinessen, Agha, Shaykh and State: Social and Political Structures of Kurdistan (London: Zed Books, 1991), esp.109-21

[34] دوست، عادات، 116