باربارا هنيك

الترجمة عن الإنكليزية : الدكتور نضال محمود حاج درويش

روايات  عن  تاريخ عائلة بدرخان الكردية-العثمانية في السياقات الإمبراطورية وما بعد الإمبراطورية، الاستمرارية والتغيرات[1]

هذا الكتاب عبارة عن اطروحة دكتوراه  تقع في 717 صفحة ،  صادرة عن  جامعة بامبرك الألمانية  عام 2018م . تتطرق الكاتبة وبالتفصيل إلى تاريخ عائلة بدرخان ودورها السياسي خلال حكمها إمارة بوهتان وبعد قضاء العثمانيين على إمارة بوطان سنة 1847. يتميز الكتاب بغناه بالمعلومات التي استقتها الباحثة من مصادر أرشيفية عديدة (بريطانية، فرنسية، ألمانية، عثمانية، كردية). نظراً لأهمية الكتاب لدراسة التاريخ الكردي الحديث سأنشر بعض ما يتضمنه الكتاب من معلومات مفيدة للمهتمين بالتاريخ الكردي عموماً وبشكل خاص التاريخ الكردي في العصر الحديث.

رقم 1

 

تاريخ عائلة بدرخان

ملاحظات حول جزرة وبوهتان (الصفحات 87-90)

تصف منطقة بوهتان التاريخية على أنها سهل جبلي تقريباً ولها أبعاد مثلثة تغطي مساحة حوالي 5.000 كيلومتر مربع في منطقة شرق الأناضول. يتم رسم حدودها الطبيعية من خلال مجرى نهري بوهتان سو في الشمال ودجلة في الغرب ، في حين يتم تحديد الحدود الجنوبية للمنطقة بنهر الخابور.  في الجغرافيا المحلية ، يتم تعيين المنطقة بشكل واضح عن المنطقة المجاورة طور عابدين في الغرب ، وشيروان في الشمال وسهل جبل هكاري في الشرق وزاخو في الجنوب.

ربط المستشرقون الأوروبيون في القرن التاسع عشر بين أراضي بوهتان والأكراد،[2] وذلك بالاعتماد على مصادر تعود إلى العصور القديمة:  حيث ذكر المؤرخ اليوناني اكسينوفون Xenophon شعباً يسمى كاردوخي ” Kaduch ” ((karduchoi الذي استقر في المنطقة حول بوهتان Bohtan ، وقد اعتبر بعض العلماء في وقت لاحق بأن الكاردوخ الذين ذكرهم اكسينفون هم أجداد السكان الأكراد اللاحقين في شرق الأناضول.[3] أبعد من هذه المصادر التي تعود تاريخها إلى العصور القديمة ، لم تكن أجزاء كبيرة من منطقة بوهتان معروفة جيداً للرحالة والعلماء الأوروبيين حتى أواخر القرن التاسع عشر، فقط في يونيو 1883 ، نجح جوزيف فونش Josef Wünsch في الوصول إلى نبع بوهتان سو [4] ، ولم يتم توثيق المناطق الجبلية في إمارة بوهتان على وجه الخصوص قبل مطلع القرن العشرين.[5] بشكل عام كان من الصعب وغير المجدي  السفر إلى  المنطقة في أواخر العهد العثماني ، كما تشير تقارير جوزيف فونش وهيرمان بوركهاردت  Josef Wünsch and Hermann Burchardt[6]. كانت الجزيرة عاصمة إمارة بوهتان تقع على شواطئ نهر دجلة (جزرة أو جزيرة ابن عمر باللغة العربية، حرفيا “جزيرة” في النهر). وكانت مركزاً تجاريا مع تاريخ استيطان يعود إلى العصور القديمة، وميناءاً نهرياً هاماً ، مرتبطاً بشكل خاص بمدينة الموصل عن طريق الجزء القابل   للملاحة في نهر دجلة. بالإضافة إلى ذلك ، حددت (مدينة ) الجزيرة  كنقطة عبور هامة على نهر دجلة وأمكن من خلالها الوصول إلى التلال الواقعة شرق المدينة والتي كانت منطقة لرعي قطعان الأغنام في الصيف.[7] وثمة طريق روماني قديم  يربط جزيرة (بوهتان)  بمدن نصيبين وماردين على اليابسة.[8] ونتيجة لذلك ، كانت التجارة لمسافات بعيدة ركيزة مهمة للاقتصاد المحلي ، حيث كان العديد من الخانات والأسواق (البازارات) في وسط مدينة الجزيرة شاهدة على تلك الأهمية. ومع ذلك يبدو بانها قد فقدت عصرها الذهبي منذ أواخر القرن التاسع عشر ، حيث أصبحت عاصمة لمقاطعة عثمانية صغيرة وبلغ عدد سكانها أقل بقليل من 10.000 فرد ، والتي كانت في تناقص أكثر في تسعينيات القرن التاسع عشر.[9]

كانت الجزيرة المدينة الرئيسية لمنطقة إدارية (قضاء) تابعة لأقليم ديار بكر ، على الرغم من أن المنطقة كانت تاريخياً أكثر ارتباطاً بالموصل وسهول بلاد ما بين النهرين.[10] زار ( مدينة ) الجزيرة عدد قليل من الرحالة  الأوروبيين قبل مطلع القرن العشرين. ومن انطباعات أولئك الذين لم يكونوا راضين عنها : في عام 1888 ، مر بول مولر سيمونيس Paul Müller-Simonis في طريقه إلى الموصل ، ملاحظاً بأن المدينة كانت أكثر أطلالاً وحطاماً من أي شيء آخر ، “قرية كبيرة بين الحطام” ” Ein großes Dorf zwischen Trümmern”.[11] وفي عام 1897 ، لاحظ الدبلوماسي البريطاني تيلفورد وو Telford Waugh أن الجزيرة كانت بائسة ، مكان منفى للألبانيين من الأجزاء الغربية من الإمبراطورية العثمانية ، الذين شعروا بالحنين إلى الوطن بشكل رهيب هناك. في عام 1897 كان الحاكم المحلي لجزيرة فارس ، زعيم قبيلة شمر، الذي لم يعد مؤيداً للحكومة العثمانية وتم نفيه إلى جزيرة.[12]سافر الصحفي البريطاني ديفيد فريزر David Fraser إلى المنطقة قبل الثورة الدستورية عام 1908 مباشرة ووصف جزيرة “بأنها واحدة من أكثر الأماكن شراً في المملكة التركية كلها” ، أرض قاحلة ونفوذ الدولة فيها شبه معدوم مع كثرة اللصوص.[13] في نفس الوقت تقريباً ، سارع جيرترود بيل Gertrude Bell بمشاهدة بعض المعالم بشكل سريع فقط، حيث كان الجو حاراً بشكل لا يطاق وكانت منطقة المستنقعات المحيطة بجزيرة ( بوتان )عرضة للإصابة بالملاريا.[14] من جهة أخرى  قام  المسؤول العسكري البريطاني العقيد فرانسيس ريتشارد مونسيل  Francis Richard Maunsell (1861-1936) بجولة  في الجزيرة ومحيطها  بعد الهدنة عام 1919 و الذي كان يشغل منصب نائب القنصل العسكري البريطاني في الأناضول في أواخر القرن التاسع عشر ويعرف المنطقة جيدًا .  وقد أشار إلى أهمية الممرات المائية المختلفة ، التي كانت بمثابة خطوط الاتصال الرئيسية في المنطقة التي تميزت بتضاريسها الوعرة ويصعب الوصول إليها في كثير من الأحيان. كانت التجارة تجري بالتساوي على طول الأنهار، حيث كانت تجارة الأغنام أهم نشاط تجاري مع سوريا. تشير هذه الطرق التجارية إلى أن هذه التجارة كانت موجهة بشكل رئيسي إلى سوريا والمنطقة المحيطة بالموصل وليست إلى المناطق الأقرب جغرافياً إلى جزيرة مثل وان وبدليس وديار بكر والتي كانت إمارة بوتان السابقة وعاصمتها الجزيرة تتعامل معها بشكل رئيسي.[15]

يلقي هذا التواصل الضوء على أنشطة البدرخانيين في سوريا في أواخر القرن التاسع عشر.، بعد أن تم منعهم من العودة إلى موطنهم في شرق الأناضول ،ولكون سوريا العثمانية قريبة مما مكن أفراد الأسرة البدرخانية من الوصول الى منطقة نفوذهم السابقة . من المتصور أنه من خلال القبائل المهاجرة وتجار الأغنام ، تمكن أفراد عائلة بدرخان من الحفاظ على اتصالات مع مؤيديهم وأتباعهم في جزيرة ( بوهتان ) .  ومع ذلك ، لا يوجد دليل في الأرشيف العثماني على أن السلطات العثمانية – التي كانت حريصة على إبعاد أفراد الأسرة عن مناطق نفوذها السابقة – اشتبهت في هذا النوع من الأنشطة.

 

[1] العنوان الأصلي للكتاب:

Barbara Henning, Narratives of the History of the Ottoman-Kurdish Bedirhani Family in Imperial and Post-Imperial Contexts Barbara Henning Continuities and Changes. University of Bamberg Press Bamberg, 2018.

[2]  ( المترجم ) يرى مارتن هارتمان ʺبأن جزيرة كانت منذ مئات السنين مركز الكرد البختيين، ويضيف بأن  كلمة بوهتان هي متطورة من بوختي وبوهتي وهي تعني أرض البختيين الكرد ‘bochtī-Kurd’، رغم أن وعي الناس بهذا المعنى ربما اختفى اليومʺ.

Martin Hartmann, Botān, Eine topographisch-historische Studie 1896, 85-86.

أسست القبيلة البختية إمارة كردية في المنطقة المحيطة بجزيرة بوهتان تعرف في المصادر الاسلامية بالإمارة البختية وهي من أقدم الإمارات الكُردية وأطولها عمراً، إذ ظلت قائمة –ولو بصورة متقطعة – منذ العهد البويهي إلى أواسط القرن التاسع عشر حين أجهزت عليها الدولة العثمانية وعلى جميع الإمارات الكُردية الأخرى (المترجم) : انظر بشكل مفصل في:        توفيق ،زرار صديق، قبيلة البختية وإمارة بوهتان في الجزيرة في العصر الوسيط . في: مجلة الحوار –العدد /71/ – 2018.

http://www.yek- dem.com/?p=5203&fbclid=IwAR17gD7x6QQ6WCfQBOZ1ATmxOHY3hWUwtZYlG0N2EzUajTgeRe39OLGX9dE

[3] على الرغم من هارتمان (Hartman, Bohtān, vol. 2, pp. 90-91) ينتقد بالفعل الحجة بخصوص هذا الرأي، إلا أن هذا الرأي استمر بشكل متكرر طوال النصف الأول من القرن العشرين. انظر على سبيل المثال في:

 

Bois, Connaissances des Kurdes, pp. 15-16.

لم اجد في الصفحات التي تذكرها الكاتبة ما ينفي ارتباط الكرد بالبوختيين بل على العكس تماماً يربط هارتمان وبشكل مباشر في أكثر من موقع بين الكرد والبوختيين ،انظر على سبيل المثال الهامش رقم 2 (المترجم).

[4]Hartmann, Bohtān, vol. 2, p. 67.

[5] Hartmann, Bohtān, vol. 2, p. 74.

[6]  تم الاستشهاد بتقاريرهم من قبل هارتمان ، انظر:

Hartmann, Bohtān, vol. 2, pp. 76-79.

[7] WO 106/64, report by Maunsell dated February 2, 1919.

[8]  كان بامكان مونسيل Maunsell رؤية بقايا حصن روماني في النقطة التي عبر فيها الطريق  إلى نهر دجلة ، انظر WO 106/64 ، “الحدود المقترحة لشمال بلاد ما بين النهرين في هكاري” ، تقرير بقلم مونسيل بتاريخ 2 فبراير 1919.

[9] Nur ad-Din Elisséeff, “Ibn ʿUmar, D̲j̲azīrat,” in EI2, vol. 3, pp. 960-961.

 

قدر المراقبون البريطانيون أن عدد سكان جزيرة ( البوتان )  حوالي 7.500 ، مع غالبية السكان الأكراد وأقلية كبيرة من حوالي خمسمائة من الكلدان المسيحيين ، انظر WO 106/64 ، تقرير بتاريخ 7 نوفمبر 1918.

 

[10] وقد لاحظ مونسيل ذلك أيضًا ، انظر:

WO 106/64 ، “Suggested Frontier of NorthernMesopotamia in Hakkiari,” تقرير مونسيل بتاريخ 2 فبراير 1919.

[11] Paul Müller-Simonis, Vom Kaukasus zum Persischen Meerbusen. Durch Armenien, Kurdistan und Mesopotamien (Berlin: Franz Kirchheim, 1897), pp. 251-253.

[12] Telford Waugh, Turkey. Yesterday, Today and Tomorrow (London: Chapman & Hall,

1930), pp. 59-60.

حسب اطلاعي لم يكن ثمة حاكم من الشمر لجزيرة بوطان، اعتقد بانه حدث التباس لدى الكاتبة بين جزيرة بوهتان والجزيرة الفراتية (المترجم).

[13] David Fraser, The Shortcut to India. The Record of a Journey along the Baghdad Railway

(London: Blackwood & Sons, 1909), p. 205.

[14] Gertrude Lowthian Bell, Amurath to Amurath (London: William Heinemann, 1911), pp.

296-297, تحوي صور المعالم المحلية.

[15] WO 106/64, report dated February 2, 1919.