التلاقح بين اليزيدية والديانات السورية

تأليف : الاب هنري لامنس

الترجمة عن الفرنسية : الدكتور عبد  الجليل العبود

على العموم يسكن الشروانلي والقره باش بين خرائب البلدات القديمة. يعيشون إمّا في أكواخٍ مبنيةٍ من الطين, محصَّنةٍ بسياجٍ محفوفٍ بالشوك, أو تحت خيامٍ سوداء من قماشٍ خشن, مصنوعٍ من شعر الماعز, يُحيطها سورٌ من تعريشة القصب. إلا أنهم  بدأوا منذ بضعة سنوات ببناء منازل حقيقية, ولهذا الغرض تزودهم الخرائب بمواد من الطراز الأول. يقول السيد شاپو: “عندما يستوطن أناسٌ من هذه الطائفة في السهل يبنون منازلاً من طين على شكلٍ مخروطي”[1]. تفتقر هذه المعلومة إلى الدقة من الناحية الشكلية. هذا النوع من البناء منتشر جداً في شمال سوريا وفي وسطها انطلاقاً من حمص حيث لا يوجد يزيديٌ واحد.

 

خلال فصل الربيع يعيش جزءٌ من اليزيديين حياة نوعاً ما بدوية من أجل التنقل بقطعانهم, أو الاقتراب من أراضيهم الزراعية. وخلال فترة الشتاء والأمطار عندما يستشعرون قسوة البرد على هذه الهضبة الجرداء والمعرضة لنسمات جبال طوروس[2] القارسة, ينسحبون إلى المنازل الأثرية التي ادَّخرها لهم الزمن, ويقيمون فيها كما ذكرنا أعلاه. تختلف هذه القبائل في عاداتها وتقاليدها عن مجمل الأمة التي تعيش في كردستان أو في بلاد الرافدين, فأفكارهم الدينية وحدها تربطهم بإخوانهم في الشتات الذين افترقوا عنهم منذ قرون, كما يتميز يزيدية ما وراء الفرات بسمعةٍ سيئة للغاية. وإذا ما صدقنا بعض الكشافة, فإخوانهم في جبل سمعان يشبهونهم إلى أبعد الحدود. أمَّا من عرفهم عن كثب مثل الأب دو فونكليير وأعضاء من الجالية الأوربية في حلب فهم ليسوا مع هذا الرأي.

 

من هذه الشهادات كلِّها, نستنتج أنَّهم الأسمى خُلقياً من بين كل القبائل الأخرى التي تعيش في سوريا العليا[3], حيثُ يُشهَدُ لهم بالمرح واللطف وحسن الضيافة, عاداتهم صريحة ومنفتحة, ويمكنك تقريباً الوثوق بكل ما يقولونه, وبشكلٍ لافتٍ يتميزون بالقوة والجرأة والنشاط. ويقول الملاكون في حلب إن اليزيديين أفضلُ الكادحين في المنطقة, ويعيشون معهم بتفاهم مطلق. يُشهَد لهم بالاستقامة الفطرية التي لم ينزعها من قلوبهم ما عانوه من ظلم واضطهاد على مر العصور. ترك فيهم هذا الوضع المحزن خصلتين: حدة المزاج والحساسية المفرطة. ويُؤْخَذُ عليهم حبُهم المفرط لكسب المال الذي تحوَّل فيهم مع الزمن إلى عاطفة مهيمنة.

***

أنْ يكون جبل سمعان المعقل الأساسيّ لهذا الشعب, فهو أمرٌ يدعو للاستغراب, فنحن نعلم أنَّ هذا الجبل هو جزء من مناطق سكنتها القبيلة العربية المسيحية الكبيرة بني تغلب التي غاب أثرها بشكلٍ مفاجئ مطلع القرن الرابع عشر الميلاديّ.

ونظراً لكثرة الأفكار المسيحية الدخيلة إلى الديانة اليزيدية , نتساءل غالباً ما إذا كانت هذه الأفكار المستعارة قد أتتهم من التغلبيين الذين ربما اندمجوا قديماً مع أبناء الطائفة اليزيدية

في بلاد الرافدين. وقد لاحظنا سابقاً الظاهرة الدينية نفسها لدى النصيريين في سوريا. شاع أيضاً هذا التلاقي بين المعتقدات المسيحية والعبادات المحلية القديمة. وما ساعد على ذلك هو كره اليزيديين والنصيريين للإسلام الرسميّ, ورغبتهم بالإفلات من تأثيره.

مهما كثر الحديث عن هذا التقارب الذي لا نخفي طابعه التخميني, نعتقد أنَّ مساكن اليزيديين في سوريا قد امتدت سالفاً إلى جنوب جبل سمعان, فاسم قرية كفر باسين في هذا الجبل الذي يسكنه حالياً عرب سوريون يحتوي على عنصر تاريخي عزيز على اليزيديين, مع أنه ظاهرياً موجود قبل وصولهم إلى سوريا, حيثُ تشير الخرائط إلى وجود قرية أخرى تدعى كفر باسين, وتقعُ شمال خان شيخون وشمال شرقي أفاميا التاريخية. عندما نقرأ اسم العلم باسين نستذكر بسهولة صدر الكلمة با الملازم لكثير من أسماء الأمكنة السورية, والمختزل عن عبارة سامية بيت التي تعني منزل أو معبد, فـ باسين تعني إذاً معبد الإله الآرامي سين الذي أصبح عند اليزيديين شيخ سين.

وفي سوريا الوسطى, وجدنا على الأقل أثراً مؤكداً لمرور اليزيديين, فمن المعلوم أنَّ هؤلاء أنفسهم يُنعتون بهذه الصفة, ويُطلق الاسم بالتحديد على قرية كراد الداسنية التي تقع على بعد 20 كم شمال غرب حمص (وجدنا فيها النعش الحجريّ للقديس توماس سالوس الذي نُقشت عليه كتابة بـلغتين, وقد تَرْجَمَ الجزء السرياني منها زميلي رونزڤال). وبما أنَّ اسم هذه القرية يحتوي في أوله على كلمة  كراد التي هي اختزال شائع لـكلمة أكراد, فالاسم بمجمله يعني قرية الأكراداليزيديين, إلا أنَّ الخلط الشائع بين الأكراد والإيزيديين في سوريا كما في بلاد الرافدين يعود لاعتماد هؤلاء لغة الأكراد وعاداتهم وتقاليدهم. منَ المنطقيّ إذاً أنْ نرى في أكراد الداسنية اسم مستوطنة يزيدية قديمة.

في اليوم الذي نحصل فيه على وثائق طبوغرافية لشمال سوريا ووسطها سنكتشف بلا شكٍّ بعد تفحُّص التسميات المكانية دلائل أخرى على مرور اليزيديين في هذه المناطق.

من جهة أخرى تدعونا التقاليد القومية لهذا الشعب لنستنتج بأنَّ ما كان في الماضي لسوريا من الأهمية بالنسبة لهم لم يعد في أيامنا هذه. إذْ تؤكد هذه التقاليد أنَّ ديانتهم انتشرت قديماً في جميع أركان هذه البلاد, وعلى ترابها وُلد وعاش أشخاصٌ ذكراهم عزيزة على قلوبهم, مثل الخليفة يزيد بن معاوية, وخاصةً الشيخ عدي مسافر الهكاري الذي يجسِّد أحد آلهتهم, والذي يُعدُّ ضريحه بالنسبة لهم كالكعبة بالنسبة للمسلمين.

يُفيد ابن خلكان أنَّ عدي بن مسافر الهكاري وُلِدَ في بيت فار التابعة لمنطقة بعلبك اللبنانية, ومن بين الجغرافيين الذين قرأنا لهم لم يشر أيٌّ منهم إلى بيت فار في منطقة بعلبك. وعندما سألنا ميشيل علوف المولود في بعلبك والمؤلف لكتاب حول تاريخ هذه المنطقة, وجّه إلينا الرسالة الآتية. ونحن نفضل إعادة نسخها مثلما وردتنا:

«عن سؤالكم عن وجود بقعة في بلاد بعلبك أو البقاع اسمها بيت فار أو بيت قار أجيب: إنَّه لا يوجد في بلاد بعلبك محل بهذا الاسم, أمَّا في البقاع العزيز فربَّما إنَّه القرية المعروفة اليوم باسم خربة قنافار هي الضالة التي تنشدونها, وهذه القرية في جنوبي البقاع بجوار سغبين, وأرجِّح بأنَّها مطلوبكم, لأنَّها كانت تُدْعَى قديماً بيت قنافار, فلما تداعت إلى الخراب وهجرها أهلها دُعِيَتْ خربة قنافار. والذي يؤكد لحضرتكم بأنَّها كانت تُدْعَى  بيت قنافار أنَّها محررة هكذا في سجلات وقف جامع الورد بالشام, لأنَّ حصةً منها أوقفها على هذا الجامع الملك الأشرف برسيباي.»

 

لا تظهر على الخارطة الفرنسية للبنان بيت قارفار, لكن بعد سغبين نقرأ في قوائم أسماء المواقع الجغرافية للمؤلف الأمريكيّ روبنسون خربة قنا بيت فار, وبرأيينا أكانت بيت قنافار وهي صيغة تعود على الأقل إلى القرن  الخامس عشر, أو قنا بيت فار كما يكتبها روبنسون فهي تمثِّل مسقط رأس الشيخ عدي.

قام هذا الشخص المُقدَّس وهو في مقتبل العمر بعدة رحلات طويلة لزيارة كبارالصوفيين آنذاك. انعزل فيما بعد في الجبال الواقعة غربي الموصل وسط خرائب دير مسيحيّ ليبنيَ زاويته التي توفي فيها عام 1163م بعدما أسَّس طريقته الصوفية المعروفة بـ(العدوية).

في هذه الذكريات التي تتناول ببالغ العناية تاريخ عُبَّاد الشيطان يبدو الآن ممكناً إيجاد إثبات على الأقل غير مباشر للفرضية المطروحة أعلاه, أي: الأهمية الكبرى للعنصر اليزيدي في الأنثوغرافيا السورية القديمة.

 

ملحق

قمنا بنسخ نصين إغريقيين في قرية قيمار. لكنْ يبدو أنَّ هناك نصوصاً أخرى موجودة في مغارة, لمحها رفيقي البولندي[4] السيد بيتر قبل رحيلنا مباشرةً, وينضَمُّ إلينا في هذا الرأي السيد توزيلي من أنطاكية, وهو على علم جيد بما يجري في هذه المنطقة. إذْ تكمن أهمية الكتابة الأولى المنقوشة في التوقيت, وفي النصِّ المونوفيزي, ويوجد هذا الأخير على عتبه[5] مكسورة قرب بيت الشيخ, ويحتوي على أربعة سطور (كاملة ما عدا بضعة أحرف يَسهُل إتمامها). و قد أخذنا على عاتقنا أنْ ننسخها بأحرفٍ عادية:

…………………………………………….

…………………………………………….

…………………………………………….

…………………………………………….. [ نص بالأحرف الكرشونية على ما اعتقد، لم أتمكن من نسخه من الأصل الفرنسي- المترجم]

 

 

زمنياً يشير النص إلى شهر أيار من عام 621م. لهذا علينا مبدئياً استبعاد العهد السلجوقيّ, لأنّه يقودنا إلى العقد الأول من القرن الرابع الميلادي, ونعلم أن أقدم كنيسة موجودة في سوريا هي كنيسة فافارتين التي يعود بناؤها إلى عام 376م. وفي السنين الأولى من القرن الرابع الميلادي, كان العالم يجهل تماماً خلافات وصيغ المونوفيزية التي تُشكِّلُ موضوع المجادلة في نقشنا هذا.

إذاً يعود عام621م إلى العهد المسيحيّ, ويسبق العام الهجري (622ه) بسنة واحدة. وبالنسبة للقرن السابع الميلادي, كان في سوريا فقط أربعة معالم أثرية مؤرخة: الكنيسة الأخيرة التي بُنيت في شمال سوريا هي بابيسكا  بين عامي 909-910م. أما كنيسة قيمار ربما قد تم بناؤها خلال الاحتلال الفارسي.

وفي الخرابة نفسها ترقد عتبه أخرى كاملة تحتوي على أربعة سطور من نصٍّ يكاد يُقرَأُ بصعوبة. يحتوي هذا النص على الصيغة المونوفيزية نفسِها للكتابة المنقوشة السابقة. كان ينبغي لي التأكد ما إذا كان النقشُ مؤرَّخاً, وأنا أأسف الآن لإهمال هذا الواجب. ولو  فعلت ذلك لوجدنا ربما حلاً للمسألة الزمنية المطروحة أعلاه. أمَّا بخصوص النقش السابق فيُبدي زميلي الأب جالابيرت الملاحظة الآتية:

“ينبغي الاكتفاء برأي ويلدينكتون, ولا تقدم حاشية الأب ڤانسان أي إثبات ضد الوقائع الإيجابية للكتابة المنقوشة, ومن جهة أخرى تاريخ 621م هو من الإشارة الزمنية[6] التاسعة (أيلول 620 – أيلول 621), ويبدو أنَّ الزمن كان يُحسَبُ وِفق التاريخ الأنطاكيّ (الخريف, 49 قبل الميلاد) المُستخدم في النصوص الأخرى للمنطقة نفسِها.”

أيار 621م  يعادل (وفق التاريخ الأنطاكي) 572م, فالإشارة الزمنية الممتدة من 1 أيلول 571 إلى 1 أيلول 572 هي الخامسة, وتاريخ أكتيوم[7] (31 قبل المسيح), وتاريخ السلاجقة (109 قبل المسيح لا يقدِّمان ما هو كافٍ. ومن جهة أخرى, فقراءة التاريخ والإشارة الزمنية تبدوان موثوقتين.

ما ورد في مفكرتي لم يترك شكاً حول هذا الموضوع, ووحده اختبار النسخة الأصلية للنص يَحسِمُ المسألة. لهذا أترك الباب مفتوحاً لكشَّافة المستقبل من أجل إتمام المشوار. أمّا من جهتي, وبعد تفكيرٍ عميق, فإنَّني أشُكُّ بإمكانية إسناد النصّ إلى العصر المسيحيّ, مع أنَّني أقرُّ بعدم استطاعتي تقديم مزيدِ من الشرح.

 

[1][1] كما هو الحال في قيمار وباصوفان

 

[2] برج الثور يبدأ من 21 أبريل وينتهي في 21 مايو.

[3] هنا نخص بالذكر العرب السوريين غير المترحلين أو عرب الديرة الذين يعيشون على السفوح الشرقية والجنوبية من جبل سمعان.

[4] عضو جمعية العلماء اليسوعيين المتابعين أعمال الأب جان بولاند, أي الديوان النقدي لأعمال القديسين.

[5] قطعة حجرية مستطيلة ترتكز بشكل أفقي على ملبنين عموديين يستخدمان لتصميم باب أو نافذة.

[6] الإشارة هي جزء من  الإدانة. والإدانة هي فترة زمنية تمتد لـ 15 عاماً في الحساب الكنسي. كل سنة من هذه السنين الخمس عشرة المكونة للإدانة تُسمى إشارة: الإشارة الأولى, الإشارة الثانية, ولخ.

[7] معركة أكتيوم كانت مواجهة حاسمة من الحرب النهائية ما بين الجمهورية الرومانية وكليوباترا وقعت في البحر الأيوني بالقرب من مدينة أكتيوم اليونانية في 2 أيلول 31 ق م.