AP/Burhan Ozbilici

العنوان الأصلي للمقال: Akin Unver: An Ancient Strategic Riddle

بقلم آكين أونفر **

ترجمة: مصطفى إسماعيل

تعتبر البنية المنهجية والتاريخية للتنافس التركيالإيراني على الجغرافية الكوردية أحد أقدم المعضلات الجيواستراتيجية في الشرق الأوسط. خلال تاريخه المديد، فصل المجال الحيوي الكوردي المُطابق للممر الجبلي طوروسزاغروس بين سهول الأناضول وفارس وميزبوتاميا، وبذلك تم حشره تاريخياً بين ثلاث جغرافيات إمبراطورية: الرومان في مواجهة البارثيين والساسانيين. البيزنطيين في مواجهة السلاجقة. ولاحقاً، العثمانيين في مواجهة الصفويين والمماليك. حين غزا العثمانيون أراضي المماليك في أوائل القرن السادس عشر وتبنى الصفويون المذهب الشيعي باعتماده العقيدة الدينية الإمبراطورية الرسمية، تحولت هذه المعضلة الجيوسياسية إلى تنافس إيديولوجي إقليمي بين قوى كبرى، بين إمبراطوريتين مسلمتين متساويتين في القوة تتبنيان إيديولوجيتين دينيتين مختلفتين.

حين خاضت هاتان الإمبراطوريتان حروباً بالوكالة على بغداد، أصبح الوطن الكوردي الحدَّ الشمالي لحرب بين مذاهب دينية. ورغم أن نهاية الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية أدت إلى تقسيم هذا الوطن الكوردي بين أربع دول مختلفة (إيران والعراق وسوريا وتركيا)، فإن دور كوردستان كمنطقة عازلة بين هضبتي الأناضول وفارس لم يتغير. لقد طوّر الكورد في مرتفعاتهم الوعرة هويات سياسية ولغوية متعددة، وهي حالة من التشرذم تم استغلالها بشكل كبير من قبل الإمبراطوريات المجاورة في الماضي.

من وجهة نظر تركيا، فإن الكورد من الناحية اللغوية هندوإيرانيين، ما يجعل من الانتماء العرقي الكوردي تهديداً خطراً على التجانس القومي والإثنياللغوي التركي. أما من وجهة نظر إيران، فإن معظم الكورد من السنة، ما يجعلهم يشكلون تهديداً خطراً على النقاء الطائفي الإيراني. تلك هي الخلفية الرئيسة لانحياز تركيا وإيران إلى مجموعات كوردية مختلفة – فـ الكورد الجيدونبالنسبة لتركيا هم الذين يؤكدون على هويتهم السنية (مثل حزب مسعود البارزانيالحزب الديمقراطي الكردستاني)، في حين أن النفوذ الإيراني يخترق بشكل أفضل جماعات كوردية لا تؤكد على مذهبيتها، لكن بدلاً عن ذلك تخلق إيديولوجية جامعة حول الهوية الإثنولغوية للكورد (مثل بعض المجموعات الفرعية داخل حزب العمال الكوردستاني: حزب الاتحاد الديمقراطي، وجناحه المسلح وحدات حماية الشعب).

رغم ذلك، فإن إيران أيضاً تعاني من ردود فعل إثنولغوية وغير دينية من الكورد، فحزب الحياة الحرة الكوردستانيجناح حزب العمال الكوردستاني في إيرانيقاتل من أجل كونفدرالية قومية ديمقراطية في تلك المنطقة من إيران التي يغلب فيها الكورد سكانياً. من ناحية أخرى، فإن تركيا استثمرت كثيراً في حكومة إقليم كوردستان وذلك من أجل الحصول على دعمها في المشكلة الكوردية في تركيا، ولدق أسفين بين إيران والكورد العراقيين الذين يتعاطفون مع طهران.

إضافة إلى ذلك، فإن تركيا طورت علاقة قوية مع أربيل في مجال الطاقة على أمل تطوير البنية التحتية للغاز الطبيعي في إقليم كوردستان من أجل تنويع مصادرها من الطاقة بعيداً عن واردات الغاز الإيرانية. ومع ذلك ليس لدى تركيا ولا إيران تحالف متين وبنيوي مع أي من الجماعات الكوردية. تقوم كل من أنقرة وطهران بتنشيط هذه العلاقات في الأوقات الذي تناسبهم، وتختار الجماعات الكوردية في الطرف المقابل المشاركة في السياسة الإقليمية الأوسع عندما ترى فائدة استراتيجية في القيام بذلك. على سبيل المثال، كانت الجدوى الإستراتيجية الرئيسية من حزب الاتحاد الديمقراطي بالنسبة لإيران هو قطع اتصال تركيا الجغرافي بالجغرافية العربية في سوريا من خلال دعم حزام كورديغير متقطع يغطي شمال سوريا. كان هذا الاتصال الجغرافي هو أحد الأسباب التي جعلت تركيا تدفع لمدة طويلة باتجاه إنشاء منطقة آمنةبين جرابلس وأعزاز.

لكن يبدو أن إعادة ترتيب الأوضاع والدبلوماسية الأمريكية أضعف اعتراضات تركيا على التعاون الأمريكي مع وحدات حماية الشعب ضد داعش. المنظور الأمريكي هدف أيضاً إلى منع الكورد السوريين من التقارب مع طهران وموسكو. إضافة إلى ذلك، فإن تعاون تركيا مع حزب البارزاني (الحزب الديمقراطي الكوردستاني) لا يخلو من تحديات، فالأحزاب الكوردية المنافسة مثل حزب جلال الطالباني (الاتحاد الوطني الكوردستاني) وحركة التغيير (كوران) تضعف من التأثير السنيالديني للحزب الديمقراطي الكوردستاني، وذلك من خلال تبنيهما لخط سياسي أكثر علمانية داخل حكومة إقليم كوردستان.

يبدو أن التنافس التركيالإيراني على الكورد يدخل مرحلة جديدة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا. إن الضلوع المزعوم للولايات المتحدة في محاولة الانقلاب يوتر بشدة العلاقات بين أنقرة وواشنطن. لقد تم استغلال ذلك بمهارة من قبل طهران وموسكو، إذ أن الدولتين قد أصدرتا بيانات دعم للحكومة التركية قبل أي عاصمة غربية. هذا من شأنه التخفيف من بعض التوترات بين تركيا وروسيا وإيران حول سوريا، وقد يخفف كثيراً من الصراع بالوكالة التركيالإيراني على الجماعات الكوردية. مع استمرار تمرد حزب العمال الكردستاني في تركيا، وتصاعد قتال إيران مع جناح العمال الكوردستاني في إيران، حزب الحياة الحرة الكوردستاني، فإن لكلتا الدولتين مصلحة في إنهاء تنافسهما الاستراتيجي. تركياوقد خسرت حربها بالوكالة في سوريالها أيضاً مصلحة في إعادة صياغة استراتيجيتها الإقليمية من خلال منظور أكثر ابتعاداً عن المجازفة.

هناك معسكرين رئيسيين في الأدبيات حول القضية الكوردية. المعسكر الأول يضم أولئك الذين يعتقدون أن القضية يمكن حلها من خلال المزيد من الدمقرطة، وتطبيق أفضل لحقوق الإنسان، ومنح الكورد استقلال ثقافي. فيما يعارض المعسكر الآخر ذلك، مشيراً إلى أن القضية الكوردية لن تحل أبداً حتى يتم توحيد جميع الفصائل الكوردية في كيان سياسي واحد، إما كيان مستقل أو كيان داخل دولة أكبر. يعتقد المعسكر الثاني أنه وبغض النظر عن مقدار الديمقراطية أو الحقوق أو الحكم الذاتي المسموح بها للكورد، فإنهم سوف يظلون عرضة للنزاعات ويصدرون هذه الديناميكية إلى الدول التي يعيشون فيها، طالما ظلوا منفصلين عن بعضهم من خلال دول عديدة.

قد لا تتوصل كل من تركيا وإيران إلى اتفاق بشأن الكورد في القريب العاجل، خاصة وأن المنطقة في حالة تغير في الوقت الراهن. لكن بإمكانهما تعزيز مجالات التعاون الأخرى مثل التجارة والطاقة والسياحة/ الثقافة والتي سوف تقلل من تأثير التنافس حول الكورد على العلاقات الثنائية الأوسع نطاقاً.

** آكين أونفر: أستاذ مساعد في العلاقات الدولية بجامعة قادر هاس التركية في اسطنبول. نال درجة الدكتوراة من جامعة Essex البريطانية عن أطروحته حول الكورد في تعريف المسألة الكوردية في تركيا: الخطاب والسياسات منذ 1990″ والتي صدرت لاحقاً ككتاب بعنوان: المسألة الكوردية في تركيا: الخطاب والسياسات منذ 1990. من كتبه الأخرى:

كورد شرودنجر: الجغرافية السياسية الكوردية العابرة للحدود في عصر الحدود المتحولة.

التعاون التركيالإيراني في مجال الطاقة والصراع: السياسات الإقليمية.

** نُشِرَ هذا الموجز التحليلي السياسي بالإنكليزية في الموقع الإلكتروني The Cipher Brief عام 2016 وهو منصة للدراسات والتحليلات المتخصصة في مجال الأمن.