قرية باصوفان, نيسان ١٩٠٥ - بعدسة كيرترود بيل
قرية باصوفان, نيسان ١٩٠٥ - بعدسة كيرترود بيل

دراسات في الجغرافيا و الاثنوغرافيا الشرقيتين – كتلة جبل سمعان و يزيدية سوريا – الحلقة الرابعة

تأليف : الأب هنري لامنس

الترجمة عن الفرنسية : الدكتور عبد الجليل العبود

يمكنكم قراءة الأجزاء السابقة:

 

 

– يلانقوز :(Yalanqoûz) لا تظهر على أية خارطة, وأجهل تماماً موقعها الدقيق.

– قورزاحل :(Qorzâhil) قرية جميلة فيها حديقة ونبعة ماء عذب. تقع جنوب شرقي عرشقيبار على بعد ساعة. البلدة موجودة على الأقل منذ 478 هـ، وهذا ما يثبته ياقوت الحموي (IV, 56). يقول هذا الأخير: «قرزاحل قرية من نواحي حلب ثم من نواحي العمق». [سهل] العمق هو جومه أو سهل أنطاكية الذي تتبع له قرزاحل إدارياً. ويمكنُ أيضاً أنْ نغوص بعيداً في عمق التاريخ لنعرف المزيد عن هذه القرية. فقد قدمت هذه الأخيرة في القرن العاشر الميلادي بطريركين اثنين للكنيسة اليعقوبية. كان آنذاك في قرزاحل الواقعة على نهر عفرين دير جميل. وقد حالفنا الحظ بالعثور فيها على بقايا من العصر القديم. وهذا يدل على أنَّه منذ ذلك الحين، وحتى الآن لم تنقطع الحياة في قرزاحل بفضل مياهها وخصوبة أراضيها المجاورة. كانت في القديم معقلا للمونوفيزية/ الطبيعة الواحدة ( تعتقد المونوفيزية أن للمسيح ،عليه السلام ،طبيعة واحدة وهي الطبيعة الالهية و البشرية . مدارات كرد ) قرية أخرى مثلها في الجبل، هي كيمار، والنقوش اليعقوبية فيها خير شاهد. بدلاً من قُرزاحل مسجلة في السالنامة قورزيل وهي عينة صريحة من الكتابة العامية العثمانية.

– باسوطه:(Basouțâ) ل أطلال قديمة تستحق الاهتمام حسب ما يقوله اليزيديون. يكتبها ريشارد كليبير Basût, ومسجلة باسوطة في السالنامة.

– بورج :(Borģ) يبدو أنها تختلف في كتابتها عن أبراج القائمة السابقة؛ عن برج حيدر Borģ Haidar (جوليان, ص. 243) وعن برج هيدا Burj Haida عند السيدة جيرتريد بيل. إنَّه بورج العامية كما هي مسجلة في السالنامه.

– كفير(Kofair): تابعة لمديرية جومه وفق ما تذكره السالنامه. جيرتريد بيل تحدد موقعها على الخارطة بالقرب من مدينة حلب من الجهة الغربية وتسميها كفر داعي ̕Kfêr-Dâi، ويكتبها ريشارد كيبير كفر طاي Kefr-Ţai. ويُرجَّح أنْ تكون كفر داعل التابعة لقائمقامية جبل سمعان.

– غزاويه (Gazzawiya): راجع خرائط الشمال السوري؛ تكتبها السالنامه غزاويه.

– جلمه (Ġalamé): يكتبها كيبير Ġeleme. يُحتمَلُ أنْ تكونGalamo جَلَمو الصليبيين الواقعة في أبرشية أنطاكية.

– إسكان, ديوا, صوغاناكي (Dewâ, Soģanâke, Îska): ليس لدينا أيَّ معلومات حول هذه القرى الثلاث. حتى أنَّني أجهل موقعها بالضبط. Îska قد تنطبق على Iskân كما هي مسجلة في السالنامة (مديرية جومه).

– عشقان) Аska): قريتان لهما نفس الاسم، تتبعان لمديرية جومه: ربما عشقان شرقي وعشقان غربي.

– كفرروم: (Kafar Roûm) كفر رومة – كما يسمِّيها ياقوت الحمويّ (IV, 288) – تابعة لـ معرة النعمان، وتصعب مقارنتها بسبب موقعها في أقصى الجنوب.

– ماتينلي (Matîna): لسنا متأكدين من كتابتها.( قرية متينا . مدارات كرد )

– شارا Śarrâ)): كالسابقة, كلاهما تقعان شمال جومه (معلومة أفادنا بها اليزيديون).

– كفر صفرة ) Kafr Safr): تُكتَبُ في السالنامة كفر صفر.

من الصعب تقدير العدد الدقيق لليزيديين في جبل سمعان، حيثُ يتكلم الأب دو فون كليير عن 300 خيمة أو عائلة. وكما يظهر بوضوح من خلال القائمة التي أعدَّها بأسماء القرى، يبدو أنَّ زميلنا لم يكن على علم بوجود عدة مجموعات يزيدية في شمال جومه وطريق حلب-إسكندرونة.

وفي موقع آخر من مذكراته العديدة التي قام بجمعها، قرأت له أنَّ القبيلتين اليزيديتين تتألفان من 362 عائلة وفق ما أخذه من مخطوطة عربية بحوزته لـ محمد معتوق بن علي. أمَّا الرقم الإجماليَّ الذي يبدو لنا أقرب للحقيقة هو 3000 فرد وفق ما أكدَّه لي في حلب أشخاصٌ تمكنوا من معرفة الإيزيديين عن كثب.

يتكلم الأب جوليان عن 10 إلى 15 ألف “يزيديّ منتشرين في شمال سوريا وحول حلب”. وهذا التقدير الإجمالي يبدو معقولاً إذا ما ضمنَّاه يزيدية قائمقامية عينتاب. وعلى الرغم مما أفادني به القره باش شكلياً عن هؤلاء، لم يُؤكِّد بعدُ وجودهم أي مصدر أوربي على حد علمي.

يجدر الذكر أنَّ معاناة هذه المجموعات المعزولة من اليزيديين لا تقلُّ عن معاناة أبناء ملتهم في جبل سمعان. فقد دخل معظمهم الإسلام مثل قرى ظاغة و زرداغوم و سروج في بلاد الرافدين, ومع ذلك بقي في كوشتام نصف السكان متمسكين بمعتقدهم اليزيدي. وقد أشار بوكوك إلى وجود يزيديين في الجبل الواقع شمال شرقي قرية سويديه، والذي يسكنه الآن مسلمون سنة وأرمن، ولم يبق اليوم أثرٌ لذلك العمران اليزيدي القديم. يتفق معنا بهذا الرأي السيد بوتون نائب القنصل الفرنسيّ في أنطاكية. وقد أشار عالم الآثار السيد بول بيردرزيت في وثائقه إلى وجودِ خمس عشرة قرية يزيدية حول قلعة الروم على نهر الفرات في القرن السابع عشر الميلادي. وجودهم في هذه المديرية يعود على الأقل إلى القرن الثاني عشر الميلادي. وأجرى آنذاك البطريرك الأرمني نرسيس محادثات مع بعضهم . نفس المصدر يشير أيضاً إلى وجود يزيديين في سروج.

ولو كان الخوف أو المصلحة هما الدافع الأساسيّ لاعتناق اليزيديين للديانة الإسلامية لتلاشت هذه المشاعر مع الزمن، وحلَّ محلها لدى هؤلاء المسلمين الجدد إما معتقدات جديدة، وإمَّا نفور واضح من أبناء دينهم السابقين. فبشهادة اليزيديين أنفسهم أصبح هؤلاء المسلمون الجدد أكثر الجيران تطرفاً وأذىً. وقد قالوا لي: «إنَّ هؤلاء لا يريدون الاعتراف بأصلهم المشترك. ومع ذلك نحن نعرف آباءَهم اليزيديين مثلنا، فهم يقذفوننا بالحجارة، ويرفضون الأكل معنا، ويمنعوننا من الدخول إلى المساجد في حين يَسمحُ لنا المسيحيون بالدخول إلى كنائسهم”.

يُلاحَظُ هذا الميل لدى جميع الطوائف، إذ تحاول دوماً أنْ تسبغ على نفسها طابع العالمية، وهذا الطموح يبدو منطقيَّا، فلو أنَّ الله منح الحقيقة لمخلوقاته كلَّها لما كانت حِكراً لمجموعة متقوقعة على نفسها، فيُنتظر إذاً من جلالته نشرها على الناس كلِّهم. وقد أكد لي يزيدية منطقة حلب بكل جدية أنَّ العالم بأسره كان يؤمن قديماً بمعتقداتهم.

وفي وقتنا هذا لدى يزيدي, جبل سمعان قناعة بأنَّ مصيرهم المنتظر هو الذوبان في الإسلام، ومع الإيمان بالقدر الذي يميِّز الشعوب الشرقية، نجدهم يُذعِنُونَ لهذا المصير على الرغم من النفور العميق الذي يثيره في أنفسهم، فهم بالطبع يطمحون للبقاء على ما هم عليه، أي على ملتهم اليزيدية. وقد قالوا لي بصراحة إنَّهم لو خُيِّروا بين القرآن والإنجيل لفضلوا هذ الأخير على القرآن.

لا ينبغي لنا الخوض في تفاصيل المعتقدات الدينية ليزيدية سوريا، ففي حديثنا مع الـقره باش لم نتطرق ،إلا بشكل سطحي ،لهذا الموضوع الذي يتحاشون الحديث عنه. فقط نستطيع التأكيد أنَّ الأسماء المسيحية تنتشر بكثرة في أوساطهم. وعندما كنت أعارض دليلنا حسو على اسمه المسلم، كان يجيبني أن “ذلك بسبب الخوف من المسلمين”.

لقد بقي اليزيديون على تواصل مع أبناء ملتهم خلف الفرات، وكانوا من وقت لآخر يستقبلون زيارة “قوّال” يرسله الأمير الأعلى من أجل جمع الأموال . وكإثبات لمهمته، كان هذا القوّال يحمل علماً ( سنجق – مدارات كرد ) يعلوه طاووس من البرونز يرمز لطابع غامض. ومنذ سنوات عدة لم تأت أيٌّ من هذه البعثات إلى جبل سمعان، لذلك عندما اقترب موكبنا من قرية كيمار سألَتْ امرأة يزيدية رفيقنا الكردي رشو ما إذا كُنّا قوّالين. إذْ نادراً ما يُرى خيالةٌ يغامرون في مثل هذه الجبال الوعرة دون ذكر دليل من القره باش يتقدّمهم سيراً على الأقدام, و دون ارتداء كوفية ومشلح أبيض. مثل هذه التفاصيل من شأنها أن تضلل الآخرين بخصوص حقيقة هويتنا.

يسجد يزيدية جبل سمعان للشمس المشرقة، لهذا يطلق عليهم أحيانا اسم (الشمسية) أو عبدة الشمس. حتى أن أحد القره باش أراد التذرُّع بهذه الخاصية ليثبت لي التقارب بين العبادة المسيحية والديانة اليزيدية: فكلاهما تمتلكان، وِفْقَ رأيه، القبلة نفسها، ونحن ندرك تماماً ما للقبلة من أهمية في الديانات الشرقية. حالهم حال إخوانهم في بلاد الرافدين، فإنّ يزيديِّة سوريا أمِّيون تماما، ومحكومٌ عليهم بالبقاء أميين باعتبار أنَّ دينهم جعل معرفة القراءة حِكراً على عائلة واحدة. وعندما كنت يوماً أشرح لهم فوائد بناء المدارس في مناطقهم، أجابني أحدهم : “بالتأكيد! لكنْ بشرط أنْ يأتي أحد إخواننا من جبل سنجار كي يعلّمنا القراءة”. كلهم يتكلمون اللغة الكردية، وبحكم علاقاتهم بحلب وبجيرانهم الناطقين بالعربية، فإنَّ عدداً معيَّناً من بينهم يفهم ً العربية أيضا. والكثير منهم يتعلمها خلال الخدمة العسكرية. وقد رفعت الحكومة عنهم الحصانة بهذا الشأن، في حين يتمتع بها أبناء ملتهم في جبل سنجار. و غالبا ما يتم إرسالهم إلى اليمن، والقليل منهم يعود سالماً إلى وطنه الأم. لذلك كانوا في كل مكان نلتقيهم يرهقوننا بالأسئلة حول أحداث الحرب في تلك البلاد البعيدة. ………..

يتبع