مالكا أولدر**

ترجمة: مصطفى إسماعيل

 

إن غزو تركيا للمناطق التي يسيطر عليها الكورد في سوريا لهو أمرٌ فظيعً، ومُخزيةً القرارات التي أدت إلى ذلك. لكن يمثل ذلك أيضاً مشكلة أكبر وهي أن النظام العالمي قد بُني على الدول ذات السيادة، وهذا بادٍ للعيان. إنها لمشكلة كبيرة للجماعات التي تعرف نفسها- أو التي يعرفها الآخرون- كمتمايزة عن الدول التي يقيمون بداخل حدودها، كما أن ذلك لأمر مروعُ كإطار للخوض في السياسة العالمية في عالم سريع التحول.

يتم تتبعُ مفهوم السيادة عادة إلى معاهدتي ويستفاليا لعام 1648، واللتان كانتا محوريتين في تغيير مفهوم الحكومة باتجاه دولة علمانية تتمتع بسلطة كاملة داخل حدود إقليمية لا يجوز المساس بها. تم صياغة المعاهدتين كحلٍ دبلوماسي للحروب الدينية الكارثية بين المناطق الإقطاعات والملكية، واستمرت ركائزها إلى حد كبير إلى العالم الحديث بسبب القوة الراسخة لتلك الدول التي تحرس بشكل غيور حكمها المطلق على قطعة من الجغرافيا. لقد أصبحت تلك التسوية بين الأمراء لإنهاء الحرب الدينية هي البداية والنهاية للطريقة التي كان يحكم بها العالم.

 

حتى مع سقوط الملوك في أوروبا، تقدمت فكرة الأمة إلى الواجهة بكل إمكاناتها في استبعاد أولئك الذين لم يكونوا حقاً ألماناً أو طلياناً أو بولنديين. وحتى مع تفتت هيمنة الإمبراطوريات الأوروبية في أماكن أخرى من العالم فإنها خلفت وراءها رؤية خاصة جداً عن بناء الدولة.

على مدى القرون القليلة التالية ومع تآكل سلطة الملكية واحتياج الدول الأوروبية إلى شيء آخر لإشاعة الولاء بين مواطنيها، أصبح مثالُ الدولة القومية- التي سيشعر الناس داخل حدودها التعسفية بنوع من الهوية الجماعية– رائجاً. أدى هذا إلى مزيد من الحروب مع قيام الأوروبيين بطرد أو تحويل أي شخص لا يتناسب مع مفهومهم عن القومية: لم تكن الفرنسية وحدها كافية، لم تكن الألمانية وحدها كافية، لم تكن الطليانية وحدها كافية. كما روجوا لهذه الفكرة أيضاً في مستعمراتهم، مُصدّرين موجات متتابعة من النزاعات المدمرة.

لقد تحولت المعايير اليوم إلى تركيز أكبر على الحقوق الفردية، وانتقلت السلطة إلى لاعبين غير دولتيين، لكن الحكومات لا تزال تضايق وتطرد وتحاول إبادة الجماعات الأقلوية باسم مُثُل الدولة القومية، وما زال مفهوم السيادة يمنحهم تفويضاً مطلقاً للقيام بذلك.

إن الإصرار على الدولة القومية بصفتها الفاعل الشرعي والوحيد على المسرح العالمي يترك الجماعات ما دون الدولة عرضة للاستغلال والهجوم والتعامل المشبوه. لقد تم بذل الوعود للكورد والتنكر لهم مرات عديدة خلال القرن الماضي. وإذا ما كان لديهم خيار لما وثقوا بأي شخص. لكن القضية ليست مقتصرة على الكورد. ففي الأخبار هذا الأسبوع هناك لاجئون من الروهينجا عالقون بين دولتين لا تريدهم، وأُجبرَ الأويغور على دخول معسكرات الاعتقال، والاحتجاجاتُ الكاتالونية من أجل الاستقلال.

يقدم التاريخ المزيد من المتماثلات، من الولايات المتحدة التي خرقت بشكل متكرر المعاهدات مع سكان أمريكا الأصليين إلى الحرب العالمية الثانية التي كانت الولايات المتحدة فيها على استعداد للمضي إلى الحرب لحماية سلامة فرنسا الإقليمية مع الشعب الموجود فيها، لكنها لم تكن بالمقابل راغبة في قبول اللاجئين الفارين من الهولوكوست. إن نظام الدولة القومية قد صمم لحماية الدولة نفسها وأعضائها أكثر من حماية الناس خارجها.

صحيح أن الدول القوية تلتف على الدول الأضعف أحياناً أيضاً. لكن الجماعات غير الدولتية بشكل خاص هي في وضع ضعيف. ورغم أن هذه الجماعات قد تسيطر على مناطق بحكم الأمر الواقع، إلا أنها لا تحتفظ بها قانوناً، وليس لديهم حقوق دولية في العمل العسكري أو الدفاع عن النفس. ليس لدى هذه الجماعات أي مقعد في المنظمات الدولية أو فوق الوطنية، ما يتركهم خارج دائرة صنع القرار العالمية، الأمر الذي يحول دونهم ومحاولة محاسبة الدول على أفعالها. لا يتم منح قادة هذه الجماعات مركز رئاسة الدولة، وليس لديهم دبلوماسيون رسميون. فأكثر قوانين الحكم الذاتي سخاءً لا تمنح حق حماية بناء دولة، لذا غالباً ما تكون الجماعات الانفصالية على استعداد للمجازفةِ بخسائر جسيمة لنيل الاستقلال مؤججة النزاعات.

يوفر النظام العالمي المزيد من الآليات للدول للتعامل دبلوماسياً فيما بينها أكثر من التعامل مع الناس القاطنين داخلها. في حين تراجعت النزاعات بين الدول خلال الخمسين سنة الماضية، فإن وتيرة النزاعات داخل الدول تصاعدت. هذه الحروب تخلُّ بالتجارة والسياسة العالمية وتضعف الدول وتُثيرُ الارتياب في الدول المجاورة. من ناحية أخرى فإن الدول نفسها أثبتت أنها بارعة في استخدام العناصر الفاعلة لتعزيز مصالحها الخاصة داخل الدول الأجنبية مع التملص من مسؤوليتها عن تلك العناصر. تمتد الأمثلة من الولايات المتحدة بتسليحها الكونترا في نيكاراغوا إلى السودان وتشاد عبر دعم حركات التمرد فيها.

لقد أظهر النظام العالمي- الذي يركز على الدولة- نفسه مفتقداً الجاهزية للتعامل مع هذه الصراعات. لا تزال الدول مُمانعةً لخرق الاتفاق الجماعي حول مشروعية السيادة. إنهم متحفظون كذلكم الأمر حول إضافة المزيد من الدول إلى ناديهم الحصري، ومرد ذلك جزئياً إلى أن ذلك قد يوحي للمعارضين داخل مناطقهم بأن إعادة التفاوض على الحدود أمرٌ ممكن. رغم أن عدداً كبيراً من الدول انبثق عن الاتحاد السوفيتي في التسعينيات إلى جانب بعض الاستثناءات القليلة مؤخراً مثل تيمور الشرقية وجنوب السودان إلا أنه لا يزال من الصعب نيل اعتراف دولي بدولة جديدة. هذا يترك الوسطاء محاولين إقناع الفئات الضعيفة بالتسوية من أجل شيء أقل في مواجهة كل الأدلة حول أن الدولة المعترف بها هي أفضل فرصة من أجل الأمن وتقرير المصير.

كانت هناك بعض الجهود للتخفيف من آثار السيادة. تفترض مسؤولية حماية حركة واجب قيام الدول بحماية مواطنيها وأنه إذا فشلت الدول في القيام بذلك، يمكن حينها للآخرين التدخل للمساعدة. أُعدّ ذلك كوسيلة لتبرير وتنظيم استخدام قوة العقاب التي تفرضها الأمم المتحدة في إنقاذ السكان من الإبادة الجماعية أو غيرها من الهجمات التي ترتكبها الحكومة التي هم هدف لها، ولكن حتى الآن على الأقل لم يثبت نجاح ذلك كوسيلة للتغلب على الامتناع عن خرق السيادة.

الجماعات ما قبل الدولتية ليست المثال الوحيد على فشل النظام الدولي. للفاعلين غير الحكوميين- من الجماعات الإرهابية إلى الشركات متعددة الجنسيات- تأثيرات متزايدة على السياسة العالمية، والنظرية الجيوسياسية التقليدية لا تقوم بعمل كبير في التعامل معها. حتى بالنسبة للقضايا الثنائية، فإن الدولة القومية ليست دائماً وحدة التحليل الأكثر فائدة.

خذْ مثلاً عناوين ومقالات عديدة تعلن أن روسيا تدخلت في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 2016. إن تخيل هذا باعتباره سياسة وطنية متماسكة مصممة لمهاجمة الولايات المتحدة ليس توصيفاً دقيقاً للواقع. فروسيا ليست ديمقراطية، ومثل هذا التدخل لا يهدف- على سبيل المثال- إلى اكتساب منطقة من الولايات المتحدة. قد يكون الوصف الأكثر دقة هو أن النخب الروسية حاولت قلب التوازنات في القيادة الأمريكية من أجل كسب المزيد من الغنائم الحديثة: القوة الناعمة غير المقيدة في منطقتهم، منفذ إلى التجارة، وبشكل خاص اكتساب القدرة على خرق سيادة الدول الأخرى دون عواقب.

أو تأملْ في مساهمة شركات التكنولوجيا الكبيرة في الجهود نفسها. قد يُدلي المدراء التنفيذيون بشهاداتهم أمام الكونغرس، لكن الولايات المتحدة- والدول القومية الأخرى- لديها سيطرة محدودة أو لا تتمتع بأي سيطرة تذكر على الشركات متعددة الجنسيات، سيما مع الهياكل القانونية المعقدة لهذه الشركات وروابطها الواهية بالجغرافيا. إن نظرية في العلاقات الدولية تفشلُ في أخذ هذه الكيانات بعين الاعتبار كفاعلين مستقلين في السياسة العالمية، تفتقد جزءاً كبيراً من اللوحة.

إن نظام الدولة القومية بحدوده التعسفية وتركته الكولونيالية وحروبه الكارثية على الأراضي وحق تقرير المصير، قد تمت تجربته وفشل. لقد آن للعالم أن يمضي قدماً. نحتاج إلى طريقة لتقييم الأحداث الدولية لا تعتمدُ على فكرة عفا عليها الزمن عن ماهية الفاعلين. ما هو أهمُّ من ذلك، أننا نحتاج إلى الاعتراف بكل من حقوق المجموعات ما دون الدولة والمسؤوليات القانونية للكيانات الخارجية وإنشاء آليات في النظام الدولي لضم هذه المجموعات إلى أروقة السلطة.

*تم ترجمة المقال من النسخة الإنكليزية المنشورة في موقع مجلة فورين بوليسي بتاريخ 31 أكتوبر 2019، العنوان الأصل للمقال:
The Kurds Are the Nation-State’s Latest Victims

**مالكا أولدر  Malka Older: باحثة وكاتبة وشاعرة، زميل أبحاث في مركز سوسيولوجيا المنظمات، وعملت باحثة في التكنولوجيا والمخاطر في مجلس كارنيجي للشؤون الدولية، كما عملت لسنوات في المجال الإنساني والتنمية.