إحدى خرائط قسطنطين فرانسوا فولني لـ سوريا. الصورة من المكتبة الوطنية الفرنسية.
إحدى خرائط قسطنطين فرانسوا فولني لـ سوريا. الصورة من المكتبة الوطنية الفرنسية.


تأليف
: قسطنطين فرانسوا فولني
ترجمة: إبراهيم خليل

 

صورة قسطنطين فرانسوا فولني - ويكيبيديا.
صورة قسطنطين فرانسوا فولني – ويكيبيديا.

من هو قسطنطين فرانسوا فولني (Constantin-François Chassebœuf)؟هو مستشرق وإثنولوجي فرنسي اسمه الكامل (قسطنطين فرانسوا شاسبوف دي لاجيرودي) كونت فولني، والمعروف اختصاراً باسم (فولني).
ولد عام 1757 وتوفي عام 1820، وكان مقرباً من نابليون بونابرت الذي اعترف أن مقالات فولني وكتابه (رحلة إلى مصر وسوريا في السنوات 1783-1785) أوحت له بفكرة غزو مصر وسوريا.
عرض نابليون على فولني وزارة الداخلية، ولكنه رفض وفضّل أن يظل سيناتوراً فوق العادة.
تضمنت أخبار رحلة فولني معلومات تفصيلية عن ولايات بلاد الشام في نهاية القرن الثامن عشر حيث كانت الإمبراطورية العثمانية تعيش حالة من التسيّب والفوضى، وتعد كتبه مرجعاً أساسياً لكل من كتب تاريخ بلاد الشام في ذلك الوقت. في مقالته هذه يتعرض للكرد في سوريا القرن الثامن عشر التي زارها ودون ملاحظاته عن الطبيعة السكانية للبلاد مولياً عناية خاصة للأقليات والبدو الرحل.

الكرد

يشكل الكرد جزءً آخر من أمة موزعة عشائرياً على مناطق آسيا الدنيا التي انتشروا فيها بشكل كبير على امتداد قرن كامل. إن موطنهم الأصلي هو سلسلة الجبال التي تنبع منها روافد نهر دجلة, والتي تحيط بالمجرى العلوي لنهر الزاب الكبير, باتجاه الجنوب حتى حدود العراق العجمي أو بلاد فارس. تُعرَف هذه البلاد في الجغرافيا المعاصرة باسمكردستانحيث ما تزال حية أقدم تقاليد الشرق وحكاياته كونها كانت مسرحاً للكثير من الأحداث الأسطورية. خالديي بيروز وأرمن ماريابا الذين تكلم عنهممويز دو كورينيذكرون أن الملك السومريزيوسودراقد لجأ إلى جبالكورد اويهرباً من الطوفان, وتثبت ظروف الاستقرار التي يضيفونها الهوية الحساسة لجبالكوردوالكرد.

هؤلاء هم أنفسهم الكرد الذين أتىاكزينوفونعلى ذكرهم تحت اسمكاردوخوالذين اعترضوا طريقالعشرة آلاففي طريق عودتهم. وقد لاحظ هذا المؤرخ أنهم رغم كونهم محاطين من كل اتجاه بامبراطورية الفرس فقد تصدوا لقوات الملك العظيم وجيوش ولاته. وقليلاً ما تغيروا حتى اليوم رغم خضوعهم في الظاهر للعثمانيين, فهم لا يكنون الكثير من الاحترام للباب العالي ولا لباشاواته .

لاحظ السيد نيبور الذي مر بهذه المناطق سنة 1769 أنهم يعيشون في مناطقهم شكلاً من أشكال الحكم الاقطاعي بدا لي شبيهاً بما هو لدى الدروز حيث لكل قرية رئيسها, والأمة بأسرها مقسمة إلى ثلاثة أجزاء رئيسية مستقلة.  وقد فصلت الخصومات الطبيعية في تلك الحالة من الفوضى عن الأمة عدداً كبيراً من العشائر والعوائل التي اتخذت حياة التشرد والتجوال شبيهة بحياة التركمان والعرب. وقد دفع بهم ذلك إلى دياربكر وسهول أرضروم ويريفان وسيواس وحلب ودمشق: يمكن تقدير أن عدد كل تلك العشائر مجتمعة يتجاوز 140 ألف خيمة أي ما يعني 140 ألف رجل مسلح. ومثل التركمان, يعمل هؤلاء الكرد في الرعي والتسكع على أنهم يختلفون عن التركمان في بعض الخصال الأخلاقية. فالتركمان يمهرون بناتهم عند تزويجهن بينما يكتفي الكرد بتسليمهن مبلغاً من المال. التركمان لا يقيمون أي وزن لعراقة الأصل والنسب أي ما يسمى بالنبالة بينما يضعها الكرد على رأس أولوياتهم. التركمان لا ينهبون البتة بينما المعروف عن الكرد أنهم قطاع طرق. لقد زرعوا الرعب في حلب وإنطاكية حيث يقيمون هناك تحت اسم البكداشية في الجبال الواقعة غرب بيلام وحتى كلّس. في هذه الباشاوية وباشاوية دمشق يتجاوز تعدادهم العشرين ألف خيمة وكوخ لأن لديهم كذلك مساكن ثابتة. الكرد محسوبون على المسلمين غير أنهم لا يهتمون بالعقيدة الإسلامية ولا بطقوسها وثمة من بينهم من يسمون باليزيدية يقدسون الشيطان أي الملاك المعادي لله: هذه الفكرة الباقية في دياربكر وكذلك على تخوم بلاد فارس ليست سوى آثار باقية من العبادات القديمة القائمة على مبدأي الخير والشر في تلك البقاع التي تعاقب على حكمها الفرس واليهود والمسيحيون والمسلمون. ثمة عُرف يقضي باعتبار زردشت مرجعها الأول: ولكن منذ زمن بعيد سابق على هذا النبي, عرف المصريون هرمز وأهريمان تحت اسم أوزيريس وتيفون. من الخطأ كذلك الاعتقاد أن هذا النظام لم يُعرف إلا في عهد داريوس بن هيستاسب, لأن القديس زردشت عاش في بلاد ميديا في زمن معاصر لحكم سليمان.

إن اللغة, وهي علامة رئيسية في أخوة الشعوب, مقسمة لدى الكرد إلى ثلاث لهجات وليس فيها ما في العربية من الأصوات اللهوية أو الحلقية ولا هي شبيهة بالفارسية قطعاً بل إنها على الأغلب لغة أصيلة. غير أننا إذا أخذنا في الاعتبار عراقة الشعب الذي يتكلم بها والروابط التي تربطهم بالميديين والآشوريين والفرس وكذلك بالبارثيين, يمكننا الاعتقاد أن الاطلاع على هذه اللغة قد يلقي ببعض الضوء على التاريخ القديم لهذه البلدان. ليس لدى الكرد قاموس معروف حتى الآن ولكن ليس من الصعوبة تأليف قاموس خاص بهذه اللغة فيما لو قدمت حكومة فرنسا بعض الحوافز للمترجمين أو المبشرين في حلب أو دياربكر أو بغداد فسرعان ما سيجدون ما يعينهم على إنجاز هذا العمل.