دراسة للـ أ.م. د. علي صالح ميراني – برفسور مساعد في جامعة زاخو/ فاكلتي العلوم الإنسانية/ قسم التاريخ

 

اولاً / لمحة عن تكية بارزان

اشتهرت قرية بارزان بسبب تكيتها المعروفة في كل المنطقة،لاسيما أن استلام أجداد الأسرة البارزانية للمشيخة النقشبندية في منطقتهم وعملهم على حماية أتباعهم والإحسان إليهم ونشر أفكارهم التحررية والمتقدمة قياساً إلى الأفكار السائدة  وقتذاك، أدى دوراً مهماً في جعل مشيخة بارزان من أهم مشايخ النقشبندية في عموم كوردستان مع مرور الوقت، خصوصاً أن المشيخة البارزانية كانت قد تحولت إلى بؤرة قومية كوردية في عملية معقدة ومركبة  في الوقت نفسه، عبر الإيمان المطلق بالعدالة الاجتماعية وأنهمن دون تحرر الأرض لن يكون للكورد أي دور في المستقبل، ويبدو واضحاً أن تلك القناعة قد توارثها مشايخ بارزان منذ عهد جدهم مسعود مروراً ببقية المشايخ، لاسيما الشيخ عبدالسلام الأول وابنه الشيخ محمد، و تطورت أكثر على يد الشيخ عبد السلام البارزاني الثاني، والذي يعد أبرز الشيوخ الدينيين في كوردستان قاطبة في بداية القرن العشرين، وسيرة أخيه ملا مصطفى البارزاني التي طبقت الآفاق.

يكتنف الغموض حول أول من تسلم المشيخة في بارزان، وتتعدد الآراء حول ذلك،  ومع ذلك تبقى رواية ملا مصطفى البارزاني حول تأسيس مشيخة بارزان، وهي الرواية الأهم والأبرز، إذ ذكر  في نص كلمته،ألقاها في 9 كانون الثاني عام 1948، بمناسبة الاجتماع الكوردي في باكو ما يأتي : ” لقد تأسست مشيخة بارزان في عام 1880، من أجل الدفاع عن الكورد(، كما وصف أخاه الشيخ عبد السلام بـ ( قائد وبطل الشعب الكوردي الشيخ عبد السلام البارزاني)([1]).

ثانيا/ بروز دور شيوخ بارزان

يعدالشيخ عبدالله البارزاني شخصية معروفة في محيطه كرجل دين ملتزم، حرص على ارسال ابنه الشيخ عبدالسلام الأول لتلقي علومه الدينية ([2])، إلى المدرسة النهرية([3])، إذ أثمرت جهود الشيخ عبدالله البارزاني بصورة جيدة، فقد أدار نجلهالشيخ عبدالسلام شؤون تكية بارزان باقتدار،وازداد عدد مريديهازدياداً كبيراً، مما مكنه من تأسيس مدرسة دينية في بارزان ، سرعان ما ذاع صيتها في أنحاء المنطقة في مدة وجيزة، حيث توافد عليها الطلاب من أجل التزود بالعلم وارشادات شيخ بارزان الروحية. ويؤكد بعضهمأن مولانا خالد النقشبندي زار تكية بارزان في إحدى زياراته للتكايا وجعل الشيخ عبد السلام البارزاني الأول خليفته هناك، واصطحبه  إلى تكية نهري لزيارة سيد طه، الذي أصبح هو الأخر خليفة لمولانا خالد([4]).

اتصف الشيخ عبدالسلام الأول بالعديد من المزايا التي أهلتّه لأن يكون محط اهتمام اتباعه، فإلى جانب كونه يأتي في مقدمة الشخصيات البارزة من الأسرة البارزانية، عرف ،أيضاً ،بزهده وورعه وصلاحه ودعوته للخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([5])،لذا أطاعه البارزانيون وانقادوا له، لكونه عالماً فاضلاً واسع الاطلاع، حيث يذكر المؤرخ والإداري العراقي المعروف صديق الدملوجي أن الشيخ عبد السلامهو ابن الشيخ عبدالله وأنه جاء إلى الموصل في عام 1877، وأقام فيها شهراً بدعوة من الحكومة، لينفي صحة ما يشاع عنه وتبرير موقفه المعادي تجاه الحكومة وتصرفاتها ضد الأهالي، ولما استبطأ مريدو الشيخ عبدالسلام الأول عودته، جاء منهم نحو (300) ليحرروا شيخهم،إلا أن الحكومة استطاعت القبض عليهم وسجنهم، ولم تسمح بعودة الشيخ  إلا بعد مرور ثلاثة أشهر وكان عدد كبير من أتباعه قدماتوا في السجن من الجوع والبرد ولم يرجع منهم إلا عدد قليل ، سيما أن أكثرهم كانوا قد اصيبوا بمرض التيفوئيد ([6]).

لم يعمر الشيخ عبدالسلام الأول طويلاً([7]).بعد أن ألف كتاباً قيماً عن الفقه الإسلامي قبل وفاته ([8])، إذ كتب الشيخ عبدالسلام بخط يده، ما يأتي :” انا عبدالسلام ابن الملا عبدالله ابن الملا محمد، البارزانيقرية، الزيباري عشيرة في شهر جمادى الآخرة، في قرية أسته لأربع وستين مضين بعد الألف والمائتين من هجرة رسول الثقلين، وفي ذيل كتاب آخر، كتب الشيخ عبدالسلام ما يأتي:”عبدالسلام بن الملا عبدالله البارزاني في شهر رمضان يوم الجمعة في مسجد كلالة 1267هجري” ([9]).

ثالثا/ الشيخ محمد البارزاني

خلف الشيخ محمد والده الشيخ عبد السلام الأول في مشيخة بارزان في عام 1884، وكان شاباًيناهز الثلاثين منعمره ، إذ استطاع أن يجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية، واتسع نفوذ الشيوخ البارزانيين  في عهده بصورة لم يسبق لها مثيل في معظم  المنطقة([10]).حيث اشتهر بزهده وتقواه ، إذ روى المؤرخ صديق الدملوجي على لسان ابنه الشيخ عبد السلام البارزاني الثاني (أن أباه وجده من العلماء، و كان والده  يشتغل بالتدريس)([11]).لاسيما انه درس على يد والده العلوم الشرعية واكتسب منه صفة الدفاع عن المحرومين في وجه اسيادهم الظالمين، حتى أن تكية بارزان أصبحت ملجأً للمظلومين من أبناء العشائر المجاورة([12])، وأدى ذلك إلى قيام رؤساء العشائر بتقديم شكاوى إلى السلطات العثمانية ضد ه([13]).

طرأت العديد من التغييرات على دور وأهمية مشيخة بارزان في عهد الشيخ محمد البارزاني، إذ لم تعد مهمتها الاهتمام بالأمور الفقهية والشريعة فحسب، بل تعداها الى تصدر المشهد الحياتي([14])،  اذتمكن الشيخ محمد البارزاني من توظيف دور التكايا لكسب عدد أكبر من الملتزمين والفقراء([15]).

وفي ضوء ما تقدم، لم تكن مدة تولي الشيخ محمد البارزاني لمشيخة بارزان هادئة كسلفه الشيخ عبد السلام البارزاني الأول، إذ بدأت تعاليمه ومبادئه تتعارض مع مصالح الإقطاعيين والأغوات المتنفذين في المنطقة، بتأكيد الشيخ على أهمية إنصاف المظلومين وتلبية حاجاتهم، لذلك شعر هؤلاء الآغاوات بخطورة تعاليم ومبادىء شيخ بارزان عليهم بصورة لا تدع مجالا للشك([16]).

 

رابعا/ تحركات الشيخ محمد البارزاني

سعى الشيخ محمد البارزاني إلى توسيع نفوذه بصورة مدروسة ، ونجح في نشر افكاره التحررية نجاحاً ملحوظاً،حتى أنه ضم إلى جانبه أتباعاًجدد له لأول مرة من خارج دائرة أهله وأقربائه والقرى المحيطة ببارزان، وعلى الرغم من  ذلك، تريث الشيخ محمد في الإعلان عن برنامجه الاقتصادي المؤيد لحقوق الفلاحين المحرومين ضد مصالح الاقطاعيين المتنفذين، واعتبر أن الوقت غير مناسب بعد للإعلان عنه، لكن أتباعه علقوا آمالاً كبيرة على تحقيق مجتمع  بلا اضطهاد إقطاعي وقائم على العدالة و المساواة([17]).

على اي حال، يمكن الاستنتاج أنه إذا كانت مدة قيادة شيخ عبد السلام الأولمكرسةلتثبيت مكانة مشيخة بارزانفي المنطقة بصورة سلمية ، إلا أن ذاك الهدوء تحول إلى صراع دموي طويل في عهد نجله الشيخ محمد و الذي برز مدافعاً صلباً عن شريحة الفقراء والمحرومين، لاسيما بعد توسع نفوذهوكسبهلأتباع جدد من العشائر المجاورة، فضلاً عن تعاطف سكان المنطقة من المسيحيين واليهود معه وتوسم العدالة والخير فيه، إذ ورد عن الشيخ محمد أنه قد قال إثر شكوى رفعها جمع من يهود المنطقة إلى الشيخبخصوص السخرة الدائمة التي كانت تفرض عليهم من قبل الأغوات ما يأتي:” (لا مبرر لسكوتنا عن الظلم، وعلينا أن نعمل شيئاً لوقفه” ([18]).

يقول الباحث البريطاني ستيفن همسلي لونكريك بخصوص نفوذ وشخصية الشيخ محمد البارزاني أنه كان حاكم منطقته الحقيقي حتى أخر يوم، وهوشيخ الطريقة النقشبندية، معروف. احتفظ بمركزه الذي لا يمكن الوصول إليه عبر الزاب الكبير من ريف الزيباريين، ولم يخضع للعثمانيين، وكان ، بمجرد ، إرسال القوات العثمانية إلى هناك يقابلبالإلتجاء إلى أعالي الجبال ([19]).

التجأ آغاوات العشائر المناوئة إلى الاستنجاد بالسلطات العثمانية لوضع حد لمساعي الشيخ محمد التحررية بعد أن أدركوا أنهم غير قادرين على التصدي له والوقوف في وجهه،  وفي ضوء ما تقدم ، استدعي الشيخ محمد إلى الموصل في عام 1885بعد شكاوى أغاوات زيبار المتكررة ضده، وطعنه في دينه وعقيدته، وفرضت عليه هناك الإقامة الجبرية، في الحقيقة، لقي الشيخ محمد البارزاني المتاعب الجمة من قبل أغاوات العشائر المحيطة ببارزان ومن شيوخ مشيخة نهري أيضاً، حيث وشى به هؤلاء لدى السلطات العثمانية أكثر من مرة من أنه يحرض الناس على العصيان، وأن الشيخ يتحدى السلطة ويثير المعارضة، ويربي أتباعه بروح العداء للعثمانيين.

باءت محاولات أعداء الشيخ في تلفيق التهم ضده بالاخفاق، إذ تمكن الشيخ  بمعونة أتباعه الهرب من الموصل والتوجهنحو بارزان، لتبدأ سلسلة من المواجهات الطاحنة بينه وبين جيرانه ، وكان هذا الصراع قاسياً على بارزان وأتباع المشيخة لاسيما عند تدخل الشيخ محمد صديق نهري في مراحل منها لصالح الجبهة المعادية لشيخ بارزان، إذ تمكن شيخ محمد في النهاية من الصمود وتثبيت أركان مشيخته في المنطقة رغم القتال الشديد ورغم تعرض أتباعه لعواقب عسيرة([20]).

توضح وثيقة عثمانية مهمة مرسلة من والي الموصل الى وزارة الداخلية العثمانية خفايا الصراع ضد الشيخ محمد من قبل أعدائه ، مؤرخة في 8 آذار 1900،  وكيف أن نحو الفي شخص من أتباع الشيخ كانوا مستعدين للدفاع عنه، إذ جاء فيها:

إلى وزارة الداخلية الجليلة،
المفهوم من الأخبار الواردة من قائمقامي رواندوز و زيبار هو احتشاد مايزيد عن ألفي شخص في زيبار بقصد الهجوم على شمدينان من أجل تحرير شيخ بارزان محمد أفندي، ونظراً لنقل الشيخ المذكورإلى وان، فقد تبعثر هؤلاء ورجعوا إلى أماكن سكناهم، حيث صدرت الأوامر بعدم التعرض لهم. ولكن ورد في البرقية المستلمة من مقام المارشال في الجيش السلطاني الرابع أن همن المناس بإرسال الشيخ إلى الموصل عبر بدليس وسيرت معبيان إبلاغ ولاي وان مع قيادتها لاتخاذ الإجراءات بالتحرك بذلك الشكل. ورغم إرسال إشعار لسوق قوة عسكرية كافية من هنا إلى جزرة (جزيرة بوطان) لنقل الشيخ إلى الموصل، فإنه نظراً للتفاصيل السابقة التي عرضناها في كتبنا بالإضافة إلى عدم صدور أمر إلى مقام الوزارة الجليلة، ينبغي تأمين إقامته في ولاية وان أو في ولاية أبعد منها بكل الوسائل. فالمفروض عدم إرسال الشيخ المذكور إلى الموصل، حيث أن الأمر سيلزمنا العمل على جعل مريديه يتراجعون عن محاولاتهم المختلفة فيعودته إلى قضاء زيبار منجديد إذا ماتم نقله إلى الموصل. نعرضه بإقرار من مجلس الولاية، منتظرين أوامركم الجليلة بهذاالشأن.

1315 شباط سنة 24 والي الموصل: حازم

عاش الشيخ محمد حياة حافلة، استطاع خلالها كسب الكثير من المؤيدين والأنصار، إلى جانب عداوة العديد من الاقطاعيين المتنفذين، الذين استنجدوا بالعثمانيين للحد من نفوذه وإيمانه المطلق بالعدالة الاجتماعية، وتوفي في بدايات القرن العشرين عن خمسة أولاد هم: الشيخ عبدالسلام الثاني، والشيخ أحمد ، والشيخ محمد صديق، وملا مصطفى، والشيخ محمد الذي سمي باسم والده([21]). إذ استلم نجله الشيخ عبدالسلام المشيخة وانجز الكثير من طموحات والده، وقاد حركة مسلحة ذات برنامج تحرري قومي خلال المدة (1909-1914)، إلى أن سقط شهيداً باعدامه في الموصل مع عدد من مؤيديه، وتسلم أخاه الأصغر الشيخ احمد والذي قاد هو الآخر حركة مسلحة خلال المدة (1927-1932)، وبقي مؤمناً بمبادىء اسلافه إلى بروز دور أخيه ملا مصطفى البارزاني والذي يعد بحسب المختصين  بالتاريخ الكوردي الحديث أعظم قادة الحركة التحررية الكوردية في القرن العشرين.

 

([1]) مسعود البارزاني، البارزاني والحركة التحررية الكوردية، ج1، ط3، بيروت، 1997م، ص. ص306 – 307.

([2])كان عالمًا دينيًا ورعًا، اشتهر بالزهد والتقوى. للمزيد من التفاصيل انظر: أيوب بارزاني، بارزان وحركة الوعي القومي الكوردي 1826-1914م ، موكرياني ، طهران ، 1980م ، ص. ص33-34.

([3]) ممتاز حيدري وآخرون، مؤتمر الذكرى المئوية لميلاد البارزاني الخالد، ج1، وزارة التربية، .أربيل، 2004م، ص44.

([4]) مسعود البارزاني، المصدر السابق، ص16.

([5])ريَبين سةعيدمةلا، سيدتةهاىنةهرى (سيد طه النهري )، ط1، أربيل، 2016، ل 22.

([6]) صديق الدملوجي، إمارة بهدينان الكردية أوإمارة العمادية، ط2، دار أراس للطباعةوالنشر، أربيل ،1999م ، ص 91.

([7])رةفيقرةحمان مام خول، مستةفابارزانى رول وهةلويَستىلةبيَشهاتةسياسييةكاندا 1958-1970، هةولير ،2013،ص29

([8]) فريد اسسرد، أصول العقائد البارزانيه، ط2، مركز كردستان للدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2012 ، ص 129.

([9]) محمد عامر ديرشوي، البنية الدينية-السياسية في كوردستان، المطبعة هيفي،أربيل، 2016، ص88؛ فةريدون نورى ، بزاظيبارزانى( الحركة البارزانية)، ج1، أربيل ،2007 ، ص108.

([10]) عبد المنعم الغلامي، الضحايا الثلاث، ط1، مطبعة الهدف ، الموصل ، 1955م ، ص ص 29 – 30.

([11]) صديق الدملوجي، المصدر السابق، ص 90.

([12])فريد اسسرد، المصدر السابق، ص 129.

([13]) المصدر نفسه.

([14]) جعفر علي رسول، التصوف وأثره في الحركة القومية التحررية للشعب الكوردي 1880-1925، ژين.للطباعة والنشر، السليمانية، 2008، ص146.

([15]) ف.ف. منيورسكي، الأكراد ملاحظات وانطباعات، ت. معروف خزندار، مطبعة النجوم، بغداد، 1968، ص52 .

([16]) أيوب بارزاني، المصدر السابق، ص40.

([17]) فريد اسسرد، المصدر السابق، ص 64.

([18]) محمد عامر ديرشوي، المصدر السابق، ص 89.

([19])ستيفن همسلي لونكريك، العراق الحديث1900 –1950م التاريخ السياسي الاجتماعي الاقتصادي، ت: سليم طه التكريتي، ط1،ج2، منشورات الفجر،بغداد، 1988 ، ص ص104 -105.

([20]) محمد عامر ديرشوي، المصدر السابق ، ص 91.

([21])رةفيقرةحمان مام خول، المصدر السابق،ص29.