كوردستان - السليمانية © كارزان عمر
كوردستان - السليمانية © كارزان عمر

 

مدخل

تنشب النزاعات عادة بين الجيران. هذا هو المعروف منذ أقدم ما وصل إلينا من الوثائق التاريخية. إذ تتجاور دولتان فتتنازعان على الحدود، ‏وربما كانت نزاعات الحدود هي الأكثر نشوباً والحروب الكبرى في التاريخ كانت بين إمبراطورية ودول متجاورة.

العرب والفرس، العرب والروم، الفرس والروم، العثمانيون والأوروبيون وإلى عصرنا الحاضر.

ولعل النزاع يشتد ويصبح أكثر كارثية حين تختلف الهويات على طرفي الحدود.  ناغورنو كاراباخ، ‏كشمير، الجولان، مزارع شبعا، لواء إسكندرون كأمثلة نعيشها حالياً. إن كل طرف من الطرفين على جانبي الحدود يلجأ إلى هويته للتعبئة ضد الطرف الآخر وإضفاء مشروعية على الحرب. إذ لا تكفي الحقوق وحدها. لا تكفي تاريخية الحق لشن حرب على الجبهات الأخرى ما لم ترسم الهوية (دينية أو قومية) ملامح الصراع. ‏إن الصراع أيا كان، ليس صراع حدود فقط، بل هو صراع وجود وهوية. هكذا على الاقل كل طرف أن يقنع جمهوره بصدق حربه ومشروعيتها.

‏تذكر كتب التاريخ أن الإمبراطورية الفارسية أهملت الديانة الزرادشتية بل اضطهدت معتنقيها قبل أن يعود الساسانيون ويعمدوا إلى إحياء هذه الديانة وذلك لكي يواجهوا بها الإمبراطورية الرومانية التي اعتنقت هي أيضا الديانة المسيحية فأضفت بذلك قوة إضافية لها أي هوية جديدة.

ولكن في المقابل وبغض النظر عن أخطار تجاور هويتين مختلفتين فإن في ذلك ‏فرصة لحدوث تلاقح حضاري وإغناء للثقافة المحلية. وفي التاريخ أمثلة غاية في الروعة عن ذلك. ومما لا شك فيه فإن الشعبين الكُردي والعربي قد عاشا متجاورين على الاقل منذ بداية العصر الإسلامي وحتى الآن. ولا شك أيضا أن الكُرد والعرب دخلوا في نزعات وصراعات عديدة وكذلك فقد ربطتهما أواصر كثيرة ليس آخرها الدين الإسلامي.

 

من أين يأتي الإنكار؟

‏إن غايتي من المدخل القصير السابق هو بيان أن الهويات كما يبين أمين معلوف وأيضاً صموئيل هنتغنتون يمكن أن تصبح هويات قاتلة حين تقع في يد سياسات متهورة. مع فارق أن هنتنغتون يجزم بحتمية الصدام وهو ما يمكن تلافيه عبر اتباع آليات كثيرة سنمر عليها في هذا البحث القصير.

‏في البداية علينا أن نحلل ذهنية الإنكار أو بالأحرى ثقافة الإنكار .Culture of Denial ‏لماذا تنكر الهويةُ العليا هويةً تراها سفلى أو طارئة على أرضها ” التاريخية” وتهدد وجودها و تحاول سرقة أرضها و الانفصال عنها؟

يجمع الباحثون في علم النفس أن الإنكار رد فعل أولي غايته الدفاع عن النفس أولاً ومواجهة المشكلة ثانياً وذلك بإنكارها حسب عدة أشكال بينها الدكتور وائل العجي ونحن نختصرها هنا:

  • إنكار حقيقة واضحة لا لبس فيها مثل إنكار قصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية أو إنكار عمليات الأنفال أو إنكار سقوط ضحايا مدنيين من خلال القصف بالبراميل على المدن السورية.
  • إنكار المسؤولية بإلقائها على الضحية نفسها وعلى حكومة الضحية فتصبح الضحية هي المجرم الأساسي والمجرم هو الضحية التي أجبرت على الدفاع عن نفسها ويتجلى هذا في محاولات تبرير قتل الرهائن والمدنيين عبر ذرائع من قبيل (هم وحكوماتهم جلبوا الشر لأنفسهم) أو (جيوشهم حاربتنا وتحاربنا ولذلك فإننا إنما ننتقم وندافع عن أنفسنا بقتلهم لأنهم هم من انتخب هذه الحكومات).
  • ‏إنكار النتائج أو التقليل من أهميتها باستعمال معايير لا تتناسب مع الحدث وذلك هرباً من الشعور بالذنب أو الندم ولمنع الذات من التعاطف مع الضحايا مثل اختصار هجمات باريس بمقتل 12شخص فقط دون النظر إلى رمزية الحدث أو أبعاده السياسية والثقافية والاجتماعية ومحاولة مقارنة ما حدث في باريس بأحداث أخرى قتلت فيها أعداد أكبر من الضحايا.

 

التاريخ الكُردي: فصول من الاعتراف

لم يرد ذكر اسم الكُرد في الأدبيات العربية قبل الإسلام حيث كان العرب مطلعين على ثقافة بلاد فارس وأساطيرهم ومعروفة هي قصة النضر بن الحارث الذي كان يتخذ مجلسه في قريش بعد مجلس الرسول محمد ويحدثها عن أساطير بلاد فارس وقصص رستم وإسفنديار. ‏بطبيعة الحال لم يكن العرب المسلمون الأوائل يفرقون بين قوميات بلاد فارس المتنوعة بل كان كلهم عجماً ولا شك أن المعارك الأولى بين العرب والفرس ضمت في صفوفها على الجانب الفارسي مقاتلين كرداً. وحين قام موظفو الدولة الإسلامية والذين عرفوا بالبلدانيين بعمليات إحصاء النفوس لاستحصال المكوس والضرائب من أفراد وشعوب الدولة الإسلامية ‏تعرفوا إلى شعب جديد يختلف عن الفرس في عاداته وتقاليده فظنوه في البداية فرعاً من فارس حتى قال بعضهم إن الاكراد أعراب فارس. أي أنهم فرس لكنهم اعتادوا حياة البداوة والترحل مثل قبائل الأعراب العرب.

‏لم يظهر اسم قوم الكُرد أو الأكراد في المخطوطات الأولى التي تناولت سيرة الفتوحات والتوسع العربي الإسلامي شرقاً ليس من باب الإنكار بل بسبب جهل كتاب السير والبلدانيين بوجود قوم مستقل ومتميزعن الفرس. صحيح أننا في القرن الأول الهجري لا نكاد نلاحظ ظهوراً للعنصر الكُردي على مسرح التاريخ أو بالأحرى على صفحات الكتب لكن مع المئة الثانية للهجرة يبدأ الظهور بكثافة ونطلع على القبائل الكُردية وأسمائها وما تصنع وأين تتوزع بالتفصيل. وإن لم تخني الذاكرة فإنه في فهرست ابن النديم اسم كتاب نادر يعود إلى حقبة الفتوحات الأولى وهو كتاب قلاع الأكراد أو القلاع والأكراد للمدائني الذي لم يعد له وجود الان. (يرجح تأليف الكتاب بين القرنين الثامن والتاسع الميلادي)

ويذكر الجغرافي ابن الفقيه (توفي بعد عام 290-903) عند تعريفه حدودَ الجزيرة أن القائد عتبة بن فرقد السلمي “فتح المرج وقراه وأرض بانهدرا “زاخو الحالية” وداسن وجميع معاقل الأكراد” في سنة 20 للهجرة[1]. كما تحدث الرحالة الأندلسي ابن جبير (1145-1217م) في رحلته عن انتشار الأكراد في جهات الموصل ونصيبين ودنيصر “وهي قوسَر أو قوج حصار أو قزل تبه الحالة قريباً من ماردين”. وتحدث الرحالة ابن بطوطة (1304-1377م) عن أكراد الجزيرة وزار عدة مدن جزرية ومنها سنجار فقال: وأهل سنجار أكراد ولهم شجاعة وكرم. والتقى فيها بالشيخ الزاهد عبد الله الكُردي[2].

ولعل فضل الله العمري 1301-1347م في كتابه ذائع الصيت (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) هو أفضل من فصل في أصل الكُرد وبلادهم وتوزعهم وتاريخهم، فقال:

(مملكة الجبال هي أربعة فصول: الفصل الأول في الأكراد وفيه فصل جامع لأحوال سكان الجبال، الفصل الثاني في اللر، الفصل الثالث في الشول، الفصل الرابع في شنكاره[3] وبلادهم جميعها بلاد خصب زايد ومزارع وموارد وزروع وفواكه وثمر متشابه ‏وغير متشابه وكلهم أهل غَناء ودفاع وحصانة وامتناع.

الفصل الأول

في الاكراد

الذي نقول وبالله التوفيق إن الاكراد وإن دخل في نوعهم كل جنس أتى ذكره في هذه الفصول فإنهم جنس خاص من نوع عام وهو ما قارب العراق وديار العرب دون ‏من توغل في بلاد العجم ومنهم طوائف بالشام واليمن (الأيوبيون) ومنهم فرق مفترقة في الأقطار وحول العراق وديار العرب جمهرتهم وغلب في زماننا ما يقارب ماردين منهم إبراهيم بن علي المسمى بالعزيز بالو واستفحل أمره وقويت شوكته ‏واجتمعت عليه جموع وبرقت بها أسنة ودروع…. أما الفصل الجامع لأحوال سكان الجبال هؤلاء وغيرهم فاننا نقول وبالله التوفيق أن المراد بالجبال على المصطلح هي الجبال الحاجزة بين ديار العرب وديار العجم ‏وابتداؤها جبال همذان وشهرزور وانتهاؤها صياصي الكفرة من بلاد التكفور وهي مملكة سيس (كيليكيا وفيها جبال طوروس الغربية) وما هو مضاف إليها ‏بإيدي بيت لاون ولم أذكر إلا ما كنت به خبيراً ولم اسم فيها منهم إلا بيت ملك او إمارة تبدأ بجبال همذان وشهرزور وإربل وتنتهي ‏الى دجلة الجزيرة من كوار إلى الموصل ونترك ما وراء نهر دجلة إلى نهر الفرات لقلة الاحتفال به على أن الذي ذكرته هو خلاصة المقصود إذ لم يبقَ إلا كرد الجزيرة وقرى ماردين وهم لكل من جاورها من الأعداء الماردين مع أن أماكنهم ‏ليست منيعة ومساكنهم للعصيان غير مستعصية فمنهم طائفة بجبال همذان وشهرزور يقال لهم الكورانية منهم جند ورعية وكلهم أولو شوكة وحمية مقيمون بموضع يقال له دياوشت).[4]

‏ما ورد قبل قليل ليس سوى اعتراف بوجود الكُرد وبلادهم وتوزعهم الطبيعي فيها دون عنعنات ونعرات قومية وعصبيات شوفينية إنه بحث نزيه يضع ميزان الحق الذي تركه شوفينيو العصر الحديث وراء ظهرهم للأسف فأججوا بذلك نيران الحقد المتبادل بين الجار والجار وأنكروا حقوق الشعب الكُردي وتوزعه الطبيعي على أرضه.

‏لقد قاوم الكُرد المد العربي الإسلامي، وقد فرضت عليهم ذلك حماية مصالحهم ومراعيهم ومناطق سكناهم فقاموا بمحاربة الجيوش العربية الإسلامية والتصدي لها، وفي التاريخ صفحات عديدة عن هذه الحقبة الدامية التي بدأ يظهر فيها اسم الكُرد كقوم مستقل، لكن لا يذكر التاريخ أن حرباً قومية نشبت بين العرب والكرد. بل لقد توطدت أواصر القربى بين الشعبين بعد مرور عشرات الأعوام على ‏نشر الإسلام في بلاد الأكراد وبلاد فارس. وتذكر لنا كتب التاريخ أن آخر خليفة أموي وهو مروان بن محمد كانت ابناً لأم كردية اسمها لبابة. ثم نقرأ في كتاب الدولة الدوستكية في كردستان الوسطى للباحث عبد الرقيب يوسف فصولاً من العلاقات الممتازة العربية الكُردية في عهد أمراء بني حمدان العرب وبني دوستك الكُرد.

ولا يذكر التاريخ أيضاً أن العرب أنكروا وجود الكُرد في مناطق سكناهم. بل على العكس قام الرحالة والبلدانيون كما رأينا الآن ‏بوصف مناطقهم وتوزعهم الجغرافي وأنماط معيشتهم ولهم الفضل الكبير في معرفتنا الحالية عن قبائل الكُرد وتوزعها من لورستان جنوباً حتى شهرزور والموصل ونصيبين وماردين والجزيرة بشكل عام.  ولو كان أولئك الرحالة مشبعين بالعنصرية المعاصرة لأنكروا وجود الكُرد واخترعوا من خيالهم نظريات مضحكة مثل التي يرددها نفرٌ من العنصريين في أن الكُرد قدموا من أي منطقة من العالم وأنه ليس لهم وطن يضمهم. ويعود الفضل الكبير في معرفة الهوية الكُردية المستقلة والوطن الكُردي إلى المستوفي ‏القزويني والمسعودي والدينوري وابن حوقل والأصطخري وابن البلخي وغيرهم. كما لا يخفى أن أرض الاكراد مصطلح اللافت للنظر ورد في خريطة محمود الكاشغري (توفي 1102م) وهو تركي الأصل ولا ينكر وجود أرض أو بلاد تخص الكُرد في ذلك الزمن.

 

الأصل العربي للكُرد:

لقد ظهرت نظرية الأصل العربي كاجتهاد خاطئ من قبل بعض البلدانيين، وهي في أحسن الأحوال لم تكن من باب العنصرية والتعصب، بل من باب المشاكلة حيث اعتقد البلدانيون بعد أن رأوا حياة اجتماعية كُردية لا تختلف عن الحياة الإجتماعية للبدو العرب أو الأعراب فاعتبروهم عرباً، كما أن الصراع البيني العربي القبلي الكبير بين الفرعين العدناني (عرب الشمال) والقحطاني (عرب الجنوب) لعب دوراً كبير في ترسيخ تلك الفرضية. ولا يخفى أن الكُرد أنفسهم قبلوا بهذا الادعاء (أي كونهم عرباً من الفرع العدناني) ومنهم الأيوبيون وحكام جزيرة بوطان وأمراء بهدينان وغيرهم. (للمزيد يرجى مراجعة مقالة للباحث محسن سيدا في مدارات كُرد: الكُرد وفرضية أصلهم العربي)[5].

 

 

سوريا ووجود الكُرد فيها وعلاقاتهم مع الشعب العربي:

ظهرت الدولة السورية بعد مرور عقدين تقريباً من القرن العشرين. أي أن الدولة السورية بشكلها الحالي وحدودها المعروفة دولة فتية رسمتها أنامل اتفاقية سايكس بيكو. حينذاك وقعت كثير من مناطق الكُرد ضمن حدود هذه الدولة الفتية، وهي المناطق التي تواجد الكُرد فيها منذ القديم وعلى الأقل منذ مئات السنين إبان عهد الإمبراطورية العثمانية وحتى ما قبلها خلال العهد الأيوبي.

وهناك وثائق عثمانية تتحدث عن قرية أرسلان طاش أو شيران التي تقع جنوب كوباني، وإلى غيرها من قرى ريف كوباني مثل مناص “ميناز” وعين باط “عين البط ” وتل شعير وصوصان “سوسان” وتعود هذه الوثائق إلى القرن السادس عشر الميلادي[6]. كذلك نعلم أن الكُرد متواجدون في عفرين منذ القديم. وفي نصيبين التي تتلاصق مع مدينة القامشلي الآن تحدث البلدانيون عن الوجود الكُردي. فالوجود الكُردي في سوريا إذاً ليس وجوداً طارئاً ولا جديداً. صحيح أن الثورات الكُردية في تركيا الكمالية أدت إلى موجة نزوح كبيرة باتجاه مناطق الكُرد الواقعة ضمن حدود سوريا الحالية لكن ذلك لا يعني أن هؤلاء النازحين جاؤوا إلى أراض خلاء واستولوا عليها بالغصب. هذه الفكرة توجد فقط في ذهن الشوفينيين. وللأسف الفكر البعثي الشوفيني ليس حكراً على نظام البعث بل يتبناه بعض المعارضين السوريين فنراهم يعيدون أسطورة البعث القائلة بأن الكُرد ضيوف في هذه البلاد وأنهم جزء من نسيجها الوطني وغير ذلك من الشعارات التي لا قيمة علمية لها. إن الكُرد مكون أساسي من سوريا وفي سوريا، وهم موجودون على أرضهم وليسوا نازحين أو ضيوف أو دخلاء لذلك فإن لهم الحق الكامل في المشاركة في بناء الدولة السورية ورسم ملامحها ولهم الحق في تقرير مصيرهم حسب القواعد الديمقراطية. وإن الدعوات الشوفينية وإعادة إنتاج الفكر البعثي لن يضر الكُرد وحدهم بل سيشمل ضررها العربَ أيضاً وكذلك سائر مكونات المنطقة التي قد تكون حقل ألغام إذا ارتفعت نبرة الإنكار العنصرية، لكن هذه الشعوب والمكونات نفسها ستكون بالتأكيد حقل أزهار إن سادت بينها ثقافة الاعتراف بالآخر واحتكم الناس إلى العقل والحق وإلى التاريخ أيضاً.

المقال مستل من كتاب للكاتب جان دوست سيصدر قريباً.

 


 

[1]  كتاب البلدان ص 123

[2]  من مقال للباحث محسن سيدا الكرد أحفاد الجبل وأبناء السهل

أنظر أيضاً: رحلة ابن بطوطة ج١ ص 150

[3]  هي قبيلة شوانكاره أو شبانكاره المعروفة. ولم يدرج المؤلف طائفتي اللر وشوانكاره ضمن الطوائف والقبائل الكُردية. وقد أثار خذا الأمر جدلاً بين الباحثين فذهب فريق منهم إلى اعتبارهما طائفتين كُرديتين بينما اعتبرهما فريق آخر طائفتين مستقلتين عن الكُرد. محسن سيدا. المقال السابق

[4]  هذا النص مستل من المخطوطة المصورة التي نشرها الباحث التركي فؤاد سزكين بالتعاون مع منشورات تاريخ العلوم العربية الإسلامية سنة 1988

[5] الكُرد وفرضية أصلهم العربي

[6]  سند الطابو رقم 496، الأرشيف العثماني سنة 1571 م. نقلاً عن مقال للباحث محسن سيدا في موقع مدارات كُرد بعنوان حركات الاحتجاج القبلي.