بافل بيليسكي

ترجمة: مصطفى إسماعيل

ملخص

الغرض الرئيسي من البحث هو تقديم الظروف والترابطات التي تسم العلاقات الروسية-الكوردية منذ بداية الصراع السوري. يؤكد المؤلف على دور الكورد في العالم العربي وفي الاستراتيجية العالمية لروسيا. هو يتتبع بداية تاريخ العلاقة بين روسيا والكورد من الأزمة الفارسية في 1946 إلى 1991، ورد الفعل المعتدل للكرملين تجاه الانتفاضة الكوردية الفاشلة في العراق في ذلك العام (1991). هو يتناول قضية عودة روسيا إلى الشرق الأوسط ودعمها المحدود للجانب الكوردي في الحرب ضد داعش في سوريا، ويصف موقف موسكو إزاء الاستفتاء في كوردستان العراق، والذي يؤثر أيضاً على الأحداث في سوريا ويسهم في زيادة حدة التوتر. كما يحلل قضايا متعلقة بالهجوم الأخير للقوات التركية على منطقة عفرين في سوريا ضد الكورد. في ملخص البحث، يشير المؤلف إلى تكهنات مستقبلية في احتكاكات متبادلة، ومحاولات للإجابة على سؤال حول عما إذا كانت موسكو تريد تعزيز الموقف الكوردي في المفاوضات المتعلقة بإنهاء الصراع السوري.

مدخل

الأحداث الدولية في الشرق الأوسط وبخاصة الحرب الأهلية في سوريا التي لا تزال مستمرة منذ عام 2011، والمصالح المعقدة للقوى الدولية العظمى في هذه المنطقة- الولايات المتحدة، روسيا، الصين، تركيا، إيران، العراق أو إسرائيل- ذكرَّتْ العالم بوضع الشعب الكوردي الذي يقاتل لسنوات عديدة من أجل استقلاله وسيادته، ومكّنت (الكورد) من النظر إلى كل بلد لديه مصالح متعارضة مع تركيا كدولة مفيدة من أجل طموحهم في الحرية.

إحدى هذه الدول هي روسيا الاتحادية، التي تقود منذ فترة طويلة لعبة معقدة وغامضة بالنسبة إلى الجماعة الكوردية، هادفة إلى تعزيز موقعها في الشرق الأوسط وإضعاف موقف تركيا، وأبعد من ذلك موقف الولايات المتحدة التي تدعم القوات المسلحة الكوردية في الكفاح ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

في هذه المادة، سوف ننظر في فرضيات سياسة موسكو تجاه الكورد في الحرب السورية المستمرة، مع إيلاء اهتمام خاص لعداء الرئيس التركي رجب أردوغان للكورد، وهو العداء المعبر عنه في العمليات المسلحة النظامية للجيش التركي ضد الوحدات الكوردية على أراضي الدولة السورية. الغرض من النص هو التأكيد على أن مقياس موقف روسيا تجاه الكورد يتوائمُ مع مصالحها الجيوسياسية، وفي المقام الأول، العلاقات مع أنقرة التي تحسنت مؤخراً، لكنها قد تتدهور في أي لحظة نظراً إلى العديد من المصالح المتضاربة التي تفرق هذين البلدين.

كما سيتم عرض الموقف الروسي من الاجتياح التركي لمدينة عفرين في سوريا، المعقل الرئيسي للقوات الكوردية. ولكن بداية لا بد من بضع كلمات عن تاريخ العلاقات الروسية-الكردية المتبادلة التي تعود إلى فترة وجود الاتحاد السوفياتي.

 

العلاقات الروسية-الكوردية خلال الحرب الباردة

ينبغي افتراضُ أن العلاقات الحديثة الروسية-الكوردية (Xalid 2016) قد بدأت في الحرب العالمية الثانية والأحداث التي أعقبتها مباشرة في بلاد فارس 1. كان الكورد بالنسبة للاتحاد السوفييتي أقلية قومية تُستخدمُ لتأجيج الوضع في هذا البلد بغية الحصول على امتيازات نفطية. من ناحية أخرى، سعى الديكتاتور السوفياتي جوزيف ستالين إلى إضعاف موقف الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى في الشرق الأوسط الذي تم صياغته بشكل سلبي في العقود السابقة بسبب السياسة الاستعمارية البريطانية الخرقاء.

أدرك الزعيم السوفياتي ومن ثم رأس دبلوماسية هذه القوة العظمى فياتشيسلاف مولوتوف أن استخدام الكورد في الحرب ضد حاكم إيران رضا بهلوي في الإقليم الفارسي أذربيجان قد يسهم في انهيار بلاد فارس من الداخل ويؤدي إلى خلق أفضل موقف تفاوضي في المفاوضات على منح الامتيازات النفطية. في عام 1946، دعمت موسكو تأسيس جمهورية مهاباد الكوردية في كردستان الإيرانية، وبعد التمرد الفاشل بقيادة مصطفى البارزاني لجأ الكورد إلى الاتحاد السوفييتي.

في حقبة العجز عن قهر بلاد فارس المسلحة، رأى الكرملين أنه يجب البحث في خيارات أخرى يمكن أن يكون من بينها استخدام الكورد ضد الدول الغربية. لقد ظهرت مثل هذه الفرصة بعد موت ستالين، وتبديل التوجهات في السياسة الخارجية للاتحاد السوفييتي تجاه الشرق الأوسط من قبل زعيم البلاد الجديد نيكيتا خروتشوف. في 1955 لاحظ خروتشوف إمكانات حركات التحرر الوطني وأخبر مولوتوف أن على الاتحاد السوفياتي أن يدعمهم. (Taubman 2012, p. 402)

بغية تنفيذ ما ورد أعلاه، حاول الكرملين وخاصة بعد الانقلاب العراقي في 1958 لعب دور أكثر حسماً في شؤون المنطقة، واحتج بصوت عال على القمع الوحشي للسلطات العراقية ضد الكورد. من ناحية أخرى، لم تكن موسكو مبتهجة إطلاقاً بالتطلعات الكوردية لإقامة تعاون أوثق مع الولايات المتحدة، ما أدى بها إلى دعم العراق في الحرب ضد الكورد عام 1973. وبدون رؤية الإمكانات السياسية لكورد العراق والتي كان تم احتسابها لزعزعة استقرار الشرق الأوسط نقلت موسكو اهتمامها الخاص إلى الوضع في تركيا، محولةً دعمها إلى جهود استقلال الكورد هناك.

إدراكاً منهم للفوضى السياسية المتنامية في تركيا، جزئياً بسبب الإرهاب الدائم الذي يدعمونه في تركيا، اعتبر قادة الاتحاد السوفياتي أن هذه المنظمات- ومنها حزب العمال الكوردستاني الذي تأسس في السبعينيات من القرن العشرين- بإمكانها أن تقود تركيا إلى الفوضى وتجر تركيا بعيداً عن العالم الغربي. أشار حزب العمال الكوردستاني في فرضياته إلى مبادئ الماركسية اللينينية، في حين أصبحت أعمال لينين وستالين “مصادر أيديولوجية رئيسية، إن لم تكن الوحيدة للفرضيات والمعتقدات والقيم”. (Tol 2017) لكن بعد الانقلاب في تركيا واستيلاء الجيش على السلطة، تم تفريق الكورد وإجبارهم على الهجرة إلى سوريا، حيث قدم لهم رئيس الدولة حافظ الأسد المأوى وإمكانية القيام بأنشطة حزبية وإرهابية إضافية في تركيا آخر.

مع مرور الوقت، أولت موسكو المنشغلة بمشاكلها الداخلية وسباق التسلح الذي فرضه الرئيس الأمريكي رونالد ريغان اهتماماً أقل بالقضية الكوردية، الأمر الذي يتضح من دعم رئيس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية ميخائيل غورباتشوف لعملية “عاصفة الصحراء” الأمريكية في 1991، والفشل في مساعدة الكورد في انتفاضتهم ضد صدام حسين بعد الاجتياح العراقي للمناطق الكوردية. قوبل قرار اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية بالتخلي عن الكورد برد فعل قاسٍ من هذه الجماعة.

بعد انهيار الإمبراطورية السوفياتية، حاولت السلطات الروسية الجديدة بقيادة بوريس يلتسين إعادة استخدام الكورد كأداة ضغط على تركيا في العلاقات المتبادلة، ولكن بسبب انهيار القوة العظمى للدولة والحرب في الشيشان والمشاكل الاقتصادية للدولة لم تكن لدى موسكو أي حجج حقيقية لدعمهم مجدداً. ورغم كل شيء فقد سعت إلى عدم استعداء تركيا، وقد اتضح ذلك كنتيجة من إبرامها بروتوكول “مكافحة الإرهاب” مع تركيا في 1995. كطرف في البروتوكول وافقت روسيا على حظر أنشطة حزب العمال الكوردستاني في الاتحاد الروسي، فيما أعلنت أنقرة أنها لن تدعم المقاتلين من أجل استقلال الشيشان.

ظهرت القضية الكوردية في السياسة الروسية مجدداً بعد تولي الرئيس الجديد فلاديمير بوتين للسلطة في روسيا في 2000 وبعد أن استولى حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب أردوغان على السلطة في تركيا. على الرغم من عدم الثقة الأولي بينهما، توصل كلا الزعيمين في عام 2005 إلى اتفاق حول الشيشان والكورد (Tol 2017). لكن اندلاع الربيع العربي والحرب الأهلية في سوريا في عام 2011 كان فقط ما زاد من اهتمام الجانب الروسي بالقضية الكوردية.

 

العلاقات الروسية-الكوردية من بداية الحرب في سوريا

الحرب الأهلية في سوريا التي بدأت في مارس 2011 -بعد الإطاحة بالرئيس التونسي بن علي الذي حكم لمدة طويلة، وفي مصر بعد استقالة حسني مبارك- أعادت تقييم توازن القوى الجيوسياسي القائم في الشرق الأوسط منذ حرب الخليج الثانية في 2003 وإطاحة نظام صدام حسين في العراق. فمن ناحية أولى، كان الربيع العربي يعني فرصة لإحلال الديمقراطية في المنطقة، ولكن من ناحية أخرى، أتاح الربيع العربي انسحاب السياسيين الموالين للغرب من السلطة والذين كانوا يشيرون بعدم ثقة تجاه موسكو.

في حالة سوريا، كانت القضية مختلفة تماماً. إذ أن بشار الأسد الذي حكم البلاد منذ وفاة والده في عام 2000 كان قد أصبح في مطلع استلامه للسلطة أملاً من أجل تحقيق ديمقراطية أكبر في سوريا، لكنه واصلَ سياسة سلفه، وركز على التعاون مع موسكو ضد الدول الغربية. منذ الإطاحة بالديكتاتور الليبي معمر القذافي وقتله، أصبحت سوريا عملياً نقطة الارتكاز الوحيدة في الشرق الأوسط بالنسبة إلى الكرملين، ولهذا السبب كانت أولوية الكرملين هي إبقاء الأسد في السلطة بأي ثمن.

بعد أن استخدمت السلطات السورية الأسلحة الكيميائية ضد المعارضين في عام 2013، حالَ الروس دون سقوط بشار الأسد، مرغمين إياه على تسليم ما بحوزته من هذه الأسلحة رسمياً. أيد الروس في الوقت نفسه السياسة “المناسبة” للديكتاتور السوري تجاه الكورد، الذين سعوا لاستخدام الصراع في كفاحهم من أجل إقامة دولة مستقلة.

تغير الوضع في عام 2014 من خلال إنشاء التنظيم السني، الدولة الإسلامية، الذي سيطر على أجزاء من العراق وسوريا، وقد أُجبرَ الأسد في ضوء ذلك على إقامة تعاون محدود مع الكورد في الحرب ضد الإرهابيين الإسلاميين. وأشار الأسد بنفورٍ قاطع إلى تشكيل هياكل حكم ذاتي كوردية في المناطق التي تسيطر عليها القوات الحكومية. كان موقف الأسد مدعوماً من قبل الكرملين، الذي رأى أيضاً في الكورد تهديداً لسلطة الرئيس.

مرة أخرى تغيرت الظروف بعد أن أسقط الأتراك المقاتلة الروسية في 2015. نظراً للموقف المتصلب من أنقرة، بدأت السلطات الروسية في التأكيد بقوة أكبر على ضرورة حق تقرير المصير للكورد. في فبراير 2016، قررت موسكو- غير القادرة على إجبار الأسد على التحدث مع ممثلين من خلفيات كوردية- البدء بمحادثات معهم حول تعاونهم الأوسع مع رئيس سوريا.

ينبغي التأكيد على أن السياسيين الروس الهادفين إلى إضعاف موقف تركيا الدولي، بدأوا باستخدام القضية الكوردية ذرائعياً لأغراضهم الخاصة. في نقطة معينة، كان السيناريو هو أن دعم تطلعات الاستقلال الكوردي قد يؤدي في المستقبل إلى تحالف أمريكي-روسي قسري يفترض أن يدعم قضيتهم. وفقاً للمحلل الروسي أليكسي خليبنيكوف، فإن الغارات الجوية الروسية على الأراضي السورية التي قبلها الممثلون الكورد يمكن أن تمهد الطريق لاتفاق دائم بين روسيا وأمريكا إلى جانب دول عربية أخرى، وهو تحالف يمكن أن يسهم كنتيجة في إبرام اتفاق سياسي في سوريا. (Khlebnikov 2015)

بالنظر في دعم موسكو للمجموعات الكوردية، يمكننا أن نفترض أن حزب الاتحاد الديمقراطي الانفصالي قد تأسس في موسكو بناء على دعوة شخصية من رئيس روسيا. (Górzyński 2016)
لكن تحسن العلاقات بين بين موسكو وأنقرة أدى وقف إطلاق النار بين السلطات وجزء من المعارضة في دمشق في ديسمبر 2016. ما ورد أعلاه أدى إلى تردي ظروف الكفاح من أجل الاستقلال الكوردي. لم يكن هذا الاتفاق يقلق حزب الاتحاد الديمقراطي، لكن اعتبر في نظر المجتمع الكوردي تخلياً من موسكو عن دعمها لهم.

ينبغي اعتبار الاستفتاء في كردستان العراق، الذي كان من المقرر خلاله أن يعلن الكورد استقلال بلادهم، جانباً مهماً من القضايا التي جرى مناقشتها. مثيرٌ للاهتمام، أن روسيا كانت الإمبراطورية الوحيدة التي يحسب حسابها في الشرق الأوسط، والتي لم تؤيد فكرة إلغاء الاستفتاء، رغم الموقف الرسمي للكرملين الذي يدعم وحدة الأراضي العراقية، والمعبر عنه من قبل وزارة الشؤون الخارجية الروسية، بدعوة الجانبين إلى التفاوض واحترام الطموحات القومية للكورد (Foundation Warsaw Institute 2017).

ذكرت وزارة الخارجية الروسية بوضوح “نحن ندعم بثبات استقلال وتماسك ووحدة أراضي الوطن الأم للعراق ودول الشرق الأوسط الأخرى”. ترى الوزارة أنه “من المهم تجنب أي شيء ينطوي على خطر التعقيد الإضافي (للوضع) وزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط الذي لا يزال مليئاً بالنزاعات” (kg/adso 2017).

ويتماشى هذا مع السياسة الروسية التقليدية بافتراض دعم موسكو لجميع الحركات الانفصالية والتأكيد على حقها في تقرير المصير، وهو ما كان واضحاً حتى في سياق الاستفتاء على الاستقلال في كاتالونيا، حيث أعلن التلفزيون الروسي استقلال الجمهورية الانفصالية (Stasiński 2017).

وفقًا لـ يوري بارمين، فإن السبب الرئيسي وراء امتناع روسيا عن تأييد الاستفتاء في إقليم كوردستان بشكل جلي هو مَضارُ الاستفتاء على الكرملين، حيث تم إجراؤه في وقت النقاش الدائر في الكرملين بشأن تسوية وضع الكورد في سوريا. في رأيه، استقلال كوردستان ليس مفيداً لموسكو، لأنه قد يؤدي إلى ربط تلقائي مع حروب روسيا في الشيشان والقمع الدموي لجهود الاستقلال هناك من قبل الكرملين. في قناعة الباحث المذكور آنفاً، يعكس موقف الروس تجاه تطلعات الاستقلال جيداً امتناعهم عن إطالة أمد الاتفاق مع جمهورية تتارستان حول تقاسم السلطة. وبصدد ما تقدم، يخلص يوري بارمين إلى أن الكرملين مرتابٌ للغاية في سياق ضمان سلطة الحكم الذاتي لكل جمهورية في الاتحاد الروسي، وبالتالي فإن فكرة الاستفتاء هي نفسها غير مرحب بها، وقد تكون عواقبها غير مريحة للغاية لكل من العراق وسوريا (Barmin 2017).

لا يريد الكرملين استعداء أطراف النزاع في الشرق الأوسط ويتخذ موقفاً متناقضاً تجاه الاستفتاء الكوردي. هذا ما تؤكده كلمات بوتين، الذي ذكر خلال أحد المؤتمرات الصحفية في ديسمبر 2016 أن روسيا في هذه الحالة “ستعمل وفاقاً للقانون الدولي، وفي خاتمة المطاف، سيتم ضمان حقوق السكان الكورد، ولكن كيفية حدوث ذلك يعتمد على العراق والشعب الكوردي. نحن لا ننوي التدخل في إجراءات تحدث داخل العراق “.

بدوره، أكد الوزير لافروف في يوليو 2017 أن “روسيا مهتمة بالسماح للشعب الكوردي مثله مثل الأمم الأخرى بتحقيق آماله وتطلعاته بموجب المعايير القانونية الدولية الحالية” (Surdel 2017, p. 16). هذا الموقف من الكرملين تجاه هذا الاستفتاء يثبت أنه لن يدعم تطلعات الكورد في الاستقلال، وأن حل النزاع يجب أن يستند إلى اتفاقات دولية متعددة الأطراف، مع الأخذ بالحسبان مصالح جميع أطراف النزاع، بما في ذلك الجانب الكوردي والسلطات العراقية.

هذا التكتيك يتضح بشكل جيد من خلال كون موسكو اللاعب الوحيد في منطقة الشرق الأوسط الذي يقترح مشاركة الكورد في مؤتمر برعاية الأمم المتحدة حول مستقبل سوريا (Podgórski 2017).

من ناحية أخرى، ينبغي ملاحظة موقف وكيل القنصلية الروسية في أربيل، الذي قال إن بلاده “ستدعم القرار الذي اتخذه سكان كوردستان، لأنه قرار استفتاء” (Barmin 2017). في ضوء سياسة الكرملين المتمثلة في “دعم” حركات التحرر، يمكن للمرء القول أن الوكيل يريد استرضاء الجانب الكوردي، وأن تصريحاته تفترض أنه إذا كانت مصالح موسكو تقتضي إضعاف أنقرة وطهران فإنها لن تتردد في استخدام جميع الوسائل المتاحة من أجل “دعم” تطلعات الكورد التحررية. وهنا تظهر حقيقة أن دعم الاستقلال الكوردي سيكون مشروطاً بشكل وثيق بعلاقات الكرملين مع أنقرة وطهران.

عندما تتحسن علاقات موسكو مع كلا الكيانين (تركيا وإيران)، سيتم تقديم منظور متردد حول القضية الكوردية، وفي حال تدهور هذه العلاقات ستثار مسألة القلق حول الأقلية العرقية على الساحة الدولية. لذلك فإن الموقف المعتدل لموسكو في كوردستان العراق معلق على عدة عوامل. فمن ناحية، الكرملين مجبر على الحفاظ على علاقات جيدة مع العراق تعود تاريخياً إلى سبعينيات القرن العشرين وفترة حكم حزب البعث الذي دعم في خطابه الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة مراراً.

من ناحية أخرى، كان البارزاني- زعيم الانفصاليين الكورد لفترة طويلة- في المنفى في الاتحاد السوفيتي، لذلك يحافظ قادة القوى السياسية الكوردية على علاقاتهم السليمة مع موسكو إلى يومنا هذا. إن استقلال كوردستان سوف يعني بالضرورة تخلي روسيا عن سياسة التوازن الحالية وسياسة موازنة التأثير. إضافة إلى ذلك، ينبغي أن نتذكر أن الدعم النشط المحتمل للكورد من شأنه أن يعقد العلاقات الروسية مع تركيا وإيران، اللتان تربطان بقوة وبطريقة سلبية حديثهما عن القضية الكوردية بموضوعة سعي الكورد لإقامة دولة. كل من أنقرة وطهران تحتاجان إلى عودة موسكو بفاعلية إلى الشرق الأوسط والحفاظ على نفوذ حاسم في سوريا (Warsaw Institute 2017 Foundation).

عبَّرَ جوست هيلترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، عن رأي مفاده أن بإمكان روسيا التوسط في الأزمة الجارية، لكنها لن تدعم بشكل خاص استقلال كوردستان، لأن هذا الاستقلال غير ضروري لتحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية المتوخاة من قبل روسيا (Fenton-Harvey 2017).

كما أن سيرجي بلساموف المحلل في معهد موسكو للشرق الأوسط نوَّه إلى أن روسيا ستسعى جاهدة من أجل القيام بدور نشط للتوسط في الأزمة المستمرة، لأنها تتمتع بصلات قوية مع جميع الأطراف الضالعة في النزاع. برأيه، تسعى موسكو جاهدة للوساطة والسلام وقبل كل شيء لضمان الصدارة للتعاملات الاقتصادية مع الكورد (Barmin 2017). تريد موسكو من خلال الموقف من الاستفتاء إنهاء النفوذ الأمريكي في كوردستان العراق، طالما أن الجانب الكوردي لا يزال يعتمد على دعم واشنطن في الكفاح من أجل الاستقلال مقابل المشاركة الفعالة في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. لهذا السبب يريد الكرملين، بتعبير نائب رئيس الوزراء روغوزين، العودة الكاملة لروسيا إلى العراق: سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، يريد فصل الطرفين عن بعضهما، والاتفاق مع إيران على السيطرة الثنائية على الفصائل الكوردية: هيمنة طهران على الاتحاد الوطني الكوردستاني، وهيمنة موسكو على الحزب الديمقراطي الكوردستاني (Stefanicki 2017b).

تذكر مقدمة هذه الدراسة العدوان التركي على مدينة عفرين، وهو العدوان الذي يوضح على نحو مناسب العلاقات الروسية-الكوردية. في تحليل أسباب هذا العدوان على هذه المدينة، تم إيراد قضيتين رئيسيتين. أولاً، قد تم التأكيد على أن العدوان لم يكن ليحدث دون موافقة الرئيس بوتين، لأن الروس يتمتعون بنفوذ سياسي واقتصادي وعسكري كبير في سوريا، وبمجرد تهديدهم للأتراك بإسقاط طائراتهم استطاعوا إيقاف القصف التركي في عفرين لعدة أيام. عاود الأتراك عدوانهم فقط بعد أن عدل الكرملين عن قراره.

هكذا أطروحة قدمها محلل الشرق الأوسط ويتولد ريبيتوفيتش. برأيه، فإن موافقة بوتين على التدخل التركي تثبت أن من مصلحة الكرملين استمرار الحرب طويلة الأمد في سوريا ومنع الأسد من استعادة سيطرته على البلاد، لأن “تابع ضعيف مناسبٌ أكثر للتحكم به”. يدعي ريبيتوفيتش أن الموافقة الروسية على العدوان التركي مكّنت أنقرة من تنفيذ خطة التطهير العرقي الوحشي، وطرد حوالي 20 ألف كوردي وتوطين اللاجئين والمهاجرين العرب في تركيا في مناطقهم المهجورة. هؤلاء اللاجئون والمهاجرون العرب سيكونون ممتنين لأنقرة لتزويدهم بالمأوى (Karpowicz 2018).

لم يكن موقف روسيا موضع ترحيب من المجتمع الكوردي. في بيان صادر عن حزب الاتحاد الديمقراطي، اتهم الحزب الكرملين علانية بالسماح للعملية العسكرية التركية، مؤكدين: “نعلم أنه بدون موافقة القوى العالمية وخاصة روسيا، التي تتواجد قواتها في عفرين، ما كان لتركيا أن تقوم بمهاجمة المدنيين باستخدام المجال الجوي. وبالتالي، فإننا نحمل روسيا المسؤولية تماماً مثل تركيا، ونؤكد أن روسيا شريك إجرامي لتركيا في قتل المدنيين في المنطقة” (Stefanicki 2017b).

وفقًا لأنتوني ريبزينسكي، فإن هكذا موقف روسي قد يكون انتقاماً من الكورد لامتناعهم عن تقديم تنازلات- على الأقل منح عفرين وبعض المناطق الغنية بالمواد الهيدروكربونية المحيطة بدير الزور للأسد، وهو ما أكده الجانب الكوردي (Rybczyński 2018). بالنسبة للكورد، يعد التصريح الروسي بالعدوان التركي في عفرين مغضباً أكثر لأنه في فبراير 2017 عقد مؤتمر “كل الغرب” في روسيا، بعد أن أسست موسكو مركزاً في عفرين يهدف إلى دعم الكورد كمكانٍ غير رسمي حيث ستبقي روسيا منه على نفوذها في المنطقة.

على كل حال وكما ذُكرَ سابقاً، تسبب تحسين العلاقات الروسية-التركية في تضاؤل أهمية هذه الجماعة (الكورد) في السياسة الروسية الدولية (Surdel 2017, p. 15). إن إطلاق العملية التركية في عفرين كانت الخطة ب لروسيا، كأداة ضغط على الكورد السوريين لإخضاع المدينة لسيطرة الأسد، وهو ما أكده بيان ممثلية القاعدة الجوية الروسية في حميميم، والذي قرأنا فيه أن التهديد التركي “الدائم” سيحثهم (الكورد) على البحث عن مكانهم في سوريا، ويمكن فقط لموسكو ودمشق تقديم الضمانات الأمنية لهم. لن يحمي استقلال كوردستان بدوره الكورد من “عمليات مكافحة الإرهاب” التي تقوم بها أنقرة. وفقاً للمصدر، يجب على السلطات الكوردية تسليم المنطقة للجيش السوري وتجنب المواجهة مع الجيش التركي.

رغم ذلك، تم الإعراب عن الشك في مواجهة مثل هكذا سيناريو، لأنه من وجهة النظر الكوردية فإن عفرين هي منطقة صعبة للغاية بالنسبة لتركيا، ما سيجعل المعركة طويلة ومكلفة لجميع الأطراف. وقد تم ذكر أن المدينة مُشجرة وجبلية جزئياً وذات كثافة سكانية عالية، وكذلك فإنها متصلة بمناطق أخرى يسيطر عليها الكورد، يمكن استخدامها لنقل الغذاء إليها (Haid 2018). وفقًا للمؤلف، فإن سماح موسكو بالقضاء على الكورد في عفرين سيعزز التعاملات بين موسكو وأنقرة. الهدف الروسي هو حرب طويلة الأمد بين أنقرة والكورد، لأن طرفي النزاع يضعفان فيها، وقد انجذبوا إليها من قبل قوى لها مصالح جيوسياسية متضاربة مع موسكو في الشرق الأوسط. يتوقع المؤلف أيضاً أن الهجوم التركي قد يؤدي إلى اشتباكات في مناطق أخرى يسكنها الكورد، فضلاً عن إرسال وحدات فرعية كوردية إضافية إلى منطقة عفرين ما قد يؤدي إلى عواقب غير محددة.

رغم كل هذا، ووفقاً لـ ليونيد عيساييف، فإن التعاون بين الروس والأتراك بشأن عفرين هو أكثر فائدة لهما من المواجهة، لأن العلاقات مع الكورد لم تقم أبداً على تعاون استراتيجي طويل الأجل، وقد استخدمت موسكو “الورقة الكوردية” فقط عندما تدهورت علاقات الكرملين مع العالم العربي، وعندما احتاجت موسكو إلى حل توافقي مع دول الشرق الأوسط، وخاصة تركيا (Issaev 2018).

أتاحت العملية العسكرية التركية لروسيا تحقيق ثلاثة أهداف: إضعاف النفوذ الأمريكي في سوريا، ودفع الكورد للتفاوض مع دمشق، وزيادة التعاون في علاقات روسيا وتركيا. الهدف الأول يعني تدهور العلاقات التركية الأمريكية، لأن الكورد كانوا أحد أهم القوى التي تحارب تنظيم الدولة الإسلامية. تجدر الإشارة هنا إلى أنه وعلى الرغم من أن القوات الأمريكية لم تتمركز في كوردستان، لكن في حال حدوث ضربات محتملة إضافية من قبل أنقرة، فإن ذلك قد يخص فعلياً الأمريكان في المناطق التي سيطروا فيها بشكل مباشر أو غير مباشر منذ عام 2014، حين بدأوا في تمويل وتدريب الكورد من أجل دحر تنظيم الدولة الإسلامية.

رغم هزيمة التنظيم السني، تدرك واشنطن أن الانسحاب السريع المحتمل للولايات المتحدة لن يسهم فقط في عودة داعش المحتملة للغاية، ولكن سيسهم أيضاً في تعزيز موقف روسيا وإيران في المنطقة، وقد يقحم سوريا في الحرب الكوردية القادمة مع نظام الأسد. إضافة إلى ذلك، تسعى الإدارة (الأمريكية) إلى تحسين العلاقات مع بغداد، حيث يُرى ذلك كعامل توازن في العراق مع النفوذ الإيراني المتزايد في الشرق الأوسط. ليس سراً أن الولايات المتحدة لم تقبل الاستفتاء الكوردي، محذرة الجانب الكوردي من أنه في حالة حدوث مواجهة محتملة مع العراق فلن يأتوا لإنقاذهم. وفقاً لروبرت ستيفانيسكي، فإن الولايات المتحدة تريد في المقام الأول الاستقرار في العراق والمحافظة على الحكومة هناك (Stefanicki 2017a).

من ناحية أخرى، قد لا يكون من الممكن للولايات المتحدة دعم الكورد، ولكن تم تسليم الكورد 100 سيارة همفي من بين معدات أخرى، على الرغم من التصريحات الرسمية للرئيس ترامب حول تعليق المساعدات العسكرية للجماعات الكوردية (Szyszko 2017). رغم كل شيء، يبدو أن التعاون بين الكيانين هو الأرجح، والذي قد يؤدي إلى تقريب الكورد من موسكو والتفاوض مع نظام الأسد (Strachota 2018).

علينا أن نتفق مع رافاي رودنيسكي حول أن تقليص التعاون لا يعني قطعاً تاماً للتعاون بين الأمريكان والكورد، لأن الكورد لاعب مهم في الصراع السوري، وضروريٌ للحد من نفوذ طهران في المنطقة (Kulbaczewska-Figat 2018).

لا يمكننا أن ننسى أن أهم هدف للروس في سياق السياسة الكوردية هو واضح للعيان في العملية العسكرية محور الحديث. مدركين العلاقات الجيدة التي تجمع الولايات المتحدة والكورد، سوف يسعى الروس إلى إضعاف موقف الولايات المتحدة في المنطقة، عبر جعل واشنطن في الشرق الأوسط، وعلى نطاق أوسع في أوكرانيا، تمنح الروس حرية التصرف، وتهدف روسيا كذلك إلى افتعال نزاع بين الولايات المتحدة وتركيا، خاصة وأن كلا البلدين ينتميان إلى معاهدة شمال الأطلسي.

يدرك الكرملين أن وجود حلف الناتو منذ 1949 يعيق إمكانية غزو أوروبا الغربية، وأن الصراع الأمريكي-التركي قد يكون الطريقة المثلى لإضعاف الحلف، ليس في البعد العسكري بقدر ما في البعد السياسي. علاوة على ذلك، كما يشير ياروسلاف كوتشيسوفسكي بحق، فإن واشنطن تقدم الأسلحة للجانب الكوردي، ولهذا السبب دائماً ما يعبر السياسيون والمسؤولون العسكريون الروس عن الرضا عندما “يحرق الصاروخ الأمريكي دبابة للناتو” (Kociszewski 2018).

إن الرغبة في إضعاف الموقف الأمريكي في كوردستان واضحة أيضاً في الطريقة التي يعبر بها المحللون الروس عن آرائهم في تقييم العلاقات الدولية. وفقاً لتيمور أخميتوف من المجلس الروسي للشؤون الدولية، فإن روسيا تنتقد بشكل متزايد الأنشطة الأمريكية في المناطق التابعة للكورد بسبب رفضهم حصول النظام السوري على مخزونات النفط.

كما قال ليونيد م. عيساييف، الأستاذ في قسم العلوم السياسية في المدرسة العليا للعلوم الاقتصادية بجامعة الأبحاث الوطنية في موسكو، إن الكورد كانوا حلفاء الولايات المتحدة وجزءاً من التحالف الأمريكي الذي يحارب الدولة الإسلامية، ولهذا أرادت موسكو أن تُظهرَ للعالم أن الدفاع عن الكورد هو في مصلحة الولايات المتحدة، وأن التخلي عنهم يضعف موقف واشنطن في المنطقة (Issaev 2018).

بدوره قال تشنك سائنتش منسق الدراسات الكوردية في مركز موشيه ديان في إسرائيل، إن اتهامات موسكو للكورد يجب أن تُرى كاعتداءات على الولايات المتحدة (Wilgenburg 2018).

لكن هيفا عربو قدمت التحليل الأكثر دقة للتنافس الروسي-الأمريكي في كوردستان. في رأيها، أصبح الكورد ضحية مباشرة للتنافس بين واشنطن وموسكو في سوريا. تعتقد المحللة أن روسيا لديها حجج قليلة جداً لمعارضة الولايات المتحدة، وبالتالي فهي تبحث عن “مواجهة بديلة” كما هو الحال في دير الزور (المرجع السابق) وتهدف إلى تقويض التحالف الأمريكي-الكوردي، على سبيل المثال من خلال إصدار الخارجية السورية لبيان الوزير وليد المعلم الذي أكد أن المساعدات الأمريكية للكورد لن تدوم طويلاً وأنها لن تقدم إلى الأبد.

هكذا خطاب، بحسب ألكساندر سكينيس، يعد بمثابة تبرير رسمي للعنف المستقبلي الموجه ضد الكورد من قبل أنقرة، ويشجع القوات الكوردية “المُتعقلة” على التخلي عن الأمريكيين، والانضمام إلى الاستراتيجية الجيوسياسية الروسية، مع إظهار أن روسيا هي “الضامن” الوحيد لاستقلال كوردستان (Schins 2017)، وهذا ما سبب تغيير الروس لسياستهم تجاه الكورد في سوريا مع مرور الوقت. إذ عومل الكورد بداية في تقارير وسائل الإعلام كحلفاء في مكافحة الإسلاميين المتطرفين، إلا أنهم في النهاية اتهموا بالعمل مع المعارضين للرئيس الأسد. قبلاً، كانت وسائل الإعلام الروسية متعاطفة للغاية مع الكورد، ومن الأمثلة على ذلك، دعوة لافروف إلى إشراك هذه الجماعة (الكورد) في مفاوضات جنيف بشأن مستقبل سوريا.

ومن المحتمل تماماً، أن موسكو تسعى إلى إلغاء العقوبات الغربية التي فرضت عليها بعد ضمها شبه جزيرة القرم والشروع في الحرب في شرق أوكرانيا، هذه العقوبات التي زادت حدة بعد الاعتداء الأخير على الجاسوس الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته في بريطانيا. الواقع أن موقع سبوتنيك (الروسي) افترض مباشرة أن قوات سوريا الديمقراطية هي وحداتٌ أنشأتها الولايات المتحدة من أجل مهمة فصل سوريا عن جيرانها، وأن الوحدات تتبع نفس سياسة تنظيم الدولة الإسلامية، وأن المواطنين السوريون يعدون عناصر هذه القوات “إرهابيين”.

إن تغيير الخطاب الروسي تجاه الكورد، وفقاً لمؤلف أحد التحليلات، يستخدم لإلغاء العقوبات الغربية ضد روسيا، ويمكن إثبات ذلك من خلال حقيقة أن المحتوى المذكور أعلاه تزامن مع تصويت آخر في الكونغرس الأمريكي حول تشديد هذه العقوبات. يشير المؤلف إلى أن الكرملين وبصرف النظر عن الهجوم الدعائي لم يضع أي قيود إضافية على الكورد بما في ذلك أنه لم يغلق مكتبهم التمثيلي في موسكو (Repetowicz 2017).

 

العلاقات الاقتصادية بين روسيا وكوردستان

لا نغفل في هذه الدراسة العلاقات الاقتصادية بين روسيا وكوردستان، حيث تدرك روسيا الأهمية الاستراتيجية للمناطق التي يشغلها الكورد، خاصة في سوريا والعراق، فلقد استثمرت أربع مليارات دولار في قطاع النفط والغاز واليورانيوم في عام 2016، لتصبح المستثمر الأجنبي الأكثر أهمية في شمال العراق. تلعب روسنفت (أو روس نفط/ شركة النفط الروسية-المترجم) دوراً متزايداً في هذه المنطقة، حيث أعلنت أنها ستمول عقداً لمدة عامين لشراء النفط الكوردي، وسرعان ما وقّع الطرفان اتفاقية أخرى، ستواصل بموجبها شركة النفط الروسية شراء النفط الكوردي الخام. كما أعلنت عن رغبتها في تمويل خط أنابيب الغاز الذي سينقل بحلول عام 2020 حوالي 30 مليار متر مكعب سنوياً (Warsaw Institute 2017 Foundation).

ينبغي القول أن دعم روسنفت لكوردستان قد جاء في لحظة حاسمة، فالمنطقة كانت بأمس حاجة إلى العملة، إذ تسببت سنوات القتال ضد داعش في خسارة الكورد لما يقرب من 20 مليار دولار، ما يعني أن الحكومة دفعت 25 ٪ فقط من رواتب موظفيها (Walters 2017).

جدير بالتذكير هنا أن الكرملين يبيع الأسلحة والدبابات إلى العراق في نفس الوقت، ما يثبت أنه يسعى فقط للحصول على فوائد اقتصادية قادمة من كلا البلدين (العراق وكوردستان) آملاً أن الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع كلا الكيانين سوف يبقي نفوذها في الشرق الأوسط، ويكون لها تأثير غير محدد على الجماعات الكوردية في العراق وتركيا، مع الحرص على عدم انتكاس العلاقات السياسية والاقتصادية مع بغداد وأنقرة وطهران (Surdel 2017, p. 17).

أحد الأدلة على التنافس الاقتصادي من أجل النفوذ في كوردستان هو سعي جميع أطراف النزاع السوري للسيطرة على محافظة دير الزور الغنية بالنفط والموارد الطبيعية الأخرى، بما في ذلك حقل غاز كونيكو السوري الذي كان تحت السيطرة الكوردية منذ سبتمبر 2017 (Ibidem, p. 15). في كوردستان بدأت روسيا بالسعي وراء المزيد من المصالح المكثفة في المقام الأول لأن مدينة كركوك العراقية المهمة خضعت للسيطرة الكوردية في 2014، ما أدى إلى نقل اهتمامات الطاقة الروسية من إيران إلى العراق، وبدرجة أكبر يتم نقل النفط إلى الموانئ البحرية من قبل العراق او تركيا. ويجب على كل من شركة غازبروم نفط الروسية التي تقوم بتطوير حقول النفط، وروسنفت التي تبيع النفط الخام الكوردي أن تترك خط نقل نفط مفتوح في هذه البلدان. لذلك فإن الرأي المثير للجدل للغاية للخبير بارمين هو رأيه القائل بأن الاستثمارات الروسية في كوردستان تدعم استقلالية المنطقة، وهذا يعني بدرجة أكبر أن أنقرة قد تغلق خط أنابيب كركوك-جيهان، الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى انخفاض في الاستثمارات الروسية في المنطقة.

من ناحية أخرى، فإن ممثلي الفريق الحاكم في موسكو يدركون جاذبية الاستثمار في النفط الكوردي، لأنه رخيص الاستخراج (Barmin 2017). بدوره، أكد خبير الدفاع والأمن يوجين كوغان أن روسيا ربما اقترحت على تركيا الامتناع عن إغلاق خط أنابيب النفط من شمال العراق. يدعي كوغان أن الرئيس التركي يجب أن يأخذ بعين الاعتبار رأي بوتين. إن احتمال شراء روسيا النفط الكوردي يمنع أردوغان من إغلاق خط الأنابيب (Fenton-Harvey, 2017).

على أي حال، وفقاً لألبرت أكوبيان، تجهد روسيا لتطوير العلاقات الاقتصادية مع كوردستان والعراق، وبالتالي من مصلحتها ضمان “سلامٍ” بين الجانبين. مثل هذه التكتيكات من الكرملين، وفقاً للمحلل، تتكلل بالنجاح، لأن بغداد وإبريل ليسا فقط يقبلان موقف الكرملين، معتبرين أنه أكثر صدقاً من الغرب، ولكنهما يتسببان أيضاً في إثارة مخاوف الدول الغربية لناحية المخاطر السياسية وتوقف الاستثمارات في إقليم كوردستان. تستخدم موسكو هذا لتخطي فكرة كوردستان، وتبدأ في تطوير علاقات اقتصادية مع الكورد والعراق، فيما تبدو الولايات المتحدة وتركيا متخلفتين عن الركب (Akopyan 2017).

 

خلاصة

ماذا ستكون السياسة الروسية الأبعد تجاه الكورد؟ حالياً، الإجابة على السؤال مبهمة وغير مؤكدة. يبدو أن المشتق الرئيسي لعلاقة روسيا سيكون العلاقات بين موسكو وطهران وأنقرة. تشكل كل من إيران وفي المقام الأول تركيا مشكلة مصيرية بالنسبة لروسيا في سياق تعاون أوسع ممكن بين روسيا والكورد وذلك بسبب معارضة كلتا الدولتين لهذه الجماعة. إضافة إلى ذلك، فإن الكثير سيعتمد على تواصل الكورد مع واشنطن.

في حالة تكثيف الكورد لعلاقاتهم مع الولايات المتحدة، قد تستخدم روسيا ابتزازاً لا لبس فيه ضد الجانب الكوردي، والذي يتألف من افتراض تركهم تحت رحمة وكراهية تركيا. بافتراض انهيار مثل هذا التحالف بين الكورد والولايات المتحدة قد تقترح موسكو تعزيز العلاقات، والتي ستكون رغم ذلك مشروطة بتنازلات كوردية لصالح الرئيس الأسد وقبول الشركات الروسية للعمل في كوردستان.

هذا الحل الأخير على المدى الطويل من شأنه أن يؤدي إلى قمع تدريجي للكورد من قبل موسكو ودمشق، وهو حلٌّ لن يكون مواتياً للكورد، لأن البلدين وخاصة روسيا، غير مستعدين لتفاقم المشاكل في العلاقات مع تركيا وإيران والعراق للصالح الكوردي، ولن يدعما على نحو فعال استقلال كوردستاني العراق وتركيا.

ليس هناك شك في أن الكورد في وضع جيوسياسي بالغ الصعوبة، لأن كل القوى المنخرطة في الصراع السوري تقود إلى تبارٍ معقد ومبهم، مبني من ناحية على الدلال الممنوح من خصوم معينين، ومن ناحية أخرى على ابتزاز سياسي واقتصادي غير محدد، ولا يستطيع كورد العراق وتركيا إذكاء العلاقات مع كل من موسكو وواشنطن.

من ناحية أخرى، في عصر سياسة دونالد ترامب غير المحددة بالكامل وإدارته في الشرق الأوسط، يبدو أن تصاعد دور موسكو وطهران وأنقرة يبدو مرجحاً، الأمر الذي قد يثبت من خلال المؤتمر المشترك الأخير لهذه الدول الثلاث المكرس لمستقبل سوريا في آستانا. هناك العديد من الدلائل على أن هذه الدول وليست الولايات المتحدة، ستلعب دوراً حاسماً في منظور سوريا والعراق بعد الحرب. لذلك، يجب أن ننظر لمستقبل تطلعات الاستقلال الكوردي على أنه غير واضح المعالم، كما أن على الجانب الكوردي ألا يعتمد على دعم أوسع من روسيا.

الهوامش:

1- تم أخذ الكورد بعين الاعتبار كأقلية عرقية في تحليلات العلماء الروس قبل ذلك حتى. إذ صرح الباحث الروسي فاديم ماكارينكا بأن الروس والكور من الأصل نفسه، وأن الزعيم الكوردي المسلم صلاح الدين الأيوبي كان روسياً وليس كردياً. وفقاً للمؤرخ، فإن الروس والكورد “أقارب”، إذ بينما بدأ “الاستشراق الروسي بالكورد أولاً، تم انتخاب ممثلي السلطات الكوردية من بين الجالية الروسية وحاولوا دائماً العودة إلى جذورهم”. ماكارينكا أشار إلى أن هناك العديد من أوجه التشابه المتبادل بين الأمتين، بما في ذلك الفولكلور واللغة. لكن الباحث الكوردي المقيم في روسيا خوشوي ملا إبراهيم دحض مزاعم ماكارينكا، قائلاً: “بعض آراء ماكارينكا مثيرة للجدل، لا سيما ادعاؤه بأن صلاح الدين الأيوبي روسيٌ”. (Xalid 2016)

 

ملاحظة:
هذه الدراسة “سياسة روسيا الاتحادية تجاه الكورد في الصراع السوري” للباحث البولندي بافل بيليسكي من جامعة كازيمير الأعظم في مدينة بيدغوشتش البولندية صدرت في نسختها الإنكليزية في مجلة الدراسات والأبحاث الأمنية Securitologia العدد الثاني لعام 2017.
العنوان الأصل للدراسة: Policy of the Russian Federation towards Kurds in the Syrian Conflict

المراجع

 

-Akopyan A. (2017), First outcomes of Kurdish referendum: Russia wins, EurAsia Daily, https://eadaily.com/en/news/2017/09/25/first-outcomes-of-kurdish-referendum -russia-wins

-Barmin Y. (2017),  Kurdish referendum a double edged-sword for Russia, “Russia in Global Affairs”, http://eng.globalaffairs.ru/book/Kurdish-referendum-a-double-edgedsword-forRussia-19026

-Fenton-Harvey J. (2017), How Russia could influence the Kurdish diplomatic crisis, “The New Arab”, https://www.alaraby.co.uk/english/indepth/2017/10/5/how-russia-couldinfluence-the-kurdish-diplomatic-crisis

-Fundacja Warsaw Institute (2017), Kurdyjski dylemat Moskwy, https://warsawinstitute.org/pl/kurdyjski-dylemat-moskwy/

-Górzyński O. (2016), Ryzykowne posunięcie syryjskich Kurdów. Staną się narzędziem rosyjskiej gry przeciwko NATO?, WP Wiadomości, http://wiadomosci.wp.pl/kat,1356,title,Ryzykowne-posuniecie-syryjskich-Kurdow-Stana-sie-narzedziem-rosyjskiej-gryprzeciwko-NATO,wid,18166053,wiadomosc.html?ticaid=116ccb&_ticrsn=3

-Haid H. (2018), Why did Russia abandon Afrin?, Middle East Eye, http://www.middleeasteye.net/columns/why-did-russia-abandon-afrin-1509120871

-Issaev L. (2018), Why is Russia helping Turkey in Afrin?, Al Jazeera Media Network, https:// www.aljazeera.com/indepth/opinion/russia-helping-turkey-afrin-1801251227189 53.html

-kg/adso (2017), Francja apeluje o więcej autonomii dla Kurdów, Rosja przestrzega, http://www.tvn24.pl), tvn24.pl, https://www.tvn24.pl/wiadomosci-ze-swiata,2/referendum-w-irackim-kurdystanie-reakcje-francji-i-rosji,776358.html

-Khlebnikov A. (2015), The Kurds could bring Russia and the US Together in Syria, http:// www.russia-direct.org/analysis/kurds-could-bring-russia-and-us-together-syria

-Kociszewski J. (2018), Rosjanie nie powstrzymują walk między Turkami a Kurdami. Kreml odgrywa się na Amerykanach, WP Wiadomości, https://wiadomosci.wp.pl/rosjanie-niepowstrzymuja-walk-miedzy-turkami-a-kurdami-kreml-odgrywa-sie-na-amerykanach-6222323538802817a

-Karpowicz T. (2018), NASZ WYWIAD. Witold Repetowicz: Inwazja na Afrin jest na rękę Putinowi. “Rosjanie dali Turkom zielone światło”, wPolityce.pl, https://wpolityce. pl/swiat/388327-nasz-wywiad-witold-repetowicz-inwazja-na-afrin-jest-na-rekeputinowi-rosjanie-dali-turkom-zielone-swiatlo

-Kulbaczewska-Figat M., (2018), Kurdyjskie pułapki, kurdyjskie szanse (cz.1), Portal Strajk.eu, http://strajk.eu/kurdyjskie-pulapki-kurdyjskie-szanse-cz-i/

-Podgórski K. (2017), Gorzkie zwycięstwo Kurdów – osamotniony naród, nrt24.ru, http:// nrt24.ru/fr/136971-2?language=ru

-Repetowicz W. (2017), Rosyjski zwrot przeciwko Kurdom. Celem zniesienie sankcji? [ANALIZA], Defence24.pl, http://www.defence24.pl/rosyjski-zwrot-przeciwko-kurdom-celem-zniesienie-sankcji-analiza

-Rybczyński A. (2018), Gałązka Oliwna ociekająca krwią. Jak Rosja sprzedała sojusznika, portal TVP.info, https://www.tvp.info/35733159/galazka-oliwna-ociekajaca-krwia-jakrosja-sprzedala-sojusznika

-Schins A. (2017), Russia is playing “good cop, bad cop” with Syria’s Kurds, Midle East Eye, http://www.middleeasteye.net/columns/russia-playing-good-cop-bad-cop-syriaskurds-952227702

-Stasiński M. (2017), Kampania dezinformacyjna w Katalonii byłą prowadzona z Rosji, Wyborcza.pl, http://wyborcza.pl/7,75399,22643774,madryt-przekonuje-ze-kampaniadezinformacyjna-w-katalonii-byla.html

-Stefanicki R. (2017a), Czy Amerykanie zdradzili Kurdów?, Wyborcza.pl, http://wyborcza.pl/7,75399,22551393,czy-amerykanie-zdradzili-kurdow.html

-Stefanicki R. (2017b), Iraccy Kurdowie skaczą sobie do gardeł i paktują – z Moskwą, Teheranem, tylko nie z Waszyngtonem, Wyborcza.pl, http://wyborcza.pl/7,75399,22594995,iraccykurdowie-skacza-sobie-do-gardel-i-paktuja-z-wrogiem.html

-Strachota K. (2018), Zbliżenie amerykańsko-tureckie w sprawie Bliskiego Wschodu, Ośrodek Studiów Wschodnich im. Marka Karpia, https://www.osw.waw.pl/pl/publikacje/ analizy/2018-06-13/zblizenie-amerykansko-tureckie-w-sprawie-bliskiego-wschodu

-Surdel B. (2017), Przyszłość Kurdystanu. Nowy kształt Bliskiego Wschodu? „Centrum Stosunków Międzynarodowych” No. 10

-Szyszko J. (2017), Syria: USA wciąż zbroi Kurdów, Puls Azji, http://pulsazji.pl/ 2017/12/01/syria-usa-wciaz-zbroi-kurdow/

-Taubman W. (2012), Chruszczow. Człowiek i epoka, Wrocław, Wydawnictwo Bukowy Las Tol G. (2017), Why is Turkey silent on Russia’s cooperation with the Syrian Kurds, https:// warontherocks.com/2017/12/why-is-turkey-silent-on-russias-cooperation-withthe-syrian-kurds/

-Walters G. (2017), How a Russian oil giant bankrolled the Kurdish split form Iraq, VICE News, https://news.vice.com/en_us/article/zmyw99/how-a-russian-oil-giant-bankrolled-the-kurdish-split-from-iraq

-Wilgenburg W.V. (2018), Syrian Kurds say Russia gave Turkey the green light to bomb Efrin after Coalition strikes in Deir Ezzor, TheDefensePost, https://thedefensepost. com/2018/02/11/russia-allowed-turkey-strikes-afrin-syria-kurds/

-Xalid G. (2016), Author: Kurds, Russians origins the same, portal Kurdistan24.net, http:// www.kurdistan24.net/en/news/859bdd87-809a-4c97-8bd8-a2437ed7d767/author-kurds–russians-origins-the-same