مخطوط النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية
مخطوط النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية

تمهيد

يعد كتاب “النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية” لابن شداد، أوثق وأهم المراجع التاريخية لسيرة صلاح الدين الأيوبي. واعتمد جل المؤرخين والباحثين من عرب وأجانب على هذا الكتاب لأهميته العلمية ولقرب كتابته من الأحداث في مرحلة الحروب الصليبية ولأنه يتناول فترة حكم صلاح الدين وغزواته وفتوحاته في مصر والشام بشكل عام، وتحريره لبيت المقدس بشكل خاص، فضلاً عن مفاوضاته مع القادة الأوروبيين التي كانت محل اهتمام الرأي العام في أوروبا والعالم الإسلامي على حد سواء. يركز هذا المقال على حياة ابن شداد وكيفية التحاقه بخدمة صلاح الدين، وثم عرض أهم ما قله عن صلاح الدين وعن منجزه الأبرز في استعادة القدس من الجيوش الأوروبية.

حياة ابن شداد

مولده:

هو بهاء الدين يوسف بن رافع بن تميم بن عتبة بن محمد بن عتاب الأسدي، المعروف بابن شداد (1)ولد في الموصل عام 539 هـ ـ 1145م وتوفي عام 632 هـ أي بعد قرابة قرن من الزمان (93 سنة) وفق ما ورد في كثير من الكتب التأريخية التي أوردت سيرته واستعرضت حياته (2).

نشأته:

ذكر ابن خلكان (تلميذ ابن شداد)  أن والد ابن شداد  توفي حينما كان هو صغيراً، فنشأ عند أخواله بني شداد، وشداد هو جده لأمه، وإليه نُسب (3)، وعن تعليمه أشار إلى أنه حفظ القرآن الكريم في مسقط رأسه الموصل، وفيها أيضاً تلقى علومه في القراءات والتفسير والحديث النبوي والفقه والأدب على كبار مشايخها جريا على عادة ذلك الزمان (4).

حياته الشخصية:

يشير بعض الباحثين إلى أن المصادر وكتب السير والتراجم لم تعط معلومات كافية عن نشأته، ومراحل طفولته، بل تركزت جل ما وصل إلينا عن ابن شداد على حياته العلمية وكيفية التحاقه بصلاح الدين يوسف بن أيوب، ومن ثم خدمته وعمله في عهد أولاده بعد وفاته.

لكن من المعلوم لدى بعض المؤرخين أن ابن شداد  سافر إلى بغداد بعد التأهل التام في الموصل ونزل بالمدرسة النظامية الشهيرة ومكث فيها قرابة أربع سنين واستفاد في المدرسة النظامية وفي بغداد اخذ العلم من الشاشي والقزويني وغيرهما من أكابر العلماء في عاصمة العباسيين، وبعد عودته من بغداد سنة 569 بدأ بالتدريس في المدرسة التي أنشأها القاضي كمال الدين محمد بن الشهرزوري في الموصل ، فاشتهر، وذاع ذكره، وصار علماً من أعلام الموصل، فعهد إليه أتابكها بالسفارة إلى الخليفة العباسي وصلاح الدين الأيوبي في كثير من الأمور الهامة مما مهد له الطريق لتعرفه على بني أيوب والسلطان صلاح الدين والتقرب منه (5).

وبشأن حياته الخاصة، فإن المصادر أيضا لا تذكر معلومات مفصلة وكافية عن ذلك. وقد أشار أحد المؤرخين إلى أن ابن شداد قد تزوج مرتين من شقيقتين، بعد وفاة الأولى ولم تلد واحدة منهما له ولدا (6). وأشار ابن خلكان إلى عدم وجود خلف له، دون أن يشير إلى زواجه أو بقائه أعزبا حتى مماته.

ومن جانبه يؤكد محقق كتاب “النوادر السلطانية”على أن ابن شداد لم يكن متزوجا حينما كان ملازما لصلاح الدين وحتى بعد وفاته حيث استعمل جميع ما أقطعه له الملك الظاهر (ابن صلاح الدين) في بناء مدرسة كبيرة على المذهب الشافعي في مدينة حلب قبالة مدرسة نور الدين محمود زنكي وبنى فيها دارا للحديث، وأنشأ بين المدرستين تربة ليدفن بها بعد وفاته (7) ، مما كان يعني انه كان متفرغا للعلم.

رحلته إلى الحج واتصاله بصلاح الدين:

سافر ابن شداد إلى مكة وأدى فريضة الحج وزار المدينة عام (583 هـ 1188 م) وكان عازما في عودته أن يزور القدس باعتبارها أولى القبلتين وثالث الحرمين التي تشد الرحال إليها ـ كان قد استردها صلاح الدين آنذاك ـ لكنه نزل أولا بمدينة دمشق، وحينها كان صلاح الدين منشغلا بمحاصرة قلعة كوكب، وبعد علمه بوصول ابن شداد إلى دمشق استدعاه إليه، وكان صلاح الدين على دراية بشخصية ابن شداد من خلال اتصالاته السابقة (8).

ويذكر ابن شداد أنه حينما ودع السلطان صلاح الدين الأيوبي في رحلته إلى القدس أبلغه عن طريق بعض خواصه بأنه يرغب أن يزوره ويمثل أمامه بعد انتهاء زيارته للقدس، وظن ابن شداد أن صلاح الدين يوصيه بمهمة في الموصل وكان هو (ابن شداد) عازما على ترك الوظائف الدنيوية ويعتكف للدراسة والعبادة في ذلك الوقت ، لكن رغبة صلاح الدين كان أن يبقى ابن شداد في خدمته، خاصة بعدما أعجب كثيرا بكتاب لابن شداد ألفه وجمعه حول الجهاد وأحكامه وآدابه حيث يقول “فأعجبه، وكان يلازم مطالعته“ (9).

ومما يدل على إعجاب صلاح الدين الأيوبي بابن شداد ويبرهن صحة ما ادعاه هو اعتماد صلاح الدين على ابن شداد في أمور القضاء والتدريس في دولته(10).

ولازم ابن شداد صلاح الدين طيلة السنوات الأخيرة من حياته وعمل كمستشار تارة وكأمين سر في بعض الأحيان، وعاملا مرموقا في دولته في بعض الأحيان الأخرى، وكان من أقرب مقربيه ولم يفارقه إلا في بعض الوقائع لانشغاله بمهام أخرى موكلة أليه.

ونظراً لقرب ابن شداد من صلاح الدين، كان هو والقاضي الفاضل، آخر من كانا عنده في ليالي مرضه الأخير واحتضاره، ليلة الأربعاء الـ 27 من صفر عام 589 هجرية في دمشق (11)، ما أتاح له فرصة التعرف والاطلاع عن قرب على كثير من الأسرار وكيفية اتخاذ القرارات في عهد السلطان الأيوبي.

ومن خلال قراءة تأريخ صلاح الدين الأيوبي يتضح بأن ابن شداد كان ثالث علمين عظيمين في ميادين الأدب والعلوم والسياسة والإدارة حول صلاح الدين الأيوبي إضافة إلى القاضي الفاضل والعماد الكاتب، وأن صلاح الدين تعرف عليه بفضل علمه وذيوع صيته في الموصل وكفاءته الشخصية أثناء سفاراته إلى بغداد والشام.

كتاب النوادر السلطانية

من خلال قراءة الكتاب يتضح أن ابن شداد قسم كتابه إلى قسمين رئيسيين:

القسم الأول: خصصه لمولد صلاح الدين ونشأته وخصائصه وأوصافه وأخلاقه وحتى شمائله الراجحة وفق المنظور الديني.

القسم الثاني: خصصه لتقلبات الأحوال في عهده وفتوحاته وتواريخ ذلك إلى آخر حياته. وفي ختام الكتاب أحصى ابن شداد عدد القلاع والحصون وأسماء المدن التي فتحها صلاح الدين الأيوبي طيلة مسيرته الحربية ”الجهادية“ بين عامي 583 ـ 586 هـ.

وحول منهج كتابته للتاريخ وسيرة البطل التاريخي صلاح الدين، يوضح لنا ابن شداد الذي التحق بخدمة السلطان الأيوبي في جمادي الأولى سنة 584 هـ، بأنه اعتمد على كتابة الأحداث المتعلقة بالبطل المفضل لديه قبل التحاقه به على من يثق به. وبعد التحاقه بصلاح الدين وصف الأحداث كما شاهده بنفسه وقال بالنص “ومن هذا التأريخ ـ أي 584 هـ ـ ما أسطر إلا ما شاهدته أو أخبرني به من أثق به خبرا يقارب العيان“ (12).

وفي تدوين أحداث 585 هـ يشير إلى أنه لم يكن حاضرا فيها وقال “هذه الوقعة لم أحضرها فإني كنت مسافرا”. ما يشير إلى أن معظم الكتاب عبارة عن يوميات ومشاهدات عيانية، ما يضفي على الكتاب أهمية علمية لدقتها وقربها الشديد من الوقائع التاريخية.

يذكر ابن شداد الأحداث متسلسلة و مرتبة على الشهور والسنين لكنه لا يعتمد على المنهج الحولي بشكل رئيسي بل يعنون للأحداث مراعيا الأزمنة التأريخية في وقوع الأحداث مستعملا لغة سهلة إذا قارنّاه بالمؤلفات التأريخية التي وصلتنا من العهود الإسلامية السابقة أو من العصر الأيوبي نفسه.  وكثيرا ما يستعمل ابن شداد في تاريخه عبارات “شاهدت” “رأيت” “سمعت” ما يدل على شهادته العيانية للأحداث وهذا الأمر يعطي الكتاب أهمية بالغة لأن المؤلف ليس من المعاصرين للأحداث فقط بل كان جزءا منها ومشاركا فيها في بعض الأحيان بسبب قربه من صلاح الدين.

وحسبما أوضحه محقق مخطوطة “النوادر السلطانية” الدكتور جمال الدين الشيّال الذي كلف بالأمر من قبل لجنة التأريخ التابعة للمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب في مصر 1959، فإن الكتاب تم تدوينه قبل 6 سنوات من وفاة المؤلف نفسه وأنه قُرء عليه ووافقه وأن المخطوط موجود في مكتبة المسجد الأقصى بالقدس.

يقدم كتاب سيرة صلاح الدين، لابن شداد، وصفا تفصيليا دقيقا للأحداث التاريخية والمعارك التي دارت بين الأيوبيين والصليبيين وكذلك الأدوات والآلات الحربية المستخدمة في المواجهات. وإن ما يميز هذه السيرة هو أنها ذكرت بعض الأدوات الحربية التي لم تذكر في أي من المصادر التاريخية المتعلقة بتلك الفترة كما لاحظه بعض الباحثين. وفضلا عن الأمور الحربية ينفرد الكتاب في وصف كثير من الأوضاع الاجتماعية والإدارية في المجتمعين الإسلامي والمسيحي حينذاك خاصة في التشاور والتحكيم.

وثق ابن شداد في كتابه “سيرة صلاح الدين” كيفية جلوس صلاح الدين الأيوبي للمظالم، وكيفية احتكام المسلمين إلى أحد القضاة المسلمين حينما كانوا تحت إمرة الصليبيين. وبحسب ما أفاد به ابن شداد فإن الأمراء الصليبيين في الشام كانوا على دراية واطلاع باللغة العربية وشيء من التواريخ والأحاديث (13).

ويشير ابن شداد إلى أن عقوبة الجاني عند الجنود الألمان كانت القتل حيث قال “أن من جنى منهم جناية فليس له جزاء إلا أن يُذبح مثل الشاة“ (14).

ومن خلال قراءة الكتاب بدقة يتضح جليا وقوع ابن شداد تحت تأثير شخصية صلاح الدين الأيوبي فلا يذكره إلا مقترنا بألفاظ الترحم والتبجيل ويبرر غالبية ما قام به من خطوات ويسوغها ببراهين شرعية أو مصالح دنيوية.

لكن هذا لم يمنعه في بعض الأحيان من تدوين الوقائع كما هي حيث يشير أثناء ذكره لانتصار صلاح الدين في ميافارقين أنه حاصرها وقاتل قتالا شديداً، ونصب المجانيق للسيطرة عليها، ولم يقصر القائم على المدينة في الدفاع عنها ”لكن الأقدار لا تُغلب فملكها صلاح الدين“ (15). لكن هذه الإشادة بخصوم صلاح الدين لا تقاس بما ذكره من مناقب وتبريرات لما قام به السلطان الأيوبي من إجراءات وخطوات عسكرية وإدارية، وهذا شيء طبيعي إذا عرفنا مدى قرب ابن شداد من صلاح الدين ومشاركته في اتخاذ وصنع بعض القرارات المهمة والحساسة.

ويتضح التأثر الكبير لابن شداد بالقائد صلاح الدين الأيوبي في بداية الكتاب حيث يقول في وصفه “الملك الناصر، جامع كلمة الإيمان، قامع عبدة الصلبان، رافع علم العدل والإحسان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، منقذ بيت المقدس من أيدي المشركين، خادم الحرمين الشريفين“ (16).

ومن خلال قراءة كتاب  “سيرة صلاح الدين” يتضح بأن ابن شداد كتب السيرة أثناء وقوع الأحداث بدليل أنه حينما يذكر صلاح الدين يلازمه بعبارة “يرحمه الله” على الرغم من أن الكاتب قد راجع الكتاب وأقر النسخة النهائية بعد وفاة صلاح الدين، حسبما أشار إليه أكثر من باحث وحسبما يتضح من الهوامش المذيلة على النسخة المحققة.

وفي محتويات الكتاب يثبت ابن شداد بأن صلاح الدين الأيوبي ولد في عام 532 هـ بقلعة تكريت (مركز محافظة صلاح الدين شمال بغداد بالعراق حاليا) وكان والده أيوب بن شاذي واليا عليها. ويشير إلى أن أصول صلاح الدين يعود إلى بلدة دوين (بلدة في آخر حدود آذربايجان الواقعة في المشرق الإسلامي) لكن عائلته انتقلت من دوين إلى تكريت وبعدها إلى الموصل وبعدها إلى الشام وتلقى العلم والآداب على يد والده إلى أن تعرف عليه الملك نور الدين محمود زنكي الذي قربه ورفع شأنه.

بعد ذكر مولد صلاح الدين يشدد على مواظبة هذا القائد على القواعد والأصول الدينية ورعايته للأمور الشرعية حيث يقول “كان حسن العقيدة كثيرا لذكر الله” ويشير إلى أن قطب الدين النيسابوري جمع لصلاح الدين كتابا في العقيدة كجمع فيه جميع ما احتاج إليه في هذا الباب. ويشدد على أنه كان شديد المواظبة على الصلاة بالجماعة حتى أنه ذكر لابن شداد (أي صلاح الدين) يوما أن له سنين ما صلى إلا جماعة.

ويقول “لقد رأيته يصلي في مرضه الذي مات فيه قائما وما ترك الصلاة إلا في الأيام الثلاثة التي تغيب فيها ذهنه”. وحسب شهادة ابن شداد مات صلاح الدين ولم يحفظ ما وجبت به عليه الزكاة وما خلف في خزانته من الذهب والفضة إلا 47 درهما ناصيريا (دراهم العهد الفاطمي) ودينارا واحدا ولم يخلف دارا ولا بستانا ولا قرية  ولا مزرعة ولا شيئا“ بحسب تعبيره.

أما عن الصيام يذكر ابن شداد بأن صلاح الدين كان عليه فوائت بسبب أمراض تواترت عليه في رمضانات متعددة  وبسبب انشغاله بالغزوات وتولى القاضي الفاضل ثبت تلك الايام”. ويشير ابن شداد إلى أن صلاح الدين شرع في قضاء الصيام في القدس في نفس السنة التي توفي فيها وواظب على الصوم مقدارا زائدا على الشهر وكان هو يثبت أيام الصيام لصلاح الدين حينما كان القاضي الفاضل غائبا ويقول “والطبيب يلومه ولا يسمع”.

وفي الباب المتعلق بذكر عدالة صلاح الدين يذكر ابن شداد على أنه كان يجلس للعدل في كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء وروى عدة قصص لإثبات حكم صلاح الدين بالعدل بين الناس.

وعن هواية صلاح الدين الرئيسية “الجهاد” يذكر ابن شداد بأنه كان “شغوفا به واستولى على قلبه وسائر جوانحه إستلاءً عظيما، بحيث ما كان له حديث إلا فيه ولا نظر إلا في آلته ولا اهتمام إلا برجاله…..”.

وعن حلمه وصبره يؤكد على أن صلاح الدين كان يطوف على القادة وكان شديد الشوق والشغف بأولاده الصغار وكان صابرا على شغف العيش وخشونته مع القدرة التامة على غير ذلك.

ويختتم ابن شداد شمائل وصفات صلاح الدين بأنه كان “طاهر المجلس لا يذكر بين يديه أحد إلا بالخير، طاهر السمع، طاهر اللسان طاهر القلم حسن العهد والوفاء“ (17).

تقلبات الأوضاع في عهد صلاح الدين وتواريخها

حسبما أرخه ابن شداد أول دخول صلاح الدين للديار المصرية كان بعد أن أوكل نور الدين محمود الزنكي عم صلاح الدين أسد الدين شيركوه للخروج إلى مصر لتطلع أحوالها في سنة 558 هـ ونجدة أحد الوزراء الفاطميين الذي استغاث بنور الدين محمود، وخرج صلاح الدين مع عمه من الشام إلى مصر على الرغم من كراهيته لذلك وكان في تلك الرحلة في مقدمة عسكر عمه.

وحسب روايات ابن شداد ظهر صلاح الدين على مسرح أحداث الشام ومصر بقوة بعد وفاة عمه شيركوه الذي وصفه بأنه “كان كثير الأكل شديد المواظبة على أكل اللحوم الغليظة“.

وبعد أن آل الأمر إلى صلاح الدين بعد وفاة عمه “لم يزل على بسط العدل ونشر الإحسان وإفاضة الإنعام على الناس“. وفق ابن شداد، وبدأ بالغزوات سنة 586، وبعد وفاة نور الدين محمود زنكي آل أمر دمشق والشام والموصل في العراق إلى صلاح الدين وذلك في سنة 570 هـ والسنوات التي تلتها.

ثم تابع تأريخه للأحداث حسب توالي السنين، وتحدث فيما تحدث عن قضائه على الدولة الفاطمية، وتسلمّه مصر وإعادتها إلى حضن الخلافة العباسية عام 567 هـ (18).

فتح البيت المقدس

لما كان اسم صلاح الدين مرتبطا بفتح بيت المقدس نظراً لأهمية الحدث في التاريخ الإسلامي وأهمية القدس نفسها، ركز ابن شداد أيضا على هذا الإنجاز العظيم بدقة متناهية حيث يذكر بأنه بدأ بدخولها بعد فتح عسقلان والأماكن المحيطة بها. وأرخ لنزول صلاح الدين في الجانب الغربي للقدس بيوم الأحد في الخامس من رجب 583 هـ، وانتقل إلى الجانب الشمالي “لمصلحة حربية” في 20 رجب 583 هـ ونصب المجانيق وضايقها بالزحف واستلم القدس في الجمعة المصادف لـ 27 رجب لعام 538 هـ، ”وكانت الليلة مصادفة لذكرى الإسراء والمعراج المذكور في القرآن المجيد“.

وبحسب ما يذكره ابن شداد فان صلاح الدين عقد الصلح مع الصليبيين على أنهم قطعوا على أنفسهم دفع فدية عن كل رجل عشرة دنانير وعن كل امرأة خمسة دنانير (صورية) ذهبية، وعن كل صغير وصغيرة دينارا واحدا فمن أحضر القطيعة سلم بنفسه وإلا أُخذ أسيرا. ويذكر ابن شداد بـ ”أن الله فك اسر زهاء 3 آلاف من أسرى المسلمين بسبب الفتح“.

ويذكر بأن صلاح الدين تحمل دفع فدية فقراء الفرنجة الذين خذلهم ملوكهم وأغنياؤهم وأطلق سراحهم، وكان -حسب اتفاق الصلح – ينبغي أن يعدوا مماليك عبيداً، وأوصل كل من خرج من الفرنجة إلى مأمنهم.

ويؤكد ابن شداد على أن صلاح الدين رحل عن القدس ولم يبق معه من ذلك المال شيء وكان 220 ألف دينار ووزع كله على الأمراء والعلماء (19).

وبحسب ما يرويه ابن شداد أجج تحرير القدس نار الحقد في أوروبا، فأرسلت الحملة الفرنجية الثالثة يقودها ريتشارد قلب الأسد ملك الإنجليز، وفيليب أوغست ملك فرنسا وفريديريك باربروسا إمبراطور الألمان.‏

وحول صلح رملة الشهير الذي انعقد عام 588ه‍ والذي مهدت إليه مفاوضات استمرت خمسة عشر شهراً، قام بها اثنان وأربعون وفداً، يذكر بأنه كان البادئ فيطلبها دوماً ريتشارد قلب الأسد.

وفي المحطات الأخيرة من السيرة يسرد التفاصيل الدقيقة من مرض وموت السلطان صلاح الدين ويذكر بأنه أصبح في يوم السبت 16/ صفر/ 589 هـ متكسلا عليه اثر الحمى ولم يظهر ذلك للناس ويذكر بأنه كان يسهر معه ويمضي من الليل ثلثه أو قريبا منه. وحسبما أرخ ابن شداد فإن صلاح الدين توفي بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء من صفر 589 هـ ويقول “لم يصب المسلمون والإسلام بمثله منذ فقد الخلفاء الراشدين”. وكان ابن شداد واقفا على غسله.

قائمة المصادر والمراجع:

1_  ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة 1949، مج 3، ج6، ص 81.

2_ ابن خلكان، نفس المصدر، مج 3، ج6، ص 81

3_ ابن خلكان، نفس المصدر، مج 3، ج6، ص 81

4_ ابن خلكان، نفس المصدر، مج 3، ج6، ص 81

5 ـ  بهاء الدين بن شداد، النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، تحقيق الدكتور جمال الدين الشيال، مكتبة الخانجى بالقاهرة، الطبعة الثانية، 1415 هـ 1994 م، ص 70 _ 85.

6_ جمال الدين محمد بن سالم بن واصل، مفرج الكروب في أخبار بني أيوب، تحقيق حسنين محمد ربيع، راجعه سعيد عبد الفتاح عاشور، مطبعة دار الكتب، مصر، 1977، ج5، ص 91.

7_ ابن شداد: النوادر السلطانية، ص 7 ”المقدمة“

8_ ابن شداد: نفس المصدر، ص 6

9_ ابن شداد: نفس المصدر، ص ص 53، 124

10_ ابن الوردي: تاريخ ابن الوردي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1996، ج2، ص 104.

11: ابن شداد: النوادر السلطانية، ص363.

12_ ابن شداد: النوادر السلطانية، ص 141.

13_ ابن شداد: النوادر السلطانية ص 145 _ 155

14_ ابن شداد: النوادر السلطانية ص 194

15_ ابن شداد: النوادر السلطانية ص 118

16_ ابن شداد: النوادر السلطانية ص 25 _26

17_ ابن شداد: النوادر السلطانية ص 29 _ 71

18_ ابن شداد: النوادر السلطانية ص 75

19_ ابن شداد: النوادر السلطانية ص 136

20_ ابن شداد: النوادر السلطانية ص 219

المواضيع المشابهة