صور تخيلية للجزيري على اليمين و الشيرازي على اليسار.
صور تخيلية للجزيري على اليمين و الشيرازي على اليسار.

ملخص

دراسة الشعر الصوفي الذي اختصت فيه طائفة نادرة من شعراء الشرق بشكل عام، يجب أن لا تعنى بالقالب الذي وضع الشعراء الصوفيون فيه منتوجاتهم الروحية، إنما يجب إعادة الشعر الصوفي إلى حيث نشأة التصوّف في حدّ ذاته، ورحلة تطوّره ومن ثم عندما نقارن بين شاعر وآخر فعلينا السعي إلى الخصوصية الفردانية، والاجتماعية التي اختص بها هذا الشاعر بالمقارنة مع سابقه، الملا الجزيري وحافظ الشيرازي، كلاهما كتب الشعر الصوفي والغزل الصوفي “الإسلامي” في هذه الدراسة سنحاول الموازنة بين هذين الشاعرين وتقويم منتوجهما من حيث تقنياتهما الأدبية ومبادئهما الصوفية، لكي نخلُص إلى تاريخ ظهورهما، عبر دلالة النصّ على الحقبة الصوفية التي عاش فيه كلا الشاعرين

مدخل

سنتوسّع حول الجزيري في هذا البحث لدوافع تحليلية تقنية، ذلك أنّ الجزيري هو الذي جرى حوله نقاش من الناحية التاريخية، وقيل عنه لقلّة الدراية بالمنهجية العلمية في الأبحاث أنّه يعتبر نفسه تلميذا للشيرازي، وهذا ما سيدور نقاشنا حوله، ويأخذ متسعا من البحث يزيد على الحافظ الشيرازي بسبب هذه الإشكالية العلمية.

سنجتهد في إجراء المقارنات التاريخية بالقدر الذي يخدم البحث ويشكّل وحدة كلية مع جسم هذه الدراسة، وينبغي أن نسأل وبقدر لا بأس به من الشك حول صحة تواريخ الميلاد لكلّ من الجزيري والشيرازي، والتي تحوّلت إلى ما يشبه المسلّمات لدى الباحثين اليوم، وذلك لعدة أسباب، ومنها أنّ التراث الشعري الذي تناقله وكتبه من سمعوا من الرجلين، لا يتناسب فحواه العصور التي يقال أنهما ولدا وتوفيا فيها.

الشيرازي بحسب الدكتور مهدي كاكه يي 1:” هو حافظ الشيرازي ( 1310- 1381) واسمه شمس الدين ابن بهاء الدين، عاش الشيرازي في كنف الإمارة الفضلوية الكردية التي أسّستها قبيلة اللور الكبير التي حكمت لورستان من سنة (300 – 827 ه) و(912 – 1423 م) وكان والد الشيرازي ينتمي إلى القبيلة اللورية، وانتقل والده من لورستان إلى شيراز، وكان حافظ أحد شعراء الأتابك نصرة الدين أحمد بن يوسف شاه، وينبغي الإشارة في هذا الصدد أنّ الجغرافي المعروف ياقوت الحموي اعتبر2 “اللور جيل من الأكراد في جبال أصفهان وخوزستان، وتلك النواحي تُعرف بهم، فيُقال بلاد اللر، ويقال لها لرستان ويقال لها اللور أيضاً” ويرى ابن حوقل والإدريسي كذلك، مشيرين إلى أنّ “لرستان بلد غنيّ يعيش فيه الأكراد، وأطلق المؤلفون العرب أثناء “الفتح الإسلامي” تعبير الكرد على اللورية “القاطنة في خوزستان كما وردت في المصادر الإسلامية”، ولكن هذا يدعونا للتساؤل حول الكيفية التي كتب بها الشيرازي قصائده في ظلّ تلكم الغزوة المغولية التترية القاسية، وكيف استطاع المغول والتتر أن يُسلموا ويصبحوا حكاما مُسلمين ويُستدعى الشيرازي لدى تيمور لنك ويقول له لماذا قلت هذا البيت من قصيدتك:

اگر آن ترک شیرازی بدست آرد دل ما را بخال هندویش بخشم سمرقند و بخارا را 3

ويسلّم بأنّ الحافظ الشيرازي شيعيّ اثني عشري، بينما نعلم أنّ المذهب الشيعي ساد إيران بالكامل بعد مجيء الصفويين إلى السلطة، ويقول التاريخ أنّهم سعوا إلى تشييع إيران بالقوة عدا الكرد وبعض سكّان المناطق الجبلية الأخرى، فإنّهم استطاعوا الحفاظ على مذهبهم السنيّ، ونجد الشيرازي الذي يعتبره الإيرانيون وبعض المؤرخين شيعيا يستشهد ببيت للخليفة الذي يعتبر من أكبر أعداء الشيعة ألا وهو “يزيد بن معاوية” والقصد من وراء ذكرنا لكلّ هذا المعطيات التي تجعلنا نشكّك بالتاريخ المسلّم به حول العصر الذي عاشه الشيرازي، هو القول أنّ الشيرازي ووفقا لفحوى منتوجه يفترض أنّه أحدث مما يُؤرَّخ له بكثير، لكن نصّه الشعري يحتمل أنّه استمرار لما قبله، وذلكم يرتبط بالتطورات التي حدثت للموروث، وفقا للمستجدات الثيولوجية التي جاءت بعد الحقبة التي كانت فيها الديانة السابقة للإسلام” الزردشتية ومذاهبها” 4 وكان التصوّف هو الأداة التي استطاع الإيرانيون بها تمرير بعض من طقوسهم الزردشتية بواسطتها وكان في الزردشتية طبقة تسمى “بيري مغان” وهم يعتبرون المنشدين لتراتيل الزردشتية، فهل اسقطت على الشيرازي وشخصيته أسطورة ما “ربما أُسقط عليها للحفاظ على الموروث”! وإلا، أليس مثيرا للاستغراب أنّ ديوانه موجود في كلّ بيت إيراني، مع أنّ الرجل لم يدوّن ويكتب ديوانه بيده؟! ولو اطلعنا على الجغرافية التي تواجد فيها الشاعران “الجزيري والشيرازي” فقد دان سكانها بالديانة الزردشتية قبل “الفتح الإسلامي”، ولكن يُفترض أنّ الجغرافية التي دانت بالزردشتية حيث تواجد السكان الكرد أنّ أسلوبها توحيدي “تجاه الذات الإلهية” أكثر من المنطقة الفارسية التي غلب عليها الطابع الثنوي، بسبب تأثيرات الإخمينين بعد العهد المقدوني5، والشيعيّ بعد ظهور التشيّع، ومن ثمّ مجيء الصفويين وعملية التشيّع القسرية على كامل سهول إيران.

والشيرازي ومثله الجزيري كانا من الطبقة المتوسطة، فقد اضطر الشيرازي للعمل متأخرا، بعد أن انفصل إخوته المتزوجون إلى منازل خاصة بهم، كما هي العادة لدى الإيرانيين بكلّ اثنياتهم.

وجمع ديوان الشيرازي من أربعة عشر نسخة خطية من سامعيه ولوحظ اختلاف في ترتيب الأبيات والكلمات، ويُعرف بأنّه الديوان الأكثر اثارة للجدل من حيث النسخ في الشعر الإيراني.

ولو غضضنا الطرف عن التأويلات، ففي بعض أبيات الشيرازي نجد وشاية بالتوق إلى المجوسية، يقول غوته: “مكتشِف نسخ حافظ الشيرازي”:6 (علينا أن نأخذ بما يقتضيه صريح كلام حافظ، وألا نلجأ إلى التأويلات الخيالية التي تحيل الظاهر إلى باطن وكلّ صريح إلى رمز، وإن كان هذا لا يمنع من تعمّق المعاني التي يوردها وعدم أخذ النص بحروفه)، وقد عبّر عن توقه كما أخمّن “جهارا بأسلوب نابع من التقيّة وفي قمة الدهاء”:

أين دير المجوس وأين الشراب المصفى

أنى لي السلامة أنا الخرب

أنظر إلى تباين الدرب من البدء إلى المنتهى

لقد ضجر قلبي من الصومعة وخرقة الرياء

فأين دير المجوس وأين الشراب المصفى

وما صلة الرند بالصلاح والتقوى، هيهات أن يرقى سماع الوعظ لأنغام الربابة

وماذا سيصيب قلب الخصم إثر طلعة المحبوب 7

إذا يمكن تصنيف الشيرازي على أنّه شاعر صوفيّ تواجد في شيراز بعد ظهور التصوّف الإسلامي بنحو ثلاثة قرون “حسب المسلّم به تاريخيا كما أسلفنا” ويمكن رؤية الحنين إلى الزردشتية في بعض من قصائده.

كان شاعر من شعراء البلاط وعايش “الغزو المغولي” عاش حياة متوسطة الطبقة في طفولته، ثم إلى عامل وطالب علم في الوقت نفسه، واستطاع الشاعر الألماني غوته اكتشاف نسخه العديدة المكتوبة بيد سامعيه، وكان الشيرازي يذكر اسمه في نهايات بعض من قصائده خشية السرقة، وهذا يعني أنّ الأجواء في زمنه كانت تعجّ بالشعراء، وتميّز في بداياته بحفظ القرآن.

ملاي جزري

يُثار الاستغراب إلى الدرجة الكبيرة من التشابه بين الجزيري والشيرازي “حسب النسخ الخطيّة والتي يحتمل أنّ كثيرا منها منسوبة إليه لدوافع سنتوقف عندها بدقة “فالشكوك تحوم حول تاريخ ولادته، ولم نجد له مخطوطة بخط يده، وإنما جمعت قصائده من سامعيه، وكما اكتشف غوته الألماني ديوان الشيرازي فإنّ المستشرق الألماني “فون هوفمان” هو من طبع ديوان الجزيري.

قام الملا أحمد الزفنكي بتأليف شرح لديوان الملا أحمد الجزيري وسماه “العقد الجوهري” في كتابه نقاشٌ حادٌّ مع المستشرقين يحاول فيه أن يثبت أنّ الجزيري ولد على وجه التقريب في أواخر القرن العاشر الهجري، وربما توفي في الخمسين بعد الألف هجرية، لكن كما الشيرازي فلا تقبل فحوى قصائد الجزيري أن يكون قد ألّف هذا المحتوى في ظلّ الأيديولوجية الإسلامية السائدة في جزيرة بوطان “جزيرة ابن عمر” حيث كان المذهب الفقهي المتبنى من قبل الكرد هو الشافعي، وكانت المدارس تدرس العقيدة الإسلامية على المذهب الأشعري، وكانت تدرّس في المدرسة الحمراء وكتاتيب جزيرة بوطان. ووفقا لمحتوى أشعاره التي يعبر فيها عن عقيدته في وحدة الوجود كان الجزيري سيعلق رأسه على أسوار الإمارة بسبب قصائده التي تخالف المذهبين السائدين آنذاك، لا أن تقرأ قصائده في كلّ المجالس وتصل إلى حدّ التقديس لدى الكرد!

ويمكن الاعتماد على الرأي العلمي الإستشراقي الذي اعتبر أنّ الجزيري عاش في حقبة عماد الدين الزنكي، كما نلاحظ أنّ الجزيري لم يرد عنده ذكر لصلاح الدين الأيوبي الرجل الذي طرد الصليبين من “المسجد الأقصى” فإن لم يفتخر به ككردي مثله كان عليه الفخر به كمسلم بينما نجد الشاعر الكردي “جكرخوين” يفتخر بصلاح الدين رغم أنّ جكرخوين قيل أنّه ملحد، وأعتقد أنّ الملا الزفنكي اختلط عليه الأمر بسبب دوافع ترتبط بأيديولوجيته والمذهب الأشعري الذي كان يعتنقه هو كجميع أترابه آنذاك، فلم يكن الملا الزفنكي يعلم شيئا عن طرق البحث العلمية الحديثة المرتبطة بالتطورات الأيديولوجية والثيولوجية وطرق البحث التطبيقية ودلالة النص على الحقبة الاجتماعية التي كان الناس يؤمنون على هذا النحو دون ذاك، ولا يفوتنا أنّ الأيوبيين هم الذين نشروا المدارس الشافعية، وحوّلوا الجامع الأزهر من مركز للتشيّع إلى مركز للتسنّن إن صح التعبير، وكيف لا نجد الجزيري متأثرا بالعقيدة الأشعرية آنذاك التي تعطي لله صفات وأسماء وأثارا للقدرة بينما نقرأ في قصائده مبادئ وحدة الوجود بشكل فني لا يختلف فيه عن الحلاج8.

ويذكر الملا الزفنكي حسب تقديرات المستشرقين ومن سار على منوالهم “فون هوفمان، والسجادي” بأنّ الملا الجزيري كان حيا سنة 450 ه إلى سنة 556 ه في زمن عماد الدين الزنكي، والحقيقة هذا يوافق تماما للفترة التي ظهر فيها السلاجقة الأتراك كأمراء نافذين في الخلافة العباسية، وتوفي عماد الدين الزنكي سنة 540 ه وفي هذه الفترة كان التصوف “الإسلامي” منتشرا، إلى أن جاء السلطان صلاح الدين الأيوبي ليقف ضدّ التصوّف والتشيّع بدليل حكمه بالقتل على السهروردي (545ه – 586ه) بطلب من شيوخ حلب. 9

وينفرد الملا الزفنكي برأيه مخالفا مستشرقين ومؤرخا سار على منوالهم، يسوق الزفنكي أدلة لا تُخفي ميوله الأيديولوجية قبل ذكر أدلته10 اذ يعتبر بعض القصائد التي لا تتوافق مع معتقداته منسوبة للجزيري، ومن ثم يلمّح إلى الآراء الأخرى وذلك لحسن الحظ، فليس من السهولة بمكان إيجاد كتب المستشرقين والسجادي في هذه الظروف.

يعتقد الزفنكي أنّ المستشرقين قد أخطأوا عندما فسّروا ذكر الجزيري للأمير عماد الدين الزنكي أنّه عاصره واعتبر أنّ ذلك الأمير هو أحد أمراء جزيرة بوطان على سبيل الفرض، وأنه أحد أقارب أمير جزيرة بوتان بناء على إحدى النسخ التي وصفت الأمير عماد الدين بالجزيري11 ولكن دون أن يذكر التاريخ أحدا بهذا الاسم ولا نعرف مبررا علميا كي تكون هذه النسخة هي الشاذة ومدلسه.

ويعتقد الزفنكي أنّ الآيات التي ذكرت على سبيل الدعاء في بعض أبيات الجزيري التي تخصّ حاكم تبريز كما يرجح المستشرقون أنه عاصره ليخالفهم الزفنكي على أنّ تلك الآيات كانت مكتوبة على سور جزيرة بوتان، لكن السور لم يبق له أثر وهنا نسأل وهل وجدت قلعة أو حصن او سور في بلاد المسلمين آنذاك لم ينقش على أسوارها آية الكرسي أو الآية “إنا فتحنا لك فتحا مبينا”؟ ومن زاوية أخرى فإنّ الكردي غير المختص بعلوم اللغة الكردية يفهم من هذه الأبيات أنها مذكورة على سبيل الدعاء:

” خان خانان لامع نجماته هر بر نور نوربي ”

” آية الكرسي وانعام هيكلا توخ تةبن ”

” سورة (إنّا فتحنا لك) دورو مادا رتة بي ”

ومعنى هذه الابيات:

أيها الخان فليلمع نجمك وليكن كثير الأنوار

آية الكرسي والانعام فلتكن محاطة بك

سورة “إنا فتحنا لك ” فلتكن محاطة حولك

إنّ ما يجعل الميل العلمي ينحو باتجاه ما ذهب إليه معظم المؤرخين والمستشرقين وشذّ عنهم الملا الزفنكي هو اعتبارات عقائدية دفعت الملا الزفنكي إلى جعل الملا الجزيري أكثر حداثة، ولا أعلم إن كان الدافع عشائريا لدى الملا الزفنكي كأن يكون منتسبا إلى إحدى عشائر الجزيرة هذا من جهة، ومن جهة أخرى عدم إلمام الملا الزفنكي كجميع أقرانه آنذاك بأصول المناهج البحثية الحديثة، والتي أحدثت فرقا وفجوة واضحة في الذهنية النقدية والعلمية بين الشرق والغرب فالغرب سبق الشرق في المنطق التحليلي التطبيقي بينما كان الملا الزفنكي برغم تثميننا لجهده فإنّ المنطق الصوري الأرسطوطاليسي كان مسيطرا على ذهنية الزفنكي وأقرانه آنذاك.

ويمكن ملاحظة صبغة الجزيري الجريئة في نصّه حول وحدة الوجود في معظم قصائده، وكذلك يمكننا ملاحظة قبر الجزيري موجودا في القبو المدرسة الحمراء في جزيرة بوطان، وهذا غير معقول، فالملا لم يزل يحمل قدسية في قلوب الكرد فلماذا يجعلون قبره في قبو ان لم تكن طبقات الأرض التي تزيد من احتمالية قدم الرجل وسبقه على التواريخ التي تراءت للملا الزفنكي، والجدير أن قبر الجزيري موجود في المدرسة الحمراء وهي مكان مقدس ربما كانت بيتا للنار فكنيسة فمسجدا فمدرسة شرعية إسلامية.

وسنناقش في الموازنة بين الجزيري والشيرازي الفروقات الصوفية بينهما، ما يدلّل على أنّ جرأة الجزيري في غالبية نصوصه تدلّ على أنّ تاريخ منتوجه الصوفيّ حديث عهد بظهور التصوّف الإسلامي، بينما عدم خوض الشيرازي في مسائل كوحدة الوجود، إنما يدلّ على بعده الزمني عن بدايات ظهور التصوّف الإسلامي.

موازنة نتاج الجزيري والشيرازي

عند الوقوف عند رأي أحد المختصين 12 بعلوم اللغة فقد كان رأيه على هذا النحو: “من الصعب أن تكون الموازنة دقيقة ومضبوطة حين نجريها بين شاعرين من زمانين ومكانين مختلفين كما هي الحال مع الشيرازي والجزيري فكلاهما ابن بيئته ومرآتها.

من الناحية الشكليّة، يمكننا القول إنّ أشعار الجزيري أرقّ على السمع لمماثلتها الشديدة للأوزان العربية وتفعيلاتها، بينما الشيرازي (وهو لم يغادر شيراز البتة) صاغ على منوال أسلافه فجاء معظم شعره مفارقا للأوزان المتعارف عليها في العربية.

اعتمد الجزيري على تكرار التفعيلة الواحدة بشكل متوازن في شطري البيت بينما نظم الشيرازي على البحور الشعرية الفارسية.

من جهة البلاغة وعلم البديع يمكن النظر إلى الجزيري على أنّه التلميذ الذي تشرب شعر أستاذه وزاد ولذلك يمكن القول (وهو قالها بالفعل) إن قراءة الجزيري تغني عن قراءة الشيرازي13.

هذا الاختلاف بين الشاعرين ليس اختلافا في الدرجة بمقدار ما هو اختلاف في النوع وهو ذاته الاختلاف الذي يمكن التفريق به بين متصوفة جزيرة بوتان “جزيرة بن عمر” من أهل السنّة ونظرائهم من أهل الشيعة في شيراز وسواها”.14

لكن وحسب هذا الاقتباس مع تثمينه تحليليا من حيث الدقة وإظهار إنّ رقة أشعار الجزيري تأتي من خلفية استخدامه البحور العربية وتفعيلاتها، لكن نلاحظ أنّ الجزيري استخدم جوازات ذكية عن البحور العربية وهي نفسها تمثّل عملية دمج بين الموروث الشرقي بشكل عام، وليست عربية خالصة من حيث إعادة تلك الجذور إلى عملية نشوئها وتطورها وتنمّ عن اهتمامه وجهده البالغ لما ينتجه، وعلينا أن لا نغفل بأنّ هذه الرقة على السمع إنما تمثل تطورا مرتبطا بالفردية لدى الجزيري، وكذلك تطورا له علاقة بالتراكم الطبيعي لأيّ عملية تطورية في الإبداع وغيره من مجالات الفنون والصناعة كما هي طبيعة البشر.

كذلك لا يمكننا أن نتغافل عن الأصل المشترك للغتين الفارسية والكردية فيكاد العارف بإحدى هاتين اللغتين يعتبر الأخرى لهجة من لهجاتها عند سماعه لها، فتفعيلات الفارسية هي ذاتها التفعيلات الكردية المستخدمة، وتنتمي اللغتان للأسرة الإيرانية نفسها، فأكثر الجزيري من التفعيلات العربية نظرا لحسن اختيار الجزيري، ولا أعتقد أنّ الشيرازي لم يستخدم البحور العربية لعدم وجودها في متناول يده، فالمنطقة آنذاك وبعدها كانت مليئة بالفنون العربية التي جاءت مع “الفتح الإسلامي” وكان لبقائها ليس عمرا قصيرا، فالمسلّم به أنّ الشيرازي عاش بعد ذلك في شيراز بقرون وكانت البحور العربية نفسها خاضت رحلة تطورية طويلة وتلقّت روافد شرقية كثيرة.

ويلاحظ في الفروق بين الشاعرين أنّ الشيرازي استخدم المفردات العربية في شعره لأنّها كانت مُعارة في الفارسية من العربية على سبيل الإحلال لا الجواز، وذلك يرتبط بطبيعة الجغرافية الفارسية التي ساعدت مفردات العربية أن تتغلغل في السهول الفارسية بسهولة جريان الماء في السهل، بينما كان الجزيري “ابن الجبل” يستخدم المفردات العربية على سبيل الاختيار والحنكة والذكاء لانتقاء أفضل ما في اللغة العربية من مفردات، لها جماليتها البلاغية ومنها المفردات المقدسة التي يفهمها الخواص والعوام من الكرد، وكذلك فإنّ الجزيري انتقى مفردات فارسية خالصة من نفس القبيل الذي ذكرناه في العربية وذلك لاشتراك اللغتين في أسرة واحدة وتاريخا ثيولوجيا وسياسيا مديدا، فكانت اختياراته للمفردة الفارسية بنفس التقويم الذكي بالنسبة لمفرداته العربية، ويجدر بنا أن نذكر أنّ الجزيري استخدم مفردات تركية تساعده في النظم، وهي مفردات كانت قد بدأت تجد لها طريقا للإعارة في اللغة الكردية، فقد عايش الجزيري السلاجقة الأتراك كما رجحنا الرأي القائل بذلك موافقين المستشرقين ومخالفين الملا الزفنكي، وقد امتازت تلك المرحلة بأنّ السلاجقة الأتراك كانوا قد أسلموا وكانت العلاقات بينهم وبين الكرد ودية جدا، فرأينا صلاح الدين الأيوبي يُقاتل تحت إمرة عماد الدين الزنكي صغيرا، ونورالدين كبيرا، وكنا نرى سلاجقة تحت إمرة الكرد والعكس، وقد كانت لغة المصالح والتآخي متبادلة كما يخبرنا التاريخ، وبلغت الجيرة المتبادلة بين الكرد والترك آنذاك، حدا يسمح لبعض مفردات اللغتين أن تتصاهر فنرى الجزيري استخدم تلكم المفردات التي يفهمها العامة والخاصة من الكرد.

قلما نجد قصيدة للجزيري لا توجد فيها مفردات عربية وفارسية وتركية ومكتوبة بروح كردية يفهمها كرد ذلك العصر، لأنها اختيرت بعناية فائقة من لدن شاعر يجيد اللغات الأربع، ما يجعلنا أن نرى روح الصوفية الحقيقية في هذا الشاعر الديمقراطي “إن جازت التسمية”، وهنا ربما يزيد عن الشيرازي أشواطا كثيرة، ويختلف اختلافا كليا عن بعض الشعراء ذوي القامات الفنية والروحية البارزة في التاريخ الإسلامي، لكنّهم اتصفوا بالتعصّب لقومهم كما قيل عن الفردوسي كما يقول عباس الخليلي النجفي15: “أنّ الشيرازي كان يحبّ العرب كثيرا ويفضلهم على جميع الأمم حتى قومه أما الفردوسي كان على الضدّ منه، وكان عدو العربية وخصم العرب فلا تجد في نظمه وهو ستون ألف بيتا الا عشرات الكلمات العربية” وسنستشهد ببعض الأبيات في موازنة الصوفية عند الجزيري وعند الشيرازي، نراه كيف وظف مفردات اللغات الأربع في قصيدته بشكل جميل، والتي تدلّ من ناحية أخرى على ايمانه العمليّ بوحدة الوجود على وجه من الوجوه وهو ما سنناقشه في الموازنة بين الجزيري والشيرازي بشيء من التفصيل.

موازنة نتاج الجزيري والشيرازي حسب المفاهيم والقيم الصوفية

يمكن أن نرى شبه أجماع على أنّ التصوّف ظهر في العراق في القرن الثالث الهجري، وامتاز المتصوّفة الأفراد بالجرأة الواضحة في التعبير عن آرائهم الصوفية مهما كانت خطيرة ومتعارضة مع المذهبين الشيعي والسني، وقد دفع البعض منهم حياتهم ثمنا لتلكم الآراء، وفي القرن الرابع الهجري ظهرت الطرق الصوفية التي استخدمت التقيّة أكثر من الأفراد المتصوفة واستخدمت التأويل أكثر من ذي قبل، وفي العصر الأيوبي توسع انتشار المذهب السني والشافعي، و يبدو أنّ المذهب الأشعري في العقيدة الإسلامية ساد كثيرا من الإمارات والممالك الإسلامية أيضا، وشهدنا في الإمارات الكردية انتشارا واسعا للمذهب السني طائفيا والشافعي فقهيا والأشعري عقيدة.

بناء على ما تقدّم يجب النظر إلى النصوص الشعرية لكلّ من الشيرازي وملاي جزيري بالمقارنة مع المذاهب السائدة في حياتهم، وكما تقدّم وذكرنا أنّ المستشرقين رأوا أن الجزيري يسبق الشيرازي من حيث المولد، فإنّه يمكننا ملاحظة الجرأة الواضحة للجزيري في التعبير عن آراءه حول وحدة الوجود بينما يرى باحثون أنّ حافظ الشيرازي يمكن ملاحظة بعض الإشارات عنده إلى وحدة الوجود، ولكنّهم يؤطرون ذلك في البهلوانيات الشعرية في العشق، وليس تعبيرا واضحا عن مفهوم وحدة الوجود الصوفي كما اعتقد البعض الآخر حول وحدة الوجود عند الشيرازي.

صوفية الشيرازي

عُرف شعر الشيرازي بالوجداني الذي يحاكي الخاصة والعامة، ويسهل فهمه مما ساهم في شهرته منقطعة النظير، فشعره غزليّ، وفيه شيء كثير عن الخمرة التي قلّما نجد صوفيا لم يستخدم الخمرة في شعره والتي لها دلالاتها الصوفية بالتعبير عن الدنيا، والطريقة وشيخ الطريقة، وشيخ الصوفي، وكانت قصائد الشيرازي أقرب للتمرّد الاجتماعي، وكراهية النفاق، وشيوخ الدين أكثر من كونها فلسفية معقّدة، وحتى في وحدة الوجود والقيم الصوفية، فإنّه لا يبدو في شعر الشيرازي ذلك التصوّف ذو العمق الفلسفي أو تلك الجرأة التي قد تودي بصاحبها للهلاك، وهناك شعر للشيرازي يرى باحثون16” أنّ فيها شيء من فلسفة وحدة الوجود:

که بندد طرف وصل از حسن شاهی

که با خود عشق بازد جاودانه

ندیم و مطرب و ساقی همه اوست

خیال آب و گل در ره بهانه

_ من يتمتع بوصال الملك

_ الذي يعشق نفسه أبديا

_ هو النديم والمطرب والساقي والكل هو

_ وتجسد الماء والطين فعذر طريقه

وقد اعتبر أنّ هذه الابيات تدخل في إطار الحكمة الشوقية والقلبية مقتبسة من العطار النيسابوري، بل يفهم من بعض أبيات الشيرازي ردا على القائلين بوحدة الوجود:

برو این دام بر مرغی دگر نه

که عنقا را بلند است آشیانه

اذهب وانصب شبكتك لطائر آخر للعنقاء عش في الاعالي”.

ويمكن الاستخلاص من شعر الشيرازي أنّه ذو طابع إصلاحي اجتماعي، على ألا نغفل النزعة الصوفية الغزلية والحنين للقديم، لكنّنا لا نجده يُبحر في التصوّف نحو المقامات والأفكار والعقائد المعقدة والخطيرة التي كانت تودي بصاحبها إلى الهلاك، وهذا النمط من الشعر في الناحية الدلالية للنصّ على الزمن يوحي بأنّ التصوّف “الإسلامي” كان قد أخذ أطوارا جديدة، فهو ليس من الصوفيين الفردانيين، إنما كان التصوّف قد أخذ شكل الطرق الصوفية، وهذا بدأ في القرن الرابع الهجري ولازال مستمرا إلى يومنا هذا.

صوفية الجزيري

كنّا أشرنا سابقا أنّ النصوص الشعرية لدى الجزيري منسجمة مع التاريخ الذي يطرحه المستشرقون وهو سبقه الزمني على الشيرازي بعدة قرون، ويلاحظ على الجزيري التكامل في مذهبه الصوفي بين وحدة الوجود والغزل والفلسفة، وذلك بعد أن نستثني منها ما يمكن اعتباره تدليسا عليه من قصائد الشيرازي، أو احتمالات أخرى سنتوقف عندها لاحقا، ويمكننا أن نتوقف عند بضعة أبيات من إحدى قصائده، حيث يبدو فيها مذهب الجزيري واضحا بكلّ معالمه الصوفية والغزلية والفلسفية:

الله سحر گاها أزَل يلمومِ عشقی شعله دا

نورا جمالا (لم يزل) ذاتي تجلّا يا خوه دا

ذاتی تجلّا بو لذات بی إسم وآثار وصفات

سرّا حروفين عاليات خف بو دستر و پرده دا

ذا تی مُقدّس بو وجود جوشش ندا بو بحر جود

وصفي إضافات و قيود يك ژي تجلايی نه دا

والمعنى أنّ الله في وقت السحر من الأزلية أوقد شمعة عشق

أظهر “تجلى” نور جماله الأزلي “لم يزل”

الذات تجلت لذات بدون اسم أو أثر أو صفة “الذات الإلهية تجلت لذاتها”

واختفى سر الحروف العالية “العالم العلوي” وراء الأستار

وجدت الذات المقدسة قبل فوران بحر الجود “الكرم”17

آنذاك لم تكن قد تشكّلت الصفات والإضافات والقيود ولو لشيء واحد من الموجودات، ويمكننا قراءة المعنى العام على هذا النحو أيضا:

أشعل الله في وقت السحر في الأبدية شمعة العشق (“يلموم” وتسمى “بالختيرة” لدى الإزيدين وهم من بقايا الميثرائية والزردشتية واليلموم كما شرحها الملا الزفنكي “غصن طري يدق حتى يهترئ ثم يجفّف على النار ويوقد كالسراج 18“) ولكن يمكن النظر إلى الياء في يلموم على أنّها ضمير الفاعل الغائب في اللهجة البادينية، التي تحدّث بها الجزيري فيصبح المعنى أنّ الله الذي أشعل شمعة العشق الأزلية أعطى نور الجمال الأزلي فتجلّت الذات الإلهية.19

الذات الإلهية تجلّت لذاتها، أو أنّها تجلّت لبقية الذوات “المخلوقات” (وهنا تظهر وحدة الوجود لدى الملا الجزيري واضحة جدا، فهو يعتبر أنّ الله تجلى لله وفي شرح الملا الزفنكي نرى تجنبا واضحا منه للشرح، وإنّما حاول الزفنكي التملّص بذكاء من إظهار عقيدة الملا الجزيري حول وحدة الوجود في قصيدته، وذلك لدافع أيديولوجي دون توخّي العلمية) وفي الشطر الثاني يكمل أنّ الذات الإلهية تجلّت لذاتها بدون اسم أو صفة أو أثر.

واختفت أسرار الحروف العاليات وراء الأستار20.

الذات المقدسة أصبحت هي الوجود قبل فوران بحر الجود ” الالهي.”

ولم تتجلى أي من الصفات والإضافات والقيود.

من خلال ما تقدّم وبمعزل عما ذهب إليه الزفنكي من أنّ هذه القصيدة منسوبة للجزيري فإنّه يمكننا أن نفترض أنّ هذه القصيدة هي القصيدة الأولى من ديوان الجزيري، لأنّه افتتحها بوحدة الوجود الشبيهة بالكتاب المقدس “العهد القديم” حيث يتناول العهد القديم في سفر التكوين حول نشأة الكون من منظور الدين اليهودي، وعند الجزيري بالاعتماد على تاريخ المستشرقين واعتبار ما ذكر فيه الحافظ الشيرازي والاقتباسات الخالصة من ديوان الشيرازي فإنّه يبدو أنّ الجزيري لابدّ افتتح ديوانه بهذه القصيدة الطويلة، وفي مطلعها يشرح فلسفته وعقيدته بأسلوب أدبي حول وحدة الوجود وما يشبه شرح أسطورة التكوين والنشأة للوجود حسب منظوره.

وتظهر عقيدته في وحدة الوجود، والتي هي صبغة معظم قصائده في العرفان والعشق من نفس القصيدة:

حسن وجمالى خواست أڤين ڤيكرا ديك ذاتِ جڤين

نورا قديم بو عشق وڤین وان لیكِ بيكفة نازو عشوه دا

والمعنى أنّ الحسن والجمال تطلبا العشق واجتمعا في ذات واحدة.

والنور القديم “الذي أشعلته الذات الإلهية” تحوّل إلى عشق ومحبة أو إرادة وأظهر كلّ منهما الغنج والدلال لبعضهما البعض.

ويجب أن نذكر بيتين آخرين من القصيدة عينها ليتضح العشق العرفان بشكل جليّ عند الجزيري:

عشقا ژنورا (لا يزال) حسن و جمالا بی مثال

ايساند يلموم و شمال ديسا خوه لی پروانه دا

والمعنى: ان النور الأزلي والحسن والجمال الذين لا مثيل لهما.

هو “النور” 21ذاته الذي أضاء الشمعة وهو ذاته صار فراشة تدور حولها.

مما تقدم نستخلص أنّ الجزيري كان واضحا في إيمانه العميق بوحدة الوجود، وهذه القصيدة ليست شاذة في محتواها الصوفي المركز على وحدة الوجود مع غالبية قصائده، فلا يمكنك أن ترى قصيدة واحدة تخلو من إشارة ما إلى وحدة الوجود، وكلّ الغزل الذي استخدمه الجزيري يدور حول وحدة الوجود، ولولا أنّ هذه القصيدة ” الله سحر گاها أزَل” فيها من وحدة الوجود والاتحاد والحلول الصريحين، لما أخرها الملا الزفنكي إلى الجزء الثاني من “العقد الجوهري على اعتبارها منسوبة إلى الملا الجزيري “إنما كانت تخدمه حول قوله ببراءة الجزيري من العشق والهيام بامرأة ما، فالملا الجزيري كما يبدو في هذه القصيدة يضع الغزل وحبّ النساء في إطار العشق الإلهي بوضوح، ويظهر منحاه هذا حتى في ما اعتبرناه منسوبا اليه.

المشتركات بين الشاعرين

يمكن أن نصل إلى قواسم تاريخية “مرتبطة بالتطوّر الذي طرأ على التصوّف “الإسلامي” وجذوره بحدّ ذاته “مشتركة بين الشاعرين موضوع بحثنا هذا، ونجد ما يلمح إلى أنّ الشاعرين يعبران عن حالة أو ظاهرة اجتماعية أكثر من تعبيرها عن شاعرين فردين استطاعا كسب قلوب الناس إلى أن تحولا إلى اسطورتين في مجتمعاتهم، وكذلك ما يدلّ على تاريخهما “الميلاد والوفاة” حسب نصوصهما:

أولا: يعتبر الشيرازي فارسيا لأنّه كتب بالفارسية رغم أصله اللرستاني الذين اعتبرهم كلّ من ياقوت الحموي وابن حوقل والإدريسي ومعظم ومؤرخي “الفتح الإسلامي” كردا، ولا نقاش حول أصل الجزيري الكردي، ولكن ما يجمعهما من هذه الناحية مع اعتبار الشيرازي فارسيا فإنّ الفرس والكرد ينتميان إلى العائلة الإيرانية.

ثانيا: يسلّم المؤرخون بتعايش الشيرازي أثناء الحكم المغولي التتري غزوا وحكما، والجزيري عايش السلاجقة الأتراك وهنا ينتمي السلاجقة والمغول والتتر إلى العائلة الآسيوية ذاتها.

ثالثا: لا توجد مخطوطة بيد الشيرازي إنما اكتشفت النسخ من قبل الشاعر الألماني غوته، وكذلك الجزيري حفظت قصائده من سامعيه، وكتبت نسخ ديوانه بيدهم وطبعه المستشرق الألماني فون هوفمان في برلين عام 1904.

رابعا: غلب على قصائدهما الناحية الصوفية “العشق و الغزل” بل يعتبران شاعرين صوفيين.

خامسا: يشتركان بالقوالب الشعرية الكلاسيكية، ولكن يستخدم الشيرازي البحور الفارسية، بينما يستخدم الجزيري البحور العربية بالإضافة إلى الغزل الصوفي واستخدام شطر يزيد بن معاوية الدال على التمرد “ألا يا أيها الساقي أدر كأسا وناولها” فهذه تخصّ الشيرازي ولا يمكن أن يكون الجزيري قد قالها، إنما أضيف هذا البيت إلى ديوانه عن طريق النسّاخين والملالي في المدارس الكردية، وربما كان دافعهم عصبيا، حيث أرادوا إيجاد نظير للشيرازي “الفارسي الشيعيّ” فكان الملا الجزيري نظيرهم في ذلك خصوصا أنّهم كانوا يجهلون تاريخ الجزيري الحقيقي.

سادسا: يحملان نوعا من التقديس لدى الكرد والفرس، فقبراهما يعتبران مزارين لدى كلّ من الكرد والفرس “الشيرازي معروف ومحبوب لدى الكرد “النخبة”، لكن لا يعرف الفرس وبقية الإيرانيين الملا الجزيري “وهذا لا يحدث بطابع ديني للشعراء عادة، فالنخب وحدها تحتفي بالشعراء على نحو عام.

لكن قبر الملا الجزيري موجود في قبو للمدرسة الحمراء في جزيرة بوطان “جزيرة ابن عمر” وهذا يعني أنّ طبقة من الأرض قد غطت قبره، ما يعني أنّه قديم حسب المنظور الجيولوجي.

ولولا أنّ المقالة لا تحتمل الإطالة لذكرنا مئات التفاصيل والقواسم المشتركة بين الشاعرين، ولا أقصد بتلكم القواسم التي ترتبط بالقول أنّ الشاعر الخلف حاول تقليد الشاعر السلف في معظم نظمه وقصائده بناء على نوع محدد من الشعر، إنما تدخل هذه القواسم المشتركة بينهما في جدول الوشاية بالظواهر الاجتماعية وتطورها لمعظم أسرار الشرق.

يمكننا الاستخلاص بناء على ما تقدّم أنّ الشاعرين ذوي الأصول الهندو-أوربية، يمثلان ظاهرة اجتماعية أو قانونا اجتماعيا” حيث تظهر النزعة الصوفية عند وجود غزو بدويّ أو فرض ثيولوجيا معينة على مجتمع ما بالقوة، فتظهر حالة صوفية مقاومة وتتمثل في صورتين أو نحوين أحدها تمرير وحفاظ على القديم عبر إضفاء النمط الديني الجديد عليه” كالتصوّف والطرق الصوفية” ليمكن التعايش مع الجديد والحفاظ على روح القديم حاضرا في الوجدان الجمعي لمجتمع ما، وثانيها إسقاط القدسية والأسطورية على الشعراء الذين يسهل التواصل معهم والاحتكاك بهم ليدخلوا قلوب الناس باعتبارهم حالة التنفيس والتعبير عن اللاشعور الجمعي للمجتمع، وحفظ قصائدهم الخالدة، ولم يكن الاهتمام بالكتابة الخطية مماثلا للكتابة والحفظ في الصدور، وما أدرانا ربما اعتبروا الكتابة إفشاء لأسرارهم الأسطورية.

خاتمة

إنّ الخوض في تاريخ شاعرين عريقين ومشهوريَن كالشيرازي والجزيري يبدو صعبا في ظلّ القدسية التي غلّفت اسميهما، وفي ظلّ المريدين الكثر ليس من المتدينين ومحبّي الشعر والعوام فقط، بل حتى من أولئك المتعصّبين قوميا لهما، وكيف بالموضوع وقد تناول مسلّمات ونقدها، يمكن القول بأنّ البحث وضع بعض الأسئلة على الطاولة، لتفتح الأفق أمام استفسارات عديدة ومقارنات عديدة وعد الاكتفاء بما سلّم به المؤرخون أو المحدثون.

لقد حاول البحث الإجابة عن استفسارات وهي لم تشمل كلّها إذ أنّها متروكة ومفتوحة للعمل البحثي، وفي الوقت الذي تُطبع فيه دواوين الشيرازي بماء الذهب في إيران وفي وقت يتجدد فيه الاهتمام بالجزيري في كلّ مرة عند الكرد ليرفعوه إلى درجة الشاعر الكردي الأوحد، يجب على الأسئلة أيضا أن تتفتّح.

لا سبيل إلى حلّ الإشكالات المعرفية المتعلّقة بقضية التدليس على مشاهير الشعراء إلا بالعمل البحثي الدقيق، وهو ما حاولنا قدر الإمكان الجلوس في نقطة منها. وأخيرا هذا كان بداية الكلام.

مراجع ومصادر مستفادة:

الجزيري شاعر الحب والجمال، خالد جميل محمد، ط 1 (دمشق سوريا، دار الزمان، 2006).

شهاب الدين السهروردي، عوارف المعارف، تحقيق د. عبد الحليم محمود، د.محمود بن الشريف، جزء ثاني، د.ط (القاهرة، مصر، دار المعارف، د.ت).

العقد الجوهري، الملا أحمد الزفنكي، ط 2 (سوريا، مطبعة الصباح، 1987).

فلسفة العشق الإلهي في شعر الجزيري، محمد أمين دوسكي، ط 1 (دهوك، إقليم كردستان العراق، 2000).

معذّبو النور في التصوّف الكردي، إبراهيم محمود، ط 1(دمشق، سوريا، دار تموز، 2015).

Dîwan Melayê Cizîrî, Melayê Cizîrî, Ç 1ê (Amed, Weşanxaneya Avesta, 2012).-

1 الفيليون: أصالة وعَراقة وآمال وهموم – حافظ شيرازي، سلسلة (4)، الدكتور مهدي كاكه يي، منشورة على صفحته الشخصية، آخر زيارة، 19/9/2018(https://goo.gl/kHSEDm).

2 بابا طاهر الهمذاني ورباعيته المنسية، إبراهيم فرحان خليل، مركز جلجامش، آخر زيارة 19/9/2018 (https://goo.gl/Rp7a9h).

3 بين الشيرازي والجزيري من يدير الكأس ويناولها، إبراهيم فرحان خليل، مجلة دشت، العدد الأول، 2018.

4 الكردي مسلماً القومية في مهب رياح الدين، لمسعود دالبوداك، موقع المركز الكردي السويدي للدراسات، آخر زيارة 19/9/2018 (https://goo.gl/JS8XZX).

5 ذات المصدر.

6 ديوان حافظ: الخطيئة طريق إلى النقاء المطلق، إبراهيم العريس، جريدة الحياة اللندنية، العدد 29 يوليو 2013.

7 يُنظر بشكل عام موقع المعرفة الإلكتروني، آخر زيارة 10/9/2018 (https://goo.gl/XzUbUc).

8 دالبوداك، مسعود، جامعات الأمس المدارس الكردستانية بحث منشور على الشبكة العنكبوتية الموقع الكردي السويدي للدراسات.

9 موقع المعرفة الالكتروني

10 يقول الزفنكي في معرض رده على المؤرخين والمستشرقين ” فون هوفمان الذي طبع ديوان الملا الجزيري في برلين سنة 1904م ووضع له مقدمة باللغة الألمانية ورسم للملا صورة خيالية فيظهر انه مقتنع أيضا بهذه الاقوال السابقة (ثم) أسهب السجادي في المقارنة بين هذه الاقوال بالوقائع التاريخية واستشهد ببعض أبيات الملا على فسادها ” تظهر الصبغة الأيديولوجية واضحة لدى الملا الزفنكي وهي على الأغلب ما أثرت على بحثه ودقة تقديراته. العقد الجوهري، الملا أحمد الزفنكي، ط 2 (سوريا، مطبعة الصباح، 1987)، يُمكن مراجعة المقدّمة بخصوص هذه المعلومات والتوسّع فيها أيضا.

11 كان عماد الدين زنكي اميرا على الموصل آنذاك ويعتبر الكثيرون الموصل نفسها من بلاد الجزيرة كالواقدي في فتوح الجزيرة.

12 معلومات أخذتها مشافهة من الكاتب والمترجم إبراهيم خليل.

13 بين الشيرازي والجزيري من يدير الكأس ويناولها، إبراهيم فرحان خليل، مجلة دشت، العدد الأول، 2018. في بحث نشر لإبراهيم خليل في مجلة دشت في عددها الأول وفي دراسة مقارنة بين الجزيري والشيرازي يرى أن الجزيري تتلمذ بإرادته للشيرازي متأثرا بما أرخه الملا الزفنكي ولكننا في هذا البحث نفند الرأي القائل أن الجزيري تتلمذ طوعيا للشيرازي لان الملا الجزيري أقدم من حافظ الشيرازي.

14 لأسباب ذكرتها سلفا لا يمكن القول بشيعية الشيرازي على وجه التأكيد، إذ أنّ إيران لم تتحوّل إلى المذهب الشيعيّ بشكل كامل إلا بعد الفترة التي حكم بها الصفويون، على العكس من جزيرة بوتان، والتي كانت تعتنق المذهب السنيّ منذ مجيء الإسلام.

15 ويكبيديا الموسوعة الحرة.

16 موازنة بين حافظ وابن عربي، مهوش أسدي خمامي، مدوّنة الكاتبة، آخر زيارة 10/9/2018 (https://goo.gl/uhCQJ7).

17 إشارة إلى الفيض الإلهي أي أنه لم تكن قد سرت الفيوضات الإلهية على خلقه بعد و الفيض مصطلح صوفي له دلالات عديدة.

18 في العقد الجوهري شرح الملا أحمد الزفنكي. العقد الجوهري، الملا أحمد الزفنكي، ط 2 (سوريا، مطبعة الصباح، 1987).

19 وهذا معنى البيت الأول والثاني نفس القصيدة مأخوذة من العقد الجوهري للملا احمد الزفنكي شرحا وملا تحسين إبراهيم دوسكي متنا.

20 ربما قصد بها كن فيكون في هذه الآية ” سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ” سورة مريم الآية 35.

21 هذا يذكرنا بالآية ” الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ” سورة النور آية 34.