أيتام الصفحات الوهمية بين التخوين وغياب العقل

بقلم: إدريس سالم

إن الحرّية المُطلقة في مواقع التواصل الاجتماعي باتت تؤرّق الكثيرين، أفراداً ومجتمعات وأحزاب ومؤسّسات، فالتّشهير عبرها أصبح ظاهرة عالمية حديثة، تهدّد الجميع، ولا تكاد تقتصر على مجتمع معيّن؛ وأضرارها وانعكاسها على أفراد المجتمع وقضاياهم مضرّ ومدمّر، لأبعد الحدود، فهل كان يعلم مارك زوكربيرغ مؤسّس الفيس بوك، وجاك دورسي مؤسّس تويتر، وتشاد هيرلي وستيف تشين وجاود كريم مؤسّسو اليوتيوب، وكيفين سيستروم مؤسّس انستغرام، وجان كوم وبريان أكتون مؤسّسا تطبيق الواتساب، وغيرهم من مؤسّسي هذه المواقع الاجتماعية أن إبداعاتهم وابتكاراتهم ستُهلك وتُبيد شعوب الشرق الأوسط عامّة والكورد على وجه الخصوص خلف الشاشات؟

 

تظهر بين الفينة والأخرى، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، صفحات وهمية تشهيرية، عامّة وخاصّة، سورية وكوردية «هل تدعو إلى تغيير المجتمع أم تخريبه؟»، بهدف الإساءة والابتزاز وتشويه الحقائق ونفث السموم، مستغلّة أيّ مناسبة أو حدث أو مشكلة أو قضية ما، بغرض التشهير أو التخريب أو نشر الأكاذيب أو ترويج الإشاعات أو التجريح واستهداف الآخرين، بحقّ أو بدون حقّ.

 

يتخذ المشهّرون عدّة وسائل وطرق في حملات التشهير، أكثرها شيوعاً هي الصّور والتسجيلات الصّوتية ومقاطع الفيديو ومنشورات كتابية، وبأسماء وهمية، والتي قد تكون حقيقية أو مُفبركة، بهدف الانتقام أو الإساءة إلى السّمعة أو السّخرية أو الابتزاز أو إقصاء أحد الخصوم، كما يحدث مثلاً في السياسة والإعلام، أو ضربِ سمعة أحد الأحزاب أو المؤسّسات أو الشخصيات أو الشركات المنافسة في السّوق. وهو ما جعل من مواقع التّواصل الاجتماعي فضاءً واسعاً للانتقام وتصفية الحسابات، مما أفقد هذه الأخيرة مصداقيتها وغايتها الرئيسية، بالرغم من مزاياها وفوائدها العديدة على الفرد والمجتمع.

 

إن منصّات التواصل والتفاعل الاجتماعي وسيلة مهمّة في طرح قضايا المجتمع وتحدّيات الشعوب الباحثة عن التحرّر والاستقلال، والتواصل في التعبير عن حرّية الرأي والاستماع إلى الرأي الآخر، ويكمن خطرها في أنّها من أكثر وسائل الاتصال تأثيراً، وسهولة وصولها إلى أكبر شريحة شبابية بسرعة كبيرة وفائقة، خاصّة في تداول الأخبار الملفّقة والإشاعات المغرضة « متى كان نُبْلُ الغاية يُغني عن مشروعية الوسيلة؟».

 

ما توفّره منصّات مواقع التواصل والتفاعل الاجتماعي للشباب المثقّف والجاهل من فرصة للتعبير عن رأيهم وقناعاتهم ومواقفهم وأفكارهم، وما تقدّمها لهم من الحقّ في المشاركة والوعي المجتمعي والتقدّم الذهني بعيد عن محاولات البعض من ضعفاء النفوس ومريضي العقل في التشهير والابتزاز والانتقام والتخوين « حتى الموتى أنفسهم لم يسلموا من التّشهير»، مستغلّين هذه الأدوات الحضارية الحديثة بشكل غير أخلاقي وبعيداً عن العقلانية والفكر الحكيم.

 

إن مروّجي خطابات التخوين والتحريض وإثارة الفتن هم في حقيقتهم أشخاص تحرّكهم مصالحهم الخاصّة وأجنداتهم المقيتة، لتحقيق مكاسب معيّنة من خلال تهديد الشخصيات العامّة والخاصّة، غير آبهين بعواقب أفعالهم هذه على سلامة وأمن الناس والمجتمع والقضية، واستباحة خصوصياتهم ومشاعرهم وعلاقاتهم الأسرية والتنظيمية « هل لعب الإعلام دوراً في إبراز بعض هذه التصرفات الهوجاء؟».

 

على المستخدمين أن يحرصوا على عدم الاستجابة لما تبثّه هذه الصفحات من سموم وهموم، من خلال المشاركة في التعليق أو إعادة المشاركة للمواضيع المسيئة أو نشر أفكار غير هادفة وبنّاءة، وضرورة أن يُبلغوا عنها كواجب اجتماعي وفكري وأخلاقي ووطني، فالتشهير هو حكم مُسبق بدون محاكمة عادلة، وبدون الاحتكام للعقل أو للضوابط الأخلاقية والاجتماعية.

 

إن بعض المستخدمين الشباب، ممّن يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعية، يركّزون جهودهم على إطلاق الإشاعات والأحاديث المثيرة للمشاعر، واستخدام العبارات المحرّضة على العنف والاضطهاد والاستهزاء والتشهير والسخرية وخدش الحياء، بغرض الانتقام أو الابتزاز أو التحدّي للظهور في الأضواء أو توسيع دائرة الخلافات وعدم احترام الآخرين وتقدير آرائهم وتوجّهاتهم، بحجّة حرّية التعبير عن الرأي، إلا أنهم في النهاية لا يدركون حجم الخطورة والكارثة التي يتسبّبون بها للناس والمجتمع.

 

مختصّون في علم الاجتماع والنفس قالوا إن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي تتنوّع بحسب اهتمامات كلّ شاب أو مستخدم، فمنهم مَن يستخدم الانترنت بدافع الحصول على المعرفة والمعلومات، أو بدافع التواصل مع الأصدقاء والأهل، أو بدافع الاطّلاع على آخر المستجدات في العالم ، وحتى بدافع ملء الفراغ والتسلية، ومنهم مَن يستخدمها للقذف والتشهير والتخوين والانتقام.

 

إن التشهير أو الانتقام أو التخوين خطر يهدّد سلامة المجتمع وترابطه، حيث إنه ينمّي الأحقاد والكراهية ويسقيها بالتشتّت والفوضى، مما يؤدّي إلى تصدّع المجتمع. ولو كان المشهّر على خطأ فخطأ المشهّر به لا يعالج بتشهيره، بل يعالج عبر القنوات الرسمية المخصّصة لذلك، وبأسلوب حضاري ومنطق الحكمة والعقل، ونشر ثقافة الوعي بين أفراد المجتمع، هي السبيل الأمثل للحدّ من هذه الظواهر الضارّة والمسيئة بالمجتمع، دون إغفال التوعية بحماية المعطيات الشخصية قدر الإمكان أثناء استعمال الإنترنت وباتخاذ الإجراءات القانونية في حال التعرّض للمساس بالسمعة، وعدم الخضوع لأيّ نوع من أنواع الابتزاز.

 

خلاصة القول، يكمن في دور التوعية الأسرية والمجتمعية في عملية الرقابة على الأبناء، وبخاصة الفئة الشابّة، التي قد تستخدم هذه الوسيلة هروباً لبعضهم من أزمته المرحلية القائمة على التمرّد، واكتشاف كلّ مجهول، وضرورة العمل على أن يستخدموا هذه الوسيلة الحضارية ويستغلّوها بشكل إيجابي، عبر تسخيرها في أعمال مفيدة، ضمن منظومة العلاقات الرسمية، التي تحكمها الضوابط الأخلاقية والاجتماعية والفكرية.