شاهين سويركلي
شاهين سويركلي

حاوره: عمر رسول

كحوذيٍّ أنيق ومجرّب يقودك بعرباته عبر دروب الآلام والجراح، دروب الكفاح والتحدي، يختزل المسافات في صمته، وهو يتوضأ بعبق الحكايات والطين في القرى البعيدة، تراه يحمل أحفاده من طوفان إلى آخر، يقترب من دوائر الآلهة المنهكة كلّما شعر باختلال دورة الجمال في الكون، يداهمها بابتسامة طفلٍ يغسل أقدامه في “سواقي الحروب” وهو يتعلّم أناشيد الفجر البعيد، ليعيد إليها دورة نشاطها، ويحرّرها من تعبها الجارح ويقودها إلى حلقة الرقص على قرع طبوله من جديد، يقيناً منه أنّ الدّيمومة كلٌّ لا يتجزأ بين موج البحار، ونزيف الأرض، ورُعَاف السماء.

وكلّما صعد مرتقىً، في رحلاته، أطلق العنان لجياده، وحرّرها من قيود العربات، كي يتفرّغ لاصطياد الأزرق اللامتناهي من السماء الفسيحة، ويعيده قطرةً قطرةً إلى عروقه ونبضه، كي لا يفوته مهرجان التفاصيل في ثغور الفصول المتناثرة بين جزر الطفولة وصخب الحياة المعاصرة.

حوذيٌّ شاعرٌ، حوذيٌّ كاتبٌ، حوذيٌّ مترجمٌ، حوذيٌّ صحفيٌّ، مذيعٌ، مدرّسٌ، عاشقٌ للّغات، راصدٌ للأحداث، سياسيٌّ على مدار الساعة، عصاميٌّ رفيع في المواقف، عنيدٌ في البحث عن الحقيقة والدّفاع عنها، صبورٌ في التّحمّل، أنيقٌ في التفاصيل، صادقٌ في التعامل، رقيقٌ في المشاعر، بحرٌ في العطاء، فنارٌ في المرافئ تستهدي به السفن التائهة، وقلعةٌ في وجه كل الأعاصير والعواصف!

رأيناه قادماً من عمق مدن الضباب، من عمق الأيام الغابرة في أستراليا، في نصف الكرة الجنوبية لكوكبنا، يحملُ ثمارَ نصف قرنٍ من حقوله الإبداعية التي لا تعدّ ولا تحصى، استوقفناه عند عتبات “مدار ات كرد” لنستضيفه في حديقتها، ونحتسي معه فنجاناً من سيرته المليئة بالإنجازات، ونطوف معه بمراجيحه محطات حياته، ثم نتركه لصهيل جياده في الجهات!

والآن ندعوكم أيها القرّاء الأكارم بجولة في حدائق حياته.

 

 المحور الأول

  • من هو شاهين سورَكلي الإنسان، متى، وأين أصبح ضيفاً على هذه الحياة؟

هو ابن محمد علي بكر، الملقب والمعروف باسم “سورَكلي” استناداً الى مدينة “سويرَگ،” حيث أتى من تلك المنطقة في شبابه،ونايله (ربما من نائلة) بنت محمد علي بوزان عبروش من كُرمانج المنطقة التي كانت تابعة لسروج في الماضي.حسب السجل الرسمي وُلد عام ١٩٤٦ في قرية مَزرا عَبروش (الاسم الرسمي: مزرعة عامود) الواقعة في غرب كوباني على بعد خمسة أم ستة كيلو مترات.

  • هل تتذكر الملامح الأولى من طفولتك؟ وما الذي يمكنك أن تتذكره أكثر من أي شيء آخر؟

طفولتي كانت قصيرة الزمن، فوالدي كان بحاجة ماسة الى من يساعده من العائلة، لذا فلقد حمّلني مسؤوليات عدة منذ السنين الأولى من حياتي. أتذكر الكثير من أيام طفولتي: الأقارب والناس القريبين، حصاني، دراجتي، دراجتي النارية، سيارة الجيبالتي كنت أسوقها بدون رخصة وأنا في المدرسة الابتدائية؛ أتذكر أول سيارة ركبتها وأنا طفل صغير وكان صاحبها أرمني أخذني ووالدي الى قريتنا الثانية دولي في يوم من أيام الربيع. قبل كل شيء أتذكر أخوالي وأقرباء عدة لوالدي كانوا يزورونا من الشمال، ثم أشخاصاً من المنطقة كنت أزورهم بصحبة والدي وهم كثيرون مثل بوزان بيك وفريدون شاهين في قرية مكتلة، جيراننا مصطفى موسي، بصراوي آغا، زيدو عَل تِپو (زيدوعلي تمو)في قرية شيران وكثيرون آخرون. أتذكر الليالي الحالكة عندما كنا نستمع بحرص الى صوت البنادق الآتية من شمال القرية حيث تدور العراك بين المهربين الكُرد والجنود الأتراك. أتذكر جندياً تركياً نحيفاً طويل القامة يحمل بارودة طويلة طالباً النجدة من بيت جدي في قريتنا فيأخذه والدي بسيارتنا الى مخفر الشرطة في كوباني (عين العرب) ومازلت حتى اليوم أشفق لحال ذلك الجندي المسكين الصامت لأن السلطات السورية سلّمته الى الطرف التركي بعد أيام. أتذكر كم كنت حزيناً كلما حصل شجار بين جماعات من منطقتنا خاصة عندما كان البعض يُقتلون… أتذكر حفلات الزواج الصاخبة والتي كانت تدوم أياماً عديدة؛ أتذكر أيامي الأولى في المدرسة الابتدائية، حزني على أخواتي اللواتي كان عليهن الزواج في سن  مبكر  حسب العادات السائدة، أتذكر الفلاحين الطيّبين والمخلصين؛ أتذكر أياماً حلوة رغم قساوة البعض منها أحياناً وأناساً حملتُهم في ذاكرتي لأزورهم في خيالي أينما كنت، ومع أن المنطقة لم تكن خالية من السلبيات فلقد بقي قلبي معها ومازال لأن الإيجابيات كانت أكثر بكثير في مجتمع كان في زمن طفولتي يختلف كل الاختلاف من المجتمعات الأخرى التي تعرفت عليها فيما بعد.

  • لقد عشت طفولتك في بيئة كردية صرفه، كيف كانت ملامح بيئتك في تلك الأيام؟

بيئتي كانت مليئة بالمحبة وليست خالية من الحسد والعداوة والكراهية، لكن بشكل عام كانت بيئة تشعر فيها بالأمان بين أناس لا حدود لحسن الضيافة لديهم، أناس يستطيع الصديق الاعتماد عليهم عند الحاجة، أناس محافظين على كبريائهم، تقاليدهم ولغتهم فكانت اللغة الكردية سائدة بينهم يفيقون وينامون على سماع كلماتها. كانت بيئة وكأنها معزولة عن العالم وكنا فيها كأسماك بحيرة نعتقد بأننا سنُحرم من التنفس إن خرجنا منها، كانت بيئة كُرمانجية بحتة بكل معنى الكلمة، لكن البيئة بدأت تختلف رويداً رويدا ًابتداءً من زمن الوحدة السورية مع مصر. في سن المراهقة ومع الوعي السياسي بدأت تظهر بشكل يختلف قليلاً عن الماضي …

  • متى بدأ مشوارك التعليمي؟ وفي أية مدارس درست؟ في الريف أم في المدينة؟ وهل كانت توجد مدارس ابتدائية في ريف كوباني في ذلك الوقت؟

لا أتذكر مدارس ريفية قريبة أثناء السنين الأولى من طفولتي. في بداية الأمر تعلمت قراءة القرآن مع إخوتي حيث كان والدي قد وظف “خوجة” تركماني لذلك الغرض. بعد ذلك ذهبت الى المدرسة الابتدائية الواقعة شمال مقبرة الأرمن في كوباني وبقيت هناك حتى نهاية الصف السابع على ما اعتقد حيث لم تكن هناك مدرسة ثانوية في بداية الأمر. من الصف الثامن حتى الثاني عشر داومت في الثانويات التالية في حلب: المعري، الكواكبي ثم ثانوية بني حمدان حيث أنهيت الدراسة الثانوية وحصلت على شهادة الباكالوريا / الفرع الأدبي.

  • هل كانت توجد مكونات أخرى كالأرمن والسريان في كوباني وهل كوّنت صداقات معهم، وكيف كان التعايش المشترك بينهم وبين الكرد؟

أثناء السنين الأولى من طفولتي كان عدد كبير من سكان كوباني من الأرمن. كان التعايش معهم جميلاً ومسالما ًولقد أحببت معاشرة الأرمن كثيراً. كان معظم جيراننا في كوباني، إن لم يكن كلهم، من الأرمن وكان بين الكثيرين منهم وأبي صداقة متينة. كانوا يتكلمون سويّةً باللغة التركية. بالفعل كان الأرمن زينة كوباني آنذاك وكانوا أناسا مسالمين وطيبين ومحبين للعمل. كان لي أصدقاء أعزاء بينهم وجيرة مليئة بالإخلاص والمحبة بين أفراد عائلتي وعائلات الأرمن، لقد تعلّمت بعض الأرمنية منهم وما زالت بعض الكلمات والجمل عالقة بذهني. صداقتي مع الأرمن امتدت الى حلب أيضا حيث كان لوالدي علاقة تجارية مع عائلة ديكران كختاليان مثلا، وكان لي أصدقاء مع بعض أفراد عائلات عمالنا الأرمن الذين كانوا يعملون كسائقين أو ميكانيكيين في مصلحة والدي عندما كان لنا تراكتورات، ومحركات لضخ الماء، وحصادة، وشاحنة… كم أنا مشتاق إليهم ولقد تفرقوا في أنحاء العالم والبعض من الذين ذهبوا إلى أرمينيا التي كانت خاضعة للنظام الشيوعي آنذاك ندموا كثيراً، وأعلمني البعض بذلك بالمراسلة فيما بعد. كان هناك بعض العائلات من السريان أيضا ولكن عددها كان ضئيلا وأتذكر من السريان حلاقنا الطيب الأنيق مجيد، ومساعده كريم، والقندرجي الذي نسيت اسمه. أتذكر أيضا عزير اليهودي وزوجته وابنتهما حياة، وكانت العائلة تسكن في الطرف الجنوب الغربي من حارتنا قرب مدخل شارع السوق المؤدي الى قهوة كارمين في الجهة الغربية، لقد بقي عزير في كوباني حتى موته وما زلت أتذكر تابوته على سطح بوسطة لاوو في طريقها الى حلب.

  • هل كان التعليم متاحاً لجميع الفئات، أم كان متاحاً للفئة الميسورة فقط؟

التعليم كان متاحا للذكور فلم تكن هناك مدرسة للبنات. الغريب في الأمر أن أخواتي الأكبر مني سناً كنّ قد ذهبن في الماضي إلى المدرسة وأعتقد أنها كانت قريبة من النهر والجامع وقد تحولت فيما بعد الى مركز ثقافي. مع أن التعليم الابتدائي كان متاحا لكل الذكور في عهدي إلاّ أن بعض العائلات الأشد فقراً لم تكن قادرة على إرسال أولادها أو ربما لم تكن لديها الخبرة. أما أهالي القرى الذين كانت حالتهم المادية جيدة أو لديهم أقرباء في كوباني كانوا يبعثون أولادهم أو البعض منهم الى مدرسة عين العرب/كوباني، وربما ذهب البعض الى مدارس ريفية التي بدأت تدرّس في بعض القرى. مثلاً من قريتنا فقط أنا وأخي محمد كنا نذهب وكانت زوجة والدي الأولى هدلة، أم محمد، تعتني بنا في بيتنا في كوباني، أما أخي بكر فلم يداوم كثيراّ حيث رفض المدرسة رفضاً تاماّ وأتذكر اليوم الذي لفّ فيه ذراعيه حول عمود التلفون وكأنه يقول اقتلني إن شئت فسوف لن أتحرك من مكاني. في النهاية انتصر ولم يرجع إلى المدرسة.

  • ما الذي اكتشفته في عالمك الداخلي بين المرحلة الدراسية الأولى في كوباني والمراحل الأعلى في حلب؟

حلب كانت بالنسبة لي منفذاً من محيط يعرفني فيه تقريباّ كل شخص، أي مكاناً أتمتع فيه بحرية شخصية أوسع، ولكن من الجهة الأخرى كان هناك اختلاف كبير بين مجتمع كوباني وقراها والمجتمع في حلب، مع أن حلب لم تكن غريبة علينا. شخصياً لم أرَ أي سوء من الحلبية الذين كانوا بدورهم مختلفين اثنياً وثقافياً ومادياً، إلا أنني كنت أعتبر الشباب هناك بصورة عامة مائعين وغير جديين. أتذكر أستاذنا كامل ناصيف في ثانوية بني حمدان، كان يقول للمشاغبين من الزملاء أحياناً، “ولاك ميوعتكون وسخافتكون مالها نهاية؟ ولاك عنا طلاب مهذبين جايين من مناطق بعيدة ليتعلموا، مومتلكون مايعين عم بضيّعوا وقتون.” ربما يرجع ذلك إلى كوننا من مجتمع محافظ ذات جدية شخصية. لم يكن لي أصدقاء بكل معنى الكلمة بين الزملاء العرب. كنا نحس بالصداقة الحميمة فقط مع الزملاء الكرد وخاصة مع الطلبة الذين كنا نعرفهم من كوباني. أعترف الآن بأن الذنب في ذلك يقع على عاتقي أكثر من الزملاء العرب فلم أكن شخصاً يستطيع، أو يرغب، الاختلاط  بسرعة مع أناس خارج محيطه ولم أتخلص من تلك العادة إلا بعد سنين، مع أن آثارها ما زالت باقية في شخصيتي.

حلب علّمتني أشياء كثيرة، ففيها تعلمت الاعتماد على النفس، وفيها اكتملت ثقافتي الجنسية والتي كنا بعيدين عنها كل البعد في مجتمعنا الكوباني، وفي حلب تعرّفنا على الأفلام السينمائية الجديدة وعلى المسارح والمطاعم والسهرات، …
في الحقيقة،شخصياً لم أواجه أي تمييز على أساس الانتماء القومي. طبعاً كانت هناك قلّة من الأساتذة القوميين ولكن صادفت أساتذة يساندون الكرد علناً أيضاً، حتى النضال الكردي في كردستان العراق، وسمعت الأستاذ لطفي رهوان في ثانوية بني حمدان مثلاٌ يقول بصوت عال لبعض الطلاب الذين ربما كانوا يتكلمون عن الحرب العراقية -الكردية، “يا ابني هنيك كردستان وبتختلف بكل شي عن الطرف العربي من العراق”. التمييز العنصري كان من عناصر المخابرات إذا وجدوك فعّالاً في السياسة الكردية، أو مطالباً للحقوق المشروعة للكرد، وللأسف الشديد كان معظم الاعتقالات نتيجة لوشايات من عناصر ومخبرين كرد . كطلاب كرد لم يكن معظمنا يخاف من أحد ولا أنسى عندما لطمت ناصرياً في وجهه لما أصرّ أن أعطيه مذياعي الصغير ليستمع لخطاب من جمال عبد الناصر وأنا أسبّه وأسبُّ عبد الناصر، وكان ذلك عام ١٩٦٤ أثناء معسكر الفتوة جنوب حلب. ما زلت حتى اليوم أشعر بالذنب وكم تمنيت أن أصادف ذلك الزميل من حي الكلاسة لأعتذر منه . سمعت فؤاد شاهين مرة يروي الحادثة عندما صادفته أثناء تعزية أحد أقاربه في مكتلة.

  • بمن تأثرت في تشكيل وعيك القومي، وهل انتسبت إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي)؟

كان الوعي القومي أثناء طفولتي شبه معدوم. كنا نعيش في جو كردي بلغتنا وعاداتنا وتقاليدنا، لكن الوعي القومي كما نعرفه اليوم كان ضئيلاً. بدأت اليقظة القومية برجوع مصطفى البارزاني من الاتحاد السوڤياتي ثم تطور أثناء الثورة المسلحة في كردستان العراق كما كانت تسمى آنذاك. بالنسبة لي فإن أول شخص أيقظ الحس السياسي والقومي لدي هو عثمان شيخ خضر من قرية حلنج وكان ذلك عندما كنت في الصف السابع على الأغلب، ربما في عام من أعوام نهاية الخمسينات، وأتذكر عندما أعطاني عنوان مكان لبيع الكتب في حلب وكتب عنوان كتاب عن الديالكتيكية الماركسية.

في مدينة حلب اتصل بنا، أنا ورفاق آخرون من كوباني، شباب كرد من الجزيرة وجبل الأكراد وربما كان الحزب الديموقراطي لكرد سوريا هو الحزب القومي الوحيد آنذاك. لا أتذكر عضوية مليئة بالنشاط لكنني أتذكر الاحتفال المتواضع لأول مرة بعيد نوروز عندما عزمني أنا وربما جمعة صالح وفاضل سليمان كردي على الأغلب من منطقة عفرين الى بيته. ربما المهمة الوحيدة التي قمت بها للحزب هو أخذ رزمة من المنشورات الحزبية من حلب الى اللاذقية نظمها الصديق العزيز فاضل ملا خليل(فادلي حج سَوي). غادرت سوريا وأنا في التاسعة عشر من عمري. في النمسا لم يكن لي أي نشاط سياسي ولكن في ميونيخ اشتركت في عدة اجتماعات مع أعضاء جمعية طلبة كردستان مع اخوة من كردستان إيران وتركيا. عام ١٩٧٣ عندما رجعت الى ألمانيا وبقينا في برلين ما يقارب عاماً واحدا ًتعرفت على فرهاد إبراهيم من عامودا وشاب من منطقة عفرين نسيت اسمه مع الأسف وكانا من الحزب الديموقراطي لكرد سوريا واجتمعنا ثلاث أو أربع مرات. بعدها رجعت إلى استراليا وبدأَت مرحلة جديدة من حياتي ابتعدت فيها كل البعد عن الأحزاب الكردية السورية بسبب التفرعات العديدة والانقسامات والضعف، وازداد مخالطتي مع الكرد من كردستان العراق وتركيا وإيران، خاصة من عام ١٩٧٩ حين أسسنا جمعية كردية أسترالية كنت رئيسها لستة أعوام. منذ ذلك العام كان نشاطي السياسي الكردستاني كثيفاً واحتاج إلى كتابة كتاب لأتمكن من ذكر نضالي لأجل القضية الكردية وكل ما يتعلق بالكرد في أستراليا والأجزاء الأربعة من كردستان.

  • ما من إنسان إلا ويخوض تجربة في الحب والعشق في الحياة، ويقول المثل الكردي عن الفتيات: “ما مِنْ شجرةٍ إلاّ وتهزّها الرّيح”، فهل هبّت رياحك على شجرة ما وهزّتها في تلك المرحلة الشبابية الأولى؟

مع أن أغانينا الشعبية والكلاسيكية كانت مليئة بقصص العشق والغرام وكان الكلّ يحبّون تلك الأغاني فلقد كان العشق محرّماً حسب التقاليد في مجتمعي وكان حب فتاة علناً أمراً خطيراً قد يؤدي إلى قتل العاشقين لأدنى تقارب. الحب لذا كان عذرياّ وبريئاً وسرياً كامناً في القلب. حتماً كان لدي شعور عاطفي تجاه كرديات ولكن كان ذلك من بعيد دون حتى همسة وأحببت أيضاّ فتاة أرمنية وأعلم بأنها هي أيضاً بادلتني نفس الشعور ولكن لم نتجرأ أن نقترب من بعضنا فالتحدث  مع فتاة كان عيباً ومحرّماً في ذلك المجتمع حينذاك وأتذكر عندما اتصل جارٌ كرديّ ٌلعائلة الفتاة الأرمنية مع والد صديقي جمعة صالح مرة يشكو من مروري أكثر من مرة من حارتهم بدراجتي النارية، ربما بعد أن أهديت إلى الفتاة البعض من الفستق من أشجارنا في القرية من شباك بيتها في إحدى الأمسيات. في حلب نوعاً ما كانت البيئة مختلفة قليلاً وتعرفت على نساء من قريب،ولكن في أوروبا فيما بعد دخلت جواّ يختلف كل الاختلاف عن المحيط الذي ترعرعنا فيه لكن آثار المحيط الذي تركتُه خلّفت عقدة نفسية جعلت التكلم مع النساء صعباً في البداية. شخصياً كان وجهي يحمرّ عند التكلم مع النساء عامة. لحسن الحظ تخلصت من تلك العادة السيئة بعد فترة من الزمن في ڤيينا. كانت لي علاقات ودية مع بعض الصديقات في النمسا وألمانيا لكن الحالة المادية السيئة وعدم الاستقرار لم تساعدا على استمرار تلك العلاقات  عدا العلاقة  مع فتاة ألمانية، إلا أن أستراليا فرقتنا للأبد وكان فراقاً حزيناً. في أستراليا بدأت مرحلة جديدة في حياتي وتغيّرت الظروف والمقاييس وتزوجت هنا، ولقد شاءت الأقدار أن تكون الغالبية العظمى من الذين عملت معهم زميلات إناث، إن كان أثناء التوظيف مع وزارة التربية والتعليم في سيدني أو في وظيفتي الإضافية مع هيئة البث الخاص كمذيع وصحفي ومسؤول، فاحترمت المرأة كزميلة، كمسؤولة عن دائرة …

 

المحور الثاني

  • من المعروف عنك، كنت من الطلاب الكرد الأوائل الذين سافروا إلى الخارج لإكمال دراستهم الجامعية، إلى أية دولة أوربية توجهت؟ وفي أي جامعة بدأت دراستك، وأي فرع؟

بعد الحصول على الشهادة الثانوية وصلني أول قبول من جامعة مدريد فغادرت كوباني ثم حلب في الشهر العاشر من عام ١٩٦٥ وكان الفراق مؤلماً وحزيناً، ربما مأساوياً لوالدتي خاصة ووالدي … في طريقي الى مدريد صادفت في العاصمة النمساوية ڤيينا الصديق العزيز صادق ملا خليل وكان يدرس الطب هناك. نصحني الأخ صادق بأن أبقى في ڤيينا بدلاً من الذهاب الى مدريد وسجلني في معهد لتعلم اللغة الألمانية والفضل في بقائي في النمسا للأخ الدكتور صادق. فيما بعد التقيت بأخيه الصديق العزيز فاضل الذي ساعدني أيضاً وحصلت على مكان في بيت الطلبة المسماة بـ “أوروپا هاوس”. فيما بعد أرسلتني جامعة ڤيينا الى معهد داخلي في بلدة مودلينغ جنوب ڤيينا مخصص لتجهيز الطلبة الأجانب للدراسة في الجامعة. أنهيت النصف الأول من العام بنجاح، ولسوء الحظ أتاني قبول من جامعة غراتز فتركت المعهد والتحقت بكلية السياسة والاقتصاد. بعد فترة قصيرة لاحظت بأن لغتي غير كافية لفهم وكتابة المحاضرات واكتشفت بأن ترك المعهد في مودلينغ كان خطئاً فظيعاّ. رجعت الى ڤيينا ثم غادرتها بعد عدة أشهر وبدأت الدراسة في جامعة ميونيخ الألمانية. أنهيت هناك السمستر الأول، النصف الأول من العام، بنجاح إلا أن وضعي المادي كان تحت الصفر وكنت أدفع الإيجار الشهري لغرفة في بيت للطلبة بصعوبة بالغة. لا أبالغ إن قلت بأنني كنت أبقى جائعاّ لفترات.  كان أبي يمر في فترة صعبة مادياً بعد سنين من الجفاف وتوقف عن تمويلي أشهراً.  في النصف الثاني من العام الدراسي فجأة استلمت برقية من السفارة الأسترالية بأن نتائج المقابلة التي أجروها معي قبل أشهر كانت إيجابية وباستطاعتي أن أحصل على الڤيزا بالإضافة الى بطاقة السفر بالطيران على حسابهم من ڤيينا إلى أستراليا مروراّ بلندن. لهذه المفاجئة أيضاً قصة طويلة لا مكان لذكرها هنا. باختصار كان سوء الحالة المادية السبب الرئيسي لليأس والتنقل. وصلت الى سيدني في أواخر الشهر العاشر من عام ١٩٦٨ أي بعد ثلاثة أعوام من مغادرتي لسوريا. عند الوصول الى سيدني كان بجيبي دولارين بقيا من مئة مارك ألماني كنت قد ديّنتها من صديق في ميونيخ. كنت أعتقد بأن بقائي في استراليا لن يكون طويلاً وسوف أوفّر نقوداً كافية لاكمال دراستي في ألمانيا في فترة قصيرة لكن كما قال شاعر عربي “… تجري الرياح بما لا تشتهي السفن” وربما كان ذلك من مصلحتي هذه المرة. عام ١٩٧٣ كانت محاولتي الأخيرة للدراسة في ألمانيا لكنني كنت متزوجاً الآن ولم تكن زوجتي سعيدة هناك حيث كانت تبكي شاكية وتقول ” هل هذه حالة في هذا البلد حيث نترك البيت في الظلام صباحاً ونرجع اليه في الظلام بعد الظهر؟ ” بعد البقاء في برلين أقل من عام رجعنا الى أستراليا بعد رحلة في انحاء أوروبا في سيارتنا الصغيرة فولكس ڤاگن، فقبلت الواقع وبدأت الدراسة من جديد في جامعة ماكواري في سيدني من بداية عام ١٩٧٤ بمنحة دراسية متواضعة وأكملت دراستي في نهاية عام ١٩٧٧ أي بعد أربعة أعوام ضرورية للحصول على شهادتي BACHELOR OF ARTS/Diploma of Education) ).

الشهادة الجامعية تضمنت علم اللغات بما في ذلك قواعد اللغة الألمانية، الأدب الألماني، اللغة الإنكليزية والأصول القواعدية والتاريخية، مادة في الفلسفة ومادتين في العلوم السياسية، أما الدبلوم في الثقافة فتضمن مادة الثقافة والتطور الذهني لدى الإنسان، أساليب تدريس اللغات كلغة ثانية، نظام التدريس في أستراليا ومواد أخرى.

  • آنذاك، هل كان يوجد طلاب كرد معك في الجامعة، من كانوا، من أي فئة اجتماعية، ومن أي أجزاء من كردستان، هل تتذكر؟

في مودلينغ تعرفت على “شهير” و “حكمت” من جنوب كردستان ولم يكن بيني وبين حكمت أية صداقة عن قريب أما شهير فمع أنه كان من عائلة ذات حالة مادية جيدة فلقد كان مفلساً مثلي معظم الأوقات. في النمسا وألمانيا كطلاب كان يُسمح لنا بالعمل فقط أثناء العطلات الجامعية. في غراتز تعرفت على الصديق كمال من جبل الكرد وفي ميونيخ قابلت طالباً من عائلة كايا من كردستان تركيا وعدة طلبة كرد من الشرق والجنوب ولكنهم لم يكونوا من جيلي وكانوا هناك منذ سنين وبعضهم كانوا متزوجين من ألمانيات.

  • لا شك أن الانتقال من بلد بالكاد كان يتوفر فيه أدنى مستويات التخطيط والحياة المدنية، إلى بلد أوروبي مزدهرٍ اقتصادياً وحضارياً، قد ترك فيك أثراً كبيراً، فكيف كانت الصدمة الحضارية الأولى -إن صح التعبير-على عالمك الداخلي؟

الصدمة الأولى كانت في محطة القطار في ڤيينا عندما سألت السائق الأول في موقف سيارات التكسي عن النقود اللازمة لإيصالي إلى المكان الذي كنت ذاهباً إليه فأشار إلى ساعة الأجرة ولقد كلفني التوصيلة نقوداً كافية لتشغيل ثلاثة عمال في منطقة كوباني من الصباح حتى المساء. بعد ذلك لاحظت بأن 300 ليرة سورية كان من المفروض أن أستلمها من والدي شهرياً لا تكفي لعزيمة ثلاثة أصدقاء إلى سهرة في مطعم فاخر. تدريجياً أدركت أن حالة المعيشة لموظف له وظيفة عالية أو عامل مختص أفضل من حالة بعض مالكي الأراضي والمصالح في كوباني أو في سوريا. حرية الصحافة وفروعها، حرية الناس بصورة عامة وعدم فزعهم من السلطات أو شروط المجتمع الآتية من العادات والتقاليد، حرية النساء، النظام والتقيد بالمواعيد، التكلم في الأماكن العامة بصوت منخفض، عدم البصق على الأرض، قلة الصياح والمشاجرات، عدم وجود الرشوة، أسلوب التعامل بين الذكور والإناث وأمور أخرى كثيرة أثارت انتباهي وأحببت في الأوربيين معظم عاداتهم في حياتهم اليومية لدرجة أنني بصراحة حاولت الابتعاد عن الشرق أوسطيين بصورة عامة والاندماج في المحيط الجديد والاستفادة من الفرص المتاحة والتعلم منها. طبعاً كنت أحس بالغربة وآثارها الشخصية والعاطفية والاجتماعية وكانت مؤلمة في البداية. اشتياقي إلى الأهل والأصدقاء كان يعذبني لكن الأيام تدرّب الإنسان تدريجياً بأن يتعود ويقبل معظم التغييرات في حياته.

  • ما هي التحديات الأولى التي واجهتك في المرحلة الجامعية، اللغة أم نمط الحياة السائدة، أم أمور أخرى نجهلها؟

اللغة مفتاح النجاح الفعلي طبعاً وكانت إحدى التحديات في البداية، لكنني أحببت الألمانية وتعلّمتها، لكن أكبر التحديات كانت متعلّقة بوضعي المادي، أقصد إدارة أموري بالنقود القليلة في جيبي. كان وضعنا المادي حسناً في الوطن معظم الأوقات ولم أكن متعوّداً على العيش بنقود قليلة، لذا لم أستطع الاستقرار آملاً أن أحصل على فرص أفضل في مكان آخر. كنت أخجل من أصدقائي وصديقاتي لأن وضعي المادي لم يكن يمكنني حتى أن أعزم أحداً إلى مقهى معظم الأوقات. لحسن الحظ كنت أعمل أحياناً وكان ذلك يحسّن من وضعي المادي لفترة قصيرة ولكن يضع عائقاً بيني وبين الدراسة. كبريائي وعدم معرفتي بأمور، ربما كانت ستحسن من وضعي المادي، أدّت إلى مغادرتي لأوروبا في النهاية وتأجيل الدراسة لفترة من الزمن.

 

  • كيف كانت تفاصيل حياتك اليومية خارج جدران الجامعة؟ وهل كنت تنظر إلى نفسك كفرد، أم كممثل لشعب بأكمله، من حيث التصرف والتعامل مع الآخرين؟ بكلمات أخرى، هل كنت إنساناً فرداً، أم إنسانا جمعياً يختزل تاريخ وتطلعات أمة بأكملها في شخصيته؟

باختصار شديد كنت أتصرف كفرد مسؤول عن نفسه وتصرفاته، ولكن كفرد من شعب ليس له دولة أو حتى قنصلية في الخارج. كنت أرى نفسي كسفير لشعبي، أحاول أن أكون مثالياً مقدماً نفسي بفخر كشخص كردي. مراراً كنت أنصح البعض بأن “لا يضروا بسمعة الكرد”، حتى مواجهة البعض بالنقد الشديد حين كانوا يقومون بتصرفات سلبية، لدرجة أن شخصاً في أستراليا كان قد قال يوماً، حسب ما قيل لي، “هل هو شرطي كردستان؟”

  • كيف كان ينظر المجتمع الأوروبي إلى المغترب في ذلك الحين؟ هل كان المغترب مرغوباً لديهم في تلك المرحلة من تطور أوروبا؟

كانت النظرة إلى الطلاب مختلفة تماماً عن النظرة الى “العامل الضيف” كما كان العامل الأجنبي يسمى حينها. شخصياً لم أصادف عنصريين يهينوني لكوني أجنبياً ما عدا مرتين خلال ثلاثة سنين في أوروبا وإحداهما من شخص سكران في ميونيخ، فلطمته كفاً مع الأسف، ولما تدخل شرطيان أخبرتهما عن السبب فكانا لطيفين ووبخوا السكران. بصورة عامة كان موقف الناس من العمال أيضاً موقفاً مقبولاً لأن الأعداد لم تكن مرتفعة كما عليه الآن، وكانت أوروبا بحاجة الى عمال. بالنسبة للكرد كان الموجودون في أوروبا كلهم طلبة إلى أن وصل عمال كرد مع العمال الأتراك، خاصة بعد النصف الثاني من الستينيات، نتيجة الاتفاقيات بين الحكومة التركية وبعض الحكومات الأوروبية.

 

  • لكل نمط من الحياة نمط من السلوك، هل استطعت التكيّف مع النمط الجديد من الحياة سلوكياً؟ وما هي التحديات التي واجهتك ككردي أولاً، وكشرقي ثانياً؟

كما قلت أحببت الشروط السلوكية في المجتمع الجديد وحاولت الاندماج والتصرف كأوروبي قدر الإمكان. طبعاً يحتاج المرء إلى وقت لأن التخلص من الآثار التي يتركها مجتمع ما في شخص ليس سهلاً. من جهة أخرى فكرديتنا متعلقة فينا وفي قدَرنا والتخلص منها شبه مستحيل. إضافة إلى ذلك أحياناً بعض الناس في مجتمع ما ربما لن يقبلوا شخصاً كفرد منهم تماماً مهما حاول الآتي من الخارج، خاصة إن كان شكله أو لهجته أو خلفيته مختلفاً ولو قليلاً، وهذا التصرف موجود بين بعض الأفراد في كل مجتمع، حتى المجتمع الكردي كما نعرف.التحديات موجودة في كل مكان ولم تكن قليلة حتى في سوريا ولكنها تختلف في كل مكان بشكلها وعمقها وعددها. أعتبر نفسي محظوظاً حيث لم تعيق التحديات مسيرتي في الحياة وصادفت أناساً كثيرين في طريقي، أناساً أحبوني واحترموني ومنهم من كانوا أصدقاء وزملاء وجيران لطفاء أوفياء. هذا لا يعني بأنني تكيفت مع كل فرد في المجتمعات التي انضممت اليها فهناك أشخاص صادفتهم في طريق الحياة ولم أتكيف معهم، أو لم يتكيفوا هم معي، ولكن أعدادهم كان ضئيلا، والبعض منهم كانوا شرق أوسطيين بمن فيهم كرد وهذا أمر طبيعي في الحياة.

  • هل لك أن تخبرنا قصة مثيرة حدثت معك؟

سأخبركم قصة قصيرة وأخرى أطول. في الأسابيع الأولى من وصولي إلى ڤيينا صادفت فتاة أوربية لطيفة في مكان للشباب وبعد التكلم معها لبرهة نظرت إلى عينيها وقلت “أحبك.” ابتسمت وقالت، تعرفت عليّ قبل لحظات فكيف تستطيع قول ذلك وأنت لا تعرفني؟” احمر وجهي من الخجل ولم أكرر مثل هذا الخطأ ثانية.

لننتقل الى “القصة” الثانية ولو كانت غريبة أكثر كونها مثيرة: عندما وصلتني برقية السفارة الأسترالية وقررت مغادرة ألمانيا ذهبت الى إدارة الجامعة لأطلب السماح بترك الجامعة وأحصل على تقرير يدوّن المواد التي نجحت فيها… كان عليّ أن أرى أساتذتي وأخبرهم بما قررت حيث غضب أحدهم من قراري وبدأ يقول بصوت عال: “شاهين، هل جُننت؟ أستراليا في مؤخرة الدنيا ولماذا تذهب…؟” شرحت للبروفسور وضعي المادي فسكت لبرهة قصيرة وقال بصوت منخفض: “سوف لن أوقّع التقرير. تعال غداً وسوف نناقش الأمر”. في اليوم التالي ذهبت في الوقت المحدد فقال لي: “اسمع بانتباه شاهين. ناقشت وضعك مع بعض زملائي واتفقنا أن ندفع تكاليفك الشهرية إلى أن نرى لك حلاً آخراً.” قاطعته والدموع كادت أن تسيل من عيناي، “شكراً جزيلاً حضرة البروفسور ولكن لا أريد أخذ النقود من أحد …” باختصار، قبل أستاذي الطيب في النهاية قراري. عندما تركت الجامعة بكيت بصمت في الشارع غارقا بين أمواج العواطف وأنا أفكر كيف أن شاهين ابن محمد علي سورَكلي، صاحب قريتين ومئات الهكتارات من الأرض وتراكتورات و وو… قد أصبح مثل شحاد يشفق الناس عليه و يريدون جمع التبرعات له! اليوم حين أتذكر ما حدث ذلك اليوم أهز رأسي وأضحك على حماقتي الصبيانية وذهنيتي الكردية آنذاك.

المحور الثالث

  • من شذرات المعلومات التي نمتلكها بأنك تزوجت أجنبية في استراليا، متى كان ذلك، وكيف تعرفت عليها؟

زوجتي روبين (لم أغير اسمها الى الكردية كما ظن البعض فالاسم هذا إنكليزي الخلفية) من مواليد عام ١٩٥٠ وكان والدها جون هايد قد وصل مع عائلته من إنكلترا عندما كان عمره ثلاثة أعوام. أمها أيضاً من خلفية إنكليزية لكن عائلتها مستقرة في أستراليا منذ فترة طويلة.  تعرفت على روبين في بلدة صغيرة شمال سيدني عندما كنت أعمل كمشرف على قسم من شركة لتركيب أجزاء الشاحنات الألمانية “مان ديزل” لفترة قصيرة. تزوجنا في بداية ١٩٧١ وها هو زواجنا يقترب من ٤٨ عاماً ومن هذا الزواج لنا صبيّان وأربعة أحفاد.

  • هل كان للأهل في كوباني رأي في زواجك، ماذا كانت ردود الفعل التي أبدوها تجاه خيارك في الزواج؟ وهل أقمت حفل زفاف وحضر بعض الأهل، أم كان زواجاً على النمط الأوربي؟

أتذكر بأنني اقترحت على عائلتي أن يبحثوا لي عن شريكة حياة فكتبوا يذكّرونني بعادة دفع المهر و وجوب الذهاب لكوباني لأتعرف أنا وعائلة الفتاة على بعض حسب التقاليد، وسألني والدي في رسالة، “يا ابني مَن من منطقة كوباني سيقبل أن يضع ابنته في طائرة ويبعثها لوحدها من سوريا للزواج في آخر الدنيا؟!”رأيته على حق وطلبت منهم ان ينسوا الموضوع. أخبرت العائلة فيما بعد عن زواجي وأرسلت لهم صوراً، فلم يكن أحد منهم ضد الفكرة … ضحكنا أنا وروبين لما أخبرتني بعد زيارتها الأولى لوحدها لعائلتي في القرية، بأن والدي نصحها عن طريق مترجم، اعتقد الأخ محمود رامي، “كوني وفيّة لشاهين.” حفل الزفاف كان على الطريقة الأوروبية في بلدة عائلة روبين وحضرها أفراد وأصدقاء وصديقات عائلتهم ومن طرفي حضرها الصديق فاضل سليمان (آغجان) رحمه الله وأحمد مِشعنّابي وصديق حلبي.  تعرّف أبي وبعض أفراد عائلتي على روبين لأول مرة عام ١٩٧٣عندما التقينا في بيروت لأنه لم يكن بوسعي زيارة سوريا آنذاك حيث كنت مطلوبا ًمن قبل محكمة أمن الدولة العليا متهما ًبعضوية “منظمة سرية تثير النعرات العنصرية” ومازالت نسخة من قرار المحكمة المذكورة عن ذلك في جريدة الدولةالرسمية معي. بعدها زارت روبين عائلتي مرتين، مرة لوحدها ومرة مع طفلينا. في زيارتها الاولى داهمت المخابرات منزلنا في القرية وأفاقوها عند الفجر يبحثون عني وسألوها إن كانت يهودية، لكن مرّ كل شيء بسلام.

  • أين استقر بك المطاف بعد الزواج، وفي أي حقل عملت، هل واصلت دراستك الأكاديمية، أم تفرغت للعمل؟

بعد الزواج أجّرنا شقة في سيدني. كنت أعمل كميكانيكي في شركة لبيع وتصليح سيارات فولكس ڤاگن وكانت زوجتي تعمل في مكتبة شركة. كنت أعمل أيضاً في بعض النوادي أمسيتين أو ثلاث في الأسبوع. بعد الرجوع من برلين، كما ذكرت، بدأت الدراسة الجامعية من جديد في بداية عام ١٩٧٤ وأنهيت الدراسة العليا في أواخر ١٩٧٧ (العام الدراسي في أستراليا يبدأ في شهر شباط وينتهي عادة في الشهر الثاني عشر).

في بداية عام ١٩٧٨ بدأت كمدرّس للغة الألمانية في ثانوية للبنين والبنات في ضاحية من الضواحي الغربية لسيدني. بعد ذلك بسنتين تقريباً حوّلتني الوزارة  الى مركز الوزارة في سيدني لأعمل كمرشد ثقافي ومنظم تدريس اللغات غير الإنگليزية في المدارس الابتدائية وكمدرّب لبعض أساتذة اللغات في المدارس. بعد خمس سنوات في تلك الوظيفة قدّمت على العمل كأستاذ للغة الألمانية والإنگليزية كلغة ثانية في ثانوية للبنات قرب مكان سكني وبعد أن ازداد عدد الطالبات من أصول لبنانية في تلك المدرسة اقترحَت المديرة البدء بصف للغة العربية، فنظمت ذلك وتدريجياً أصبحت اللغة العربية إحدى اللغات التي تُدرّس كلغة ثانية هناك من الصف السابع الى الثاني عشر. من عام ١٩٩٦ الى ٢٠٠٤ عملت كمفتش للدوام المدرسي ومنسّق لعلاقات المدارس مع أولياء أمور تلاميذها. بكلمات أخرى، فلقد استمر توظيفي مع وزارة التربية والتعليم في مقاطعة نيو ساوث وايلز في سيدني ستة وعشرون عاماً. إضافة إلى ذلك التوظيف خمسة أيام في الأسبوع، كنت أدرّس الإنكليزية للمهاجرين، أو الألمانية أو العربية للبالغين الأستراليين، أمسيتين في الأسبوع وكنت مدرّساً في مدارس يوم السبت الرسمية لتعليم الطلاب المنحدرين من أصول لبنانية وعربية اللغة العربية. اشتركت أيضاً في أعمال إضافية لوزارة التربية كتحضير المناهج وتحضير أسئلة الشهادة الثانوية وتصحيح أجوبة الامتحانات. أنهيت التوظف مع وزارة التربية والتعليم لولاية نيو ساوث وايلز الأسترالية وأُحِلت إلى التقاعد في نهاية عام ٢٠٠٤. من الصعوبة بمكان  أن أذكر كل أعمالي في هذه الفترة من حياتي المكثفة بالعمل والفعاليات لكنه يجب ذكر العمل الإذاعي باختصار. عام ١٩٨٢ بدأت بتحضير وبث برنامج أسبوعي باللغتين الإنكليزية والكردية لمدة وساعدني في تقديم البرنامج زوجتي روبين، وبنت أختي ميادة كردي وصديقات وأصدقاء أستراليين وكان البرنامج يبث أمسيات السبت من إذاعة 2SER FM وكنا أنا والبعض من أعضاء جمعيتنا ندفع ستين دولاراً في الأسبوع للإذاعة. عام ١٩٨٤ حصلنا بعد جهد طويل على برنامج إذاعي أسبوعي باللغة الكردية في الإذاعة الرسمية التي سمُّيت بإذاعاتها و تلڤزيونها فيما بعد بالهيئة الأسترالية للبث الخاصSBS . منذ ذلك العام بقيتُ المذيع والصحفي والمشرف في القسم الكردي ٣١عاماً حتى منتصف عام ٢٠١٥وخلال هذه المدة تحول البرنامج من برنامج للمستمعين في سيدني يستغرق نصف ساعة في الأسبوع الى برنامجين أسبوعياً يستغرق كل برنامج ساعة وتبث الى معظم أنحاءالقارة الأسترالية. حالياً يُقدَّم البرنامجان من قبل روزا گَرميان من خلفية كركوكية وميادة خليل كردي من الخلفية الكوبانية.

  • في هذه الأثناء، هل قمت بأية زيارة للمرة الثانية إلى أوروبا؟ وماذا كانت الأسباب، سياحية أم دراسية؟

قمت بزيارات عدة لأوروبا لأسباب سياحية وللبقاء على اتصال مع اللغة الألمانية وذهبت مرتين لأعمل كمترجم آني انگليزي – كردي /كردي – انگليزي في مؤتمرين عالميين حول القضايا الكردية، مرة في باريس (تشرين الأول ١٩٨٩) ومرة في ستوكهولم (آذار ١٩٩١). كما ذكرت كنت في برلين ما يقارب السنة عام ١٩٧٣.

  • هل حصلت على شهادات علمية أو مهنية وفي أي اختصاص؟

إضافة الى الشهادتين المذكورتين من جامعة ماكواري في سيدني، فأثناء عملي مع وزارة التربية من بداية ١٩٧٧ الى نهاية ٢٠٠٤ وأثناء عملي الإضافي مع هيئة البث الخاص الأسترالية خلال ٣١ عاماً اشتركت في دورات علمية ومهنية عديدة بما في ذلك دورات تتعلق بالتدريس والتعامل مع الناس والصحافة والبث الإذاعي. قبل بدء عملي مع وزارة التربية مباشرة حصلت على منحة واشتركت في دورة مهنية لمدرسي اللغة الألمانية في معهد غوته في إيزرلون، ألمانيا وحصلت على دبلوم فيما يخص تدريس اللغة الألمانية.

  • لا بدّ أن الانتقال من قارة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، أجبرتك على أن تتعلم الكثير من اللغات، ما هي اللغات التي تتقنها؟

لغة أمي هي الكُرمانجية. أثناء طفولتي تعلمت التركية من الخوجة التركماني وعائلة تركمانية كانت تعمل لوالدي فترة ومن الأرمن الذين عملوا في مصلحة والدي أو كانوا أصدقاء له وكانوا يتكلمون التركية مع البعض. طبعاً تعليمي الابتدائي والإعدادي والثانوي كان بالعربية. تعلمت اللغة الإنكليزية من الصف السابع الى الثاني عشر والفرنسية في الصفين الحادي عشر والثاني عشر.كانت دراستي العليا بالإنگليزية واللغة الرسمية في أستراليا هي أيضا الإنگليزية. تعلمت الألمانية في النمسا وألمانيا وكان قسم من دراستي العليا في سيدني بالألمانية. خلال معاشرتي مع الإخوة والأخوات السوران ومتابعة الإعلام الكردي تعلمت السورانية أيضاً… باختصار أعرف اللغات التالية شفوياً وكتابياً وقواعدياً: الكردية، الإنگليزية، الألمانية والعربية، أما التركية فأفهم لغة الشارع وأتكلمها وباستطاعتي قراءة النصوص القصيرة والسهلة والفهم من الأخبار عادة. أفهم قليلاً من الفرنسية والفارسية ولكن لا أتكلمهما. إنني أحب اللغات وكم أتأسف لكون الحياة قصيرة فلدي رغبة ماسة لتعلم الإيطالية حيث أفهم الكثير من عباراتها لأنني عملت في نادي إيطالي فاخر في أمسيات نهاية الأسابيع أثناء دراستي الجامعية. الإيطاليون شعب أنيق يحبون التمتع بالحياة ولكن بذوق وأناقة فحضارتهم الراقية تمتد قروناً عبر التاريخ.

  • من المؤكد أنك التقيت ببعض الأخوة العرب والترك والفرس المغتربين الجدد في تلك المؤسسات التعليمية، هل قدمت لهم أي نوع من المساعدة؟ وكيف كان تعاملك معهم، أو تعاملهم معك بعد أن عرفوا أنك كردي؟

في جامعة ماكواري تعرفت على فلسطيني هادئ الطبع، ضد التطرف الديني والقومي وقد كان شخصاً مهذباً وكان مؤيداً للحقوق الكردية وصديقاً مخلصاً؛ استقر في الإمارات بعد الدكتوراه. كان لي أيضاً أصدقاء لبنانيون وكان الاحترام بيننا متبادلاً وكانوا أصدقاء أعزاء. قبل الدراسة وبعدها، خاصة في حياتي السياسية، صادفت أناساً من كافة أنحاء الشرق الأوسط وكان الجميع يعرفونني كشخص مؤيد للقضية الكردية وله دور فعال فيها. بالفعل لم أصادف أحداً تعامل معي بقساوة أو تبادل معي عبارات غير أنيقة. ربما يرجع ذلك أيضاً إلى شخصيتي والطريقة الدبلوماسية المنطقية في تعاملي مع الناس. حتى المتطرفين بين القوميين العرب والترك كانوا يحترمونني ويخاطبوني “أخ شاهين”. مع الأسف الشديد الذين خاب ظني بهم، ولو كان عددهم ضئيلاً جداً، هم بضع أشخاص من الكرد المتطرفين حزبياً أو الحاقدين لسبب أو آخر. كموظف لدى وزارة التربية وأثناء عملي كمرشد ثقافي ساهمت في نشر تعليم اللغتين العربية والألمانية في المدارس وساعدت بعض الطلاب من أصول عربية، أما أفراد الجالية الكردية الآتين من كافة أنحاء كردستان وأرمينيا وجورجيا ولبنان فأشكر الغالبية العظمى منهم على ودّهم وتقديرهم ولهم مني كل الاحترام.

  • هل قمت بأي نشاط عام له علاقة بالكرد، كتأسيس جمعياتٍ، أو منتدياتٍ، أو ما شابه ذلك؟ إن كان الجواب بنعم، فما هي تلك الجمعيات، ومتى كان التأسيس، وأبرز النشاطات التي قمت بها؟وهل ترغب ذكر بعض تجاربك الشخصية مع الكرد؟

عندما وصلت سيدني نهاية تشرين الأول ١٩٦٨ لم يكن لوجود الكرد في أستراليا أي أثر. بعد الانتهاء من الدراسة الجامعية أسسنا جمعية كردية أسترالية في نهاية السبعينيات وكان أعضاؤها حوالي ٣٠ شخصاً معظمهم من عائلات أتت من تركيا، ثم أنا وزوجتي وعائلة أختي جميلة وزوجها محمد كردي (أبو عجاج) وبنتهما ميادة، وعائلة السيد علي حوري من بيروت. كانت هذه الجمعية التي كنت رئيساً لها حوالي ستة أعوام ربما فريدة من نوعها و كانت تساند النضال الكردي في كل مكان و توزع منشورات و مواد كل الأحزاب الكردية وكان لنا حفلتان في السنة يحضرهما بين ٣٠٠ و ٥٠٠ شخصاً من الأستراليين و ممثلي المنظمات الشرق أوسطية و ضيوف من خلفيات عدة، نقدم فيهما  كلمات عن النضال الكردي ضد الاضطهاد و في سبيل تقرير المصير بالإضافة الى الأغنيات و الدبكات الكردية… كانت لجمعيتنا فرقتان فولكلوريتان، واحدة للأطفال و أخرى للبالغين من النساء و الرجال و كنا نشترك في حفلات فولكلور وتراث الجاليات الأثنية التي كانت تقدم مرة في السنة في دار الأوبرا في سيدني. حاولت أيضاً تدريس الكردية للأطفال لكنني تركت ذلك بعد فترة من الزمن لاختلاف أعمار التلاميذ، عدم الدوام المستمر، كون التدريس في نهاية الأسبوع وكثرة أعمالي وانشغالي بأمور عديدة. غير ممكن أن أشير هنا إلى كل الفعاليات فلقد كانت لا تحصى وكانت الجالية الكردية الصغيرة موحّدة بكل معنى الكلمة وذات سمعة مثالية جيدة بين كافة الأطراف. أودّ أن أذكر بأن البعض من أصول كردية بقوا مع المنظمات التركية اليسارية وأتذكر جيداً عندما أردت أن أقدم خطاباً في حفلة لجمعية تركية في ملبورن وافقت الهيئة الإدارية لكن العضو الكردي فيها رفض رفضاً تاماً. كانت سيدني حينها المدينة الأسترالية الوحيدة ذات النشاط الكردي وكنا نذهب من سيدني إلى العاصمة كانبرا (حيث يسكن محمد عُمَري من عائلة كردية لبنانية آتية من الشمال وكان مخلصاً ومحباً لشعبه) أو إلى ملبورن لأمور تتعلق بالقضية الكردية.

في الثمانيات والتسعينيات خاصة لم تبق إذاعة أو تلڤزيون أسترالي لم أتكلم فيها عن حقوق الشعب الكردي والمآسي التي كانت تحصل في كردستان. اشتركت في مناقشات عدة مع المسؤولين الأستراليين في الإعلام وأثناء الاجتماعات بشأن طلب المساندة للقضية الكردية و مساعدة اللاجئين و كتبت رسائل ومقالات عديدة، ولقد أرسلت الحكومة الأسترالية بفضل نشاط المخلصين من الكرد الأستراليين فرقة طبية عسكرية أثناء الأزمة في كردستان العراق عام ١٩٩١ لمساعدة المحتاجين و توزيع الأدوية كما وافقت على السماح لعدد لا بأس به من اللاجئين الكرد حينها … عندما حدثت كارثة آذار١٩٩١في جنوب كردستان كان الإعلام من كل أنحاء أستراليا يتصل بي لإجراء مقابلات أو إعطاء معلومات فطلبت حينها الجمعيتان الكرديتان وبعض الأصدقاء الكرد مني بأن أتكلم باسم الجالية الكردية كممثل لهم بدلاً من التحدث بإسمي فقط ، فرحّبتُ بالاقتراح.
في البداية لم يكن هنا كرد من الجنوب والشرق أو لم يكونوا معروفين. في بداية الثمانيات حضر عدد من الكرد من كردستان العراق مدعومين بمنَح من الحكومة العراقية للحصول على الاختصاصات العلمية في جامعات أستراليا و لقد كان البعض منهم يتصل بي سراً و يزوروني في البيت لأن أي نشاط، حتى صداقتي علناً، كان سيؤدي إلى قطع المنحة وربما إلى نتائج سلبية بخصوص عائلاتهم في كردستان، لذا كنت الوحيد آنذاك الذي كان يدافع عن المنظمات الكردية وقضية الشعب الكردي في كل مكان وعندها حاول الكثيرون أن يضعوا حداً لفعاليتي فسميتُ بعميل للمخابرات المركزية من قبل جريدة عربية مؤيدة لنظام صدام حسين وادّعت السفارة التركية بأنني عضو في منظمة إرهابية، أي حزب العمال الكردستاني، وادّعى البعض بأنني أرمني واّدعى الآخرون بأنني أريد أن أجمع شعبية لأصبح عضواً في البرلمان و قال آخرون إنني أعمل كل ذلك لمنافع مادية، مع إنني في كل حياتي دفعت أو تبرعت من جيبي لمنظمات كردية ولم أجن مادياً من نضالي أو من خدمتي للغة الكردية. لأعطي مثالاً صغيراً هنا. مرة طلبت مني مديرة المكتبة الكردية في نيويورك، السيدة ڤيرا بيودين سعيد پوور (١٩٣٠ – ٢.١٠) أن أترجم محتوى ثلاثة ڤيديويات وثائقية فيها يتكلم بعض من المشايخ الإيزيدية عن دينهم وكان عملاً طويلاً وليس بيسير. بعد الانتهاء سألَتني كم دولاراً أريد فقلت لها، “ڤيرا قد وعدت نفسي بأن لا أجني مادياً من أي خدمة أقدمها لأجل القضية الكردية والشعب الكردي،” فقالت جملة لن أنساها: “شاهين، قال لي أبي مرة، أن تكون ممتازاً دائماً، أمر غير ممتاز.) فضحكت واقترحت استعمال ما استحقه للمكتبة الكردية. كانت هناك أيضاً تهديدات بما في ذلك رسالة أُرسلت بالبريد إلى الإذاعة مدعية بأنها من “جمعية الدفاع عن الشعب التركي”تهدد بأنهم يعرفون مكان سكني ومكان عملي … و تضع شروطاً عديدة بما في ذلك ترك العمل الإذاعي وعدم الاشتراك في مقابلات عن الأكراد مع الإعلام الأسترالي وعدم كتابة مقالات… أقولها بأسف شديد بأنني أبقى واثقاً بأن الرسالة المكتوبة بلغة ركيكة وخط سيىئ لم تكن من أي طرف تركي، أو عربي، أو فارسي … و في إحدى الرسائل الموجهة إلى جهة رسمية تضخّم التهديد لهذا الحد: إذا لم يوقف هذا الشخص من العمل الإذاعي فسوف يسيل الدم في شوارع سيدني …
دافعت في الإعلام الأسترالي والعربي في أستراليا، وحتى التركي، عن السادة جلال الطالباني و مسعودالبارزاني و عبد الله أوجلان وآخرين والغريب في الأمر بأن البعض من الكرد قالوا أنني طالباني وقال آخرون في بداية الثمانينات هو مؤيد لحزب أوجلان وقال آخرون فيما بعد هو بارزاني ومع أن معظم المنظمات الكردية أظهرت وتظهر الاحترام لي، وأشكرهم على ذلك، فلا أعتقد أن منظمة ما احتضنتني، لأنني كنت دائماً ضد العداوة بين الأحزاب الكردية و بقيت مؤيداً في الدرجة الأولى لقضية الشعب الكردي  بدلاً من أن أكون مؤيداً لهذا الحزب أو ذاك ضد آخر، مع احترامي لنضالهم في سبيل القضية الكردية. طبعاً كنت وسأبقى مستنكراً لكل تصرف متطرف فاشي من أي مصدر كان.  أود أن أغتنم هذه الفرصة وأذكر ما لم أذكره من قبل. لقد اقترح عليًّ بعض الإخوة من الجنوب أن أكون ممثلاً لحكومة إقليم كردستان في استراليا فرفضت وقلت سأقبل بشرط أن يقبلها الطرفان، أي ح د ك وا و ك، فلم يتصل بي أحد بعد ذلك، و كانت هذه المناصب تُوزّع مناصفة بين الحزبين. في كردستان العراق، في اجتماع نظمه اتحاد كتاب كردستان، فرع دهوك، للكتّاب الكرد في الشهر التاسع من عام ٥..٢ تعرّف عليّ من مكان جلوسه، و لطفاً منه أتى نحوي و رحب بي، الأخ المحترم الدكتور فؤاد حسين مدير ديوان الرئيس مسعود البارزاني، وقال: “لماذا لا تأتي للعمل في وظيفة هنا في كوردستان؟” قلت سأحضر إذا قُدّمت لي وظيفة حسب اختصاصاتي في حقل التعليم أو الصحافة أو الترجمة مثلاً. اقترح الدكتور فؤاد بأن أتكلم مع الدكتور سامي شورش في هَولير بخصوص هذا الموضوع … وصدفة كان لي موعد مع الدكتور سامي،حيث كان وزيراً للثقافة آنذاك، لأجري معه مقابلة. باختصار رحب الأخ سامي، رحمه الله، بالفكرة لكنه أضاف: “الأفضل أن تأخذ شهاداتك الأكاديمية إلى الأخ نيچيرڤان بارزاني، رئيس الوزراء، لأنك ستكون بحاجة الى بيت وحرس …” فكرت في الأمر جيداً آخذاّ بعين الاعتبار أمور عدة وقررت أن أبقى في أستراليا. ومرة كنت معزوماً عند الأخ سعدي أحمد پيره المحترم، وهو مسؤول بارز في الاتحاد الوطني الكردستاني ولا أنسى فضله حين قال بين عدد من ضيوفه: “إذا كان لنا الآن بيت آمن في كردستان العراق فشاهين يمثل حجراً من أركان بناء هذا البيت.” اقترح علي الأخ سعدي أثناء الزيارة أن آتي الى كردستان وسوف يحصلون لي على الجنسية العراقية لأعمل معهم… مسؤولياتي العائلية والمهنية ثم العداوة المستمرة، علناً تارة أو  خفية،  بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديموقراطي الكردستاني حالت دون  مغادرتي لأستراليا والاستقرار في كردستان، وهناك سبب نفسي آخر مبني على معرفتي لبعض أخوتنا من الجنوب فكنت أخشى أن أرجع من كردستان خائب الظن، لأنني كنت أعلم بأن أقلية منهم يعتبرون الكرد من الأجزاء الأخرى أدنى منهم بدرجة، مع أنني شخصياً لم أرَ مثل هذا التصرف بحقي، وهناك أخوة وأخوات من الجنوب أفتخر بصداقتهم وأعتبرهم أخوة أعزاء، وأيضاً من الأجزاء الأخرى لكردستان، ولا أنسى فضل الدكتور العزيز عدنان مفتي حين زارني ورحّب بي في الفندق الذي كنت فيه في السليمانية و قد كان رئيس الحكومة هناك آنذاك … لي الفخر بمعرفتهم و أبقى شاكراً لمودتهم.
عندي ألف قصة وقصة جميلة مع الكرد، لكن عندي أيضاً مع الأسف ذكريات مؤلمة ومؤسفة غير قليلة مع البعض من الكرد أفراداً كانوا أو أحزاباً، ولأسرد هنا واحدة من الأحداث الميلودرامية، المبكية والمضحكة. مرة أتى لزيارتي كرديان منحدران من الشمال فرحبت بهما لأنهما كانا مثل أخين حينما كنا سوية في الجمعية الكردية. جلست معهما في غرفة الضيوف وقدّمت لنا روبين الشاي مع البسكويت، وبينما يحتسون الشاي في بيتي خاطبني أحدهم بكلمة “هَڤال” التي كنت أكرهها، ليس لسبب سياسي، بل لأن مخاطبة أحد بتلك الكلمة ليست من الأعراف الكردية ولا الأسترالية، ثم أضاف بأنني يجب أن أترك البرنامج الإذاعي الكردي والمقابلات بشأن القضية الكردية وكتابة المقالات … سألت، “ومن أعطاكم هذه السلطة في أستراليا الواقعة في الطرف الآخر من الدنيا؟” فرد أحدهم: الشعب (گَل). قلت: اذهبوا وقولوا للـ (گَل) ليس لديهم حق أن يطلبوا مني هذه المطالب وسوف أواصل طريقي …ولأضيف باختصار شديد قصة أخرى: ذات مرة اتصلت بي إذاعة صوت أمريكا، وكان ذلك بعد مغادرة مايكل شايت كمدير للقسم الكردي، مقترحة بأن أقدم طلباً لهذه الوظيفة فعملت ونجحت في امتحان اللغتين الكردية والإنگليزية وأخذت القنصلية الأمريكية في سيدني آثار بصمات أصابعي للحصول على الڤيزا وكان كل شيء جاهزاً تقريباً، لكن الإذاعة اعتذرت في اللحظة الأخيرة معترفة بأن مؤهلاتي كانت مقبولة جداً …  فيما بعد أخبرني شخص موثوق به ومطلع على الأمور في واشنطن بهذا الشأن، إنّ أشخاصاً من الاتحاد الوطني الكردستاني وقفوا بشدة ضد توظيفي كمدير للقسم الكردي في واشنطن. أحزنني ذلك كثيراً، ولكن حاولت إقناع نفسي بأن شيئاً كهذا غير ممكن، خاصة لأن لدي الكثير من الأصدقاء من هذه المنظمة والبعض منهم يعرفونني منذ عشرات السنين، فنسيت الموضوع ولم أبالِ به لأنني لم أكن محتاجاً لتلك الوظيفة ولا الى الانتقال الى الولايات المتحدة، وها أنا أذكرها هنا لأول مرة …

  • ما هو حجم الجالية الكردية في أستراليا، وكيف تقيّم حضورهم على الصعيد الشخصي الخاص، والقومي العام، وتفاعلهم وعلاقاتهم في بلد الاغتراب؟

حسب الإحصاء الحكومي الرسمي لعام ٢٠١٦ كان مجموع عدد الناطقين بالكردية في أستراليا قريب من ستة آلاف، بما في ذلك الأطفال. أكثر بقليل من ٣٣ بالمئة منهم كانوا “من مواليد العراق” وأكثر بقليل من ٢٥ بالمئة كانوا “من مواليد إيران.” معظم العدد الباقي هم من مواليد “تركيا، سوريا وأستراليا”. عدد الأشخاص من خلفية كردية أعلى. برأيي الشخصي ربما يصل عدد الكرد في أستراليا الى حوالي ثمانية أو تسعة آلاف. معظمهم ساكنين في المدن الكبرى سيدني ثم بريزبنوملبورن وپيرث و هوبارت. في الآونة الأخيرة ساعدت الحكومة الأسترالية على استقرار المئات من العائلات الإيزيدية، معظمهم في بلدتين،لكن الناطقين باسمهم يصرّون على تسميتهم كإيزيديين وليس كأكراد. هناك جمعيات كردية متعددة في المدن الكبرى معظمها تابعة أو مؤيدة سياسياً لحزب أو آخر وهناك جمعية شباب وطلاب مستقلة على ما أظن في سيدني.أكثر المناسبات احتفالاً عيد نوروز اذ تقوم كل واحدة بتقديم برنامج أو حفلة حسب خلفيتها السياسية وأهدافها. هناك أيضاً تنظيم مظاهرات أثناء حصول بعض الحوادث أو لتأييد فعاليات حزب ما بشأن قضايا مختلفة. مع الأسف العمل الكردي الموحد لأجل خدمة القضية الكردية عامة والمنظمة حسب المناخ السياسي والمتطلبات الأسترالية والمبنية على الاستقلالية نادر هذه الأيام برأيي الخاص. شخصياً، فقد تركت العمل السياسي وليس لي اتصال يذكر مع أية منظمة، فلم أعد متقاعداً من العمل في الوظائف فحسب، بل أيضاً من الأمور السياسة. أحاول الاستمرار في خدمة الكرد خلال اعتنائي باللغة الكردية والأدب الكردي وبعض ما أقدمه على الفيسبوك.

المحور الرابع

  • متى تعلمت اللغة الكردية، وما هي الدوافع التي جعلتك تتابع الكردية وتكتب بها؟

حاولت تعلم القراءة بعد وصولي الى أوروبا ولكن دون جدوى. تركيزي واصراري بدأ بعد منتصف السبعينيات. أثناء دراستي للأدب الألماني استيقظت لديّ رغبة ماسة لكتابة الشعر أو قصص قصيرة. محاولاتي الأولى كانت بالإنگليزية والعربية والألمانية ولكن كان لدي شعور بالذنب، حتى بالنقص، لعدم الكتابة بلغتي الأصلية وبدأت المحاولات الأولى بعد منتصف السبعينيات. عندما أصبحت رئيساً لجمعية كردية ثم فكرت في البدء ببرنامج إذاعي فازدادت الحاجة والرغبة للكتابة بالكردية. حصلت على مجموعة هاوار (الأعداد ٢٤ إلى ٥٧) من الأستاذ حَم رَش رَشو رحمه الله، الذي كان عضواً بارزا في جمعية طلبة كردستان سابقاً وكان فيمابعد رئيساً للحزب الديموقراطي لكردستان/تركيا فتعلمت الكثير مما خلّفه لنا الأستاذ الكبير جلادت بدرخان. بعد ذلك بدأت بقراءة بعض الكتب المتوفرة والمجلات والجرائد التي بدأت تنشر في السويد وفرنسا وألمانيا. تدريجياً بدأت بعض آثاري تنشر في تلك المنشورات كالمجلة الأدبية التي كانت تنشر من قبل المعهد الكردي في باريس Hêvîوغيرها بعد ذلك، خاصة Nûdem. الكتابة لبرامجي الإذاعية جعلت من تماسي مع اللغة أكثر مراراً.
عندما كنت أقرأ القصص والمواضيع باللغة الكردية وأقارن محتواها مع محتوى الآثار الأدبية باللغات الأخرى كنت أحس بوجود فرق شاسع بين الطرفين وزاد ذلك من رغبتي للاستمرارفي الكتابة بالكردية ومحاولة إعطاء شيء ربما يختلف في المحتوى والأسلوب للأدب الكردي حتى تلك الفترة.
لعملي الإذاعي خلال ثلاث وثلاثين عاماً قصة أخرى طويلة ومثيرة لا مكان لها هنا حيث اكتفي بالقول بأن مضمون برامجنا كان أيضاً مختلفاً وأكثر تنوعاً في ذلك الزمن. مع أن وقت البرنامج كان محدوداً فقد أجريت مئات المقابلات مع معظم القادة والسياسيين الكرد والأدباء والفنانين والمسؤولين من كافة أجزاء كوردستان ومع غير الكرد، بما فيهم السفراء… بالرغم من أن القليلين يذكرون هذه الحقيقة، كعدم ذكر كثير من الحقائق، فقد استفاد الكثيرون في حقل الإعلام الكرمانجي من اللغة والأسلوب اللذين كنت استعملهما في هذا الحقل أكثر من ثلاثة عقود، مع العلم بأن برنامجنا كان بالكرمانجية والسورانية.

  • متى بدأت فعلياً الكتابة باللغة الكردية، وبكثافة؟ وما هي الحقول التي كتبت فيها؟

في أواخر السبعينيات وبداية الثمانيات بدأت بالقصائد البسيطة التقليدية، ثم كتابة المقالات السياسية، ثم القصص القصيرة وتدريجياً ازدادت القصص القصيرة الأكثر تطوراً والمقالات وكتبت روايتين ولم أنسى كتابة قصيدة بين الحين والآخر.

  • لا يختلف اثنان على اصرارك الشديد على الكتابة باللغة الكردية، رغم أنك تعيش في بلد أجنبي منذ ما يفوق نصف قرن؟ ما هو سر هذا الاصرار والتعلق؟

كما ذكرت فالشعور بالذنب له دور كبير. بما أنني لم أف بوعدي وأجبرتني الأيام بأن لا أرجع الى وطني كان عليّ أن أرد الجميل، فلقد خلّفت لنا أمهاتنا وأجدادنا لغة عريقة جذورها تمتد قروناً من الزمن، وقد منحني الله والظروف فرصاً لأظهر شكري العميق لوالدتي ووالدي والأجيال السابقة فأحاول أن أبقى وفياً لهذه اللغة الجميلة التي بقيت يتيمة تعاني من الاضطهاد عقوداٌ من الزمن. كنت سأستفيد أكثر شخصياً لو كتبت باللغة الإنگليزية، أو بالعربية لكن لتلك اللغات آلاف من الكتّاب والمعاهد والجامعات، فلم يقبل ضميري بأن أهاجر لغة أجدادي كما هاجرت من وطن أجدادي، لذا اعتبرته ديناً عليّ يجب دفعه عن طريق خدمة هذه اللغة وكثيراً ما أشعر بالذنب إن مرّ يوم ولم أقدم شيئاً مهما كان بسيطاً. بالرغم مما جنينا في أوطاننا الجديدة من المنافع فلقد كلفتنا فراق الأهل والوطن كثيراً وفقدنا ما لا تستطيع المادة من اعادتها إلينا، لذا فبالنسبة لي اللغة الكردية ربما أصبحت ملجأً التمس فيه السماح من موطن ولادتي في وطني الجديد أستراليا.

  • ما هي الأعمال الأدبية التي أصدرتها حتى الآن؟ أين صدرت، ومتى؟ وهل من مردود مالي من وراء طباعتها؟

لم يكن لي أي مردود مالي مما كتبته في حياتي سوى ربما حوالي ٠٠ ٣ دولار أرسلها لي الصديق أحمد جانتكن من السويد في الثمانيات ربما، حيث طبع وباع البعض من قصصي القصيرة. سوى ذلك لم أجني قرشًا من بيع الكتب وكلفتني الطبعة الأولى والثانية لـ Wendabûn والطبعة الثانية لـVeger آلاف الدولارات ووزعتُ البعض مما حصلت عليها من الكتب من دور النشر دون مقابل.

  • آثاري التي نشرت: 
  • NAMEYEK JI BAVÊ MIN RE – رسالة الى أبي (Pexşan û kurteçîrok (128 rûpel): DO, Stenbol, 2009).
  • VEGER – رواية العودة

(Roman:Chapa 2yemîn: Na, Izmîr, 2014. Chapa1emîn:Yeketiya Nivîskarên Kurd, Duhok, 2006).

  • WENDABÛN – الضياع أو التيه

(Roman: Roman: Chapa 2yemîn: Na, Izmîr, 2014.  Chapa 1emîn: Verlag für Kultur und Wissenscahft, Bonn, 1985).

  • ÇÎROKÊN HEJDEH SALAN – قصص ثمانية عشر عاماً

(Komeke ji kurteçîrokan (296 rûpel): DOZ, Stenbol, 2005).

  • PISIK JÎ XEWNAN DIBÎNIN – القطط تحلم أيضاً. مجموعة قصص قصيرة

(Komeke ji kurteçîrokan (127 rûpel): LÎS, Diyarbekir, 2004).

  • NAMÛSA ÊMO – شرف إيما. مجموعة قصص قصيرة

(Komeke ji çîrokan (112 rûpel): Haykurd, Stockholm,1994).

  • ŞEREFA WENDABÛYÎ YA KATHARINA BLUM –
    ترجمة رواية الكاتب الألماني هاينريش بُلل، شرف كاترينا بلووم الضائع
    (Romana nivîskarê almanî yê navdar Heinrich Böll (139 rûpel) – Wergerandina ji almanî bo kurdî: ŞBS – NÛDEM, Stockholm, 1997).
  • JANA HEFT SALAN – آلام سبعة أعوام، شعر

(Helbest (155 rûpel): Enstîtuya Kurdî ya Brukselê, Brûksel, 1990).

  • Mehkemekirina Selaheddînê Eyûbî – محاكمة صلاح الدين الأيوبي، مسرحية

(Şano (46 rûpel): Haykurde, Stockholm, 1989).

  • EM Û PIRSA ME – نحن و قضيتنا، مقالات

(Gotar (124 rol): Weşanên Celadet Bedirxan, Sydney, 1987).

  • Nivîsandina destana Dewrêşê Evdî, wekî ku Baqî Xido gotiye, û tomarkirina berhemê li ser DVD: SBS, Sydney, 2004.
  • كتابة الملحمة الغنائية (القصة الشعبية)”دوريش عبدي”، كما غناها باقي خدو، تنقيح المحتوى، تنظيمه؛ وتسجيلها وبثها على حلقات عبر إذاعة SBS، ثم تسجيل الحلقات على DVD وتوزيعها مجاناً من سيدني عام 2004. كافة الحلقات موجودة على YOUTUBE. 

 

 

  • هل تناول النقاد أعمالك الأدبية، وخاصة روايتيك (Windabûn û Veger) (العودة) و(الضياع)؟
    من هو البطل في الروايتين؟

لا أعتقد أن بين الكرمانج اختصاصيون في النقد الأدبي وإن الذين يكتبون نقداً لأثر أدبي هم من الكتّاب أنفسهم أو من أصدقائهم غالباً، وربما من الذين لا تعجبهم المضمون لأسباب سياسية أو غيرها أحياناً، لذا فالنقد الموضوعي والذي بالفعل يغطي ما في رواية مثل الروايتين المذكورتين قليلون جداً. لقد كتب البعض من كتابنا عن الروايتين منذ أمد طويل وأتذكر منهم الأخوة جان كرد، وسليمان دَمِر، وعَسكَري بويك.
الدور الرئيسي في رواية الضياع لشاب ضاع في غابة أسترالية ربما وكل ما يصادفه في الغابة يأخذه الى حدث في وطنه أو أثناء طفولته والسنين الأولى من شبابه. في رواية العودة أدوار عديدة أهمها لإمام قروي باسم ملاّ بويار ولأشخاص باسم لَهَنگ آغا ولوجان أفندي وآرامو وراسين وپيران ولورين وآخرين … في يوم من الأيام عندما تكون للكرد جامعات وفروع أدبية تعتني بالآثار الأدبية الكرمانجية وتفهمها سوف تُكتشف القيمة الأدبية الحقيقية لهذه الرواية التي تحتوي في مضمونها ليس فقط كنزاً لغوياً بل صوراً مرسومة بالكلمات والعبارات لكثير من النواحي الإجتماعية والسياسية والأخلاقية للمجتمعات الكردية والشرق أوسطية.

  • في أي نوع من الكتابة تجد نفسك أكثر، في الشعر أم النثر؟

استعمل الشعر كأداة للتعبير عن فكرة تدور في خاطري فالشعر يمكنك من التعبير عن الكثير في كلمات محدودة. عملي في حقل التعليم والصحافة والراديو عقوداً من الزمن ساعدني على تطوير أساليب الكتابة بالإنگليزية والكردية بسرعة. يدهشني، وبنفس الوقت يسعدني جداً، حين اكتشف بأنني ما زلت أستطيع أيضاً الكتابة بسهولة نوعاً ما بالعربية.

أحب كتابة القصة القصيرة لأنها لا تأخذ من الوقت ما يتطلبه كتابة رواية. على عكس من يكتبون الروايات بلغات أخرى ويحصلون على ما يغطي تكاليف حياتهم وحياة عائلاتهم، كان عليّ أن أعمل في أكثر من وظيفة وكنت أكتب إما على حساب أوقات الاستراحة، في الطريق الى العمل أحياناً، سرقة الأوقات التي كان يجب أن أقضيها مع أطفالي، أو في عمق الليالي بدلاً من النوم. بعكس من يكتب الروايات بالإنگليزية أو الألمانية مثلاً لا يصحح أحد ما نكتبه ويجب أن نقرأ ما نكتبه بسرعة مرة واحدة ان وُجد الوقت حتى لذلك.
لي أكثر من٤٠ قصة قصيرة، مع أن بعضها رواية قصيرة، أكثر من كونها قصة قصيرة والبعض من هذه الآثار غنية بمضمونها التعبيري والفلسفي،وحبذا لو لم أكن أنا الذي يكتب هذا.

  • هل تعتقد أن السياسة، والمواقف السياسية يمكن أن تصنع نجوماً في الأدب؟

لا أعتقد. ربما نادراً جداً.

  • ما رأيك بشأن محاولة بعض كتّاب السوران، وكان الشاعر شيركو بيكه س واحداً منهم، لجعل السورانية اللغة الكردية الرسمية؟ ماذا عن الكرمانجية؟

على واقع الأرض السورانية هي اللغة المستعملة في معظم الأمور الرسمية في كردستان العراق، حتى أفراد عائلة البارزاني يستخدمون السورانية في معظم كلماتهم ولقاءاتهم. البعض من الكتّاب السوران هناك لا يعرفون الكثير عن الكرمانجية والأدب الكرمانجي وليس بمقدرتهم قراءة الكرمانجية وفهمها بصورة جيدة.قصدهم هنا هو استعمال السورانية في كردستان العراق كلغة رسمية واهمال بما هم يسمونها “البهدينية،” أي اللهجة المستعملة في الأجزاء الشمالية من ك.ع… في السنين الأخيرة لم أعد أتدخل بشؤون كردستان العراق الا نادراً. لديهم برلمان وممثلون ورئيس الوزراء من عائلة كرمانجية (بهدينية) اللغة … هذا يخصّهم، لكن مستقبل الكرمانجية أمانة لكل فرد يعتبرها لغته وعلينا نحن تأمين بقائها والحفاظ على ثروتها الأدبية … في الآونة الأخيرة أضافت بعض هيئات البث الإذاعي والتلڤزيوني في الجنوب الكرمانجية الى برامجها وآمل أن تزيد حكومة إقليم كردستان من اهتمامها بالكرمانجية ليس فقط في مناطق دهوك وزاخو وغيرها في الشمال، بل في مناطق السوران أيضاً.

  • مارأيك إذا قلنا أن شاهين سوركلي، الكاتب المبدع، يُعرف بين كرد الشمال ويُقرأ نتاجه الأدبي هناك أكثر مما يُقرأ له بين كرد سوريا. هل تتفق مع هذا الرأي، واذا كان جوابك بنعم، فلماذا برأيك؟

معظم الكرد الذين يعرفونني من كرد الجنوب والشرق يعرفونني كسياسي، أو كوطني مناضل، وربما كصحفي أحياناً. معظم كرد الشمال من الذين يقرؤون الكرمانجية يعرفونني ككاتب لأنني اكتب بالحروف اللاتينية ولأن معظم آثاري إما نشرت في منشورات تدار من قبل كرد الشمال أو من دور نشر في تركيا، ثم لأنني من جيل كتُاب مثل محمد أُزون، محمود باكسي، فرات جوهري، حسَني مَتّي، مالمِسانج، درويش فرهو وغيرهم من الكتّاب من الشمال، أما الذين من المناطق الكردية في الطرف السوري فالكثيرون منهم لم يكونوا يقرؤون بالأحرف اللاتينية حتى وقت قريب وآخرون لا يفهمون كثيراً من اللغة الفصحى وهناك الذين كانوا فقط لهم الرغبة في معرفة مَن من منطقتهم. إضافة الى هذا لم تكن أعمالي سهلة الحصول عليها في الطرف السوري … لكن الكثير تغير في الآونة الأخيرة بفضل الفيسبوك. مع الأسف مازال الكثيرون يعرفون من يكتب بالعربية أكثر مِن مَن يكتب بلغة أجدادهم وهناك ربما من لا يعجبه الإصرار على الكتابة بالكردية؛ فالبعض منهم كرد بخلفيتهم وبالاسم،لكن لغتهم هي العربية. كما قلت سابقاً فأنا أحب اللغات وأستمتع بسماع العربية والتركية والفارسية والقراءة بالعربية ولغات أخرى ولكن ليس على حساب إهمال لغة أمي.لحسن الحظ لدينا الآن من هذا القسم أدباء وشعراء متقدمين ومتحررين من العشائرية السياسية والعشائرية المرتبطة باسم مدينة ما أو حتى قرية، فأولئك يحبون أو لا يحبون الكلمة بسبب أناقتها أو بشاعتها أو لأجل مضمونها.

  • كيف تقيّم العلاقة بين الكاتب باللغة الكردية والقارئ في هذه المرحلة من تطور اللغة الكردية؟ 

يجب إبدال “الكردية” هنا بـ”الكرمانجية” لأن للكردية السورانية شأن آخر. العلاقة محدودة للغاية وتقتصر على أولئك المخلصين لخلفيتهم وتراثهم والذين جدّوا وتعلّموا فيحبون القراءة بلغتهم ويتمتعون بها، لكن عدد من يقرأ الآثار الطويلة، يفهمها ثم يكتب عن مضمونها ضئيل لا يُذكر مع الأسف.

  • ما رأيك بصناعة الكِتاب الكردي، مؤسساتياً؟ هل أنت راض عن عمل دور النشر، ما الذي ينقصها؟

هناك بعض التقدم في الآونة الأخيرة. أحد الأسباب التي فقدت الرغبة لدي لكتابة الآثار الطويلة هو عدم إرادة التعامل مع دور النشر الكردية وخاصة عجرفة بعض المسؤولين فيها، وأشد ما أكرهه هو إعطاء البعض الحرية لأنفسهم ليغيّروا بعض الكلمات ظناً منهم بأنهم “يصححونها” وهم في الحقيقة يبدلونها بكلمات خاطئة في المعنى أو التهجئة (الإملاء).ينقصها الكثير، بما في ذلك تطوير طرق الطبع والنشر والتوزيع، ثم توظيف محررين لهم معرفة تامة باللغة والأساليب الأدبية.

  • هل عملت في حقل الترجمة، خاصة الأعمال الأدبية؟ إذا كان الجواب بنعم، فما هي الأعمال التي ترجمتها؟

بالفعل أشكركم على هذا السؤال حيث جعلني أدرك كيف أنني نسيت البعض من أعمالي، فكان عليّ البحث مثلاً قبل أن أتمكن من الإجابة على السؤال. لي أعمال كثيرة في الترجمة فحتى وقت قريب كان لي الدور الرئيسي في ترجمة معظم ما يتعلق باللغة الكردية، خاصة الكرمانجية، شفهياً كان أم كتابياٌ، بما فيها الأفلام السينمائية والتقارير الوثائقية أو الإخبارية التي كانت تُبث من تلڤزيون هيئة البث الخاص الأسترالية أو من إذاعة/تلڤزيون ا ب سي الأسترالية. لنترك الفعاليات الأخرى في هذا الحقل  جنبا ونذكر ما يخص الترجمة الأدبية.

من اللغة الألمانية الى الكرمانحية:

  • رواية ضياع شرف كاترينا بلووم ل هاينريش بُلل

Sherefa Wendabûyî ya Katharîna Blûm: Heinrich Böll

  • قصة ذكريات ملك شاب ل هاينرش بُلل

BîrhanînênKiralekîCiwan: Heinrich Böll

  • تلخيص رواية “طبل الصفيح” لـغونتر غراس

Li ser Gunter Grass û berhama wî “Dahola Tenekeyî”

  • قصيدة “ملك العفاريت” لـ غوتة

KiralêPêriyan: Goethe

  • قصيدتين لـهاينريشهاينه

Helbestên “LawekîjiAsra” û “Li Sirgûniyê”: Heinrich Heine

  • قصيدة من مسرحية لـ برتولبريخت

“BêhêzbûnaXudayêChakmirovan”: Brecht

 

من اللغة الإنگليزيةإلى الكرمانحية:

  • كلمة الأديب الإيرلندي سيموس هيني في حفل نيل جائزة نوبل للأدب لعام ١٩٩٥

NerxdanaboHelbestê

  • كلمة الأديب الصيني في حفل نيل جائزة نوبل للأدب لعام ٢٠٠٠

(GAO Jiyang)

ترجمة قصة زوجة الراعي للأديب الأسترالي هنري لوسن

(JinaShivên: Henry Lawson)

  • ترجمة قصة “العقبان في كل مكان” للكاتبة البنغلادشية مقبولة منزور

(Qertel li her Derê: Meqbûle Menzûr)

  • ترجمة قصيدة “المرأة” لشكسپير

من الكردية الى الإنگليزية:

 -عددمن قصص وقصائد شاهين ب سورَكلي

-قصيدة للشاعر جيگَرخوين، قصيدة لخاني ومواضيع أخرى

  • كيف ترى حركة الترجمة إلى اللغة الكردية، وبالعكس؟ هل لديك مقترحات خاصة متعلقة بكيفية تطوير حركة الترجمة؟ وإلى أي نوع من الترجمات نحتاج ككرد في هذه المرحلة؟ 

مع الأسف لم أقرأ كل ما تُرجم، لكن ما قرأته من أو الى الكردية إما كان مقبولاً أو غير جيد. الترجمة فن ولترجمة أثر أدبي من لغة يجب معرفة الكثير عن تراث المتكلمين بتلك اللغة وعاداتهم وطريقة معيشتهم اليومية، فالبعض من المترجمين يترجمون معاني الكلمات وليس المضمون المقصود من الجمل. ككثير من الحِرَف الأخرى غالباً ما يحتاج المجتمع الى فروع اكاديمية لتخريج المترجمين المؤهلين.

نحتاج الى ترجمات ليس فقط من الإنتاج الأدبي العالمي، بل أيضاً ترجمة المواد ذات الجودة فيما يتعلق بمواضيع تتعلق بالسياسة العالمية، الطبيعة، الاقتصاد، الفلسفة والاجتماعيات.

  • ما هي أهم التحديات أمام الكاتب والمبدع الكردي في هذه اللحظة التاريخية؟

عدم معرفة البعض من الكتّاب بالقواعد واللغة الكتابية معرفة جيدة، لكن العائق الكبير أمام تقدم الأدب والإبداع الأدبي هو قلة القراء وقلة الذين يفهمون من المعايير اللغوية والأدبية والفلسفية، فحتى معظم الذين بوسعهم القراءة فهم معتادون على آثار بسيطة من حيث اللغة والمضمون. طبعاً يرجع كل ذلك الى سبب رئيسي وهو عدم التعلم باللغة الكردية، فالكثيرون ربما يجدون رواية كردية “كالعودة” Vegerمثلاً معقدة يُستحال فهم مضمونها لأنها ليست بلغتهم العامية والمشتركون في الأدوار كثيرون والمضمون واسع الآفاق …

ليس بوسع الكاتب الكردي، حتى المتقدم والمبدع، أن يتفرّغ كلياً للكتابة بالكردية لأن ذلك سوف لن يؤمّن تكاليف معيشته ومعيشة عائلته، فللشرط الاقتصادي دور كبير في كل شيء، وإضافة الى ذلك فإن طبع الكتب ونشرها وتوزيعها مشكلة مزعجة كبيرة بحد ذاتها.  معظم من يكتبون بالكرمانجية اليوم يعملون ذلك دون مقابل …

  • كيف تنظر إلى اللغة الكردية في ظل غياب لغة قياسية للكتابة بها، كيف يمكن تقريب اللهجات الكردية الرئيسية من بعضها البعض، وكيف يمكن الوصول إلى لغة كردية قياسية؟ وما رأيك بالذين يدافعون عن كتابة الكردية بالأبجدية العربية (الآرامية) المعدّلة؟ 

إذا كان القصد من “اللغة القياسية” اللغة الموحدة للكتابة فهذه اللغة التي نسميها “كرمانجيا ستاندارد بو نڤيساندنى” (الكرمانجية القياسية للكتابة) موجودة واستعملها جلادت بدرخان ورفاقه منذ تسعين عاماً تقريباً وكان معظم محتويات مجلة هاوار ومنشورات أخرى نشرها جلادت وكاميران بدرخان في الثلاثينيات والأربعينيات بتلك اللغة. منذ السبعينيات وكتّاب كثيرون من جيلي، بما فيهم أنا، نحاول تكملة طريق البدرخانيين، فلغتنا الموحدة لكتابة الكورمانجية موجودة وممتازة وكتبنا بها آلاف الكتب والمجلات والجرائد ومواد أخرى. انها اللغة التي استعملها محمد أُوزون، حَسَني مَتٓي، محمود بأكسي، شاهين سورَكلي، فرات جوهري، جان دوست، باڤي نازي وعشرات من الكتّاب الأعزاء الآخرين لكتابة أعمالهم الأدبية واستعملها/يستعملها الكثيرون من شعرائنا منذ عقود. شخصياً استعملت هذه اللغة في الإعلام الإذاعي منذ أكثر من ثلاثين عاماً وتُستعمل اللغة نفسها في كثير من مجالات الإعلام يومياً. الذين لا يعلمون هذا إما ليس لهم أي اتصال بالأدب الكرمانجي المعاصر والمنشورات التي استعملت وتستعمل هذه اللغة أو لا يعرفون معنى اللغة الموحدة للكتابة. مع الأسف الشديد هناك أناس أميّون تماماً في هذا المضمار، مع احترامي لهم، فهم يعتقدون بأن كل كلمة أو جملة بنفس المغزى يجب أن تُكتب بشكل واحد، أو يعتقدون بأن وجود لهجات مختلفة يعني عدم وجود لغة موحدة. كما نعلم فهناك عشرات اللهجات العربية، لكن العربية الفصحى هي لغة الكتابة ويفهمها كل من درسها في المدارس، حتى الكثيرون الذين لم يدرسوها. الألماني في هامبورغ لا يتكلم مثل الألماني في بلدة ألمانية في جبال الألب أو مثل ألماني في ڤيينا أو زيوريخ، لكن الألمانية الفصحى تُستعمل في الكتابة والكل يقرؤونها ويفهمونها. اليونانيون والإيطاليون وشعوب أوروبية اخرى كمّلت لغتها الفصحى تدريجياً. في العربية مثلاً باستطاعتنا أن نعبّر عن قصدنا بعدة طرق، مثلاً، “غادرت البيت في الساعة التاسعة/ تركت البيت الساعة التاسعة/ كانت الساعة تشير الى التاسعة عندما ذهبت من البيت”، فللكتّاب طرقهم وأساليبهم واستعمال المرادفات ليس ضعفاً كما يعتقد بعض الأميين اللغويين، بل كثرتها تدل على ثراء لغة ما. من جهة أخرى فكل اللغات تقصّر الكلمات عند التكلم، لكن الكتابة الصحيحة للكلمة ضرورية واتباع الشروط القواعدية مهم لأنهما شرطان أساسيان لتوحيد اللغة الكتابية. “نحن لا نقولها هكذا، ففي منطقتنا نقولها بهذا الشكل…”  ليس بتبرير علمي أو منطقي للابتعاد عن الشكل اللازم للكتابة. هناك بعض الاختلافات البسيطة في لغتنا الكتابية وستُحل تدريجياً ولا تعيق هذه الاختلافات المحدودة من فهم المغزى.
منذ أمد بعيد و أنا استعمل الكرمانجية الحديثة الفصحى على الفيسبوك، كما قدمت حوالي مئة و خمسين درساً لغوياً مقدماً بعض القواعد النحوية و يسعدني بأن نخبة من الراغبين في تعلم لغتهم استفادوا مما قدمته، لكن البعض من الذين ليس لديهم أية معرفة قواعدية ولا يعرفون الفرق حتى بين الفاعل والمفعول به أو المبني للمعلوم و المبني للمجهول يرون صعوبة في التعلم طبعاً وهذا ليس ذنبهم. أريد أن أذكر هنا بأن الخطر لا يكمن في الذين يجدون صعوبة في متابعة اللغة الكتابية، بل في فئة ليست لديها أية معرفة أكاديمية أو علمية عن اللغة أو اللغات لكنهم يتدخلون بشؤون اللغة ويسببون خربطة في عقول المبتدئين الذين ليس بوسعهم التفرقة بين ما هو صحيح وما هو غير صحيح، ولقد حصل مثل هذا التدخل بين كرد الشمال خاصة.

للسورانية لغة موحدة كتابياً ومتقدمة أكثر من الكرمانجية لأنها تدرّس منذ عقود. كتبت الكثير عن إمكانيات توحيد اللغات الكوردية الرئيسية، لكن لا أريد الخوض في ذلك الحقل هنا لأن الموضوع معقد وواسع. باختصار حالياً لم أعد اسمّي الكرمانجية والسورانية بلهجتين كرديتين، مع أنني دافعت عن هذه الفكرة بعناد في الماضي. اعتبرهما الآن فرعين من عائلة اللغات الكردية، لغتين ذات شروط قواعدية مختلفة، مع العلم أن الفرعان يستمران في التقارب بفضل تقدم الإعلام الحديث والاختلاط.

أما عن الذين يدافعون عن كتابة الكردية بالأبجدية العربية، فلربما كان من الأفضل عدم البدء بكتابة الكرمانجية بالأحرف اللاتينية في العشرينيات والثلاثينيات، لكن جلادت بدرخان بدّل الألف باء العربي باللاتيني ظناً منه بأن استعمال الأحرف اللاتينية للغة التركية الجديدة وتعليمها في المدارس سوف يبعد الأكراد من لغتهم؛ لذا اعتقد أن استعمال أحرف قريبة جداً من التي ستُستعمل في التركية سيفيد الأكراد. مع الأسف الشديد كانت الفائدة أقل بكثير مما كان يتوقعه جلادت. الآن وبعد مرور عقود من الزمن، تغيير الألف باء اللاتيني ليس بصعب فقط، بل سوف يُبعد الكرمانج في الأجزاء الأخرى من أكراد تركيا، أكانوا كرمانجاً أو الزازا، تماماً. من ناحية أخرى فإن اللاتينية أفضل من ناحية التقدم التكنولوجي والتواصل بواسطة الإعلام الاجتماعي واستعمال الأدوات الإلكترونية. في أيامنا هذه تقريباً كل الذين يستعملون الأحرف العربية ويتعلمونها في مدارسهم غالباً ما يعرفون الحروف اللاتينية أيضاً.

المحور الخامس

  • شهدت الساحة الكردية في سوريا ميلاد منظمات واتحادات عديدة للكتاب والمثقفين الكرد في السنوات الأخيرة، ولكن لا زالت منقسمة وجهودها مبعثرة، وليست لها خطط استراتيجية للعمل، مع أنها أطر تنظيمية لكتاب من المفترض أنهم يمثلّون أمة ممزّقة تواجه تحديات كبرى عاصفة، ما الذي يمكنك قوله لهذه الأطر؟

الوصف الموضوعي “للساحة الكردية في سوريا” في الوضع الحالي ليس بأمر سهل، ولعدم التمكن من انشاء منظمة موحدة، مستقلة قوية أسباب كثيرة بما في ذلك عدم الوجود في بقعة جغرافية واحدة، ثم الارتباط الذهني مع أجزاء كردستان الأخرى ودور الذيلية السياسية لحزبين في الجنوب وحزب من الشمال. لأكراد المناطق الكردية في سوريا، وخاصة السياسيين والمثقفين منهم، والذين أصبحوا الآن مشردين أو موزعين في أرجاء مختلفة من العالم، مشكلات نفسية وأخرى تنبع من تاريخهم وواقعهم في الماضي والحاضر. أساساً ليس لأكراد سوريا نضال قومي عميق يرجع الى بداية القرن العشرين أو القرون السابقة، فأكراد المنطقة الجغرافية التي تعرف باسم سوريا اليوم منذ دور العائلة الأيوبية، بما في ذلك صلاح الدين وقبله عمه شيركو، لم يكن دوراً قومياً كردياً ولا وجود لنضال مسلّح للكرد في سوريا. إذا نظرنا الى الشخصيات الأولى في تاريخ الوعي القومي سنرى بأن معظم الذين بدأوا بنشر هذا النوع من الوعي هم قادمون من الشمال كجلادت بدرخان وأخيه كاميران، نور الدين زازا، جگرخوين، قدري جان وعصمت شريف وانلي وغيرهم. البعض منا يرون ذكر مثل هذه الحقائق وكأنه شيء سالب، وها أنا اذكرها بشكل أوضح هنا لأول مرة، عالماً بأن البعض ربما سيتعجبون من ذكري لهذه الحقائق، وقد يحاول البعض الادعاء بأن ما ذُكر غير صحيح، وهذا بالضبط أحد أسباب الضعف بين الكثيرين من الكرد الذين لا يريدون معرفة الحقيقة عن أنفسهم وكأن قبولها عيب ونقص.

تقدم الوعي القومي بين كرد سوريا برجوع مصطفى البارزاني من الاتحادالسوڤياتي وبدأ الثورة الكردية المسلحة في كوردستان العراق. كان أيضاً للحزب الشيوعي السوري دور في ايقاظ الوعي القومي لحد ما لدى الكرد ولكن الكرد السوريين. تكوين أول حزب كردي سياسي لم يكن منبثقاً من واقع الكرد في سوريا ومعتمد عليهم في الدرجة الأولى، بل كان امتداداً للحزب الديمقراطي لكردستان العراق ولما انفصل سكرتير الحزب إبراهيم أحمد عن المنظمة بقيادة مصطفى بارزاني ثم تأسس الاتحاد الوطني الكردستاني برئاسة جلال الطالباني، صهر إبراهيم أحمد، بدأت التقسيمات والتفرعات بين الحركة القومية في سوريا أيضاً. بعد ذلك وعندما وصل رئيس حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان الى كوباني وصادف البعض من أكراد سوريا يوماً بعد يوم رأى فيهم أفراداً بسطاء متعطشين لقائد يأمرهم ويقودهم ومنذ ذلك الوقت بدأت مرحلة جديدة في واقع المناطق الكردية في سوريا فلم يعد المنافسة بين السياسي “البارزاني” والسياسي “الطالباني” بل بين “الآپوجي” والآخرين الذين فقدوا الدور السياسي الرئيسي.هذا التنافس الجديد لم يكن خالياً من خوف الكردي من الكردي، الظاهرة التي لم تكن موجودة من قبل بين أكراد هذا القسم. أعادت المنظمات الأولى بعضاً من قوتها المحدودة بعد خروج اوجلان من سوريا واعتقاله، لكنهم فقدوا كل نفوذ سياسي تقريباً بالتدريج بعد ما يسميه البعض “بالثورة السورية” والتي تحولت الى الكارثة السورية.

أقصد من هذه المقدمة المختصرة بأن أساسنا السياسي ككرد مناطق الجزيرة وكوباني وجبل الكرد لم يكن أساساً معتمداً على تاريخنا وواقعنا وتماسكنا الذي لم يكن موجوداً بكثافة أساساً. لذا لم نتمكن من إنشاء قاعدة أو منظمات قوية تمثلنا وتحمي مصالحنا. اليوم ومع أن البعض من كرد سوريا موجودون على الساحة بين السلطة الحاكمة في بعض المناطق الكردية، إلاّ أن القيادة الفعلية هي في يد قيادة حزب العمال الكردستاني. شخصياً وفي هذا الوقت بالذات أفضّل أن تكون السلطة في يدهم بدلاً من أن تكون بيد الغرباء المتطرفين، ولكن كلنا نعلم بأن الأحزاب التقليدية لم تعد لها لا حول ولا قوة ومعظم قياداتها خارج المناطق الكردية في الطرف السوري، مساندة لحد محدود اما من (ح د ك ) أو (ا و ك)، أو باقون في حالة يرثى لها، أما المثقفون والسياسيون الحياديون فمعظمهم خارج مناطقهم وليس لديهم أية إمكانية في التوحد والتنظيم أو حتى نشر الحقيقة على الساحة الكردية والعالمية، وكل ما نعمله هو محاولة التخلص من الشعور بالذنب، أو اخفاء عجزنا، بواسطة الفيسبوك، حيطان الفقراء. حبذا لو كان هناك اتحاد وتناسق بين كافة الأطراف للاستفادة القصوى من الوضع والفرص ولكن، مع الأسف، لم أكن أتوقع هذا منذ البداية. يؤسفني ويحزنني جداً أن أقول بأنني لا أرى آمالاً كبيرة فيما يخص ايجاد حل لأزمتنا، فقدَر أكراد المناطق الكردية في الطرف السوري أصبح في الدرجة الأولى بيد جهات خارجية، تحت رحمة التأييد من الولايات المتحدة أو روسيا وفي يد السلطة الكردية الموجودة على الساحة، وكلي أمل بأن تتمكن هذه السلطة من تحقيق ما هو لصالح كرد هذا الجزء قبل أي طرف آخر، مع أنني أعتقد بأن تحقيق ذلك ليس بسهل.
أعلم أن جوابي كان مرتبطاً بالواقع السياسي بشكل عام وليس فقط بواقع الكتاب والمثقفين لأن واقعهم مرتبط أيضاً بالوضع العام. أريد أن أضيف ما يلي بما يخص ضعف إمكانيات الكتاب والمثقفين بالضبط:

أ-مجتمعنا ليس خال من نفوذ الخوف، والخوف عندنا نابع من مصادرعديدة داخلية وخارجية. للخوف أشكال وألوان وبسببه لا نتمكن من ذكر كل حقيقة كما هي، لذا فالمناقشة الموضوعية تماماً نادرة.

ب-عدم وجود آلية تمكن التواصل الجماعي الكثيف واشتراك بما نسميهم بالمثقفين بأعداد كبيرة في مناقشات سياسية تخصهم وتخص أكراد سوريا.

ج-ارتباط كل شيء تقريباً بتأييد أو معارضة حزب أو آخر، خاصة (ح ع ك) وفروعه من جهة و (ح دك) من الجهة الأخرى، ربما أكثر من ذلك لدى البعض ارتباط الأمور باسمين: بارزاني/ أوجلان.

د-عدم وجود المناخ السياسي للعمل بحرية، أكان العائق كردياً أم مرتبطاً بالدولة.

ه-معظم المثقفين الكرد “السوريين” يفتقرون الى الانضباط والالتزام السياسي لأسباب شخصية وربما نفسية. ربما لخلفياتهم الإقليمية والعشائرية والعائلية دور في هذا أيضاً.

و-التذبذب السياسي وعدم الاعتراف بالواقع فيما يخص المطاليب السياسية.

ز-عدم وجود الثقة التامة من جهة، للتعامل مع من لديهم النفوذ والقوة على الساحة، وعدم وجود القدرة من جهة أخرى على مواجهة من في يده المقود.

ح-التفرّق جغرافياً وسياسياً وذهنياً والحرمان من الإمكانيات المادية … الخ

  • بدأ التعليم في مدارس المناطق الكردية في سوريا، التابعة للإدارة الذاتية، باللغة الكردية لأول مرة في تاريخ الكرد في هذا الجزء من كردستان، ولكن المشكلة هي حتى هذه اللحظة لا يوجد أي اعتراف لا داخلي ولا خارجي بشرعية المناهج الكردية، ناهيك عن التخبط في الخطط، فعلى سبيل المثال أدخلت الإدارة الذاتية الصف العاشر في المناهج الكردية هذا العام، ولكنها بالمقابل أوقفت حركة التعليم بالكردية في الكثير من القرى، وبقيت بدون أي نوع من التعليم، الأمر الذي انعكس بشكل حاد على عملية التعليم ومستقبلها في المناطق الكردية، في ظل غياب الحل السياسي، والاعتراف الرسمي دستورياً بالكرد وهويتهم ولغتهم. ما رأيك بهذه التجربة ككاتب وكمدرّس خدم طويلاً في سلك التعليم؟ وما هي الحلول للخروج من هذه الكارثة؟ 

سببت الأحداث في معظم أنحاء سوريا نتائج كارثية للأطفال والتلاميذ وسوف تكون لهذه النتائج تأثير سالب فظيع في مستقبل الأجيال التي عانت وتعاني.

فيما يتعلق بالسؤال اكتفي بذكر ما يلي:نجاح نظام تعليمي في أي مكان يعتمد على شروط أساسية منها باختصار:

  • وجود اساتذة مدرّبين ومختصين في تدريس مادتهم.
  • وجود مناهج علمية وثقافية موضوعية جهزت من قبل مختصين.
  • وجود الكتب والمواد اللازمة للتدريس والتعليم.
  • استمرارية الصفوف والمعاهد.
  • استقلالية النظام التعليمي من السياسة والسلطة …

بما أنني بعيد من ساحة الواقع وليس لدي كل المعلومات اللازمة المتعلقة بالوضع على الأرض فسوف اكتفي بما ذكرت.

  • لم تعش طويلاً في كوباني مقارنة بالسنوات الطويلة التي عشت فيها ولا تزال في المهجر، هل لا زلت ترتبط روحياً بموطن طفولتك الأولى، هل تراه مرجعاً أخيراً لك من حيث الانتماء؟ 

كما ذكرت فلقد غادرت سوريا وأنا في التاسعة عشر من عمري وكان أربعة عشر عاماً منها في قرية مَزره وكوباني وقراها وخمسة أعوام مرت بين حلب ومنطقة كوباني. ثم قضيت حوالي أربعة أعوام من العمر في أوروپا وها هي خمسون عاماً مضت على وصولي الى أستراليا قضيت منها ٤٩ عاماً في سيدني ونيوكاسل. عشت بين أفراد مجتمعات عدة، زرت كثيراً من البلدان و بدون مبالغة تعرفت على آلاف من الناس بين زملاء في العمل وأساتذة وموظفين وتلامذة وطلاب وجيران وأقارب وأناس كثيرون من خلفيات عديدة، لكن النهر الذي ما زلت ارجع اليه بيني وبين نفسي لأسقي منه روحي وعروق ذكرياتي تبقى كوباني وقراها والناس الطيبين بأغلبيتهم الساحقة الذين عشت بينهم في السنين الأولى من حياتي ومع أن النهر ربما غيّر من مجراه ونقاء مائه بعد كل هذه السنين فما زال النهر القديم كما هو في عمق وجودي فأرجع اليه بين الحين والآخر معانقاً بهذا اللقاء الشعوري والوجداني أيام طفولتي وعهد تكوين شخصيتي. بالرغم من أن تجاربي في الطريق، مخالطتي أناساً من خلفيات عديدة، دراستي الأكاديمية وجنسيتي الأسترالية قد غيّرت ذهنيتي ومعتقداتي من نواح عديدة، إلا أن قلبي ما زال مرتبطاً بالمكان الذي  ولدت فيه ، فيه نطقت أولى كلماتي وبين ساكنيه شعرت بالانتماء التام، فحتى الأموات من عائلتي وأقارب أمي والناس الذين كنت أعرفهم ويعرفوني ما زالوا أحياءً في ذاكرتي. ما زال هذا الارتباط الانتمائي والشعور التضامني قوياً باطنياً بيني وبين معظم الكوبانيين، حتى الكثيرين من الجيل الجديد الذين لا أعرفهم شخصياً.

  • لقد تعرّض موطن طفولتك كوباني إلى دمار شديد شمل العمران والإنسان، وهي ليست استثناءً في المشهد السوري المرعب، كيف تفاعلتَ مع هذا الحدث؟ وكيف تقيّم وضعها الحالي في السياق الكردي الخاص والسوري العام بعد استعادتها بـمقاومة العصر؟

إنني أشفق على السوريين الأبرياء الذين عانوا كثيراً وفقدوا كل شيء وأتأسف على ما حصل لسوريا من الخراب والويلات. ان احتلال معظم كوباني والقرى التابعة لها ثم النزوح الجماعي منها، بما فيهم أفراد عائلتي، وبعدها رؤية العلم الأسود يرفرف فوق جبل مشتَنور هزت كياني. خلال الأسبوع الأخير من الشهر التاسع والأسبوعين في النصف الأول من الشهر العاشر لعام ٢٠١٤ دفعت حوالي ألفي دولار كغرامات قانونية بسبب السرعة على الطرق أو تجاوز الضوء الأحمر نتيجة عدم التركيز، ثم سُحبت شهادة السواقة مني لمدة ثلاثة أشهر بسبب السرعة الفائقة … لقد شهدت كردستان كوارث عديدة ولكن لم نتخيل يوماً بأنها ستحصل في موطن ولادتنا ولم أتوقع أبداً بأن أفراد عائلتي سوف يتركون بيوتهم وأملاكهم وكل شيء وراءهم يوماً ليصبحوا لاجئين. خبأت نفسي من زوجتي يوماً وبكيت كطفل صغير فقد أمه في الطريق،بل كانت المعاناة أعمق بكثير.

أما عن عبارات مثل “مقاومة العصر” فهي من صنع من يريد استخدامها لأسباب سياسية أو لرفع المعنويات أو لخداع الساذجين والبسطاء من الناس الذين لا يعرفون الحقائق كاملة أو يفضلون عدم معرفتها. أقول هذا لا لأسباب سياسية أو لإيذاء أحد بل لأجل الحقيقة وكمسؤولية أمام التاريخ الذي مراراً ما يكون مضمونه بعيداً عن الصحة والموضوعية. لأعطي “المقاومة البطولية العظمى” لستالينغراد التي سمّيت بأسماء براقة لا تحصى في عهد ستالين كمثال. أشار البعض الى معركة ستالينغراد كأكبر انتصار … ولكن ماذا عن بقية الحقائق؟ لقد كان النظام الستاليني يدفع بمئات الآلاف من الشباب نحو نيران القوات الألمانية كما يُرمى الحطب في النار وكان عدد من جنود القوات السوڤياتية بدون سلاح يركضون مع المسلحين منهم ليحملوا أسلحتهم بعد وقوعهم. تشير المعلومات التاريخية بأن ١٩٠٠٠ جندي أو مدني سوڤياتي كان يموت يومياً في تلك المدينة وبأن مليون وتسعمائة ألف من أفراد القوات السوڤياتية أصبحوا ضحية الدفاع عن ستالينغراد الذي استمر خمسة أشهر وعدة أيام، كما أن المدينة دمّرت بأكملها ومات مئات الآلاف من الناس جوعاً، أو تحت القنابل، وحُكم على الكثيرين بالخيانة لمحاولتهم الهروب فوُضعوا في سجون ستالين. ماذا حصل بعد كل ذلك؟ لا توجد الآن مدينة بذلك الاسم فلقد أصبح اسمها ڤولغوغراد منذ عام ١٩٦١.

ان المسؤولين في القوات الأمريكية لعبوا دوراً خادعاً بحق كوباني وساكني المنطقة، فطائرات الاستطلاع الأميركية كانت ترى تقدم الداعشيين من الرقة، لكن استطاع الداعشيون الوصول من الرقة الى كوباني بين عشية وضحاها دون أي اعتراض من القوات الأمريكية. حينها قال الجنرال الأمريكي اليود أوستين بأن ذلك يناسبهم، وأضاف “فليبعث داعش مسلحيه الى كوباني، فمهما كان عدد الذين اقتلهم هناك [يقصد كوباني] مرتفعاً يكون عدد الذين سأحاربهم في أمكنة اخرى أقل …” ولقد ترجمتُ ما أدلى به الجنرال مع ترجمة مقالة مجلة تايمز الأمريكية كاملة الى الكردية (2014/ 11/23/) ونشرت المقالة على الفيسبوك في حينه. بكلمات اخرى فإن اخلاء كوباني و قراها من كل سكانها ربما كان بإيعاز من الأمريكيين، أو على الأقل برضاهم، لأنهم على الأغلب قد خططوا بأن يحولوا كوباني الى فخ لاصطياد الداعشيين، فبقيت فقط زاوية من كوباني قريبة من الحدود التركية بيد المسلحين الكرد الذين واللواتي حاربوا ببسالة بعد،وبمساعدة، هجمات الطائرات الأمريكية، وكان البعض من المحاربين من الشمال أو من أجزاء أخرى درّبوا من قبل ح ع ك (ب ك ك) و قد ذُكر بأن أفراداً من القوات الأمريكية الخاصة كانوا أيضاً متمركزين هناك للاتصال الإلكتروني بمركز المراقبة الأميركية وإعطاء معلومات عن تحرّكات مسلّحي داعش وأمكنتهم ليستعملها الطيارون أثناء الغارات الجوية … نتيجة لكثافة قنابل الغارات وفظاعتها فقد تحولت كوباني الى مقبرة جماعية للداعشيين وفاحت روائح أجسادهم في كل أرجاء البلدة المدمرة كلياً تقريباً، حتى قررت قيادة داعش الانسحاب في ليلة بعد أشهر. أما عن مجيء الپيشمرگة فلتلك التمثيلية الأمريكية بأدوار كردية وموافقة تركية قصة أخرى لا أريد الدخول في تفاصيلها. بعد “النصر” لم تقم السلطات الأمريكية بواجبها الأخلاقي والإنساني تجاه سكان كوباني، فلم يلعبوا دوراً في تسهيل رجوعهم ولا حتى أرسلوا فرقاً طبية للتأكيد بأن الكميات الهائلة من القنابل المتفجرة من طائراتها ومخلفات أجساد من قُتل من الداعشيين لم، وسوف لن، تؤدي الى مشاكل صحية بين الناس.

إنّ احتلال داعش لكوباني وقراها ونتائجها أدت الى تغييرات من المستحيل إرجاعها الى مجراها السابق، فلقد خسرت المنطقة أعداداً مرتفعة من مثقفيها وشبابها وتمزّق النسيج الاجتماعي الذي استمر نسجه قروناً ليؤدي الى علاقات ارتباطية قلّ مثيلها في العالم بين سكان منطقة تمتد من نهر الفرات غرباً الى بلدة تل ابيض شرقاً ومن الخط الحديدي على الحدود مع تركيا شمالاً الى بلدة صرّين وقرى قريبة من الفرات جنوباً. تمزقت العائلات وتشوّهت الأعراف والتقاليد التي كان سكان المنطقة ملتزمين بها أكثر من قرن. أي نصر عظيم لكوباني إذاً؟ الغريب في الأمر هو أن الذين بمقدرتهم رؤية الصورة الحقيقية كاملة وتحليل واقعية الأحداث من أولها الى آخرها قليلون جداً، فنحن نفضّل أن نسمى أبطالاً على أن نتعرف على حقيقتنا و نحلل واقعنا بموضوعية، وإننا نُخدع بسهولة بالمدح المؤقت، حتى أن البعض منا كان فخورا  بالتمثيليات شبه الهوليوودية والتي كان الإعلام الأمريكي يقدمها طيلة أشهر ويقلدها الإعلام العالمي والتي استعملتها السلطات الأمريكية كمقدمة لتحركاتها وتصرفاتها وكخدمة لمآربها ومصالحها، ولم يدرك الكثيرون مغزى التمثيليات ذات الإخراج الأمريكي/الغربي حتى بعد أن غيّروا اسماً بعد اسم الى ان وصلوا الى اسم “قسد” و الآن نرى الإعلام يكتب ويتكلم عن “أكراد سوريا” فأكراد سوريا فعلوا كذا و كذا … “أكراد سوريا يتباحثون مع حكومة الأسد،” “أكراد سوريا قرروا هذا و ذاك…” “أكراد سوريا أدلوا …” و كأن كل فرد من أكراد سوريا مشترك في كل ما يحدث، إلخ، إلخ … واقعنا مؤلم.

  • منذ متى لم تزر كوباني -مهد طفولتك، هل تفكر بزيارتها يوماً إذا ما سمحت لك الظروف؟ ماذا تريد أن تقول لأناسك هناك إذا ما عدت؟

كنت في كوباني آخر مرة لما زرتها مع صديق ألماني في شهر أيلول، عام ٢٠٠٩.  أنا مشتاق كثيراً الى كوباني والى المنطقة بأسرها والى الأقارب والأصدقاء.  اذا سمحت الظروف سأذهب في زيارة طبعاً ولكن ليس قبل موافقة السلطة المسؤولة على استعمال الاسم الصحيح للبلدة، الاسم الذي اختاره أهل كوباني وقراها منذ البداية وسأكون سعيداً برؤية الاسم الذي نعّرف به ذلك المكان على مدخل المدينة، اسمKobanî بدلاً من الاسم المشوّه Kobanê””.

لقد قلت وكتبت الكثير عن كوباني. إنْ ذهبت فسوف استمع الى ما يريد الناس هناك أن يقولوه لي هذه المرة. سأشكرهم على وفائهم لكوباني وإعادة بنائها.

  • صدر أخيراً كتاب عن مدينة كوباني للأديب حسين محمد علي “كوباني مملكة الغرانيق والماء”، كيف كان شعورك وأنت تقرأه، بماذا تختلف كوباني في عالمك عن كوباني في “مملكة الغرانيق”؟ 

الكثير مما قرأته في كتاب الأستاذ حسن محمد علي ذكرني بأيام الطفولة وبالمكان الذي كنت أعرفه والناس الذين لم يكونوا غرباء عليّ.  لقد كتبت ما يشبه البعض من هذه الذكريات في مقالات وقصص مختلفة باللغة الكردية. فرحت جداً بالكتاب وأشكر الأستاذ حسن على ما فعل وعلى المعلومات القّيمة في الكتاب. 

  • هل من كلمة لعفرين في محنتها، وهي تصارع شتى القوى للحفاظ على هويتها ولإعادة الاستقرار والأمان والحقوق إليها؟

مأساة عفرين حلقة من سلسلة المآسي الكردية من القرون الماضية حتى يومنا هذا وستستمر هذه المآسي مع الأسف الى أن يقبل الذين لهم دور مباشر أو غير مباشر في حدوثها أخطاءهم وألا تعاد مثل هذه الأخطاء لا منهم ولا من غيرهم من الجهات الكردية المسؤولة. هذه الجهات لم تتعلم لا من تجربة مهاباد ولا من حلبجة ولا من شنگال ولا من كوباني ولا مما حدث في المدن والمناطق الكردية في الشمال. على الأكراد بصورة عامة أن يفرّقوا بين ما تريده عواطفهم وبين ما يستطيعون تحقيقه حسب مقدرتهم الفعلية والظروف المحلية والعالمية. يقول المثل الشعبي  “مد رجليك على قدّ لحافك.”  أحياناً ينسى البعض هذه القاعدة المهمة. هناك فرق كبير بين ما يستحقه شخص، مثلاً، وبين قدرته الذاتية والواقعية غير الكافية للحصول على ذلك الحق في فترة زمنية محدودة. مأساة عفرين مُرّة لأنها جزء منا ولكنها بنفس الوقت جزء من الوضع المأساوي من سوريا الى ليبيا ومن العراق وشنگال الى أفغانستان وغيرها من البلدان التي حُرمت من الاستقرار والأمن والعدالة. أعرف بأن البعض ربما سيتعجبون لماذا لم أذكر دور تركيا أو من استعملتهم تركيا. بصراحة فأنا في السنين الأخيرة أفضل التركيز على الداخل، فلقد كتبنا وقلنا ما يكفي لنشر ألف كتاب عن المسؤولين عن الاضطهاد ومعادات الكرد ولا أرى لزوماً لتكرار أمور روتينية كلنا موافقون على محتواها.

  • ألا تفكّر بكتابة مذكراتك بعد هذه السنوات المليئة بالأحداث والمتغيرات على الصعيد الخاص والعام؟

فكرت فيها مراراً ولكن لم تحصل بعد. أحياناً أرى ذلك ضرورياً وأحياناً أعتقد بأن كتابتها ليست بتلك الضرورة. مشوار طويل، أحداث كثيرة ربما لا أرغب في تذكر البعض منها وعمل يلزمه مثابرة ووقت طويل.

  • إذا ما حضر أمامك ممثل عن الفئات الكردية التالية: الكتاب، والسياسيين، ورجال الدين، والشباب، والمرأة، وعامة الناس، والمهاجرين، فماذا ستقول لكل فئة؟ 

الكاتب: لا تضِع من وقتك ولا تعذب نفسك والآخرين ان لم يكن لديك ما تكتبه أو ما تكتب به.

السياسي: كن سياسياً إذا كانت لديك النية والقدرة لتقدم شيئاً مفيداً للمجتمع. ابتعد عن السياسة إذا كانت نيتك استعمال الناس لمآربك أو مآرب حزبك أو عشيرتك أو دينك …

رجل الدين: كن متديناً إذا اردت، لكن احترم الأديان الأخرى ولا تجبر أحدا ًأن يكون متديناً مثلك.

الشباب: النجاح يحتاج الى الجد والمثابرة والصبر، “فمن جدّ وجد.” احلم ولكن اعلم بأن هناك فرق بين الأحلام والواقع. فكر ثم فكر وفكر مرة أخرى فأحياناً للحقيقة وجهان أو أكثر.

المرأة: لا تقبلي الظلم واطلبي المساوات مع الرجل في الحقوق والواجبات، واطلبي الحرية ان لم تكوني راضية من الوضع ولكن آمل بأن لا تقلّدي البعض من نساء أمريكا وأوروبا اللواتي فقدن قيمة الأنوثة وأصبحن مقلدات للرجل.

عامة الناس: كلنا نضحك ونبكي ونفرح بالسعادة ونتألم بالمأساة. إذا كنت تكره أن يضرّك أحد، فلا تضر أحداً. الحب أسهل من الكراهية وأكثر فائدة منها.

المهاجر: حاول التعلم والتقدم من اليوم الأول واعتن بتثقيف نفسك وبثقافة اطفالك. ابتعد عن كل أنواع العنف، أكان في داخل بيتك أو خارجه. اعلم بأنه كلما طال بقاؤك في الخارج وكبر الأطفال صعُب رجوعك الى وطنك. ان كانت نيتك البقاء فمعرفة اللغة بصورة جيدة والتعرف على تاريخ وعادات المجتمع الجديد مهم جداً. كن واقعياً ولا تجري  ِوراء الأحلام غير المنطقية.

  • هل من كلمة أخيرة؟

أود أن أقول بأن السنين وأحداثها المأساوية و واقع شعبنا وقسم من تصرفات منظماته خيبت آمال البعض منا لحد ما،فأحلامنا كانت كبيرة وآمالنا واسعة وتطلعاتنا الى المستقبل أكثر تفاؤلاً، وايماننا بشعبنا مبالغ فيه. تحقيق الآمال على الساحة كان محدوداً وضيقاً وكانت هناك مآس عديدة في الطريق، واقتتال داخلي مليء بالتنافس والحقد. حتى فيما يخص الجنوب فلقد بنينا آمالاً واسعة على ولادة الوضع الجديد الذي بدأ من عام ١٩٩١، وبالرغم من بعض الإيجابيات فلقد فشل الكرد شعباً وقيادات في الوصول الى وضع مليء بإيجابيات تبرهن الوحدة الوطنية في جو خال من الفساد والكراهية والتفرقة.  لقد أدى كل ذلك الى اليقظة لديّ شخصياً، فعندما أقارن ما كتبته أو قلته في العقود الماضية عن الكرد وكردستان عامة بما أعتقده اليوم،أحزن واكتشف بأن الصورة التي رسمتها في ذهني ورسختها في عقيدتي كانت أكبر بكثير من واقعنا وحقيقتنا، لذا فبدلاً من المضي في خداع نفسي وخداع الآخرين أفضّل أن أرى وأري الصورة الحقيقية، بالشكل الذي أنا أراه طبعاً. برأيي الشخصي اليوم إن أي نجاح لفئة كردية اليوم أو غداً مرتبط بتقييمهم الصحيح لأنفسهم ووضعهم وحقيقتهم والمعرفة الصحيحة عن كل من يتعاملون معه أو يجب التعامل معه. أخيراً أكرّر بأن بقاء الكرد كمجتمع متماسك وذات هوية قومية مرتبط ببقاء وتقدم اللغة الكردية، وإن كردستان، بحكم ذاتي كانت أم مستقلة، فسوف لن تكون “موطن الكرد” ان كانت لغة ساكنيها ليست الكردية.

شاهين بكر سورَكلي – بداية تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٨.

المواضيع المشابهة