د. جعفر شيخ الإسلامي_حول الهوية الكردية: رؤية اجتماعيّة – سياسيّة وتاريخيّة (1)

د. جعفر شيخ الإسلامي [1]

ترجمة عن الانكليزية: د. مسلم طالاس [2]

 

في هذه الورقة، أحاول تقديم تقييم عام للهوية الكردية. وباعتبار أن الخطاب القومي يميل لإعطاء بعد تاريخي للأمة (القومية) nation، وجدت من المناسب أن أبدأ بعرض موجز لتاريخ الكرد وكردستان. وفي هذا السياق، نشأت الهوية القومية الكردية في بداية القرن العشرين تقريباً، حاملة جذور أثنية قوية. وبالتوافق مع مفهوم الهوية القومية العام، فإن الهوية القومية الكردية تعرف بالثقافة واللغة والاقليم والرموز والذاكرة والتجارب والطموحات السياسية المستقبلية المشتركة. وسأبيّن أن أكثر هذه المكوّنات الداخلة في الهوية القومية الكردية مجزأة بعمق، بسبب عوامل داخلية وخارجية[3].

إن تجزؤ مكونات الهوية الكردية، بالترافق مع الضغوط الخارجية من الدول الاربعة (تركيا وسوريا وإيران والعراق)، منع القوميين الكرد من تحقيق التحرر، سواء في شكل كردستان المستقلة أو عدة كردستانات أصغر، ذات استقلال ذاتي، ضمن الحدود السياسية للدول المختلفة. بتعبيرٍ آخر، ضعف الشعور الكردي الجامع وضعف الهوية الكردية العابرة للحدود (الجامعة) شكل أحد العوائق الكبرى لتحرير القومية الكردية. وتفهم الهوية الكردية الجامعة أو العابرة للحدود هنا على أنها الهوية الجامعة التي يشعر أكثر الكرد بالانتماء إليها، بغض النظر عن الدولة الوطنية (الامة) التي يعيشون فيها الآن. أدّى غياب هوية كردية قوية جامعة إلى جعل الحركات القومية المحلية بيادق بيد الدول المستضيفة، تستخدمها ضد بعضها البعض[4]. وأدى ذلك أيضاً إلى ضعف الحركات المحلية والاستقلالية، وعمق التجزؤ الثقافي والسياسي. أشير إلى أنني سأنهي هذا الورقة البحثيّة بدراسة الآراء التي تقول: بأنه منذ بداية ثمانينات القرن الماضي، وبشكل أوضح، منذ أواسط التسعينات، تغيّرت الحالة الكردية بشكل عميق. حيث بدأت الهوية الكردية تتعزز عبر الحدود.

 

الكرد وكردستان: عرض تاريخي موجز

أساطير أصول الكرد

كأيّ خطاب قومي، فإن الخطاب القومي الكردي حول أصول الكرد استند إلى الاساطير. يلخّص McDowall (2004) بعض هذه الاساطير كما يلي:

“اسطورة أن الكرد ينحدرون من أطفال تمّ إخفاؤهم في الجبال للنجاة من الزهاك (الضحاك حسب المصادر العربية الاسلامية- المترجم)، الوحش آكل لحم الاطفال. وهذا مؤشّر على الارتباط الروحي بالجبال. وكذلك تعني أنهم قد لا يكونون من أصل واحد باعتبار أن الاسطورة تشيرة مجموعة وليس فقط زوج واحد من الاطفال. وهناك اسطورة شبيهة بالسابقة تشير إلى أنهم ينحدرون من بعض جواري الملك سليمان اللواتي انجبن من شيطان اسمه الجسد، ونفاهن الملك الغاضب للجبال. وهناك اسطورة أخرى تدّعي أن سارة زوجة النبي ابراهيم كانت كردية، من مواليد حران، وهذا يدرج الهوية الكردية ضمن التيار الرئيسي للديانات التوحيدية” (p. 4)

على الرغم من أنه يمكن للمرء صرف النظر بسهولة عن هذه التقديرات لأصول الكرد باعتبارها رأي خاطيء. لكن فعل ذلك ربما لا يكون بنّاءاً في فهم الخطاب القومي. كما أكّد McDowall هذه الاساطير “أدوات ثمينة في بناء الامة، على الرغم من أنها مشكوك فيها تاريخياً، باعتبار أنها توفر هوية روحية مشتركة خاصة بالشعب الكردي” (ص4)[5]. وهناك رأي آخر، مثار جدل، يعود بأصل الكرد إلى الألفية الاولى قبل الميلاد، إلى شعب قديم، يُدعى الشعب الميدي, الذي أسس الامبراطورية الميدية (728-550 قبل الميلاد) في مناطق غرب إيران وشمال العراق وجنوب شرق تركيا الحالية (Hassanpour 1992; Kreyenbroek & Sperl, 1992)[6]. ويُعتبر سقوط الامبراطورية الميدية، بالنسبة للقوميين الكرد، علامة نهاية مجدهم القديم.

 

ما قبل التاريخ الحديث

بعد سقوط الامبراطورية الميدية، خضعت المنطقة التي يسكنها الكرد لعدد من الأمبراطوريات والحكّام، كالامبراطوريات الاخمينية (ما بين القرنين السادس والرابع قبل الميلاد)، والساسانية (ما بين القرنين الثالث والسابع بعد الميلاد)، والخلافة العربية (ما بين القرنين السابع والثالث عشر بعد الميلاد)، ومن ثم المغول (ما بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر بعد الميلاد). خلال القرنين العاشر والحادي عشر الميلادي، وأثناء حكم الخلافة العربية، سيطرت سلالات كردية على الشؤون المحلية (McDowall, 2004, p. 21). لكن العديد من هذه السلالات سقطت بعد غزو الترك السلاجقة (القرنين الحادي عشر والثاني عشر بعد الميلاد) والمغول (القرن الثالث عشر بعد الميلاد) (Hassanpour, 1992). وما بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر خضعت معظم أجزاء كردستان ثانية لحكم حكومات محلية، في ظل السلطة المركزية العثمانية والصفوية (McDowall, 2004, pp. 27– 29) انظر للخريطة 3.1. تمتّعت الحكومات المحلية بدرجة عالية من الاستقلالية الذاتية. لكن الحكم الذاتي المحلي لم يتحوّل لتكوين كردستان الموحدة في ظل ملك كردي، على الرغم من أن الفكرة لم تكن غريبة عن بعض المثقفين الكرد في حينه. (Hassanpour, 2003b).[7]

في الحقيقة، إن الوقوع بين امبراطوريتين قويتين وعدوانيتين، العثمانية والصفوية، جلب البؤس والخراب والتصارع بين السلطات الكردية المحلية (McDowall, 2004; Hassanpour, 1992)[8]. في أواخر القرن السابع عشر, كتب أحمد خاني (أحمدي خانيEhmedê Xanê  المتوفي 1706 أو 1707)، الملا الكردي، في ملحمته الشعرية (مم وزين Mem û Zîn) مايلي:

” من كثرة ما تتلاطم “أمواج” بحر الروم وبحر الفرس وتصطخب، يتلطخ الكرد بالدماء، لأنهم كالبرزخ يفصلون بين الفريقين”.

(نقلا عن كتاب جان دوست ” الدر الثمين في شرح مم و زين” ص183 سبيريز 2006 دهوك- المترجم)

كثيرا ما كانت كردستان، بالاضافة لأرمينيا وآذربيجان، ميداناً للمعارك والحروب المستمرة بين العثمانيين والصفوين. عندما أراد الصفويين استبدال كل السلالات والحكّام الأكراد، باستثناء العائلة الاردلانية (Emaretî Erdelan)[9], بحكّام وولاة يعيّنهم المركز، واجهت نوايا الامبراطورية الفارسية معارضة شرسة من الحكّام المحليين. ونتيجة لذلك تعرّض آلاف الكرد للقتل والتشريد والتهجير إلى أماكن أخرى (Hassanpour, 1992)[10]. دفع سوء معاملة الصفويين لسكان كردستان العديد من الامراء والقادة الكرد للتحالف مع الامبراطورية العثمانية، ومن ثم لعبوا دورا هاماً في هزيمة الصفويين في معركة “جالديران” الشهيرة عام 1514. في المقابل، احترم السلطان العثماني سليم الاستقلال الذاتي لأكثر من دزينة من الامارات الكردية.

 

التقسيم الاول لكردستان

في عام 1639, نتج عن معاهدة مبرمة بين العثمانيين والصفويين رسم أول حدود بين الامبراطوريتين. مرت الحدود عبر كردستان وفصلت ما يعرف اليوم بكردستان إيران عن باقي كردستان، التي هي أجزاء كردستان الحالية في تركيا والعراق وسوريا. مع ابتعاد مخاطر الغزو المتبادل، بدأت الامبراطوريتان بمركزة السلطات، وألغت الحكومات المحليّة، الواحدة تلو الأخرى، بما فيها تلك الموجودة في كردستان. وبعد أكثر من قرن من ثورة الحكومات المحلية الكردية ضد السلطات المركزية، ومع أواسط القرن التاسع عشر، تمّ القضاء على الحكومات المحلية باستخدام القوة العسكرية (Hassanpour, 1992).

 

التقسيم الثاني لكردستان

بعد الحرب العالمية الأولى, وقعت معظم أراضي الامبراطورية العثمانية بيد الاوربيين. دعت معاهدة سيفر عام 1920 التي وقعت بين الحلفاء والعثمانيين لتأسيس دولتين، أرمنية وكردية، في جنوب شرق تركيا الحالية أو شمال كردستان. لكن معاهدة لوزان عام 1923، عدّلت الاتفاقية. وبدلاً من ذلك، قسّمت الجزء العثماني من كردستان بين أربع دول (جمهورية تركيا الجديدة والعراق وسوريا والاتحاد السوفيتي). وبقي الجزء الايراني على حاله. عزل هذا التقسيم السياسي والجغرافي الكرد عن بعضهم البعض لمدة قرن تقريباً. ونظراً لخضوعهم لثقافات ونظم اجتماعية وسياسية مختلفة تعمّق تقسيم الكرد ثقافياً ولغوياً واقليمياً وسياسياً.

 

الهوية الكردية وتقسيماتها:

يؤمن القوميون الكرد الملتزمون بالنظرية الـ(primordialist)[11] في الامة والقومية، بأن الكرد وجدوا منذ زمن سحيق كأمة (قومية) واحدة، وعاشوا دائماً في أرضهم؛ كردستان. ويعتقدون أنه بسبب العوامل الخارجية، مثل اعتداءات الامم المجاورة المهيمنة، والعوامل الداخلية، كالانقسام بين الكرد أنفسهم، تمّ تقسيم وطنهم واحتلاله. وفي النتيجة، تم تقسيم الهوية الكردية بالعنف والظلم. على الرغم من ذلك، فإن خطاب القوميين الكرد يعتبر؛ أن الكرد مجموعة بشرية متجانسة موحدة اثنياً واقليمياً ولغوياً وثقافياً وسياسياً، تمتلك طموحات وأهداف مشتركة بعيدة الأمد في تأسيس كردستان الموحدة المستقلة.

أحد الامثلة الرئيسية للمقاربة البرمورديالية للهوية والقومية الكردية يمكن أن نجدها في أدبيات جمعية “كازيك” ذات الطابع الكردي الجامع (Kajîk)[12]، المعتمدة أساساً على أفكار اللغوي الكردي، ذو الرؤية الكردستانية العامة, جمال نبز، تؤكد هذه الأدبيات بأن “الكوردايتي (Kurdayetî) (أو الحركة القومية الكردية، كما سنرى), لم تتكوّن من أي طبقة أو مجموعة أو في أي نقطة من التاريخ…، الكوردايتي هي حركة طبيعية ديناميكية عابرة للزمن، وجدت منذ أن وجدت القومية الكردية”. (Edebîyatî Kajîk,pp.73-74)[13]. بالتأكيد، نبز مقتنع بأن “القومية الكردية مكوّنة من أصل اثني واحد، ولها تاريخ واحد، ولغة واحدة، وجغرافيا واحدة، لكنها تفتقد الهيكل السياسي. قسّمت أرض الكرد عنوة بين تركيا وأيران والعراق وسوريا والاتحاد السوفيتي”. ( Nabaz, 1985, p. 16). بالنسبة لنبز، باعتبار أن الكرد في كل مكان يشكّلون قومية واحدة، من الطبيعي والمنطقي جداً أن يعيدوا مجدهم الغابر ويؤسسوا كردستان الكبرى الموحدة المستقلة المتجانسة.

على الرغم من أن حسنبور  Hassanpour (2003b) يعارض البريمورديالية والنظرية الجوهرية للأمة والقومية، فإنه يعتقد أن تكوين الهوية الكردية بدأ في القرن السابع عشر. فقد انعكس الادراك الواضح بأن الكرد مختلفون عن جيرانهم في كتابات أحمد خاني (1651-1706)، الذي كتب الملحمة الشعرية الرومانسية “مم وزين” مستلهماً اغنية شعبية. كان خاني مدركاً بوضوح أن هذه الثقافة مختلفة عن الثقافة التركية العثمانية والفارسية الصفوية المهيمنة, حيث كتب :” أنا كردي (كرمانج) من الجبال والاراضي البعيدة” (Hassanpour, p. 126). وكان خاني مدركاً أن اللغة هي أحدى العوامل الهامة في تكوين هوية الكرد. في حينه كانت الفارسية هي لغة الثقافة والادب في كل من الامبراطورية الفارسية والعثمانية، وفي كل أيران والهند، لكن خاني اختار أن يكتب “مم وزين” بالكردية من أجل جعل تلك اللغة مساوية للفارسية (see Hassanpour, 1992, p. 86). وكما لاحظ van Bruinessen (2003)  إن خاني كان يعلم أنه سيكسب مستمعين (قراء) أكثر، لو أنه كتب بالفارسية. لكنه اختار: “متعمداً الكتابة بالكردية من أجل ارتقاء موقع الثقافة الكردية في أعين الكرد والجيران” (p. 42; see also Hassanpour, 1996).

بحسب حسنبور، Hassanpour (2003b) على الرغم من أن خاني كتب في سياق مجتمع اقطاعي، لكن “أفكاره وأدبه تبدو وكأنها شبيهه ببداية الحركة اللغوية والادبية التي غالبا ما تسمى بـ”القومية اللغوية” (pp. 126- 127). لكن حسنبور يسرع للملاحظة بأن خاني لم يكن مدافعاً عن أفكار الحداثة التي تتداخل بكثافة مع القومية الغربية مثل “الديمقراطية البرجوازية أو سيادة الشعب” (p. 132; see also Vali, 2003). لم يتخيّل خاني الامة الكردية على أنها تلك التي ستتميز بما سماه (Anderson (1991)) “نادي رفاق افقي”، بل كان خاني يرغب أن يكون هناك ملك يوحد الامراء الكرد، ويتمكّن من اعلاء موقع الكرد في الامبراطوريتين المهيمنتين الفارسية والعثمانية، بل يحاول قهرهما (van Bruinessen, 2003, p. 45)[14]. يعتقد (Van Bruinessen (2003)) بأنه في زمن خاني كانت كلمة “كرد” تشير فقط “للقبائل الكردية وجزءا من الارستقراطية المدينية لكن لا تشمل الفلاحين غير القبليين” (p. 44). كذلك فإن فان برونسن، يشكك في أن يكون قراء خاني في زمنه فهموا نفس الرسائل السياسية من “مم وزين” كما فعل المثقفون والقوميون الكرد بعد ذلك بعدة قرون (p. 46).

بالنسبة لـ van Bruinessen (2000a)، تكوين الامة الكردية وظهور القومية الكردية (كحركة سياسية-المترجم) أمر حديث وظاهرة متأخرة نسبياً، تعود إلى بدايات القرن الماضي. وهو يعتقد أن إدراك الانتماء لشعب واحد وجد بين الكرد منذ فترة طويلة من الزمن، لكن هذا لا يعني القول: إن الكرد كانوا دائماً أمة بالمعنى الحديث للكلمة. وفي أواخر التسعينات اقترح: “أن ما يوحّد الكرد ليس مجموعة من الخصائص الموضوعية الاقتصادية والسياسية والثقافية، بل فقط أدراك العديد منهم أنهم يشكلون شعباً واحداً” ( p. 45). “وهذا الادراك، تشكّل نتيجة سلسلة من التطورات التاريخية، أهمها ظهور الحركة القومية الكردية” (p. 45)، وهو ما حدث في بداية القرن العشرين(Vali, 2003; Smith, 1996). وبحسب  van Bruinessen (2000a)، كان هناك سببان لظهور القومية الكردية (السياسية)، الاول؛ ردّة فعل على القومية التركية والفارسية والعربية التي كانت تهدف لصهر الكرد وغيرها من الاثنيات في إطار تركيا وايران والعراق وسوريا (see also Vali, 2003, 1998). والسبب الثاني، إلهام نجاح بناء الامم الاوربية[15].

بالنسبة لـ Vali (2003, 1998)، الذي هو من بين الاكاديميين القلائل الذي ساهموا في التنظير للهوية الكردية-إلى جانب حسنبور وفان برونسن-, فإنه أيضاً يعتقد أن “الهوية القومية الكردية حديثة بشكل لا يقبل الجدل” (p. 104). ويعتبر فالي أن المنظور البريمورديالي للهوية القومية الكردية هو منظور جوهري وتاريخي. ويرى  Vali (2003, p. 59, 66)  أن موقف حسنبور اثني، وفان برونسن بنيوي. ويجادل بأنه “بينما المنظور الاثني يشتق الهوية القومية من أصل أثني موحد موجود في التاريخ بشكل مستديم أو وجِد في مرحلة ما. والمنظور البنيوي يلخصها بأصل اسطوري أوجدته الرأسمالية والحداثة” [16](p. 66). يدعو فالي للفصل الكامل بين الهوية القومية الحديثة والهوية الاثنية، بحيث يكون هناك خطاب للهوية وخطاب للأصل. هذا الموقف يشبه كثيراً الموقف الحداثي لـ Gellner (1983, 1997), الذي لا يترك مجالاً أبداً للإثنية في حياة الامة (see a lso Smith, 1 998). يؤكّد فالي أن “مسألة القوميين ليس مسألة الاصل، بل هي أساساً مسألة هوية تفرض فيها مطالب شعبية بالسيادة” (p. 68). بالنسبة لفالي، بينما تطرح الهوية الاثنية في سياق قضايا الاصل والتاريخ، فإن الهوية القومية تطرح وتصاغ في سياق قضايا الحقوق والمواطنة والمطالب بسيادة الشعب. ويرى فالي أن الكرد ليسوا امة، لأنهم ليسوا كذلك بالمعنى القانوني – السياسي، على الرغم من أنه لا يتجاهل أن الكرد أمة بالمعنى الثقافي والتاريخي. يمكننا القول: إن فالي يعيد الامة جوهرياً إلى  السيادة الشعبية، وهذا يختصر الامة على المدى الطويل في السيادة القانونية (Hassanpour, 2003b)[17].  كذلك فإن القومية كلها ليست سياسية: بعضها ثقافي، وبعضها يشمل الاثنين معاً (Hutchinson, 1999; Smith, 1998; Kennedy, 2004; Sutherland, 2005). وباعتبار أن القوميات ولدت كل الامم (Gellner, 1983) يمكن للمرء أن يقول: إن بعض هذه الامم يمكن أن تكون سياسية من البداية (أي دولة-أمة)[18], وأخرى يمكن أن تكون ثقافية في البداية (اي أمة ثقافية)، ومن ثم كليهما (دولة-أمة).

بالنسبة لفالي كل الهويات الفردية والجماعية، هي بشكل عام عقلانية (see also Billig, 1995; Hall, 2006; Heller, 1999; Wodak et al., 2009). والهويات القومية تعرف بمقاييس الاختلافات وتتعيين من خلال “الآخر” (Vali, 1 998, p . 83). ويؤكد فالي بأن الهوية الكردية نشأت كرد فعل على التأكيد الرسمي للهوية القومية في تركيا وايران والعرق وسوريا, لانها تبنى على  “انكار الاثنية الكردية والهويات الاثنية والقومية” (1998, p. 82; also see Vali, 2003)[19]. ويحدد فالي الهوية الكردية كلياً من خلال “الآخر”، ولا يترك مجالاً للجذور التاريخية والاثنية للهوية القومية. لكن، وكما أكّد Smith (1999, 1991) مراراً، من الصعب أن نجد أي امة أو هوية قومية غير مصاغة حول جوهر اثني، على الاقل في البداية.

في الاجمال, الهوية القومية الكردية ليست حديثة كلياً، لكن القوموية هي كذلك. الهوية القومية الكردية، هي مثل كل الهويات القومية، ذات جذور تاريخية واثنية، حتى ولو كانت تلك الجذور مركّبة أو وهمية. في بداية القرن العشرين, عندما بدأت القوميات العربية والتركية والفارسية تؤكد نفسها جزئياً بواسطة انكار الهويات الاثنية للكرد، نشأت القوموية الكردية لترتيب الهوية القومية الكردية. اعتمد بناء الهوية القومية الكردية الحديثة على تثبيت الاصول الاثنية والتاريخية، والاعتماد عليها، مثل اللغة والثقافة والاقليم، بالترافق مع الرموز القومية التي خلقت حديثاً، وأخيراً، المطالب السياسية حول القيم الحديثة المتعلّقة بالسيادة، وحق تقرير المصير. بالاضافة لهذه الخصائص التي هدفت لتعزيز التماسك الداخلي للمجموعة، فإن الهوية الكردية أوجدت عوامل اختلاف عن الهويات الاخرى. لكن الهوية القومية الكردية القوية مازالت في طور التكوين. غالبية الباحثين في قضايا الكرد وكردستان، على الرغم من اختلافهم على العديد من القضايا التاريخية والسياسية والنظرية، يتفقون على الاقل على نقطة واحدة: الهوية القومية الكردية مجزأة بعمق. ويجب أن نلاحظ على الرغم من القمع الذي مارسته الدول، فإن تكون هوية كردية جامعة قوية عانى كثيراً من الانقسامات الداخلية: الاقليمة والثقافية واللغوية والسياسية.

 

 

الانقسامات الاقليمية

يمكن أن تترجم كردستان لغوياً بمعنى وطن الكرد. وهي مقسّمة بحدود دولية معترف بها بين أربع دول قومية (أمة) هي العراق وايران وتركيا وسوريا. وكما لاحظ Ciment (1996): “كردستان عملياً مُحيت من الخريطة في القرن العشرين” ( p. 75). الاستثناء الوحيد هو محافظة كردستان في أيران التي تضم حوالي ثلث المناطق التي يسكنها الكرد في أيران[20]. أكثرية الكرد والمتعاطفين معهم يسمون كردستان تركيا بشمال كردستان أو كردستان الشمالية، وكردستان العراق بجنوب كردستان أو كردستان الجنوبية، وكرستان إيران بشرق كردستان أو كردستان الشرقية، وكردستان سوريا بغرب كردستان أو كردستان الغربية. لكن، وباستثناء حالة العراق اليوم، فإن الدول التي يعيش فيها أكثرية الكرد، تسمّى أجزاء كردستان، بجنوب شرق تركيا وشمال العراق، وفي ايران وسوريا أسماء متعددة لمحافظات مختلفة. كردستان التي يتعامل معها الغالبية الساحقة من الكرد والمتخصصين في الشأن الكردي، ليست موجودة بالنسبة لتلك الدول.

كردستان ذات الطبيعة الجبلية والتي تلتقي عندها الدول القومية التركية والعراقية والايرانية والسورية، تعتبر هامة جداً لتلك الدول. وفقا لـ McDowall (2004) “تشكل الجبال، بالتأكيد، حدوداً استراتيجية، يمكن الدفاع عنها لأيران والعراق، وأي تحريك للحدود شرقاً أو غرباً من كردستان سيجرد تلك الدول من تلك الميزة الاستراتيجية” (p. 7). كما يلاحظ  مكدوال، اثبتت الدول الاربعة أنها ملتزمة بالحفاظ على هذه الحدود والتي تعبر كردستان، بأي ثمن. وربما أظهرت تركيا أعلى درجة من العداء لوجود منطقة محددة باسم كردستان أو حتى الاسم ذاته ككلمة. على سبيل المثال فإن العديد من الباحثين والناس العاديين، كرد وغير كرد، الذين سافروا إلى كردستان العراق من خلال تركيا قالوا: بأن وثائقهم ووكومبيوتراتهم فتشت من قبل حراس الحدود الترك بحثاً عن كلمة كردستان. وطلب منهم الغاء كل ما يشير لتلك الكلمة من وثائقهم وأغراضهم (O’Leary & Salih, 2005), وفي بعض الحالات تم اتلاف الوثائق والمواد المطبوعة والصور التي تحتوي على تلك الكلمة. بحسب مكدوال، فإن تركيا تمتلك “رأيا أيديولوجياً وعاطفياً بأن حدودها لا يمكن أن تتغير بدون تهديد أسس الجمهورية…، يتصور أن خسارة كردستان، على الرغم من فقرها الكبير، هو ضربة قاسية للهوية المكانية لتركيا” (O’Leary & Salih, 2005). ويمكن قول الكلام نفسه بالنسبة للدول الثلاث الاخرى.

في الوقت الذي تعتبر وعورة الجبال وقسوة التضاريس الكردستانية ميزة هامة للدول القومية الاربعة، وهي نعمة ونقمة على الكرد، كما يلاحظ O’Shea (2004): “بالنسبة لأكثرية الكرد، حتى إن كانوا من سكان المدن أو السهول، تعرف كردستان بطبيعتها الجبلية. وهناك فكرة شائعة في الثقافة الكردية تفيد بأن الجبال هي حلفاء المقاتلين الكرد” ( p. 162). لقد أصبحت عبارة (الأصدقاء الوحيدين للكرد هم الجبال) والتي يعتقد أنها مثل كردي (O’Leary, McGarry & Salih, 2005, p. xix; see also Izady, 1992, p. 188),  عنواناً لكتاب صدر عام 1992 بعنوان “لا أصدقاء سوى الجبال” (Bulloch & Morris, 1992). أصبحت الجبال رمزاً قومياً وأحد العلامات البارزة للهوية الكردية. كذلك كانت وعورة كردستان لعنة على وحدة الكرد، كونها عزلت التجمعات الكردية لقرون عن بعضها، وخاصةً، منذ التقسيم النهائي لكردستان عام 1923. وفقا لـ Izady (1992): “تماما كما خلقت الجبال الاستقلال الذاتي للكرد، فإنها غالباً منعت الاتصال فيما بينهم…، شتت الجبال اللغة الكردية إلى جمهرة من اللهجات، وأديانهم إلى مثال للتنوع، وفنونهم وعاداتهم إلى حديقة من التنوع اللوني (p. 188).

وبنفس المعنى يرى Yavuz (2005)  أن “الظروف الجغرافية الوعرة كانت المانع الاساسي لتوحيد الكرد” (p. 232). كانت العراقيل المادية مثل الجبال من بين كبرى عوائق التواصل بين الكرد. وحتى فترة قريبة جداًـ كان أكثرية الاتصالات بين الكرد من مختلف الاجزاء تتم من خلال مجموعة صغيرة من البشر الذين ينتمون لقبائل تعيش على طرفي الحدود. بالاضافة للتواصل من خلال المهربين والمتمردين من مختلف الاطراف، ونخبة من المثقفين الذين كانوا يعرفون بعضهم البعض. وفي الغالب، من خلال محطات الإذاعة السرية ذات الموجات القصيرة والكتيبات الادبية والسياسية[21]. عمّقت صعوبة الاتصال بين الكرد الذين يعيشون في دول مختلقة، تدريجيّاً، الاختلافات الثقافية واللغوية والسياسية بينهم.

 

الانقسامات الثقافية

يؤكّد  Van Bruinessen (2000a) “إن الكرد كانوا وما زالوا لا يشكلون مجموعة ثقافية متجانسة مؤكّدة” (p. 45). بالنسبة له الاختلافات الثقافية بين الكرد من الضخامة بحيث أن المرأ يتردد في تسميتهم مجموعة اثنية. ويلاحظ بأنه “عند الحكم بالمعايير الموضوعية، سيميل المرء لاعتبارهم تجمعاً لمجموعات اثنية مختلفة، بدلاً من أن يكونوا مجموعة واحدة” (p.9). في ضوء هذه الملاحظة الخطيرة, اقترح أنه عند الاشارة للكرد بشكل عام, من المناسب استخدام عبارة امة أو شعب.

الاختلافات الثقافية في كردستان ليست نتيجة الانقسامات الداخلية والاثنية فقط. بل تحمل آثار الاختلافات الثقافية بين الدول التي يعيش الكرد فيها (van Bruinessen, 2000a)[22]. لـVali (1998) ملاحظات ذات أهمية خاصة هنا. حيث يرى أن آليات وأنماط تكون الهوية الكردية تحددت ليس فقط بعواملها الداخلية بل أيضاً بسياسات بناء الامة وممارساتها التي قام بها الاخرون. أي، الهويات القومية التي فرضتها الدول الحاكمة لكردستان. باعتبار أن كل دولة اتبعت ممارسات مختلفة في بناء الامة، وبثقافات ولغات مختلفة، ومن ثم فأن تكوّن الهوية الكردية ضمن كل دولة اتخذ شكلاً مختلفاً.

“لقد كان ظهور الدولة القومية الناشئة (تركيا والعراق وإيران وسوريا), والخطاب القومي الرسمي الذي صيغ لشرعنة الحكم الاستبدادي والثقافية السياسية المتجانسة، متنوعاً بشكل كبير في الشكل والخصائص…، حملت الهوية الكردية علامة هذا التنوع السياسي والثقافي للآخرين، وكانت منقسمة بعمق منذ البدء” (p. 82).

الاختلافات الثقافية بين الكرد تتعلق بالموسيقا (Izady, 1992), واللباس والعادات, والطعام والدين (Kreyenbroek &  Allison, 1996), والزواج وغيرها من السمات والقيم الثقافية. التنوع الثقافي لافت. على سبيل المثال, هناك أديان وطوائف دينية متعددة في كردستان. على الرغم من أن غالبية الكرد مسلمون سنّة، هناك أهل الحق والعلويون والإزيديون والمسيحيون واليهود (Kreyenbroek, 1996; O’Shea,2004, pp. 28– 33). ويبدو أن الاختلافات الدينية تشكل صعوبات في وجه الحركة القومية الكردية وسعيها لإدراك الهوية. يلاحظ أن غالبية الشيعة الكرد في أيران (الذين يقيمون في إيلام وكرمانشاه) امتنعوا عن الانضمام للحركة القومية الكردية، بل اصطفوا مع الحكومة المركزية في أيران، حيث فرض رسمياً رؤية فرقة شيعية محددة على البلد. من جهة أخرى، ونظراً لأن الحكومة في بغداد حتى عام 2003 كانت ذات طابع اسلامي سنّى، فإن الشيعة الكرد في العراق ساهموا بنشاط في الحركة القومية الكردية (p. 26). نظراً لأن غالبية الكرد مسلمون، وباعتبار أن الغالبية الساحقة من الامم والاثنيات المجاورة مسلمة، فإن الدين لم يكن عاملا رئيسيا لتمييز الكرد عن الامم والمجموعات الاثنية المهيمنة، لم يكن عاملاً أساسياً في التكريد[23]. بالاضافة للدين، فإن العديد من السمات الثقافية للكرد أصبحت شبيهة بالفرس والترك والعرب نتيحة هيمنة هذه الثقافات عليهم لمدة تقترب من القرن. لكن اللغة، إحدى العوامل البارزة في تحديد الهوية الكردية.

الانقسام اللغوي

اللغة ومضة الروح الانسانية، وهي القاطرة التي من خلالها تدخل روح كل ثقافة إلى عالم الوجود المادي. كل لغة هي غابة نامية، منذ زمن، من العقل، ونقطة تحوّل في التفكير، ونظام بيئي من الامكانات الروحية. (Davis, 2009, p. 3).

اعتبرت اللغة احدى المؤشرات الاساسية للهوية الكردية(Vali, 2003; McDowall, 2004; Kreyenbroek & Allison, 1996). يعتقد Hassanpour (1992)  ان اللغة هي مثل الهواء لاستمرار القومية الكردية لأنها الخاصية الابرز التي تميز الكرد عن القوميات المجاورة. وقد أدرك كل من الكرد والدول التي تسيطر على كردستان أهمية اللغة في تحديد الهوية الكردية.

من المؤكد أن القوميين الكرد قد تأثروا بأيديولوجيا الدولة الامة[24]،     والتي تقول بأن الامة المثالية ليس فيها مجال لأكثر من لغة. ولذلك حاربوا اي فكرة حول أن الكرد يتكلمون أكثر من لغة. وهي فرضية طرحها بعض اللغويين (e.g., Kreyenbroek, 1992). وباعتبار ان الدول المسيطرة لاحظت أن اللغة الكردية هي عامل حاسم في تحديد الهوية الكردية، فإنها سعت “لصهر الكرد من خلال قمع اللغة الكردية كلياً، أو محاولة كبحها” (Kreyenbroek, 1992, p. 68). وقد عرض القمع الحكومي مع الاختلافات اللغوية بين الكرد انفسهم، اللغة الكردية لانقسام عميق.

 

انقسام اللغة الكردية ذو شقين: تنويعات الكلام واختلاف احرف الكتابة. بالاضافة للعديد من اللهجات المحلية (الموكرياني والسوراني والاردلاني والسليماني والهركي والجلالي…)[25]، هناك أربع لهجات (تنويعات) رئيسية يتكلمها الكردي: الكرمانجية (وتسمى أيضا الكرمانجية الشمالية) والسورانية (كذلك تسمى الكرمانجية الجنوبية أو الكردية المركزية) والزازكية أو الدمللية والهورامية أو الكورانية والكرماشانية (الكردية الجنوبية) [26](Hassanpour, 1992) (See map 3.2).. وهذه التنويعات ليست مفهومة بشكل متبادل في معظم الاحوال (van Bruinessen, 1992). يتكلم الكرمانجية حوالي 60-65% من اجمالي الكرد, وغالبيتهم يعيشون في تركيا. ويشكل ناطقي الكرمانجية 20-25% من سكان كردستان العراق, وكذلك يتكلم بها كرد سوريا (1-1,5 مليون نسمة)، وكذلك كرد ارمينيا ومجموعات تعيش في جمهوريات آسيا الوسطى ومجموعة صغيرة من الكرد يعيشون شمال مدينة أورميا في ايران. يتكلم السورانية حوالي 25-30% من مجمل الكرد، كلهم يعيشون في العراق وإيران. وناطقي الزازاكية هم حوالي مليون نسمة يعيشون في شمال كردستان (أو جنوب شرق تركيا, باللغة الرسمية) في مثلث يقع بين دياربكر وسيواس وأرزروم (Kreyenbroek, 1992, p. 68). تعتبر الهورامية أو الكورانية من قبل الكرد على انها الكردية الاقدم (Hassanpour, 1992), والناطقون بها هم الاقل عددا بين الكرد ويعيشون في الجزء الجنوبي من أيران وكردستان العراق. وأخير فإن من يتكلم الكرماشانية هم الغالبية الساحقة من ناطقي الكردية في الجزء الجنوبي من كردستان إيران (أي حول مدينة مدينتي كرماشان/كرمنشاه و كامياران) وحول مدينة خانقين في كردستان العراق. من بين هذه التنويعات الكرمانجية والسورانية معياريتان ومضبوطتان, ويتكلمها الغالبية الساحقة. وهما تستخدمان في الاعلام الكردي في الداخل والمهاجر، وفي التعليم والادارة في كردستان العراق[27].

يعتبر Kreyenbroek (1992)  أن الكرمانجية والسورانية مختلفتان عن بعضهما اختلاف الالمانية عن الانكليزية (p. 71) وبشكل خاص فيما يتعلق بالصوتيات والمورفولجيا، لكن ليس في المفردات[28]. وقد دفعت هذه الاختلافات بعض الباحثين لتسمية اللهجات الكردية باللغات (p. 71). وفي الحقيقة فإن بعض الباحثين بالغوا في اختلافات اللهجات الكردية وقالوا: إن هناك أكثر من دزينة من اللغات الكردية (Jenkins, 2001). في المقابل، فإن كل القوميين الكرد وعدد ضخم من الباحثين (مثل Hassanpour, 1992; McDowall,2004; van Bruinessen, 2000a) يفضل استخدام تسمية اللهجات الكردية. وقد اخترت أنا استخدام كلمة التنويعات الكردية لأنني وجدت أن عبارتي اللغة واللهجة محملتان سياسيا[29]. النقطة المهمة في كل هذا، هي أن متكلمي الكورمانجية والسورانية لا يستطيعون التفاهم. بينما يشير Hassanpour (1992) للكورمانجية والسورانية على انها لهجات فإنه يؤكد أنه “حتى عندما يكون بينهم تواصل سابق كبير, فإن ناطقي الكورمانجية والسورانية ليسوا قادرين على التواصل الفعال في كل السياقات” (Hassanpour, 1992, p. 24, see also van Bruinessen, 2000a, p. 27)[30].

توسعت الفجوة بين تنويعات اللغة الكردية بسبب حقيقة أنها تكتب بأحروف مختلفة. حيث يستخدم الناطقون بالسورانية نظام احرف عربية معدّل، ويستخدم متكلموا الكرمانجية الاحرف العربية المعدل (كرد العراق) والاحرف الرومانية المعتمدة على الابجدية التركية الحديثة (أكثرية الكرد في تركيا وسوريا وجزء من العراق). لكن كرد آسيا الوسطى (أرمينيا وآذربيجان وكازاخستان) يستخدمون الاحرف الكريلية[31]. على الرغم من أنه كانت هناك بعض المحاولات ( من قبل جمال نبز عام 1976) لتوحيد التنويعتين الكرديتين الاساسيتين, أي الكرمانجية والسورانية, لكن الاختلافات القواعدية بين التنويعتين وغياب دولة كردستان الموحدة، والقمع من قبل السلطات الرسمية ضد اللغة الكردية أفشل تلك الجهود. إن أثر لغات الدول المهيمنة على كردستان واضح ليس فقط في نظام الكتابة المختلفة للكردية، بل على مختلف الجوانب الهامة للغة مثل المفردات والصوتيات والقواعد والنمط. لقد عزز القمع بحق اللغة الكردية التنويعات الداخلية فيها.

لم تترك الجمهورية التركية منذ ولادتها مكاناً لشعوب أو لغات غير التركية. وسمّي الكرد “أتراك الجبال” (Kreyenbroek, 1992, p. 73) ومنعت لغتهم رسمياً عام 1938 في كل أراضي الجمهورية. استمرّت الكردية وعاشت في المنازل والقرى وبدأت الكتابة بها ونمطت من قبل المثقفين الكرد في المهاجر. بدايةً، في سوريا (1942-1945) عندما كانت تحت الانتداب الفرنسي. ومن ثم استمر ذلك في الغرب بعد ذلك[32]. في الحقيقة يمكن القول بأريحيّة: إن الكردية الكرمانجية الحالية طورت أساساً ونمت وازدهرت في الغرب، وبشكل خاص، في المانيا والسويد. وفقط اعتباراً من عام 1991, كانت الاصدارات في تركيا أكبر من المهجر، لدرجة أن العديد من صحف المهجر هاجرت إلى تركيا أو توقفت.

على الرغم أنه تم رفع الحظر عن اللغة الكردية في مايو 1991 (Olson, 2009), يقول Skutnabb- Kangas and Fernandes (2008 إن وضع اللغة الكردية لم يتغيّر كثيراً في تركيا: “المدارس المتوسطة الكردية غير مسموح بها في تركيا. ولا يمتلك الاطفال الكرد حق دراسة لغتهم الام كمادة في المدرسة. نظرياً، يمكن ان يتم إعطاء دورات في اللغة الكردية للمراهقين والبالغين. لكن عملياً العقبات والشروط كثيرة. وهناك الكثير من المتطلبات البيروقراطية والقانونية بحيث أن الامر يشبه عدم وجود مثل تلك الدورات حتى لحظة كتابة هذا المقال. (p. 2).

يورد الكاتبان أمثلة عديدة على دعاوي في المحاكم التركية (خلال الفترة 2002-2006)  فيها ” اللغة الكردية والتعبيرات عن دعم الثقافة/اللغة الكردية محظورة علنا أو على أساس أنها معتبرة أنشطة إرهابية. الامر الذي يعرّضها للتعريف الغامض للإرهاب في مختلف مواد القانون التركي” (Skutnabb- Kangas & Fernandes, 2008, p. 3)[33]. منذ أواسط التسعينات بدأت تظهر عروض دروس اللغة الكردية الخاصة في مراكز المدن الكبرى مثل استانبول ودياربكر. لكن تلك المحاولات كانت ذات عمر قصير, وبشكل أساسي بسبب غياب الدعم الحكومي، وكونها مكلفة بالنسبة للتلاميذ، ولم يستطع من يقدّم تلك الدروس تأمين الدعم المادي لها.

لم تتغير السياسة اللغوية لإيران منذ الدستور الاول عام 1906 (Hassanpour, Skutnabb- Kangas & C hyet, 1 996, p. 369), حيث اعلنت الفارسية لغة رسمية. وسمح نظرياً باستخدام اللغات المحلية، كالكردية في الاعلام الجماهيري، لكن بشكل محدود ومقيد[34]. كان البث الاذاعي دائما احتكارا للدولة. وكان البث بالكردية مجرد دعاية للحكومة المركزية. في الوقت الحالي تصدر كميات أكبر من المجلات والكتب بالكردية، بالمقارنة مع عهد الشاه. لكن يجب ترخيص كل إصدار من قبل الحكومة. كذلك هناك رقابة شديدة دائمة، والعديد من الدوريات الكردية التي ظهرات أواسط التسعينات، بعد أن استلم الاصلاحيون الحكومة في ايران، أغلقت. ليس للغة الكردية صفة رسمية في إيران ولا تدرّس في المدارس، ناهيكم عن لغة التدريس. في السنوات الاخيرة، وخصوصاً في فترة رئاسة خاتمي، تدبّرت جمعية الطلبة الكرد إقامة القليل من الدورات المخصصة للغة الكردية وآدابها في بعض الجامعات (مثل جامعة شهبد بهشتي في طهران، وجامعة كردستان في سنندج). لكن كان عمر هذه الدورات قصيراً، كحال كل الدوريات. بالاضافة لذلك، وفي العديد من المدن الكردية، أقيمت دورات خاصة للغة الكردية. على سبيل المثال في مهاباد وبوكان وغيرها من البلدات، تقدم الدورات الكردية من قبل جمعية (Komeley Ferhengî u Fêkarî Soma-Fêrgey Zimanî Kurdî ). لكن لا يستطيع كل الناس تحمل تكلفة الدورات الخاصة، وخصوصاً من أجل تعلم كيفية قراءة وكتابة لغة فقط لأسباب شخصية داخلية وليس لكسب مقابل ما، كالحصول على عمل أو فرصة دراسة ما. يدرّس المدرّسون تطوعاً، وبالكاد يمكن أن تغطي الرسوم التي يدفعها الطلاب المستلزمات المادية والايجار. لدرجة أن Soma كانت تعاني من عجز بآلاف الدولارات في السنوات الاخيرة. وبالرغم من المحاولات العديدة لم تستطع الحصول على الدعم، بما فيه المادي، من السلطات الايرانية. بل إن Soma كانت تخضع لرقابة وثيقة لكي لا تتجاوز انشطتها أية خطوط حمراء للسلطات الايرانية, والتي وضعت في الترخيص الاول لفتحها للمدارس. ومن اللافت أنه رغم كل العقبات والعراقيل, فإن كل من المدّرسين والطلاب استمرّوا في تعليم وتعلُّم لغتهم الام.

في سوريا، لا تعتبر اللغة الكردية لغة رسمية، ولا تدرّس في المدارس، الخاصة أو العامة (Amnesty International, 2005). ما بين عام 1920-1937, وفي ظل الانتداب الفرنسي, استطاع كرد سوريا النشر باللغة الكردية واستخدامها في البث الاذاعي، حتى ادراك السلطات الفرنسية أن الكرد يدعمون الحركة الاستقلالية السورية (فأوقفت). في عام 1941, استؤنف النشر والبث باللغة الكردية، وكان في معظمه لأغراض دعاية الحرب, واستمر حتى لمرحلة ما بعد استقلال سوريا 1946. لكن الدولة السورية عاملت اللغة الكردية منذ عام 1955 وما بعد بطريقة الابادة ” linguicide “( Hassanpour et al., 1996). ووفقاً للمتخصصين الكرد فإنه “منذ أواسط الخمسينات….أوقفت الحكومة السورية كل الاصدارات الكردية وأتلفتها. والمدارس المقامة في المناطق الكردية لم يدرس فيها غير العربية. وهو أمر سار حتى اليوم (Hassanpour et al., 1996, p. 370).

بينما منعت الكردية الكرمانجية في تركيا. فانها كانت لغة تدريس وأعلام ومؤسسات عامة في كردستان العراق منذ عام 1991, وخصوصاً في محافظة دهوك التي يغلب عليها الطابع الكرمانجي. لكن قبل عام 1991, فقط السورانية كانت لغة رسمية. منذ أوائل العشرينات. وفي ظل الانتداب البريطاني, سمح لكرد العراق استخدام لغتهم في التعليم الابتدائي والادارة. واعتبرت الكردية لغة محلية في العراق ولغة رسمية في منطقة كردستان (Hassanpour et al., 1996, p. 369). لكن الدولة العراقية لم تبدِ اهتماماً جدياً برعاية اللغة الكردية حتى بعد انقلاب عبد الكريم قاسم, الذي حوّل العراق لجمهورية. بعد الانقلاب حدثت تطورات هامة فيما يتعلق باللغة الكردية، حيث تم تأسيس كرسي الدراسات الكردية في جامعة بغداد عام 1959. وتم تخصيص قسم خاص للغة الكردية في وزارة التربية. وتم إصدار العديد من الدوريات والكتب باللغة الكردية وبدأ البث الاذاعي الكردي.

 

قيد الانقلاب البعثي عام 1968 النشر باللغة الكردية لبضعة أشهر. لكن وفي عام 1970، وبعد الاتفاق الثنائي بين قيادة الحركة الكردية والحكومة المركزية في العراق، اعتبرت السورانية لغة رسمية ثانية في البلاد. وتطورت السورانية إلى لغة معيارية ناضجة، واستخدمت في التعليم والاعلام والمؤسسات العامة في أكثرية كردستان العراق[35]. في عام 1974 عادت الحرب بين الكرد والحكومة المركزية. وبدأ وضع اللغة الكردية يسوء ثانية. على الرغم من ذلك فإن الكردية، وخصوصاً التنويعة السورانية، لم تمنع من التداول العام او الخاص في كردستان العراق. حتى في ظل حكم صدام حسين، بقيت الكردية لغة التدريس إلى جانب العربية في التعليم العام، واستمر البث الاعلامي الكردي. لكن الوثائق التي تم الحصول عليها بعد سقوط صدام حسين تشير إلى أن النظام كان يخطط لوضع نهاية لاستخدام الكردية كلغة تعليم في كردستان العراق (Taha, 2006).

بعد حرب الخليج الاولى 1991, بدأ الكرد في العراق بالتمتع بنوع من الحكم الذاتي. لغته هي الكردية (التنويعة لا تذكر صراحة، لكن يبدو أنها السورانية) رسمياً. في الدستور العراقي الجديد، تعتبر الكردية احدى اللغات الرسمية للعراق منذ عام 2005، والأخرى هي العربية. في الوقت الحالي، الكردية هي لغة المؤسسات الرسمية في كردستان العراق وكل مستويات التعليم والنشر والاعلام. لكن يجب أن نلاحظ هيمنة تنويعة السورانية هنا. فقط تستخدم الكرمانجية في محافظة دهوك. كذلك ومنذ عام 2006 كان هناك جدل مستمر بين ناطقي التنويعتين حول ما إذا كان يجب أن تكون السورانية هي فقط اللغة الرسمية في اقليم كردستان أم كلتا التنويعتين (Sheyholislami, 2009b).

وكما هو الحال بالنسبة للعديد من العيوب الموجودة في المجتمع الكردي، فإن القوميين الكرد ألقوا باللوم على الحكومات المركزية للدول الاربعة في كونها سبب غياب “لغة كردية موحدة” أو “لغة كردية قومية”. ما الذي قام به الكرد حيال لغتهم منذ انشأ منطقة الاقليم ذو الحكم الذاتي في كردستان العراق منذ عام 1992؟ يقدم الاعلام سياقاً ممتازا لدراسة هذه وغيرها من المسائل المتعلقة باللغة. على سبيل المثال: كيف استخدمت الكردية بكل تنويعاتها لتعريف الكراديتي؟.

 

================

تتمة البحث تنشر لاحقاً

 

[1]  اكاديمي كردي ولد في مدينة مهاباد في محافظة  مكريان في كردستان إيران. أستاذ في مدرسة الدراسات اللغوية في  جامعة كارلتون في مدينة اوتاوا الكندية. حصل على الدكتوراه في  مجال  الاتصالات من جامعة كارلتون عام 2008 وكانت أطروحته بعنوان   “الهوية والخطاب والإعلام: دراسة  للحالة  الكردية”. يركز  في  دراساته  على  اللغة  وسوسيولوجيتها.

 

[2]  اكاديمي كردي ولد في كوباني عام 1967. يحمل شهادة الدكتوراه في الاقتصاد المالي والنقدي من جامعة حلب عام 20088. درّس في  جامعة  حلب. ويعمل  حاليا  مدرّسا  في كلية  الاقتصاد  في جامعة  ماردين في تركيا. يركز في دراساته السياسة النقدية واقتصاديات السياحة.

 

[3] – يمكن للمرء القول أن كل الامم والهويات القومية منقسمة حول خطوط أثنية ودينية وطبقية وسوسيواقتصادية وجنسية ولغوية. ولا يفترض أن تكون الهوية الكردية استثناءا. لكن الامم ذات الهوية الجامعة, رغم مختلف الانقسامات, تتحد حول مجموعة المصادر التي تعطي معنى تشكل هوية الامة. تتضمن هذه المصادر, من بين مصادر عديدة أخرى, القيم والمواقف السوسيوثقافية (العادات واللغة والدين …الخ) والاقليم وقصص الماضي والطموحات السياسية والاستعداد للعيش المشترك. يجب أن تتداول وتتواصل هذه المصادر بين مكونات الامة ويتم الاشتراك بها ومناقشتها. وقد افتقد الكرد أدوات فعل ذلك, ليس فقط بسبب ظلم الدول المهيمنة على كردستان, تركيا وايران والعراق وسوريا, بل ايضا بسبب الانقسامات العميقة الخاصة بهم التي جعلت على مدى عقود, إن لم يكن قرون, التواصل السهل بينهم شبه مستحيل.

[4] – أنا لا اقول أن هناك اي حركة قومية كردية بدأت بهدف أن تستخدم ضد الحركات الكردية الاخرى. بل كان ذلك نتيجة عدم التوازن في العلاقة بين الحركات الكردية والدول المهيمنة على كردستان.

[5] – عمليا كل هذه الاساطير ليست محصورة بالكرد, وخصوصا الاكثر شيوعا بينها, أي قصة الزهاك. هذه القصة مع بعض التنويع شائعة لدى كل المجموعات الاثنية والقوميات التي كان ذات يوم جزءا من الامبراطورية الفارسية, بما فيهم الفرس والاذريين والتاجيك وغيرهم.

[6] – وفقا لحسنبور هناك باحثين تحدوا هذه المحاولة في الربط بين الكرد والميديين (; see also Kreyenbroek, 19922). على الرغم من ذلك فإن أهمية الادعاء ليست في قربه من الحقيقة بل وظيفته في بناء هوية الامة.

[7] – من بين الشخصيات الكردية البارزة , يمكن الاشارة لشخصين, هما شرف خان البتليسي, الامير الكردي الذي كتب أول تاريخ للكرد, اي الشرفنامة في عام 15977, وأحمدي خاني, الشاعر الكردي, الذي طرح مفهوم الامة الكردية كأمة متميزة عن القوميات الحاكمة من عرب وترك وفرس, في ملحمته الشعرية ممو وزين (Hassanpour, 1992, p. 56).

[8] – لكن تمتلك المنافسة بين الزعماء والحكام الكرد, تاريخا طويلا, وحسب McDowall (2004): ” نمط التبعية الاسمية للحكومة المركزية, سواء كان للفرس أو العرب أو الترك لاحقا, مع تعزيز أكبر قدر من الاستقلالية الذاتية, أصبح معطى مستديما في الحياة السياسية الكردية”. (p. 21).

[9] – العائلة الاردلانية حكام محليون في سنة(سنندج), تقع شمال غرب ايران اليوم.

[10] –  نقل Eskandar Monshi (1557–1642) , المؤرخ الرسمي للشاه عباس الصفوي, أن 15000 كردي نقلوا من حوالي بلدة أورمية, شمال غرب ايران اليوم, إلى محافظة خراسان في اقصى شرق ايران, حيث يستمر احفادهم هناك في تسمية انقسم بالكرد (see also Ivanov, 1925).

[11]  التي تعتبر أن القومية ظاهرة طبيعية وقديمة قدم التاريخ – المترجم

[12] – كازيك جمعية كردية جامعة (عابرة للحدود المقسمة لكردستان), تأسست في عام 1959 في كردستان العراق. ولا يمكن تسميتها بأنها كانت جامعة تماما لأنها كانت أساسا تضم كرد العراق. من بين شخصياتها البارزة اللغوي الكردي والقومي جمال نبز والشاعر أحمد هردي. دعت كازيك الكرد في كل مكان للتوحد والنضال من أجل كردستان المستقلة. رفضت المنظمة السياسات الاقليمية للغالبية الساحقة من الاحزاب الكردية ونبذت أهدافها في الحكم الذاتي ضمن مختلف الدول المهيمنة على كردستان, تركيا والعراق وأيران وسوريا. لم تستمر الكازيك طويلا, لكن أفكار الكردية الجامعة عاشت وتنعكس في خطاب مختلف القوميين الكرد, بما فيهم بعض المنظمات الاقليمية. هناك اليوم العديد من الاحزاب السياسية الصغيرة والمنظمات الثقافية التي تشارك كازيك افكارها. بعض الامثلة على هذه المنظمات هي : الاتحاد الوطني الديمقراطي الكردستاني http://www.yndk.com/  والمؤتمر الوطني الكردستاني http://www.knc.org.uk/..

[13] – أساء عدد من الباحثين الذين يكتبون عن الكرد بالانكليزية ترجمة كلمة Kurdayetî, وربما أساؤا فهما. بالنسبة لـ Dahlman (2002) تعني ” Kurdishness ” (صفة من القومية الكردية) (p. 294). كذلك يعتبر Natali (2002)  انها تعني ” الهوية الكردية”. في المقابل فإن ثلاث على الاقل من المصادر الموثوقة عن الكرد واللغة الكردية  (Hassanpour, 1992, p. 46; Sharafkandi, 1990, p. 629; Wahby & Edmonds, 1966, p. 80)  قدموا تعاريفا أكثر موثوقية للكلمة. حيث ترجموها على أنها تعني “الحركة القومية الكردية وايديولوجيتها ” و”الحركة الوطنية الكردية”و” العمل لمصلحة الشعب الكردي”  على التوالي. على الرغم أنه يمكن الجدل بأن مفهوما الوطنية والقومية قد لا يكونان بنفس المعنى, النقطة الاساسية هي أن الكردايتي تشير للحركة أو النشاط الذي يتم من أجل الكرد. ويمكن أن تشير لأيديولوجيا أو ومنظومة قيم تخص ادعاءات الهوية الكردية. كذلك يعرف Ahmadzadeh (2003)  الكردايتي على أنها ” القومية الكردية والنضال من أجل حقوق الكرد” (p. 245). هذا لا يترك مجالا للشك بأن كلمة كردايتي الكردية لا تعني الهوية الكردية  أو صفة الكردية. يلخص C. J. Edmonds (1971, p. 88) في مقال عنوانه ” القومية الكردية” المعتقدات الاساسية للكردايتي بـ”أن الكرد يشكلون أمة واحدة تقيم في أرضها منذ ما لا يقل عن 3000 سنة. وقد صمدوا مع  ظهور وسقوط عدد من الامبراطوريات , الاشورية والفارسية والاغريقية والرومانية والعربية والمنغولية والتركية. لهم تاريخهم ولغتهم وثقافتهم الخاصة. قسم وطنهم ظلما. لكنهم أهل البلاد وليسوا غرباء لكي يعاملوا كأقليات يعطيهم المغتصبون امتيازات محدودة عندما يريدون ” (as cited in Hassanpour, 1992, p. 62).

[14] – بالضبط ولهذه الاسباب يعتقد Van Bruinessen (2003)أنه يمكن تسمية خاني بأنه وطنيpatriot   وليس قومياnationalistt. وعلى الرغم من معارضته لتسمية خاني بالقومي لكنه يشير له بـ”أبو القومية الكردية” لأنه يعتقد أن ملحمة ممو وزين ساهمت في ظهور وتطور القومية الكردية عبر كردستان.

[15] – يعتقد كل من حسنبور وفان برونسن أن ظهور القومية الكردية كقوة حديثة تميز بتكوين أول منظمة سياسية كردية. وقد تأسست أول منظمة سياسية كردية في تركيا حوالي عام 19000, ومن ثم في أيران خلال الحرب العالمية الثانية وتلاه مباشرة انشاء الحزب الديمقراطي الكردستاني – العراق. على الرغم من الحركات ذات الطابع القومي تعود إلى مرحلة الحرب العالمية الأولى, فإن القومية الكردية كحركة جماهيرية برزت فقط في ستينات القرن العشرين في العراق, تلتها الحركات الشعبية في ايران ومن ثم في تركيا في أواسط الثمانينات.

[16] – أكد Hassanpour (2003b)  قراءة فالي لموقفه حول طبيعة الاثنية. يقول حسنبور” الاثنبة بحد ذاتها اجتماعية ومبنية ومشروطة ومتغيرة, حتى في النظريات والممارسات القومية الاكثر اثنية”.

[17] – بالنسبة للجدل حول القومية السياسية والثقافية انظر Hutchinson (1999) and Smith (1998, pp. 177–180).

[18] – “دولة-امة” تنطبق على الوضع الذي فيه الدولة مصممة تعسفيا مع تجاهل الهويات الثقافية واللغوية للجماعات التي تقع ضمن حدودها(Guibernau, 1996, p. 1155).

[19] – لكن هذا الامر ليس محصورا بالحالة الكردية. يذكر Hall (2006)  انه” الحركات الاجتماعية بطبيعتها تتخذ ملامحها من الدول التي تتفاعل معها. وتميل الحركات ذات الميل السياسي للظهور عندما تتصرف الدولة بطريقة تعسفية, سواء تعلق الامر بالضرائب أو القمع أو الاقصاء أو التجنيد الاجبارب. وهذا ينطبق أكثر على الحركات القومية”.

[20] – كذلك يشكل الكرد غالبية سكان ثلاث محافظات اخرى هي: اذربيجان الغربية وكرمانشاه (كرماشان  بالكردية) وأيلام.

[21] – في عام 1979, عندما قامت الثورة الاسلامية الايرانية بدأ الكرد الايرانيون  بتحقيق الوعي الاثني الجماهيري, ومن كان مهتما بالمواد الكردية المطبوعة كان عليهم أن يدفعوا نقودا كثيرة  لشراء مجلة أو كتاب كردي مهرب عبر الجبال من كردستان العراق. وكانت المطبوعات في الغالب قديمة تعود لشهور سابقة. وكان من يحصل على المطبوعات ويقرأها هو مجموعة صغيرة من الكرد الايرانيين الذين يسطيعون القراءة والكتابة.

[22] – “خلال القرن والنصف الماضيين, اصبح كرد تركيا وايران والعراق وسوريا, وليس فقط المهاجرين للمدن, مندمجين في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتلك البلدان, على الرغم أنهم لم يكونوا على قدم المساواة مع الجماعات الاثنية الاخرى……وقد طور الكرد في البلدان الاربعة  أذواق وقيم مختلفة” (van Bruinessen, 2000a, p. 52).

[23] – دائما كان القوميين الكرد, وخصوصا غير العلمانيين, يفتخرون بالقائد صلاح الدين الايوبي, الذي “هزم الصليبيين وأسس الدولة الايوبية في مصر وسوريا والعراق”( McDowall, 2004, pp. 22–233). ويمكن القول بكل ارتياح أنه لا صلاح الدين ولا الأبطال الكرد الاخرين كسبوا الشهرة باسم الكردايتي (القومية /الوطنية  الكردية) بل باسم الاسلام. لكن هذا لم يمنع العديد من الكرد من اعتبار صلاح الدين جزءا من المجد الكردي الغابر. ويجب التأكيد على أن الانتماءات الدينية في كردستان لعبت أدوارا هامة عندما كانت الامارات الكردية (ما بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر الميلادي) تحول ولائها لكل من العثمانيين (السنة) والصفويين (الشيعة) من أجل الحفاظ على حكمهم (Hassanpour, 1992). وأخيرا  يمكن للمرء القول أن الدين كان عامل في تكوين الهوية القومية الكردية في كردستان ايران. الغالبية الساحقة من كرد ايران هم من تلك المناطق التي تعرف بأنها بؤرة القومية الكردية (أي محافظات كردستان واذربيجان الغربية) وهم مسلمون سنة. لكن الدين الرسمي لأيران هو فرع من الشيعة (see Entessar, 2007, pp. 194–195).

[24] – “وفقا لايديولوجيا الدولة الامة المعروفة, الدولة المثالية متجانسة, تتألف من مجموعة أثنية/قومية واحدة, ولها لغة واحدة” (Phillipson et al., 1995, p. 55). تقريبا كل الدول-الامة الاوربية بنيت على هذه الفكرة وتم تقليد ذلك في أماكن أخرى, على سبيل المثال في تركيا وأيران وسوريا, اتبعت الدولة في الممارسة والتطبيق سياسة فرض لغة قومية واحدة, هي لغة الاثنية المهيمنة- التركية أو الفارسية أو العربية- على السكان المتعددي الاثنيات (see also Bourdieu, 1991; Cormack, 1993; Costa, 2003).

[25] – في الكردية Mukrî, Soranî, Erdelanî, Suleymanî, Herkî, Jelalî

[26] – ليس هناك اتفاق على تسمية التنويعات الكردية. معظم القوميين الكرد لايقبلون التسمية التي استخدمها هنا, سائرين على نهج (Hassanpour (1992) and Kreyenbroek (19922)). على سبيل المثال يفضلون الكردية الشمالية والكردية المركزية, بدلا من الكورمانجية والسورانية, لأنهم يشعرون أن استخدام كلمتي سورانية وكرمانجية يقسم الكرد (Hassanpour (1992)).

[27] – أجرى Hassanpour (1992)  الدراسة الاشمل حتى تاريخه لعملية تنميط هاتين التنويعتين, وخصوصا السورانية أو الكردية المركزية.

[28] – على سبيل المثال ليس هناك مذكر ومؤنث في السورانية لكن هذا موجود في الكرمانجية. من أجل تقييم ملخص لهذه الاختلافات بين السورانية والكرمانجية(see Hassanpour (19922)).

[29] – ينقل عن اللغوي الالماني  Max Weinreich القول “اللغة لهجة ذات جيش وبحيرة” (as cited in Romaine, 2000, p. 133). يتصور أن اللغات ترتبط بالدول- الامة بينما اللهجات ترتبط بالمجموعات الاثنية والاقليات.

[30] – مسألة التفاهم المتبادل متنوعة. فناطقي الكرمانجية(البهدينانية) والسورانية في كردستان العراق الذين يعيشون في مناطق متجاورة يستطيعون التواصل بسهولة مع بعضهم. لكن ناطقي مختلف اللهجات السورانية التي يتكلم بها في مناطق متباعدة (مثل موكريانية مهاباد واردلانية سنة) قد يعانون من الصعوبات في التفاهم المتبادل.

[31] – لكن هناك من يستخدمون أيضا الابجدية المعتمدة على اللاتينية مثل كرد تركيا.

[32] – كانت هناك بعض الاصدارات في تركيا في بداية الستينات

[33] – يورد (Fernandes (2007, p. 46)) أنه الحوار التالي الذي جرى عقب لقاء بين برلمانيين بريطانيين وأعضاء الحزب الحاكم في تركيا في اجتماع في تركيا عام 20077. يسأل عضو البرلمان البريطاني:” هل ستضيفون اللغة الكردية للدستور(المدني الجديد) كحق تعليمي وتوفروه؟” ويجاوبه عضو الحزب:” هل هناك لغة تسمى الكردية؟ …إنها ليست لغة حقيقية”.

[34] – تنص المادة 15 من الدستور الايراني الحالي على”اللغة والابجدية الرسمية في ايران, اللغة المشتركة للشعب, هي الفارسية. الوثائق الرسمية والمراسلات والنصوص بالاضافة للكتب يجب أن تكون بتلك اللغة. لكن استخدام اللغات المحلية ولغات القبائل في الطباعة والنشر الجماهيري, بالاضافة لتعليم أدابهم, مسموح بها إلى جانب الفارسية” (International Constitutional Law, 1992). لكن المادة 15 لتم تطبق بأي شكل واضح.

[35] – في عام 1970, تأسست الهيئة العلمية الكردية في بغداد. ساهمت الهيئة في تطوير اللغة الكردية وأدبها بشكل غير مسبوق في التاريخ الكردي. لكن بعد استئناف القتال بين الحكومة العراقية المركزية والحركة الكردية بقيادة مصطفى البرزاني عام 1974, تباطأعمل الهيئة كثيرا. العلافات السياسية بين الكرد والحكومة كانت تؤثر مباشرة على وضع اللغة الكردية في العراق.