الطريقة النقشبندية آداةً  للاحتجاج السياسي بين الكرد (2)

مارتن فان برونسين

الترجمة عن الإنكليزية: راج آل محمد

  • الجزء الثاني من ورقة مقدمة إلى المؤتمر الدولي ” مقاربات جديدة في الدراسات الإسلامية” المعهد الإندونيسي للعلوم جاكرتا من 15-17 آب/اغسطس 1986

دور الشيخ في المجتمع الكردي

عندما قمت بدراستي الميدانية الأولى بين الكرد في 1974-1976، كنت مدركاً لأهمية الأدوار السياسية التي لعبها الشيوخ النقشبنديون في الماضي، ولذلك أمضيت فترة طويلة في إجراء مقابلات مع الشيوخ وأتباعهم ومراقبة تفاعلهم. أقمت مرتين لمدة يومين في القرية الصيفية للشيخ أوصمان النقشبندي التي تحدثت عنه في الفقرات الأولى من هذا البحث. كان واضحاً أن أيام الشيخ قد مضت، ولكن بقايا تأثيره القديم كان ملموساً. كل يوم كان يأتي مئة شخص وفي مواسم معينة عدة مئات من الأشخاص يأتون طلباً لشرف الالتقاء بالشيخ. كان بعضهم من القرى المجاورة بينما كان آخرون قد سافروا لعدة أيام من أجل الوصول إليه. كان هدفهم التبرك بالشيخ. كان بعضهم قد جلبوا أقرباءهم المرضى أو يطلبون الشفاء لطفل مريض أو أحد والديهم الذي بقي في البيت. آخرون كانوا يطلبون حجاباً للحظ أو للحماية من الفقر والكوارث الطبيعية. بيشمركة كردستان العراق، التي كانت الحرب فيها مستعرة، كانوا يطلبون (ويُمنحون) حجابات واقية من الرصاص والشظايا. وآخرون كانوا يستأذنون الشيخ للمباشرة في رحلة بحرية أو العمل في المدينة.  في حين كان آخرون يشرحون للشيخ صراعاً نشب بينهم ويطلبون توسط الشيخ أو تدخله. كما إن بعضهم طلبوا مساعدة الشيخ وتوسطه في معاملات مع مسؤولي الحكومة كالتأجيل أو الإعفاء من الخدمة العسكرية أو الاسترحام في جناية…الخ.

لم يكن الشيخ يرد بلا أبداً. فقد كان يرّكب الأعشاب، والحلويات ووصفة عرضية لصيدلية البلدة لأولئك الذين جاءوا من أجل المعالجة ويشفي المجانين الذين يُجلبون له بقوة شخصيته وحسب. آخرون كانوا يُمنحون قطعاً نقدية صغيرة تحمل بركاته، ويُعتقد أنها تجلب لهم النجاح والازدهار. ووصل الأمر بأن تتحداني البيشمركة باختبار  مانع الرصاص الجديد الذي استحوذوا عليه. عندما كانت سلطته قوية بما فيه الكفاية، كان الشيخ يفرض الحلول للنزاعات التي جُلِبت له وفي نزاعات أخرى كان يعد بالتوسط. كان صور الشيخ التي يستقبله فيها الشاه معروضة بشكل بارز لتظهر أن الشيخ أوصمان  ذو اتصال بمراكز القرار وتوحي أنه قادر بالفعل على إدارة شؤون مريديه لدى الحكومة. (ولم يتسن لي أبداً أن أعرف إلى أي مدى كان يؤثر  في السلطات المدنية والعسكرية؛ كان عدة موظفين قد تكلموا عنه بسخرية من وراء ظهره ولكنهم كانوا دائماً يحتفظون بحسن المعاملة أثناء حضوره).

كرم الشيخ كان مضرب المثل رغم أنه كان أحيانا يشكل عبئاً على الضيوف فبمجرد أن تدخل القرية لم يكن المرء يستطيع أن يغادرها دون أن يسمح الشيخ بذلك، وهو غالباً لم يكن يسمح. وبذلك كان الكثير من الناس مرغمين على البقاء لأربع أو خمس وأحياناً لثمانية أيام حيث يسمعون كل يوم عن كرامات الشيخ  ورؤية أشخاص نافذين يأتون ويذهبون. وطبعاً مسؤولوا الدولة وزعماء القبائل كانوا يُعاملون بشكل مختلف عن العامة فقد كان يُسمح لهم بمقابلة الشيخ في الحال (بينما عامة الناس ينتظرون يوماً أو أكثر)، وإذن الانصراف بالنسبة لهم كان من الشكليات. من ناحية أخرى، كان الشيخ أيضاً يدهشهم أيضاً بالعدد الكبير من الناس الذين يأتون إليه دوماً. الزعماء القبليون بدورهم كانوا حريصين ألا يثيروا غضبه (حيث لم يكونوا متأكدين مع من سيقف رجال القبيلة في حال نشوب نزاع) وموظفو الدولة يقرّون أنه من الأسهل عليهم أن يتعاملوا مع القرويين بعد أخذ مشورة الشيخ، أو حتى التعامل معهم، وهو أفضل لهم، من خلال الشيخ.

بدا واضحاً أن الأمور كانت على ما هي عليه لعدة أجيال على الأقل، وأن الشيخ وأسلافه استحوذوا على نفوذهم من خلال دورهم كوسطاء بين الحكومة والمجتمع القروي ووسطاء بين المنافسين المحليين على السلطة. وحتى قبل إخفاقه السياسي في الثمانينيات [من القرن الماضي] أدرك الشيخ أن ذلك الدور السياسي التقليدي لم يعد مقبولاً على العموم. خلال السنوات الأخيرة قبل فراره من كردستان العراق، كان تنظيم سياسي عصري هو الحزب الديمقراطي الكردستاني (يجب عدم الخلط بينه وبين الحزب الذي يحمل نفس الاسم في إيران) قد قام بنجاح بدور سلطة تفوق القبيلة دور السلطة في المنطقة. وأدى ذلك إلى صراع مرير بين الشيخ والحزب. قتل رجال الشيخ اثنين من نشطاء الحزب وبذلك بدأ عداء اتسم بالعنف. في الفترة من 1958-1959 كان أقوى قائد للحزب الديمقراطي الكردستاني ألا وهو الملا مصطفى البارزاني متحالفاً مع قاسم والشيوعيين ورأى الشيخ نفسه مجبراً على الفرار عبر الحدود. في عام 1974 عندما تغيرت الظروف السياسية بشكل كبير وتحالف البارزاني مع الشاه في إيران، حاول الشيخ أن يخفف من منافسته السابقة بمنح البارزاني خيلاً أصيلاً، لكن البارزاني صدّه وأعاد له الخيل. لطالما كان البارزاني، رغم أنه من عائلة مشيخية ورجل تقليدي، ضد تلك السلطات التقليدية -وبشكل رئيسي لسلطة الشيوخ وزعماء القبائل- الذين قد يصبحون منافسين محتملين. إن شعبية البارزاني و(ح.د.ك) حالت دون أن يكون للشيخ تأثيراً سياسياً.

حاول الشيخ أوصمان أن يسترد بعضاً من نفوذه السياسي من خلال اتصالات مع البلاط الذي كان له أسبابه لمعاملته بود. كان أحد أبنائه يعيش بشكل دائم في البلاط، ولكن لم يعرف أحد فيما إذا يندرج تحت اسم خادم أو ضيف شرف أو رهينة. كان المسؤولون المحليون يبدون فروض الطاعة بشكل دوري للشيخ،  بتوجيه من السلطات العليا، ولكنهم كانوا يسخرون منه ويدعونه بالدجال في غيابه. معظم المثقفين الكرد كانوا معادين له بشدة ويتهمونه باستغلال سذاجة القرويين الفقراء. وسرت الكثير من القصص عن أساليب الشيخ الغادرة والماكرة في خداع الفلاحين السذج. مريدوه المخلصون لم يكونوا يصدقون تلك القصص أبداً و، من وجهة نظرهم، كان مناوئو الشيخ ماديون لا يفهمون الروحانية الحقيقية. الكثير منهم زعموا أنهم شاهدوا بأنفسهم كرامات الشيخ وآخرون نقلوها عن شهود موثوقين أو يذكرون معارف لهم تم شفاءهم على نحو خارق من بعض الأمراض. المشاركون في الذكر مدحوا بالإجماع القوة الروحانية الكبيرة للشيخ والتي يشعرون بأنها تنطبق على تجاربهم الروحانية.

في هذه الملاحظات ثمة القليل مما يخص كردستان أو الطريقة النشقبندية. ففي أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي لا يزال شيوخ طرق مختلفة يؤدون أدواراً مماثلة حيث يحيط بهم مجموعة من الأنصار المتحمسين الذين يؤمنون بقدسيتهم وقواهم الخارقة. هذا النموذج، ربما، أكثر وضوحاً في شبه القارة الهندية حيث معظم العلماء التقليديين لا يزالون منتسبين إلى طريقة أو أخرى وفي اندونيسيا أيضاً ثمة شيوخ لا تزال أدوارهم الاجتماعية مماثلة لدور الشيخ أوصمان. في بانتين، غربي جاوا، هناك مثلا الشيخ الطاعن في السن (كي آرمين) المنتسب للطريقة القادرية والذي يشتهر بكونه صانع معجزات والذي لا تزال سلطته موضع اعتراف في كل أنحاء جنوبي بانتين. ولديه مدرسة دينية متوسطة الحجم حيث المناهج الإسلامية تُدرّس فيها بالطريقة التقليدية ويرشد مرة واحدة في الشهر نحو عدة مئات من الزوار ، من بعيد عادة، الطريقة القادرية في الذكر. ويزوره كل يوم عدة أشخاص طلباً لتمائم أو مواضيع أخرى تتعلق بالقوة السحرية حيث أن كي آرمين مشهور بامتلاكه لمعرفة وقوى سحرية. معظم زواره هم من التجار الصغار أو من الفلاحين ولكن كي آرمين يستقبل الكثيرين من الطبقى الوسطى أو حتى من المسؤولين الكبار. البعض الآخر من الفئة الأخيرة يأتون بدافع الفضول فقط على أمل الحصول على مساعدة خارقة للطبيعة وآخرون من أجل تسوية علاقاتهم بالمجتمع البانتيني. من بين زوار الفئة الأخيرة بشكل خاص، ولكن أيضاً من بين “عامة” الناس الذين يأتون لقضاء ليلة الجمعة في مدرسة كي آرمين الدينية، لاحظت مزيجاً مثيراً للفضول من السذاجة والشك. وحتى بعض أكثر الذين عبّروا عن شكوكهم عن المعجزات المنسوبة للشيخ أو سخروا من بعض الأشياء التي يقال أنها أُنجِزت من قبله كانوا مع ذلك غير متأكدين فيما إذا كانت بعضاً من المعجزات مستحيلة.

قبل قرن من الآن كان هناك شك أقل في القوى الخارقة المنسوبة للشيوخ، و يمكن القول دونما مجازفة بأن الموقف التعبدي لعامة الكرد تجاه شيوخهم كان أقوى وأكثر انتشاراً وأقل انتقاداً مما كان عليه الحال عندما وجدته في السبعينات. ويُعزى ذلك، جزئياً على الأقل، إلى التأثير الكبير والقوة السياسية بيد الكثير من الشيوخ. ولكنه لا يفسر لماذا فقط في الثمانينات من القرن التاسع عشر فقط برز الشيوخ كأقوى القادة السياسيين.

التغيرات السياسية والاقتصادية في القرن التاسع عشر

يمكن تفسير البروز المفاجئ، ومن ثم الانحدار التدريجي، للشيوخ على المسرح السياسي فقط من خلال الإشارة إلى التطورات السياسية والاقتصادية التي أثّرت في المجتمع الكردي في النصف الأول من القرن التاسع عشر. وأنا لا أشير هنا، كما أشرت أعلاه، إلى التطورات العامة التي رافقت الرأسمالية الأوربية ولكن إلى أشكال مادية أكثر تبدو تأثيراتها جلية في المجتمع الكردي. إحدى تلك التطورات هي التي تجسدت في الإصلاحات الإدارية التي حدثت في الامبراطورية العثمانية بشكل تدريجي والتي فُرِضت إلى حد كبير وأحياناً كرد فعل على القوى الأوربية. تلك الاصلاحات قلبت التوازن السياسي في كردستان وغيّرت كثيراً البنية الاجتماعية والسياسية. التطور الآخر الهام ، في بداية القرن التاسع عشر أيضاً، تمّثل في وصول البعثات التبشيرية المسيحية من فرنسا وانكلترة وألمانيا وأمريكا التي حاولت جميعها أن تُهدي المسيحيين المحليين إلى كنائسها الوطنية. جهود تلك البعثات بين الأقليات المسيحية أسفرت عن تأثيرات مثيرة على العلاقة المسيحية-الاسلامية في المنطقة.

حوالي 1800، وقبل أن تبدأ تلك التطورات أن تُحدث مجرى لها، كان المجتمع الكردي يتألف من الفلاحين ورجال قبليين من الرعاة. لم يكن كل القبليين من البدو بأي حال من الأحوال. فقد كان الكثير منهم يمازج بين تربية الحيوان ونوعاً من الزراعة مع العيش في قرى دائمة. أثناء الصيف كانت الحيوانات تُجلب إلى المراعي الصيفية التي، إذا ما كانت قريبة بما فيه الكفاية، يذهب إليها كل القرويين ويعيشون في خيم، وإلا فإنهم يبقون في القرية ويرسلون بعض الرعاة مع قطعانهم. وبعض القبائل لا تملك أية حيوانات على الإطلاق وتستقر بشكل كامل كفلاحين. القبائل الكردية كانت (ولا تزال) بالضرورة وحدات سياسية ترتبط ببعضها عن طريق الولاء لزعيم قبلي قوي، ايديولوجية قائمة على الأصل المشترك وقانون أخلاقي صارم تشمل مفاهيم الرجولة والشجاعة والشرف وعلاقات السلطة وقوانين الزواج القائمة على العادات (الزواج البيني) وقوانين الاتحاد والنزاع في حالة العداء ونشوب النزاعات. في القبائل الصغيرة، حيث معظم أفرادها أقرباء حقيقيون، فإن العلاقات تكون إلى حد ما متساوية، ولكن القبائل الأكبر يكون فيها طبقة ارستقراطية حاكمة توفر الأساس لقيادة مستبدة. لقد شكل رجال القبيلة نخبة عسكرية مسيطرة على طبقة دنيا من الفلاحين والحرفيين أُطلِق عليهم اسم مناسب هو الرعيةRa’yat  (التي تعني حرفيا القطيع). الرعية يمكن أن يكونوا من المسلمين الناطقين بالكردية أو المسيحيين (وبعض اليهود) من طوائف ولغات مختلفة. ولتعقيد الأمور أكثر، مسيحيو مناطق معينة انتظموا في قبائل مقاتلة وحملوا الأسلحة (وهو ما كان محظوراً بشكل رسمي على المسحيين في الامبراطورية العثمانية المسلمة)، والمواجهة مع القبائل الكردية كأنداد[1].

على مدى عدة قرون لم تتعامل الدولة العثمانية مع سكانها من الفلاحين بشكل مباشر بل استخدمت نخبة كردية محلية كوسيط. صحيح أنه في بعض المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية كان تُدار مركزياً من قبل حكّام عسكريين معينين، ولكن كقاعدة عامة كان نظام الحكم غير المباشر هو السائد. مناطق كبيرة من كردستان كانت تُحكم من قبل سلالات كردية حاكمة وتمتعوا بدرجة كبيرة من الاستقلال عن الحكومة المركزية.  تلك الإمارات الكردية كانت موجودة قبل دمجها في الإمبراطورية العثمانية وتعززت مكانة أسرها الحاكمة من خلال الاعتراف بها من قبل الحكومة المركزية. كانت عليهم فقط بعض الالتزامات العسكرية والضريبية الثانوية نسبياً تجاه الحكومة المركزية. كان يستولي على معظم العائدات الحكام المحليون (الأمراء) الذين استطاعوا أن يعيشوا حياة بلاط دونما إيجاد وسيلة للحفاظ عليها. كل إمارة ضمت عدداً من القبائل أو التحالفات القبلية ( وفي بعض الحالات أعداد كبيرة منها) وكان همّ هؤلاء الأمراء أن يحافظوا على التوازن بين تلك التحالفات حتى لا يتغير دورها بسهولة. هؤلاء الأمراء وبلاطهم وحاشيتهم شكّلوا الشكل الوحيد من الحكومة التي كان ينبغي على رجال القبائل والرعية أن يتعاملوا معها. حكم الأمراء كان بشكل عام قاسياً جداً ولكن يُنظر إليه على أنه عادل ونادراً ما يتم التنافس على شرعيتهم. بالإضافة إلى الشرعية والعدالة، كانت مكانتهم تعمتد على قدرتهم على احتواء ومعالجة النزاعات القبلية ببراعة.

النزاعات كانت (ولا تزال) مظهراً رئيسياً من وجود القبيلة: فالقبيلة تتصرف كجسد واحد لدى مواجهة منافس أو عدو خارجي، حيث يمكن لشاب طموح أن يستحوذ على السلطة أو النفوذ من خلال إبراز نفسه في المواجهات العسكرية. إن مقياس الشرف يتطلب الانتقام والانتقام المضاد لأدنى إهانة ورغبة الشباب في إبراز أنفسهم بالشجاعة لطالما أدت إلى نزاعات دائمة بين القبائل، وداخل القبائل نفسها أو بين رجال القبائل والرعية. لذلك فإن إحدى أبرز مهام الأمير كانت احتواء تلك النزاعات ضمن حدود مقبولة وإذا استدعى الأمر وضع نهاية للقتال وفرض تسوية مقبولة على كلا الطرفين [المتنازعين]. من ناحية أخرى، كانت مكان الأمير تعتمد على الحفاظ على قدر معين من التنافس بين القبائل الرئيسية حتى يطبق سياسة فرّق تسد. ما لم يكن الأمير ذكياً بما فيه الكفاية في التلاعب بالخلافات القبلية ومعالجتها، فإن الإمارة قد تنقسم  أو ربما ينبغي عليه التنازل عن مكانته لأحد الطالبين بالعرش ،وعادة ما يكون أحد أقربائه.

إن درجة الحكم الذاتي من الدولة التي تتمتع الإمارات بها كانت عرضة لتقلبات حيث درجة الحكم الذاتي تكون أقوى في ظل سلطان ضعيف  منها في ظل سلطان قوي. لكن الهدف البعيد كان باتجاه مزيد من السيطرة المركزية. وحتى قبل 1800 كانت الكثير من الإمارات قد أُلغيت واُستبدِلت بأخرى بحكام معيّنين مركزياً. لكن التغيرات الكبرى جاءت مع الموجة الأولى من الاصلاحات الإدارية في الثلاثينات من القرن التاسع عشر التي أصبحت معظم كردستان تحت الحكم المركزي المباشر. رفض الكثير من الأمراء الكبار والأقوياء القبول بالانتهاكات التي طالت امتيازاتهم فانتفضوا. بتحديهم السلطات المركزية استطاعوا فعلياً أن يوّسعوا من المناطق الخاضعة لسيطرتهم وأعلنوا الاستقلال الفعلي. ولكن في النهاية تم إخضاعهم قتلاً أو إرسالاً إلى المنفى.

نتيجة ذلك كان ارتفاع مفاجئ في الاقتتال الداخلي ضمن القبلية. ففي حين كان الأمير في الماضي قادراً على احتواء النزاع وعلى فرض التسويات السلمية أو على الأقل فرض الهدنات، فإن الموظفين الحكوميين الذين جاءوا بدلاً عنهم فقدوا على الفور الشرعية، ونفاذ البصيرة الضرورية والقوة على عمل ذلك. بعض هؤلاء الموظفين في الحقيقة أقاموا مرة أخرى نوعا من الحكم غير المباشر وذلك بتفويض السلطة إلى زعماء قبليين، ولكن ذلك فاقم من التنافس بين هؤلاء الزعماء القبليين وأولئك الذين لم يتم اختيارهم والذي دفع الفئة الأخيرة إلى التمرد غالباً. لم تكن النزاعات القبلية هي الوحيدة التي تكاثرت بل انتشرت أيضاً السرقة والسلب وإحراق الممتلكات عمداً حيث اشتكى كل سكان كردستان من إخلال الأمن غير المسبوق. كان المجتمع الكردي بحاجة إلى قادة سياسيين تتجاوز سلطاتهم حدود القبيلة الواحدة ويعرفون المجتمع جيداً ويحظون بالاحترام على نطاق واسع مثلما كان الأمراء وهو دور لم يكن بمقدور موظفي الدولة لعبه. نوع واحد من السلطة استطاعت أن تلبي تقريبا كل تلك المتطلبات هو سلطة الشيوخ. هؤلاء كانوا عموماً من الكرد ويعرفون المجتمع بشكل جيد ويعرفون مصالحه المتضاربة بشكل جيد. ولكونهم يمثلون سلطة دينية، كانوا يتمتعون علاوة على ذلك بشرعية أقوى، في عيون الكرد الورعين عموماً، من أية سلطة دنيوية أخرى.

ثمة سبب آخر أيضاً للجوء الكرد بشكل خاص إلى الزعماء الدينيين أكثر من أية سلطة أخرى في تلك الفترة التي تميزت بالتحولات. ذلك السبب هو النشاطات المتزايدة للبعثات المسيحية من أوربا الغربية وأمريكا بين الأقليات المسيحية في كردستان. نظر الكرد والأقليات المسيحية إلى تلك البعثات مقدمة لمزيد من التدخل المباشر والصريح من قبل الدول المسيحية في الشرق الأوسط، والتي من شأنها أن تغيّر توازن القوة الإقليمي بين المسيحيين والمسلمين. بعض تلك البعثات لم تفعل الكثير لتهدئة تلك الشكوك بل عززتها من خلال مواقفها وتصرفاتها. من خلال قناصلها وسفرائها في القسطنطينية (استانبول)، مارسوا الضغط على الحكومة العثمانية لاتخاذ تدابير خاصة لحماية الأقليات المسيحية من جيرانهم المسلمين. بنت بعثتان من تلك البعثات مستشفى بدت في الواقع كقلعة بموقعها الاستراتيجي المطل على الوادي كله. بعثات أخرى شجعت المسيحيين المحليين على التوقف عن دفع الجزية السنوية إلى أسيادهم الكرد أصحاب الأمر والنهي. نتيجة تلك التصرفات،وأخرى مشابهة، زاد التوتر بين المسلمين والمسيحيين باطراد ووصلت إلى ذروتها من العنف في الأربعينيات من القرن التاسع عشر. فقد تحوّل إجراء عقابي من آخر الأمراء الكرد المتبقين ضد رعاياه المسيحيين الذين رفضوا دفع ضرائبهم إلى مجزرة تامة. أدى ذلك بدوره إلى أن يضع الأوربيون ضغوطات كبيرة على السلطان لمعاقبة ذلك الأمير. نُظر إلى إلغاء آخر الإمارات من قبل الحكومة العثمانية في أعقاب ذلك على أنه من فعل الأوربيين واعتُبِر المسيحيون المحليون شركاء للأعداء الأجانب. فترة الفوضى السياسية و الاضطراب التي أعقبت ذلك ترافقت مع توجس المسلمين أن القوى المسيحية تخطط للقضاء على النظام الإسلامي.  كل ذلك عزز من الصحوة الإسلامية لدى الكرد وجعلتهم يتحدون خلف قادتهم الدينيين. الشيوخ النقشبنديين بتأكيدهم على الاستقامة ونبذ الممارسات غير الإسلامية كانوا يتمتعون بروح القتال وصريحين في التعبير عن رأيهم ضد التنازلات للمسيحيين أكثر من الطريقة الأخرى الهامة في كردستان ألا وهي القادرية. لذلك كانوا هم بشكل خاص، في منتصف القرن التاسع عشر، باتوا يقومون بشكل تدريجي بدور القادة السياسيين الطبعيين. وكان ذلك واضحاً بشكل خاص في وسط وشمالي كردستان وهي المناطق التي تركزت فيها أنشطة البعثات التبشيرية[2]

في كردستان الجنوبية هناك أقليات مسيحية ضئيلة وبالكاد كان فيها أي نشاط تبشيري. من ناحية أخرى، الجماعات المسيحية في وسط كردستان جذبت بعثات تبشيرية من كنائس مختلفة مثلما فعلت تلك الجماعات الموجودة في كردستان الشمالية، وإن بدرجة أقل. ثمة ترابطاً مقنعاً تماماً بين موقع النشاطات التبشيرية حيث شيوخ الطريقة النشقبندية يتمتعون فيها بعدد كبير من الأتباع. في الحقيقة لم تشهد كردستان الجنوبية أبداً ثورة بقيادة شيخ نقشبندي. أولى تلك الثورات حدثت بشكل دقيق في أجزاء من كردستان الوسطى حيث البعثات التبشيرية كان قد خلقت الكثير من الاضطرابات في منطقة نهري (هكاري) وفي برزان. هذا الترابط لا يعني أن تلك الثورات كانت موجهة بشكل رئيسي ضد المسيحيين. والحق يقال أن الشيخيين المعنيين (الشيخ عبيدالله وشيوخ برزان) كانا يتمتعان بسمعة جيدة حتى بين البعثات التبشيرية ومعروفين بكونهما متسامحين وعادلين.

كان يُنظر إلى الشيخ عبيدالله في السبعينات [من القرن التاسع عشر] بكونه الشخصية الأكثر تأثيراً في كردستان الوسطى والشمالية. وقد لاحظ مؤلفون معاصرون أنه كان يحظى بين الكرد باحترام أكثر من السلطان نفسه رغم أن الأخير مثّل في حينه خليفة المسلمين! كان متحفظاً بشكل خاص من الطموحات السياسية للقوميين الأرمن، وساخطاً جداً من سوء إدارة الفرس والترك للمنطقة برمتها. هذا هو على الأقل -ما كتبه إلى بعثة تبشيرية إنكليزية كان قد اتصل بها. تشير الشكوى الأخيرة ربما إلى النزاعات على السلطة بين الشيخ و”البيروقراطيين الإصلاحيين” الذين تم تعيينهم مركزياً. جلبت الحرب الروسية-التركية بين 1877-1878 والتي توغلت الجيوش الروسية أثناءها في أراضي الامبراطورية العثمانية (بما فيها أجزاء من كردستان) مزيداً من البؤس والفوضى وعدم الأمان للمناطق الكردية. هزيمة الامبراطورية العثمانية في تلك الحرب هزّت ما تبقى لدى الكرد من ثقة في الحكومة العثمانية وعزّزت من مخاوفهم من السيطرة الأوربية والأرمنية. تلك كانت الظروف التي بموجبها فكّر الشيخ عبيدالله في إقامة دولة كردية مستقلة لإحباط خطة أرمنية شبيهة. وقد أفصح عن نواياه للبريطانيين بطريقة دبلوماسية عن طريق مبشّر على معرفة به، أكثر من ذلك حاول أن يحصل على الدعم الأوربي محاولاً ضرب البريطانيين بالروس. وبقيت علاقته بالسلطان متضاربة فقد حاول أن يقيم النواة الأولى لدولته الكردية في الأراضي الإيرانية وعرض أن تكون سيادتها للسلطان، بصفته الخليفة. ولكن من المؤكد أنه كان ينوي أن يضم أقساماً كبيرة من كردستان العثمانية إلى دولته أيضاً. محاولات الشيخ، كما أسلفنا، باءت بالفشل وقضى بقية حياته في المنفى. لكن سلطته وسلطة أخلافه بين الكرد بقيت دونما تضاؤل وظلت العائلة تلعب دوراً بارزاً في الحركة الكردية حتى وقت قريب جداً.

انحسار التأُثير السياسي لشيوخ الطريقة

من أجل شرح بروز شيوخ الطريقة النقشبندية كقادة سياسيين متجاوزين للقبيلة بين الكرد وأول المتحدثين عن طموحاتهم القومية، كان ينبغي لنا أن نلجأ إلى سلسلة من العوامل على مستويات مختلفة من التجريد بعضها بنيوي وذات طبيعة عامة وبعضها طارئ ولكنها لا تقل أهمية (شخصية مولانا خالد، الحرب الروسية-التركية في 1877-1878). الانحسار السريع لمابعد 1925 يمكن أن يُعزى إلى عامل أو عاملين على الأقل من العوامل البنوية فقط. فالظروف السياسية والاجتصادية لتركيا وإيران والعراق تباينت إلى حد كبير وأسباب الانحسار، على الأقل في جزء منها، مختلفة كل جزء من الأجزاء الثلاثة لكردستان.

في تركيا السبب الأوضح هو حظر جميع الطرق الصوفية ونشاطاتها بعد ثورة الشيخ سعيد مباشرة. فقد نُقل الكثير من شيوخ الكرد النقشبنديين [من أماكن سكناهم] وتم إعدام العديد منهم ونُفي آخرون بينما فرّ الكثير منهم إلى الخارج ولا سيما إلى سوريا. من تبقى منهم في كردستان تركيا بعد ذلك التاريخ ابتعدوا عن الأنشطة السياسية. وهؤلاء لم يفقدوا نفوذهم بتاتاً ولكن نادراً ما كانوا يعرضون تدخلهم في أمور قبلية. وحتى تعاليمهم الدينية كانت في السر، فأصبحوا هم وأتباعهم أكثر هدوءاً. وقد برهنت هذه العملية أنها ليست غير قابلة للاصلاح. فعندما أصبح النظام السياسي لتركيا نظاماً ديمقراطياً تعددياً، بعد الحرب العالمية الثانية، انخرط عدة شيوخ كرد في سياسة أحزاب لأنهم كانوا لا يزالون قادرين على التحكم بأعداد كبيرة من الأصوات للحزب الذي ينتمون إليه. بسبب نظام الرعاية السياسية التي بدأت تتطور في الحال، نجح بعض الشيوخ (من بينهم أبناء الشيخ سعيد) في الواقع من استرداد نفوذهم السياسي السابق. ولكن من دون استثناء بقي الجميع يكيفون أنفسهم مع الحكومة ولكن يرتبط أي منهم نفسه صراحة مع الحركة الكردية أو أية حركة انشقاقية.

في إيران والعراق لم تُحظّر الطرق الصوفية أبداً ،ومع ذلك، كان ينبغي على الشيوخ أن يسلّموا مكانتهم السياسية إلى قادة آخرين هناك. إحدى الظواهر التي تستحق الاهتمام هو أنه بدءاً من العشرينيات [من القرن التاسع عشر] ظهر عدة قادة سياسيين بارزين من بين الكرد ممن ينحدرون من اسر مشيخية ولكنهم لم يكونوا شيوخاً. مستخدمين مكانة أسرهم وتأثيرها كنقطة الانطلاق، بدؤوا ببناء [شبكة] أوسع من المريدين بوسائل سياسية بحتة مطالبين بشرعيتهم في إطار القومية وليس الدين. حفيد الشيخ عبيدالله، سيد طه، كان أحد هؤلاء القادة فقد كان فاعلاً في العشرينيات [من القرن الماضي] في إيران والعراق أيضاً ومنتسباً إلى عدة منظمات وجماعات قومية. أبرز القادة من هذه الشاكلة هو الملا مصطفى البارزاني، الشقيق الأصغر للشيخ عبدالسلام والشيخ أحمد البارزاني. كان الأخ الأكبر قد شُنِق على يد العثمانيين عقاباً له على التمرد بينما خلفه أحمد تورط كثيرا مع السلطات البريطانية في العراق. بدأ الملا مصطفى سيرته شاباً في بداية العشرينيات من خلال قيادة غارات لمؤيدي عائلته المخلصين ضد أعدائه القبليين والبريطانيين . مع مرور الوقت، أعلن نفسه ليس فقط كقائد ناجح لقوات حرب العصابات وقائداً للحزب الديمقراطي الكردستاني، ولكن أيضاً ببساطة كأعظم قائد كردي. من بين أتباع عائلته التقليديين كان يُنظر إليه أولاً باعتباره الأخ الأصغر للشيخ أحمد، ولكن لبقية الكرد فإن الشيخ أحمد معروف بشكل رئيسي على أنه الشقيق الأكبر للملا مصطفى والذي صدف أنه ينتمي إلى الطريقة النقشبندية.

بدا أن القومية الكردية قد أصبحت أكثر أهمية من الدين في حياة هؤلاء القادة بينما في الماضي لم يكن من الممكن الفصل بينهما. في كل أجزاء كردستان نرى أنه أثناء العشرينيات أن كل الجمعيات والأحزاب القومية تولى قيادتها الشيوخ[3]. وذهذا الأمر مرتبط بالتطورات الاجتصادية التي حدثت في وقت متزامن تقريباً في الدول الثلاث وبروز الطبقة الوسطى من الضباط العسكريين والموظفين المدنيين والأطباء والمحامين والمهندسين والمعلمين. فقد شهدت الامبراطورية العثمانية وإيران ثورات دستورية خلال العقد الأول من ذلك القرن.  الشباب الترك وأقرانهم الإيرانيون كانوا ينتمون إلى تلك الطبقة الوسطى الجديدة التي احتكت بالأفكار الأوربية وهم من أسسوا أولى الأحزاب السياسية الحديثة. بعض الكرد الذين ينتمون إلى تلك الطبقة ذاتها ظلّوا على تواصل مع أصدقائهم من الفرس والترك، في حين تحوّل آخرون تدريجياً إلى السياسات القومية الكردية واقترنوا مع أفراد النخبة الكردية المتنورة (الشيوخ وزعماء القبائل) مؤسسين أحزابهم الكردية السياسية الخاصة.

التطورات السياسية في تلك الفترة- الحرب العالمية الأولى والحرب التركية من أجل الاستقلال، وإقامة دول انتداب في كل من العراق وسوريا، ورعاية فكرة دولة كردية مستقلة من قبل البريطانيين (وإن يكن لسنوات قليلة فقط) وإقامة أنظمة على دكتاتورية النمط الغربي في كل من إيران وتركيا – التي حدثت كلها في وقت متزامن ساهمت في تشجيع انتشار أفكار القومية الكردية  دوائر واسعة من السكان الكرد. لم تجد الأحزاب والتنظيمات القومية أتباعاً لها بسبب المكانة التقليدية لقادتها فحسب، بل أيضاً بسبب أيديولوجيتها. في الوقت الذي كان فيه بعض الشيوخ من أوائل من صاغوا المطالب القومية الكردية (جنباً إلى جنب المطالب الاجتصادية ومطالب ذات طبيعة دينية بحتة)، فإن الانتشار العام للقومية في المجتمع الكردي هي التي تسببت في استبدالهم تدريجياً بالأحزاب القومية.

إلى حد ما لتلك التطورات مثيلاتها في اندونيسيا. هناك أيضاً برزت طبقة جديدة من (المعلمين والأطباء وإلى حد ما أيضاً الموظفين المدنيين) ممن تلقوا تعليماً غربياً ما وفّر للمجتمع قيادة جديدة. من بين تلك التنظيمات القومية التي تأسست من قبل النخبة الجديدة (سارِكت إسلام)   Sarekat Islam  التي برهنت على قدرتها على حشد نفس الطبقات الاجتماعية التي يُنظر حتى اليوم إلى شيوخ الطريقة على أنهم قادتها السياسيين الطبيعيين[4]. وكما هو الحال تماماً في كردستان، فإن قادة هذا التنظيم لم يكونوا من طبقة مختلفة كلياً عن الشيوخ فقد أصبح بعض الشيوخ أو أقرباء لهم أعضاء نشطين في Sarekat Islam. لكن Sarekat رفضت بعض الممارسات “الخرافية” التي يقوم بها بعض الشيوخ وهو ما أثار غضب العديد من الشيوخ النقشبنديين.الصراع ما بين Sarekat وهؤلاء الشيوخ كان مرتبطاً بشكل واضح بالمنافسة على قيادة الجالية المسلمة المحلية والإقليمية.

ولكن ثمة عامل آخر أيضاً ساهم في انحسار تأثير شيوخ الطريقة في اندونسيا وليس له نظير في كردستان. فالانتشار السريع للطريقة النقشبندية في القرن التاسع عشر مثّلت موجة واحدة من سلسلة من التأثيرات التي هبت في الشرق الأوسط مما جعل الإسلام في اندونيسيا أكثر توجيها بالشريعة وطّهرته من كل الممارسات المحلية. فالطريقة النقشبندية، مثل كل الطرق ذات العقلية الشريعية، جاءت لتحل محل الطريقة الشاطرية والطرق الأخرى التي كانت أكثر توفيقية والتي دمجت فيها الكثير من الممارسات الإندونيسية (أو الهندية) السابقة للاسلام. ما أن بدأت الطريقة النقشبندية بحملاتها الظافرة في جاوا وسومطرة بوقت قصير حتى لاقت معارضة من موجة أخرى من المصلحين ذوي التفكير المستمد من الشريعة الذين انتقدوا عدة ممارسات للنقشبندية على أنها بدعة.  في هذا السياق يجب أن يُذكر شيخ مينانكابو[5] العالم الكبير أحمد خطيب الذي أصدر من مكان إقامته في مكة   خلال 1906-1908ثلاثة فتاوى ضد النقشبندية وقد أُعيد طباعة واحدة منها مؤخراً[6]. ونظرا لمكانته الكبيرة فإن تمدد الطريقة النقشبندية توقف تدريجياً وخاصة في منطقة مينانكابو (غربي سومطرة) والشيوخ هناك فقدوا ميداناً للعلماء “المجددين”.

ومثلما زاد عدد الحجيج الأندونيسيين كذلك زاد تأثير التفكير الإسلامي الشرق أوسطي. المصلحين المصريين الكبيرين محمد عبده ورشيد رضا ربما كانا لهما تأثيراً على المجتمع الاندونيسي الإسلامي أكثر من أي شخص آخر. فقد كان موقفهما المناوئ للإمبريالية، والذي لم يرفض الكثير من الأشياء المفيدة الذي قدّمه الغرب للعالم الإسلامي، متقدماً أكثر بكثير من النقشبندية وشكّل إغراءً كبيراً للمثقفين الاندونيسيين. وسرعان ما انتقلت قيادة الصراع ضد الاستعمار من بين الاندونيسيين الذين كانوا يعّرفون أنفسهم بالدرجة الأولى بكونهم مسلمين إلى “التجديدين” [7] كل ذلك لا يعني أن النقشبندية فقدو كل تأثيرهم على الجموع الاندونيسية. لكنهم فقدوا وظيفة سياسية هامة كانوا قد لعبوه خلال عدة عقود باعتبارهم نقطة التبلور للمظالم السياسية والاجتصادية. وقد تلقوا ضربة أخرى في عام 1924 عندما خُضعت المدن المقدسة في الحجاز لإبن سعود الذي دفعه معتقده الوهابي إلى حظر كافة نشاطات الطريقة. وبذلك فقدَ النقشبنديون الاندونيسيون ما كان يُعتبر المصدر الرئيس للقوى المحركة للطريقة. لقد خمدت القوى الدافعة ولم يكن هناك المزيد من التوسع والقليل أو لا فعالية على الاطلاق من طرفهم؛ تماماً مثل اخوتهم في كردستان أصبحوا هادئين ومنغمسين في ممارسات شعائرهم الدينية.

 

 

خاتمة:

بغية وضع بعض النقاط عن منهجية دراسة الحركات الإسلامية، فقد قارنت عن عمد حالتين من الفعالية السياسية الاسلامية أو المستلهمة من الاسلام اللتان لم تتصادفا فقط في التوقيت بل أيضاً أظهرت عدداً من نقاط التشابه. لم يكن من الصعوبة بمكان عزل عدة عوامل بنيوية التي، جزئياً على الأقل، تفّسر بروز وانحسار الحركة في كلتا الحالتين: تفكك الحركات السياسية المحلية تحت تأثير التوسع الأوربي، ونشوء طبقة وسطى جديدة ذات التعليم الغربي التي أسست تنظيمات سياسية حديثة على التوالي.

على هذا المستوى الظاهري، فإن الحالتين متماثلتين. هذا صحيح كتوضيح ولكنه مع ذلك غير مقنع كثيراً إذ أنه لا يشرح لماذا حدثت  تلك التطورات في وقت حدوثها ولا تشرح كذلك لماذا ظروف مشابهة لم تؤدِ إلى تطورات مماثلة في أماكن أخرى. من وجهة نظري فإن الكثير من المحاولات الرصينة لشرح التطرف الإسلامي الحالي في أركان شتى من العالم الإسلامي باءت بالفشل على هذا المستوى. صحيحٌ أن الهجرة الجماعية من القرى إلى البلدات الصغيرة لمدن العالم الثالث، ووجود أعداد كبيرة من الشباب أنصاف المتعلمين غير القادرين على إيجاد فرص عمل مناسبة، والتفاوت الفاضح الناجم عن التطورات السياسية المستلهمة من الغرب الهادفة إلى زيادة إجمالي الناتج القومي أكثر من المصلحة الاجتماعية، وإخفاق أساليب التطور الاشتراكية المختلفة، والعوامل العالمية الأخرى التي ذُكِرت مراراً وتكراراً جميعها تلعب دوراً رئيسياً في تفسير ذلك. ولكنها ليست أكثر من جزء من التفسير.

إن الأمثلة في هذه المقالة، كما آمل، تبين كم هو ضروري تحليل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الملموسة للمجتمعات المعنية وكم  هو عظيم تأثير العوامل الطارئة. الأسباب المختلفة قد تؤدي إلى النتائج ذاتها، كما هو معروف، وكما هو مشروح مرة أخرى في الأمثلة المبينة أعلاه. بغية الحفاظ على الافتراضات العلمية للحقل المعرفي، فقد لجأ علماء الاجتماع الوظيفيين والأنثروبولوجيين إلى مفهوم “المكافئ الوظيفي”. في ضوء هذه الرؤية يُتوقع تأثيرات معينة عندما يكون اتحاد معين من العوامل المساهِمة أو مكافآتها الوظيفية حاضرة. ولكن في معظم الحالات فإن هذا ليس أكثر من استدلال دائري لأنه يمكن أن يُؤَسس في استذكار أية شروط أو حوادث شكلت المكافئ الوظيفي لمسلّمة عامل طارئ. التفسير الصارم كما في العلوم الطبيعية حيث الاستعانة بالقوانين الكونية أو شبه الكونية، مستحيل عند دراسة المجتمع الانساني. محاولات في ذلك الاتجاه قد تؤدي إلى عبارات فضفاضة مضجرة ومملة وسخيفة. لذلك فقد اخترت المقاربة التأويلية بوصف الحالات التي ينبغي شرحها في سياقها التاريخي والاجتماعي (أو على الأقل عناصر السياق تلك التي ظننت أنها وثيقة الصلة أكثر من غيرها)  مبدياً الاهتمام لإدراك المشاركين بها وللايديولوجيات إضافة إلى العوامل الموضوعية. كان ينبغي عليّ أن آخذ بعين الاعتبار عوامل على مستويات مختلفة بدءاً من الاقتصاد السياسي العالمي مروراً بعلم النفس الفردي والاجتماعي وانتهاءً بالعوامل التي بدت عرضية.  قد يُعاب على هذه المقاربة بكونها انتقائية ونظرية ولكنني لا أعتقد بوجود  بديل أفضل.

تذييل: كردستان إيران بعد الثورة

عندما رفضت فكرة “المكافئ الوظيفي” كنت أعني بأنه لا يمكن أن يعوّل عليها في بناء نظام نظري صارم ذو قوة تنبؤية. لم أشأ أن أُنكر أنه بين مجموعة ظروف مختلفة والتطورات الناجمة عنها لا يمكن أن يكون هناك تطابقات ملفتة للنظر. لكن الكثير من التطابق يعتمد على حسن إدراكنا الانتقائي وعلى تفسيرنا للظروف والتطورات على حد سواء. كتوضيح أخير أعود من حيث بدأت عن الموقف في كردستان إيران بعد الثورة الإسلامية مباشرة. إن بروز وأفول الشيخ أوصمان والعديد من العلماء الأكراد تُظهر بعض التشابه مع شيوخ النقشبندية الذين تناولناهم في متن هذه المقالة.

خلال نصف القرن الماضي  تداعت سلطة الحكومة المركزية في  كردستان إيران: مرة بعد الحرب العالمية الثانية ومرة أخرى بعد سقوط نظام الشاه في شباط/فبراير 1979. بدا الموقف حيئنذ، في بعض جوانبه، حال كردستان العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر. فلم تكن النزاعات القبلية تحت السيطرة كما انشرت الخلافات الاجتماعية-الاقتصادية ونصب الزعماء القبليون وبعض المدعين الآخرين أنفسهم أمراء حرب شبه مستقلين ونشبت الصدامات العنيفة. لم تكن هناك سلطات محلية فوق عشائرية ، وفي بعض الحالات سرعان ما تم دفع الرموز الدينية للعب ذلك الدور. في 1945-1946 كان عالم مهاباد البارز، قاضي محمد، هو من أصبح أول رئيس للحزب الديمقراطي الكردستاني ومن ثم رئيساً لجمهورية مهاباد ذات الحكم الذاتي. لقد جعلته مكانته وشخصيته القيادية الشخص المناسب لتوحيد زعماء القبائل المتنافسين والمتحاربين في المناطق المحيطة.

أحداث 1978-1979 دفعت إلى الأضواء عالم آخر هو عزالدين الحسيني خطيب جامع مهاباد. خلال أسابيع من سقوط نظام آل بهلوي التقت وفود من كل أنحاء كردستان تمثل مختلف الاتجاهات السياسية وأصحاب النفوذ المحليين في مهاباد وأسست مظلة سياسية (قوامها الدمقرطة والحكم الذاتي والمطالبة بحصة متساوية من ميزانية الدولة للمنطقة الكردية). وقد عينوا الحسيني ناطقاً رسمياً في كل المفاوضات مع السلطات المركزية الجديدة. على المستوى المحلي أيضاً ظهر على السطح فجأة مجموعة من العلماء بوصفهم قادة سياسيين.  الشيخ أوصمان الذي بسبب شبكة طريقته الدينية كان يملك عدداً كبيراً من الأتباع أحد هؤلاء. الطابع الديني للثورة في كل أنحاء إيران وصياغة الكثير من القضايا السياسية بعبارات دينية في الكثير من وسائل الإعلام التابعة للثورة كانت واحدة بلا شك أحد الأسباب التي جعلت الناس يبحثون عن العلماء للقيادة (رغم أن معظم الكرد من السنة وليسوا شيعة مثل معظم الإيرانيين). ولكنني أعتقد أن عاملاً آخر ذو أهمية أكبر ويتجسد في أنه في الأشهر الأولى بعد الثورة لم يكن ثمة قادة آخرين يتمتعون بسلطة تلقى اعترافاً على نطاق واسع بما فيه الكفاية. فالحزبان الكرديان –الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران وكومله- كانا قد ظهرا إلى العلن للتو بعد فترة النشاط السري. الحزب الأخير كان صغيراً وتأثيره لا يزال محلياً وقادته غير معروفين للعامة بشكل جيد أما قادة الحزب الأول فقد عادوا للتو إما من السجن أو من المنفى خارج البلاد. هذين الحزبين لم يكونا قادرين على توفير القيادة المطلوبة للمرحلة، علاوة على ذلك، كان عليهما أن يتنافسا مع فيض من الأحزاب الصغيرة والأحزاب الراديكالية ذات الاتجاهات المختلفة وزعماء القبائل وأصحاب الأراضي السابقين المتلهفين لاسترجاع سلطتهم وممتلكاتهم القديمة (التي خسروا بعضها في ظل حكم الشاه). من ناحية أخرى كان العلماء معروفين وموثوقين بالنسبة للفلاحين غير المنتظمين ولسكان البلدات الصغيرة حيث كان الأقوياء من بينهم قادرين على حل الخلافات القبلية وعلى ضم زعماء قبليين صغار في منطقتهم للتعاون معهم. وفي الحقيقة معظم هؤلاء العلماء تلقوا الدعم من الزعماء القبليين وأصحاب الأراضي الذين كانوا خائفين من أن تقع السلطة في أيدي بعض الجماعات السياسية الراديكالية.

وبذلك فقد تمكن الشيخ أوصمان من أن يلعب الدور الذي لعبه قبل قرن تقريباً بعض كبار الشيوخ الكرد النقشبنديين. لكنه لم يكن على غرار كبار شيوخ الماضي بل أن الشيخ عزالدين الحسيني. مثلما الشيخ عبيدالله وذريته وحّدوا القبائل بإعطائهم هدفاً مشتركاً وإجراء التوازن بينها، كذلك انخرط الحسيني مع القوى السياسية المختلفة في ذلك الموقف من موقعه كسلطة أخلاقية معترف بها. كان يقتدي عن وعي بقاضي محمد (الذي أُعدِم من قبل الشاه ولذلك كان يُعتبر شهيداً قومياً للكرد) ويلقى الإعجاب من القوميين و [أصحاب] العاطفة الدينية على حد سواء. فهو كرجل دين (ملا) كان يحظى بثقة القرويين وسكان المدن الفقراء وأيضاً بثقة الطبقة الدينية المحافظة وجعلته وطنيته ذو شعبية بين أصحاب الحوانيت والتجار الصغار والحرفيين. واللافت أكثر هو شعبيته بين الشباب الراديكاليين حيث أعلن عزالدين الحسيني إيمانه بالاشتراكية الدينية (وقد أخبرني أنه معجب بمحمود طالقاني)[8] وكانت له علاقات أفضل مع الجماعات اليسارية من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني المعتدل. (ح.د.ك.إ) كان ممتعضاً من طموحات الحسيني السياسية ولكنه احتفظ مرغما بعلاقة ودية معه ،وإن كانت فاترة،بسبب شعبيته الكبيرة.

إن التأثير السياسي لعزالدين الحسيني، أو بالأحرى العلماء الآخرين، دام لفترة قصيرة حيث لم يضيّع  (ح.د.ك.إ) وكومله الوقت في تنظيم فروع الحزب في كل أنحاء كردستان وشكلا مليشيات مسلحة ولجان للإشراف على المصالح الاقتصادية ووضع مناهج تعليمية سياسية…الخ. وفي المواجهات المسلحة مع الحكومة المركزية التي اندلعت في أوائل آب/اغسطس 1979 كان الحزبان قادرين أكثر على الصمود من أتباع الحسيني غير المنظمين بشكل جيد. وسرعان ما تفوقت الفعالية التنظيمية والعسكرية لـ (ح.د.ك.إ) وكومله على كاريزما الحسيني. وخلال عامين فقط خبا نجمه على يد هذين الحزبين. لا يزال الشيخ فاعلا[9]  ومعه مجموعة صغيرة من المقاتلين المخلصين له ولكن ذلك ممكن فقط لأن هذين الحزبين يسمحان له.

إن السرعة التي فقد فيها العلماء الكرد مكانتهم القيادية يدل على أن بروزهم كقادة لا يعكس وجود عاطفة دينية قوية بين الكرد بل يُعزى إلى عوامل سياسية واجتماعية أخرى. إن برنامج الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني علماني بشكل صريح وهو معارض دائم لفكرة جمهورية إسلامية (فقط في الفترة الأخيرة، فيما يبدو محاولة للتوصل إلى تسوية مع الحكومة المركزية، أبدى بعض المرونة في موقفه ويقبل بالواضع الراهن). الكومله، الأكثر راديكالية على الدوام، شعر بالقليل من الحاجة للتكيف مع العاطفة الدينية بحيث أنه أعاد تسمية نفسه بالحزب الشيوعي الإيراني وذلك بعد اندماجه مع جماعة يسارية صغيرة أخرى. هذا الاسم غير الاسلامي، كما هو واضح، لا يبدو أنه سبّب أي فقدان لشعبيته[10]. رغم أن الكرد، بشكل عام، مسلمون أتقياء، فإن القيادة السياسية بنيهم لا تحتاج إلى رخصة دينية (ربما يكون هذارد فعل على الخطاب الإسلامي المستخدم من قبل الحكومة المركزية المكروهة من الكرد الإيرانيين) لقد حاز العلماء على سلطة مؤقتة عندما لم يكن هناك مرشحون موثوقون على نطاق واسع وسرعان ما فقدوها عندما ظهر منافسون حقيقيون. ربما هذا يحذرنا أيضاً من مغالاة في تقدير دور الشيوخ في الثورات التي اندلعت في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

 

 

 

 

 

 

[1] لمزيد من التحليل عن التركيبة الاجتماعية في كردستان راجع الفصل الثاني من برونسين، المذكور آنفاً.

[2] ما يأتي هو ملخص ما ورد في الفصل الثاني من كتاب برونسين الآنف الذكر.

[3] Martin van Bruinessen, “Nationalismus und religioser Konflikt: Der Kurdische Widerstand im Iran” p 372-409 in Religion und Politik im Iran, ed. by Kurt Greussig. Frankfurt a.M. Syndikat, 1981, idem, “Vom Osmanismus zum Separatismus: Religiose und ethnische Hintergrunde der Rebellion de Scheick Said” P 109-165 in Islam und politik in der Turkei, ed. by Jochen Blaschke and Martin van Bruinessen, Berlin: Express Edition, 1985.

 

[4] A.P.E. Korver, ” Sarekat Islam” 1912-1916 Ph.D. dissertation, University of Amsterdam, 1982

[5] حاشية المترجم: مينانكابو أكبر جماعة عرقية في جزيرة سومطرة. رغم كونهم مسلمين، فإن النسب يكون للأم وليس للأب. تقليدياً كانت المرأة تبقى مع أقارب أمها بينما الزوج يبقى مع أمه ولكنه يقوم بزيارة زوجته.

[6] Ahmad Khatib bin Abdul Lathif, Fatwa tentang: Thrikat Naqasyabandiyah. Medan: Firma Islamiyah, 1978 (4th edition)

[7] Deliar Noer, The Modernist Muslim Movement in Indonisia, 1900-1942, Kuala Lampur, etc: Oxford University Press, 1973.

[8] آية الله محمود الطالقاني (توفي 1979) أحد رجال الدين لدى الشيعة المعروف بتعاطفه مع اليسار. في كتابه الإسلام والملكية يضع مخططاً تمهيدياً للاشتراكية الإسلامية.

[9] حاشية المترجم: المقال مكتوب في الثمانينات من القرن الماضي حينها كان الشيخ فاعلاً وعلى قيد الحياة حيث انتقل إلى رحمة الله

[10] القارئ المهتم بالتطورات السياسية في كردستان خلال الأعوام 1979-1985 يراجع مارتن فان برونسين “الكرد وحرب الخليج  MERIP-MIDDLE EAST REPORT, August 1986

المواضيع المشابهة