حلب… دروس وعبر

بقلم: لامع محمد

قصة حلب وما حدث في قسمها الشرقي تحديداً، تعتبر تراجيديا مؤلمة تلخص الم الإنسان السوري منذ بداية الحراك المناهض لنظام الحكم في البلاد، لما تضمنتها من مفارقات ظاهرية وأخرى مخفية، ومنها ما يتعلق بالقراءة الخاطئة للمعارضة السياسية، وأخرى متعلقة بتفاهمات معظم الأطراف ذات العلاقة بالوضع السوري، وخاصة تلك التي تحصل تحت الطاولة والتي لا يجد السوري منها سوى دخانها وكأنها تتصاعد من قاعدة رأسه بعد أن تكويه.

بالمجمل يمكن اعتبار ما يحدث  درس وعبرة لمن يعتبر والمعنيون هم السوريين انفسهم، فلو قبلت المعارضة ببعض الحلول التي تم طرحها من قبل بعض الدول او من المبعوث الاممي دي ميستورا والتي لاقت قبولاً من بعض تيارات المعارضة في فترات سابقة، ربما كان الوضع أفضل بكثير، وخاصة فيما يتعلق بما يمكن وصفه بالرضوخ تحت الضربات الموجعة للناس المدنيين وتحميلهم ما لا طاقة فيه، وكان يجب الفهم من خلال تلك الطروحات ومن خلال تعقيد الوضع السوري بأن تقبل بالحلول المنطقية لا أنا تنجر إليها مقابل بعض الميزات التي ستمنح بناءً على مقاسات ومصالح بعيدة عن الأهداف التي خرج الناس من أجلها  بداية الثورة.

فالثورة السورية حملت مطالب الناس بتغيير وضع عايشوه لعقود خلت، وذلك بالتخلص من الظلم والغبن الذي وقع عليهم خلال الحقبة الماضية، بغية الوصول إلى الدولة المدنية الديمقراطية التي تراعى فيها كرامة المواطن دون تمييز.

وعلى الرغم من أن أشهرها الأولى كانت بادرة حقيقة لخلق نواة للثورة بمفهومها التقليدي، من خلال العفوية والشعارات والأهداف والطروحات، لكن سرعان ما بدأت الشعارات الطائفية والدينية تتسرب إليها شيئاً فشيئاً مما شكل انعطافاً وخروجاً عن مسارها المنشود، ولعلّ تمدد النفوذ الاقليمي والدولي إليها والذي تبين لاحقاً بانه ليس إلا تمرير لأجندات ومصالح خاصة، إلا القليل منها الذي ساند الشعب في طموحاته، والشيء الخطير الأخر والذي حرف الثورة عن مسارها هو السماح لبعض القوى المتطرفة مثل داعش واخواتها بركوب الثورة والذي لولا الحاضنة الشعبية لها لما وجدت طريقها إلى الثورة، فنشطت في بعض البقع من الأرض السورية ظناً منها بأنها ستكون الخلاص من النظام وظلمه.

بعد ذلك زاد الشرخ وبرزت الخلافات بين المناطق المختلفة حتى أصبحت لاحقاً قائمة بين الحارات ضمن المنطقة نفسها، والطامة الكبرى في ذلك هو اعتبار كل جهة نفسها شرعية ووصية على الشعب السوري دون ان يعود لنفسه أو يراجعها فيما يتعلق بمدى تمثيله لهذا الشعب، وقد ذهبت إلى أبعد من ذلك عن طريق فرض نفسها بقوة السلاح أو التهديد وحتى استبعاد كل من يخالفها من مناطق نفوذها متوعدة بما هو خارج مناطقها الجغرافية بالسحق والإنهاء حالما يتثنى لها ذلك مدعية في ذلك انشغالها في صراعها مع النظام، في حين كانت معظم ممارستها تكرس ما يرغبه النظام الذي اشتغل ذلك ونشره للرأي العام لتشويه الثورة وتحريفها، لأنها وجدت من تقوم عنها هذا الدور بقصد أو بغير قصد.

لم يفكر اي مكون من المكونات السورية باستيعاب الفسيفساء السورية وتنوع مجتمعها والأهم من ذلك حاجتها لبعضها البعض أكثر من اي وقت مضى في ظل ما تمر بها البلاد من السعي للخروج من عنق الزجاجة وتأسيس لبداية جمهوية حقيقة ترسخ معنى الحقيقي للدولة والسلطة، فبدل التركيز على المشتركات ذهبت تبحث عن المتفرقات.

فكل مكون من المكونات السورية لها تاريخها وثقافتها وعادتها وتقاليدها وتعتبر نفسها شريكة مع بقية المكونات على الأرض السورية، كان يجب اعتماد هذه الحقيقة كنقطة جوهرية وبوصلة لاي تحرك أو حراك من البداية لضمان نجاح الثورة وتحقيق الانتقال المنشود، لأنه وبالإضافة إلى واقعية هذا الطرح داخلياً فإنه كان سيشكل طريقاً لكسب الدعم والمساندة من مراكز القرار العالمي وكانت ستقطع الحجج على النظام الذي كان ذكياً في استغلال هذه النقطة والعزف على وتر الطائفية والعمل على نشره وللأسف نجح في المحصلة بينما بقية الأطراف كانت منشغلة بما تكسبه من ولاءات وما تنفذه من اجندات ومصالح سواءاً شخصية أو غيرية.

ونظراً لطول فترة الأزمة وللأسباب السابقة استطاع النظام وباتفاقات فردية إفراغ العديد من المناطق من سكانها، لعل أخرها ما حصل في حلب وذلك بإخراج المدنيين والعسكريين من حلب الشرقية، والتي يمكن اعتبارها مأساة حقيقة بحق المدنيين بالدرجة الأولى كونهم ضحية تجاذبات اقليمية ودولية التي ظهرت على السطح بشكل أكبر في الآونة الأخيرة.

هذا لا يعني التنازل عن الثوابت والأهداف وإنما تمثل قراءاة ورؤية واقعية لما آلت إليها الأوضاع وخاصة عند بداية ظهور ووضوح الخطوط الدولية والاقليمية في الأزمة.

فالمعارضة خسرت حلب. والناس خسروا في القسم الشرقي بيوتهم وتاريخهم سواء أكانت نتيجة خذلان المعارضة المسلحة او دول أصدقاء الشعب السوري المفترضين، وقد يكون هناك مناطق تتنظرها نفس السيناريو، إضافة إلى التحركات الدولية والتغيرات الجوهرية التي بدأت تتسارع يوم بعد يوم.

ويبقى أخيراً طرح عدة أسئلة، أولها هل يتم إدراك الأخطاء التي وقعت فيها المعارضة بشقيها السياسي والعسكري في السابق وتبدأ بنفض نفسها من تلقاء نفسها؟ أما ثانيها فهل لديها القدرة أن تحول الهزيمة إلى مكاسب لها؟ وثالثها هل ستبقى كما هي ولن تستفيد من تراجيديا حلب وبالتالي ستنتظرها انكسارات اخرى وبالتالي ضحايا جدد؟ هذه الأسئلة وغيرها ستجيب عليها الأيام القليلة القادمة.

المواضيع المشابهة