ازدادت وتيرة العمليات الإرهابية في الآونة الأخيرة، و أضحت دول و شعوب العالم قاطبة تعاني من خطر الهجمات الإرهابية، و السؤال الذي يطرح نفسه كيف يمكن القضاء على هذه الظاهرة الخطيرة؟

للإجابة على هذا السؤال لا بدّ لنا أن نشير أنّ منفذي غالبية هذه الهجمات التي تحدث في العالم اليوم يحملون الفكر الاسلامي – السلفي الجهادي المتشدّد- و لمواجهة هذا الفكر الذي ينتج الارهابيين على مستوى العالم لا بدّ من تضافر الجهود و التعاون و التعاضد بين كافة وسائل الاعلام و وسائل التواصل الاجتماعي و كل وسيلة أخرى يمكن أن تساهم في فضح هذا الفكر و تعريته و التصدي له و مواجهته بالأدلة المقنعة، و التأكيد على بطلان ادعاءاتهم و يجب عدم التهاون معهم و السماح لهم باستغلال الأوضاع المضطربة في بعض دول العالم لنشر أفكارهم الهدّامة و التخطيط  للهجمات الإرهابية في الدول الآمنة.

أصحاب هذا الفكر يعانون من عقد نفسية مختلفة و تلقوا في طفولتهم معاملة قاسية أو تعليماً متطرفاً– لا زالت المناهج التعليمية في بعض دول العالم تعج بهكذا تعاليم- يجب تعديل هذه المناهج و استئصال هذا الفكر الذي يهدد بدمار العالم.

هؤلاء المتطرفون الاسلاميون يعتمدون على أفكار الكثير من المنظرين و في مقدمتهم كتب ” ابن تيمية” و يعتمدون على أحاديث موضوعة للرسول (ص) و تفاسير خاطئة لآيات من القرآن الكريم و يسقطون بعض الأحكام التي وردت عن السلف الصالح على عصرنا هذا علماً أنّها موجهة لذاك الزمان و المكان.

استغلت التنظيمات الاسلامية المتشدّدة الأوضاع المضطربة في أفغانستان فتوجهت إليها من كل بقاع العالم و أنشأت هناك مراكز لتدريب المقاتلين على العمليات الإرهابية على مرأى و مسمع العالم و بدأت بوضع المخططات لعملياتها هناك و نشرت عناصرها في كل دول العالم و بعد عمليتها الشهيرة  – أي القاعدة- في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 في اسقاط برجي التجارة العالمي في نيويورك و قتل ما لا يقل عن ثلاثة آلاف مدني توجهت الأنظار من جديد إلى أماكن وجود التنظيمات المتطرفة، فشنت الولايات المتحدة و عبر تحالف دولي الحرب على هذه التنظيمات في أفغانستان وبعد ذلك شنت الحرب على العراق، هذه الهجمات أدت إلى فرط عقد هذه التنظيمات و لكنّها أصبحت خطراً تهدد العالم برمته بسبب انتشارها في كل دول العالم بعد أن كانت متجمعة في أماكن محدودة في العالم.

من جديد استغلت هذه التنظيمات الأوضاع المضطربة و غير المستقرة في بعض الدول العربية نتيجة ثورات ما سمي بالربيع العربي منذ العام 2010، و بدأت بنشر خلاياها في بيئة ملائمة لها و خاصة أنّ بعض الأنظمة ساعدتها كي يقتنع العالم بأنّ البديل القادم أسوأ منها، و استقطبت الارهابيين من جميع أصقاع الأرض، و أنشأت كيانها في سوريا و العراق و الذي سمي بالدولة الاسلامية في العراق و الشام و التي عرفت اختصاراً باسم  ” داعش” حيث سيطرت على نصف مساحة سوريا و كذلك نصف مساحة العراق في غضون فترة قصيرة، و بدأت بإنشاء مراكز لتدريب مقاتليها و مصانع لتفخيخ السيارات و معامل لتصنيع الذخيرة.

شنت الولايات المتحدة الأمريكية و عبر تحالف دولي الحرب على داعش و لكن دون مشاركة القوات البرية، أدت هذه الهجمات الجوية بعد حوالي السنتين إلى تضعضع داعش و تقليص المناطق التي يسيطر عليها هذا التنظيم و اقتصر في العراق على مدينة الموصل و جيوب في محافظة صلاح الدين و في سوريا اقتصر على مدينتي الرقة و ديرالزور و جيوب صغيرة أخرى في محافظة حلب.

و لكن كان من المفترض وأد هذه التنظيمات في مهدها، لا الانتظار حتى تقوى شوكتها و تدرّب مقاتليها و تخطط لعمليات إرهابية جديدة في معظم دول العالم.

حتى الآن لم نجد مناظرة تلفزيونية بين مَنْ يمثل الفكر السلفي الجهادي و مَن يمثل الفكر الاسلامي المعتدل مثلاً بين الأردني( أبو محمد المقدسي) – ممثل السلفية الجهادية في العالم- و بين التونسي ( الشيخ راشد الغنوشي )– ممثل التيار المعتدل في الاسلام.

لا أعتقد أنّ هناك دين ما أو فكر ما يسمح بقتل شخص ذهب لشراء الخضرة لأطفاله، فأية جريمة ارتكبه هذا الشخص بغض النظر عن معتقده الديني، أوربا عاشت فترة زمنية طويلة في حروب طائفية ،و الخلاف بين السلطة المدنية و سلطة الكنيسة و في النهاية، و بعد عشرات الآلاف من الضحايا توصلوا إلى النتيجة التالية : الدين لله و الوطن للجميع إذن لماذا لا نتعظ من تجربتهم ، ليس بالضرورة أن نكرر مأساتهم ذاتها، بل و تجاوزناهم في عدد الضحايا و تدمير المدن و في الأخير سنصل إلى ما توصلوا إليه : فالدين و الايمان و المعتقد أمور شخصية بين الفرد و خالقه و ليس بالضرورة على الفرد أن يذبح الآخرين لأنّهم كفار أو لأنّهم لا يؤمنون بما يؤمن به هو، ففي معظم الشرائع و القوانين الحديثة الناس متساوون أمام القانون و لكل فرد حرية العقيدة و العبادة التي يريدها، الديانات السماوية و غير السماوية دعت إلى المحبة و الإخاء و عدم ايذاء الآخرين

 

و في الاسلام و في القرآن الكريم: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) هذا هو الاسلام الذي تذبحون الناس باسمه و تقتلون الناس باسمه و تفخخون السيارات باسمه و تقتلون المدنيين باسمه.

حتى أنّ بعض الأوربيين توصلوا إلى النتيجة التالية : ” كل إرهابي هو مسلم” و لكنّ الرد عليهم كان : ليس كل مسلم إرهابيا

لذلك لا بدّ من وقفة صارمة في وجه التنظيمات الارهابية المتشدّدة، و لا بدّ أن يخضع أفرادها للمعالجة النفسيّة و أن يندمجوا من جديد بالمجتمع و أن يتصالحوا مع أنفسهم لكي يتصالحوا مع المجتمع من حولهم و إلا فإنّهم سيحرقون الأخضر و اليابس، خاصة إذا ما حصلوا على أسلحة الدمار الشامل.