تعيش سوريا مفصلا تاريخيا هاما ومصيريا, قد يشكل نهاية لسوريا الدولة. فقد أشار بعض الكتاب إلى أن الدول (ذات الحدود المصطنعة  مثل يوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا والعراق وسوريا ….لم تستطع الاستمرار)(Doran, 2016). لكنه في نفس الوقت فرصة للتفكير, لوضع  بداية جديدة  لسوريا أكثر قوة واستقرارا. لذلك السؤال هو كيف وصلنا إلى هنا.

إن نقطة البداية لحل أي مشكلة هي تحديد الاطار أو البنية أو الهيكل الذي يعاني من المشكلة. ماذا نقصد بكلمة سوريا. بالتأكيد الاجابة هي الكيان السياسي المعروف باسم سوريا الحالية, دولة تنتمي إلى القرن الحادي والعشرين. وكلمة الدولة في القرن الحادي والعشرين تعطي انطباع أننا نتحدث عن الدولة الوطنية (nation state). لكن مدلول الكلمة وسياقها التاريخي متناقص تماما مع الواقع. قبل بدء الثورة السورية, كان الدولة السورية تحمل ملامح الدولة الشخصية (personal state), التي هي الشكل الاقدم للدولة في التاريخ البشري. وبعد انطلاق الثورة عام 2011 , وتحولها إلى حرب أهلية لاحقا, أصبحنا أمام دولة شخصية فاشلة.

ما هي الاسباب التي أوصلت الدولة السورية لهذا الواقع؟ أعتقد الاجابة على هذا السؤال الكبير والمعقد بأبعاده المتعددة لن تكون بإجابة بسيطة. بل متعدد الزوايا والابعاد.  يفترض المنطق العام العودة إلى نقطة تأسيس هذا الكيان. وتلمس نقاط الاشكال من البداية. ترى ما هي المؤثرات (التشوهات) التي تركها الاستعمار الفرنسي في بنية الدولة السورية, بشكل مقصود وغير مقصود, باعتباره الراعي المؤسس للدولة السورية وراسم حدودها الجغرافية. تلك التشوهات التي ستتفاقم بالتفاعل مع السياقات التاريخية وتوصلنا لما وصلنا له الان.

يمكن القول أن سوريا هي شكل من أشكال تنظيم حياة من وجد بسبب صدف ومكر التاريخ والجغرافيا ضمن الجغرافيا السورية بعد سايكس بيكو. كان يمكن لهذا الشكل التنظيمي أن يكون دولة من شكل ما, ولكن ويحكم السياق التاريخي طرح كدولة وطنية, رغم أنه قد لا يكون استكمل مقومات مثل تلك الدولة. على هذا الاساس فان سوريا ليست رسالة خالدة من الماضي أو جنة موعودة في المستقبل يجب عبادتها أو إلزام الجميع بتصديقها, بل هي شكل تاريخي لإدارة جماعة بشرية, لم يكن موجودا قبل اتفاقيات سايكس بيكو, وقد لا يكون في المستقبل, إن لم يؤد الحد الادنى للدور المطلوب منه. يجب النظر للدولة السورية بمنظور الدول المانحة إلى الدول الفاشلة, اي أنها أداة للملمة أطراف هذا التكوين الجيوسياسي لكي تقوم  بما يبرر تقديم المساعدات والموارد لها.

حسب بعض الباحثين فإن الدولة الوطنية كيان سياسي ذو بعدين, بعد داخلي يخص الدولة بالمعنى الفيبري من حيث هي جهة منظمة تحتكر سلطة العنف الشرعي بالاضافة لتقديم بعض الخدمات. وبعد خارجي يتعلق يتعلق بمفاهيم السيادة والاعتراف الدولي. وأي توتر بين هذه البعدين يحول الدولة إلى شبه دولة, وقد تتحول للفشل. كذلك هناك في البعد الداخلي حيزان يجب تنميتها من أجل استمرار الدولة, هما حيز التأسيس وحيز المخرجات. الحيز التأسيسي للدولة يشمل قضايا مثل: التسوية السياسية والامن – تأسيس احتكار العنف وسيادة القانون- وبناء النظام الاداري والمالي, أما حيز المخرجات  فيمثل طيف من السلع العامة التي تقدمها الدولة . ويعتبر الحيز الاساسي الاساس لخلق معنى مشترك للصالح العام ورعاية صلات بناءة ومشروعة بين الدولة والمجتمع, وهذا الحيز هو الذي يحدد الاداء في حيز المخرجات. (Fritz and Menocal, 2007).

في الدولة الوطنية الولاء الاساسي هو للهوية الثقافية الذاتية, والتي تسمى الامة أو القومية, وهي الان الشكل المهيمن لتنظيم الدولة. انطوى تأسيس الدولة الوطنية على تحويل الشرعية من حاكم غير معرض للمساءلة إلى حاكم يساءل أمام الامة. وعملية تطور الدولة الامة (الوطنية) عملية معقدة و قد تكون مؤلمة. على سبيل المثال فإن الهوية القومية لدولة قد تعني استبعاد الهويات الاخرى. ويمكن أن يقاوم الحكام وجماعات المصالح ذات الامتيازات عملية المساءلة أمام الامة. وكذلك قد تحاول المؤسسات التقليدية أن تفشل الدولة في مسؤولياتها تجاه الامة. ونتيجة تلك العقبات قد تسيطر أقلية أو أكثر, من النخب التي تتنافس من أجل السيطرة, على مؤسسات الدولة. وقد تساوم هذه النخب بعضها لاستبعاد المصالح الاخرى, وقد تنتقل السلطة إلى العسكر. وعندما تكون الدولة ضعيفة يمكن أن يسيطر عليها رجال الدين(Pick, 2011). لذلك فإن تشجيع معنى واسع للأمة أو الصالح العام المشترك, ينطوي على احترام تنوعات اللغات والاثنيات وغيرها من الهويات, هو مكون جوهري لبناء دولة و علاقات فعالة بين الدولة المجتمع. أي إن بناء هوية عامة مشتركة لكل البلد لا تحتاج لتدمير الاثنينات, ربما يكون من الافضل رعابة أكثر من هوية عامة بحيث يستطيع الناس أن يشعروا بأنهم ينتمون للمجتمع المحلي كما للأمة الدولة (Fritz and Menocal, 2007) .

في لحظة التأسيس لسوريا كانت جغرافيتها حيزا لمشروعات أولية لبناء دولة وطنية عربية ودولة وطنية  كردية, لكنها طموحات تلك المشروعات كانت تتجاوز تلك الجغرافيا. انطوت الجغرافيا السورية على مركز ثقل عربي راجح حيث أنها ضمت مدينتين (مركزي ولاية) , أي دمشق وحلب, كبيريتين وعريقتين  بالاضافة لعشرات المدن الصغيرة الاخرى. شكل هذا الاساس لطغيات الهوية العربية على سوريا. فقد كانت الاكثرية السكانية هي من العرب,  والنخب السياسية والثقافية كانت من العرب, وسوريا كدولة كانت تمثل مشروعا عربيا وليس كرديا. بينما كانت المناطق الكردية الملحقة بسوريا (غرب كردستان) مناطق ريفية تفتقر إلى أي مركز مدينة يمكن أن يشكل حاضنة لتبلور الطرح القومي الكردي (سوريا), والنخب الثقافية والسياسية الكردية التي كانت موجودة لم تكن قد أدركت بعد أنها الحقت بسوريا أو أنها كانت لاجئة من مناطق شمال كردستان, وعلى هذا الاساس فإن الطرح القومي الكردي كان موجها نحو المشروعات المتعلقة بشمال كردستان, وهذا ما نلاحظه في أطروحات جمعية خويبون. وربما كان علينا الانتظار لعام 1957 لكي يتم طرح حضور مشروع قومي كردي  واضح في سوريا. في هذا السياق فإن المملكة السورية التي أسسها فيصل في عام 1918 سميت المملكة السورية العربية (محفوض, 2016). لكن ولاحقا وفي دستور 1930 لم يكن هناك أي طابع قومي, لكن بدءا من دستور 1950 أصبحت الدساتير تنص على الهوية العربية لسوريا (جرجس, 2014). والملاحظ هنا هو أنه عندما قسمت فرنسا سوريا إلى عدة دول على أساس الخصوصيات المحلية, في المرحلة الاولى للاستعمار الفرنسي, لم ترسم اقليما يراعي الخصوصية الكردية. وربما كان هذا  نتيجة لتفاعل عاملين, الاول هو ما أشرنا له من ريفية المكون الكردي وعدم تبلور طرحه القومي سوريا, والثاني هو مسألة الحساسية الحدودية المتبادلة مع تركيا الكمالية التي دخلت فرنسا معها في العديد من المساومات والصراعات. وقد كانت هذه أحد نقاط الخلل الاساسية في الهوية السورية الوطنية من حيث عدم التطابق بين التصور النظري للدولة الوطنية (القومية) وواقع الحال. ومن ثم تفاعل توترات المشكلة الكردية في سوريا لاحقا.

تم تركيب سوريا على أساس ولايتين أساسيتين هما حلب ودمشق. وكان لهاتين الولايتين استقلال ذاتي أو كانت عواصم دول على مر التاريخ, ولم يشكلا أي وحدة سياسية طوال التاريخ, باستثناء فترات قصيرة جدا, وهذا يعني تبلور تقاليد سياسية وإدارية ومصالح اقتصادية مختلفة للنخب المهيمنة في المدينتين. نتيجة إنشاء سوريا أنقطعت حلب عن امتداداتها الحيوية وخصوصا مجال مصالحها الاقتصادية باتجاه العراق وتركيا. وتحولت العاصمة لدمشق, ولنا أن نتصورالحساسيات والتهديدات التي يشكلها ذلك الانتقال على مصالح الحلبيين. وقد انعكس ذلك بوجود الحزبيين المتصارعين على السلطة في فترات هامة من التاريخ السوري, حزب الشعب الحلبي والكتلة الوطنية الدمشقية. وبسبب التنافس بينهما استولى حسنى الزعيم على السلطة بانقلاب عسكري عام 1949(صاغية 2005), ممهدا لفترة طويلة من الانقلابات والتقلبات.

كانت طبيعة الدولة العثمانية تشجع الهويات المحلية المذهبية والدينية والاثنية. حيث أن الدولة كانت تحضر فقط حين جمع الضرائب والخدمة العسكرية. لذلك بقيت تلك الجماعات المحلية ضمن الجغرافيا السورية على حالها طوال قرون, تعزز هويتها المحلية بعيدا عن المركز(صاغية, 2014). وقد كانت تلك الهويات المحلية حاضرة بقوة في سوريا عند التأسيس. فقد كان هناك المسيحيون والدروز والعلويون وغيرهم .  لكن سوريا بنيت على اساس هيمنة الهوية الاسلامية السنية. فالاسلام كان مصدر للتشريع في معظم الدساتير السورية. وكذلك فإن دستور عام 1930 نص على أن دين رئيس الجمهورية هو الاسلام وتكرر ذلك في الدساتير اللاحقة. وهذا يعني استبعاد العديد من الاقليات الدينية المسلمة (التي قد لا تنظر لها الغالبية المسلمة كمسلمين) وغير المسلمة (مركز سوريا للبحوث والدراسات).

في البداية ركبت فرنسا سوريا على أساس عدة أقاليم (دول) اتحادية مراعية المصالح والهويات المحلية, ونعتقد أنه كان الشكل الصحيح لتركيب الدولة السورية. لكن فرنسا حولت سورية لدولة مركزية بعد عام 1930, وشكل ذلك نقطة الخلل التي ستشعل التوترات والمشكلات المتعلقة بالهوية والانتماء السوري, وتعرقل عملية تشكيلة الدولة الوطنية السورية. أي أننا نعتقد أن فرنسا ارتكب ثلاثة أخطاء, هي: جمع كل هذه المكونات المتنافرة في دولة(وطنية) واحدة, ومن ثم تحويلها لدولة مركزية, ومن ثم مغادرتها بدون ترسيخ مقومات الدولة (الوطنية) بشكل كاف. لقد أدت الاختلالات التي ذكرناها إلى الضعف شديد في الاحساس بالانتماء للهوية السورية, التي نقل غسان سلامة(1999) ملاحظة العديد من الدارسين لهشاشتها, وأن قلة من المواطنين يشعرون بالولاء النهائي لها, وأن الخلاف بين أهل الريف والمدينة يصل لحد تصور مجتمعي يعيشان في إطار سياسي واحد.

في النتيجة عجزت الدولة السورية عن بناء الاحساس بالصالح العام المشترك أو الهوية الوطنية, وفي مواجهة ذلك مورست العديد من حالات الهروب إلى الامام والممارسات القومية المتطرفة, والانتكاس أو السقوط إلى الخلف. لقد كان نتيجة ذلك بروز البعث كنموذج للمشروع القومي العربي المتجاوز للحدود السورية والحالم بدولة عربية واحدة من المحيط للخليج, والانقلابات العسكرية المتتالية, ومن ثم الهروب باتجاه الارتماء بأحضان مصر بالوحدة معها, ومن ثم الانقلاب على تلك الوحدة, وإضافة لاحقة العربية لأسم الجمهورية السورية على يد حكم الانفصال وبدءا المشروعات العنصرية ضد الكرد  كالاحصاء والحزام العربي ومنع اللغة الكردية. تلى ذلك الانقلاب البعثي الذي انطوى في أعماقة على سقوط الدولة السورية بالتدريج في أعماق التاريخ وعودتها دولة شخصية على يد حافظ الاسد.

 

المراجع

  • جرجس نائل (2014), قضايا جدلية في الدستور السوري (الجزء الثاني): نحو دستور لجميع السوريين – العروبة والمنظومة الدستورية في سوريا, المفكرة القانونية, http://www.legal-agenda.com/article.php?id=863&folder=articles&lang=ar
  • سلامة غسان (1999), المجتمع والدولة في المشرق العربي, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, ط 2.
  • صاغية حازم (2014), الانهيار المديد, دار الساقي, ط1.
  • صاغيةحازم (2005), الجذور البعيدة لخلاف النموذجين اللبناني والسوري, صحيفة الاتحاد الاماراتية  | 6 آب (أغسطس)
  • محفوض عقيل سعيد (2016), الخرائط المتوازية: كيف رُسِمَت الحدودُ في الشرق الأوسط؟ مركز دمشق للدراسات والابحاث
  • مركز سوريا للبحوث, حقوق الاقليات في الدساتير السورية, http://www.syriasc.net/
  • Doran Andrew (2016), Faux Nation-States Breed Violence — See Syria and Iraq, National Review, 24 March, http://www.nationalreview.com/article/433180/iraq-syria-nation-states-sykes-picot-yugoslavia-democracy
  • Pick Anthony C.,( 2011), The Nation State.
  • Fritz Verena and Menocal Alina Rocha (2007) , Understanding State-Building from a Political Economy Perspective Verena,  Overseas Development Institute.