تأليف: شيري لايزر

لماذا حلبجة؟

قابلت سروه وكمال في لندن. لقد غادرا كردستان في أعقاب الانتفاضة الكردية الفاشلة لعام 1991 حيث هربا مع آلاف آخرين عبر الحدود إلى إيران. بعد أن بقيا في إيران لمدة سنة أخرى، تمكنا من الوصول إلى بريطانيا حيث قدما على اللجوء السياسي. من هناك استمرا في متابعة الأحداث في وطنهم بحزن وقلق. كانا يحاولان أن يبدءا حياة جديدة. تماثلت سروه من حروقها الكيميائية التي لم تترك أي تشويه ظاهري. إن النظر إلى هذين الزوجين وهما واثقين ظاهرياً لا يعطيك الانطباع أبداً أنهما مرا بتلك التجربة المرعبة. ذات مساء أثناء تناول الغداء وبعد أن أنهت سروه سرد قصتها لي، شرح كمال سبب تعرض حلبجة للقصف الكيميائي.

يعتقد كمال أن حلبجة تتمتع بموقع غير عادي. فبحكم قربها من إيران كانت حلبجة دوماً معرضة للنفوذ الإيراني. وفي الوقت نفسه كانت دوماً تعج بعناصر وطنية كردية شديدة الحماسة. وتاريخياً العناصر الوطنية الكردية والعناصر المؤيدة لإيران يمثلان طرفي النقيض في حلبجة. خلال الفترة التي سبقت الانتفاضة الكردية لعام 1991، عندما كانت حكومة صدام تسيطر على بقية كردستان، وجد صدام صعوبة بالغة في السيطرة على حلبجة وإخضاع سكانها لإرادة الدولة. لقد تمكن أكراد حلبجة من الحفاظ على هويتهم المستقلة.

بعد الثورة الإيرانية، تم تصدير موجة التطرف الإسلامي الخبيثة إلى كردستان المجاورة ولاسيما إلى البلدات القريبة منها مثل حلبجة وقلعه دزه ورانيا. بالنسبة للسكان الأكراد الذين يعارضون حكومة البعث فإن انبعاث القيم الأصولية الإسلامية شكل بديلاً جذاباً ومهماً. حصل تغير ملحوظ في سلوك الناس العاديين. فمن الناحية الخارجية, وبدءاً من 1980 فصاعداً، بدأت الكثير من نساء حلبجة يلبسن على الطريقة الإسلامية. لأول مرة بات هناك أغطية للرأس في المدارس والشوارع حيث تحجبت النسوة. النساء من أمثال سروه اللاتي لديهن شعور عميق بهويتهن الكردية رفضن ذلك الزي ولاحظن انقساماً متزايداً في المجتمع من حولهن مع استمرار ذهابهن إلى العمل مكشوفات الرأس مع ارتداء اللباس على الطراز الأوربي الحديث مع ارتياح في ارتداء القبات المفتوحة والأكمام القصيرة. لطالما كان الزي الكردي في هذا الجزء من كردستان يُظهر بفخر جسد الأنثى مفضلين الموضات التي تبين تضاريس جسدها وبالتالي فإن ارتداء الزي الأوربي كان طبيعياً بالنسبة لهن.

خلال الثورة الكردية ما بين 1974-1975 عندما كان (ح.د.ك) يحتفظ بعلاقات جيدة مع الشاه، كانت البلدات على طول الحدود العراقية-الإيرانية محررة عملياً من سيطرة الحكومة حيث كان البيشمركة يتنقلون بين الدولتين بحرية نسبياً.

بعد وفاة الملا مصطفى البارزاني وظهور (أوك)، أقام الأخير في عام 1982 تحالفاً مع إيران ضد بغداد. دعم كل من (أوك) و(ح.د.ك) والحزب الاشتراكي الجانب الإيراني ضد العراق لتحرير حلبجة وكانت لهم مقار هناك. حذّرت العراق المحتلين عبر اللاسلكي من أن كل الوسائل سوف تستخدم ضدهم في لو استمروا بدعم “العدو الفارسي” (الكفار). قبل ستة أشهر من الهجوم على حلبجة، كانت الأسلحة الكيميائية قد استُخدِمت في عدة أماكن منها بيليسان وقره داغ وقرى في بهدينان حيث قُتِل المئات في تلك الهجمات الأولية. بعدئذ عرفت الحركة الكردية أن الحكومة العراقية سوف تستخدم السلاح الكيماوي ضدهم.

لم يشعر صدام بتأنيب الضمير لاستخدامه الأسلحة الكيميائية ضد حلبجة فالأكراد يدعمون إيران ضده، لقد أبدت حلبجة تعاطفاً مع العدو. يُقال أن الأكراد وافقوا على أن يستولوا على حلبجة لأنفسهم بدعم إيراني في نضالهم ضد بغداد ولكن، بموجب تلك الاتفاقية، شريطة ألا يدخلها الحرس الثوري. لم تكن حلبجة مخلصة للحكومة المركزية حتى في أوقات السلم وكان صدام ينظر إليها على أنها ليست جديرة بالثقة. لذلك شكل كل سكان حلبجة البالغ عددهم سبعون ألفاً عدواً غير ضروري كما إن حلبجة مخفية بشكل مناسب عن أعين العالم على جبهة الحرب.

هاجم صدام على حلبجة بمختلف الأسلحة الكيميائية واتهم بها إيران. حيث قام بسخاء بطباعة كراسات دعائية تم توزيعها عبر مكاتب الحكومة العراقية في الغرب يعيد فيها تقديم صور موتى حلبجة بوجوههم الشاحبة ومع ذلك تلقي باللوم على إيران. كانت الحكومات الغربية التي تساند العراق خلال الحرب قد زوّدت صدام بالمكونات الضرورية لصناعة الأسلحة الكيميائية في المقام الأول حيث لم يكن هناك احتجاج قوي عليها في ذلك الوقت. ورغم أنه كُتِبت الكثير من التقارير عن الهجوم الكيميائي، إلا أن الزعماء الغربيين لم يعتقدوا أنه شنيع بما فيه الكفاية لتبرير فرض عقوبات دولية على العراق. في الواقع، وهو ما يثير التهكم، فإن الائتمان التجاري مع العراق تضاعف.

رغم ضرب حلبجة بالأسلحة الكيميائية، فإن القليل من الضرر لحق ببنيتها المادية بالقنابل التقليدية القليلة التي أُلقيت عليها من قبل الحكومة. لكن كان ينبغي أن تختفي حلبجة عن المشهد كلياً. فقد عاد النظام ووضع الديناميت تحت مباني البلدة وحولتها إلى ركام وسوتها بالأرض وأعلنها منطقة عسكرية مغلقة. كان في نية صدام ألا يعود أحد إلى تلك البلدات الكردية الحدودية ويقوموا بإثارة المزيد من المشاكل للنظام. ولاقى المصير ذاته قلعه دزه وسيد صادق وبنجوين وكل بلدة كردية حدودية المصير ذاته. لم يعد الأكراد إلى بيوتهم السابقة في المناطق الممنوعة حتى انتفاضة آذار/مارس 1991 ورأوا بأم أعينهم حجم الانتقام الغريب. بقي القليل جداً منها.

حلم نازدار

“اعتقدَ زوجي وهو كردي مثقف من كردستان العراق أن المرأة فكرياً أدنى منزلة من الرجل وزعمَ أن ذلك مثبت علمياً. وقال أن الرجل ليس أقوى بدنياً بل أنهم أرفع منزلة من المرأة في كل شيء.

“لم يكن دلشاد من أصول ذي خلفية دينية وكان يُعلن أنه اشتراكي. لم أفهم حتى بعد زواجنا بحوالي ستة أشهر كيف يمكن لمدعي اشتراكية مثله أن يجمع بين موقف كهذا من المرأة ومبادئه الاشتراكية. في الواقع كان من السهل على الرجال الأكراد أن يتبنوا تلك النظرة عن المرأة لأن الطريقة التي تربينا بها في كردستان تشجع على التمييز بين الذكر والأنثى.

” إن الذكر مدلل لدى الوالدين. الأولاد يُعاملون بطريقة مختلفة عن البنات فالأولاد لا يقومون البتة بالأعمال المنزلية ولا هم يحضرون الطعام ويخرجون مع آبائهم أو الكبار في السن. إنهم دائماً يُعاملون بطريقة تجعلهم يفهمون أنهم هم من سيكونون في موقع المسؤولية لاحقاً وأن صوتهم سيكون مسموعاً ومطاعاً بينما تبقى أخواتهم في المنزل أو يخرجن مع أفراد الأسرى الآخرين من الإناث للعمل أو زيارة الأقارب والأصدقاء كجزء من الأسرة [وليس كأفراد لهن استقلاليتهن]. إنهن لا يخرجن مع الأولاد والرجال.

“البنات هن من يقمن بخدمة الضيوف والسهر على راحة حتى أبناء عمهن أو خالهن بل وأولاد أصدقاء آبائهن. يفترض بهن أن يكونن صامتات ومحترمات وأن يجلبن الأشياء ويحملنها دون أية شكوى أو تذمر. لا يتم تشجيعهن على أن يكون لديهن آراء مستقلة أو أن يرغبن في يكون لهن أي نمط من الحياة عدا أن يكونن أمهات وزوجات صالحات. وحتى إذ كنّ متعلمات ولديهن مؤهلات كمعلمات وممرضات وحتى مهندسات، فإنه يُفترض بهن أن يكونن زوجات وأمهات وأن يتزوجن قبل أن يبلغن الثلاثين.

“عندما يرى الشاب الكردي الصغير أن أمه وأخواته يتصرفن بتلك الطريقة التقليدية فيرى أن له السلطة على أخواته، اللاتي يحذون حذو أمهن، فيقمن يتدليله وإخوانه الآخرين. يجب على الفتيات أن يستمعن إلى الذكور وأن يفضلنهم على أنفسهن بل حتى تسمح للرجال أن يأكلوا قبلهن في أوقات الوجبات الرئيسية. أما الفتاة التي لا تتماثل أو التي تتكلم دون أن يُؤذن لها فإن نصيبها هو السمعة السيئة والنبذ من قبل المجتمع.

“إن النساء والفتيات هن من يقمن بالأعمال المهينة في البيت. في القرى تكون النساء عادة من يخرجن لجلب أحمال ثقيلة من الحطب و الماء. ونادراً ما ترى رجلاً يقدم المساعدة للمرأة فيحمل أو ينزل الحمل الثقيل عن ظهرها في المناطق الريفية. بدلاً من ذلك يجلسون ويدخنون ويشربون الشاي أو يتابعون ما يجري في العالم وينظرون إلى عمل المرأة كأنه جزء من السياق الطبيعي للأشياء.

“للرجل الحرية المطلقة في عمل ما يختاره ولكن يتوقع من المرأة أن تبقى في البيت بانتظار زوجها وأصدقائه في أي وقت من النهار أو الليل وتطبخ متى ما جاء الضيوف وتجلب لهم الشاي والمرطبات في أي وقت. إنها ببساطة خادمة في العمل كل يوم على مدار العام طوال حياتها. فقط النساء اللائي يكون أزواجهن أغنياء أو ذوي نفوذ سياسي تكون حياتهن أيسر وأكثر رخاءً.

” يبدو أن القليلات منا يخرجن عن هذا النمط من العيش. إن معنى المرأة في الحياة محدد على أنها من تقوم بخدمة أبيها وأخوتها وفيما بعد زوجها. وهي تستقي كمالها من قيامها بذلك الدور بأقصى ما لديها من إمكانات لكي ترضي الرجال في حياتها من أداءها لذلك. يجب عليها أن تكون طباخة جيدة وربة بيت جيدة وحلوة المعشر دوماً ومطيعة ومخلصة تماماً لزوجها وطبعاً يجب عليها أن تحاول أن تبدو جميلة.

” في هذا الجزء من كردستان، الجمال الجسدي شيء مهم للغاية. ففي المدن الكبيرة تضع النساء الكثير من مساحيق التجميل ويمكن أن يقضين الساعات وهن يصففن شعرهن أو يضعن المكياج على وجوههن. إنها الطريقة التي تستطيع المرأة من خلالها أن تعبر عن نفسها وأن تستخدم حريتها وإبداعها. إنهن يصرفن كل ما لديهن من نقود على الملابس والمجوهرات ومساحيق التجميل.

” في بعض المناسبات الخاصة مثل الأعراس وعيد النوروز يذهب الرجال ليختاروا أقمشة لزوجاتهم لكي يعملن ملابس جديدة لهن. إن أقمشتنا زاهية بالألوان وتتلألأ بالخيوط الذهبية والفضية ومزخرفة بآلاف الترترات[1] وأشرطة الزينة والخرز. يريد الرجل الكردي أن يرى زوجته تلمع مثل مئات النجوم لأنه يعرف أنه تلمع له ومن أجله. أنها من مقتنياته ويريد أن يكون فخوراً بها أمام الرجال الآخرين.

“تلقيت تعليمي في العراق أولاً ثم في الغرب. لقد خالطت نساء من مجتمعات أخرى وأثار اهتمامي نظرتهن إلى العالم. أُصيبت النساء الغربيات بالصدمة عندما أخبرتهم أن زوجي يعتقد أن النساء أدنى منزلة من الرجل وأنه مثبت علمياً. وهو لا يؤمن بذلك فحسب بل ويعاملني على هذا الأساس.

“كان المتوقع مني هو أن أتصرف وكأنني مثل يُحتذى به دون أدنى تذمر أو شكوى. بدأ يستشيط غضباً وساخطاً عندما لا يكون الطعام مطبوخاً في وقت وصوله إلى البيت. وإذا كان الطبخ الذي عملته من غير الأطباق التي يحبها فإنه يترك طبقه ويتوقف عن الكلام معي بقية اليوم وأحياناً حتى اليوم التالي أو أكثر. كان ينتقدني ويقمعني أمام أصدقائه إذا ما كنا نجلس سويةً. كان غير مسموح لي أن أضحك معهم أو أن أبدي أي اهتمام بما كانوا يقولونه وإلا اعُتبر ذلك أنني أعرض نفسي وبالتالي يسهل الوصول إلي جنسياً.

“نادراً ما أظهر دلشاد أي حب تجاهي علناً. وإذا ما مشى معي كانت يداه إلى جنبه حسب الطريقة التقليدية ولم يكن يمزح أو يبتسم معي في الشارع. وحتى في البيت كان متحفظاً في حبه إلا عندما يكون متيهجاً جنسياً. كان يقول القليل ليشجعني أو يفرّحني إذا ما كنت حزينة لسبب ما أو عندما احتجت أي تحفيز فكري.

“بعد زواجي منه بدأت أفقد ثقتي بنفسي بعد ثلاثة أو أربعة أشهر. شعرتُ أن لا مستقبل لي سوى خدمته إلى المستوى الذي يحدده هو. كلما أخفقت أن أفي بتلك المعايير، كان يقطع أية صلة بي. بدأت أقرأ كتباً سياسية وكتباً بأقلام نسوية للتأقلم معه. منحتني تلك الكتب بعض القوة التي كنت أتمتع بها قبل الزواج مع شعور غريزي باحترام الذات.

“قررت أن أتصرف بحياتي أكثر من مجرد كوني ربة بيت كردية. أردتُ أن أحضر الندوات السياسية الكردية، ولكن الرجال في أسرتي وأسرة زوجي عارضوا ذهاب المرأة إلى الندوات. كانوا يأخذون زوجاتهم وبناتهم إلى احتفالات النوروز ونادراً إلى النشاطات السياسية أو إلى المؤتمر السنوي لأحزابهم. القليلات جداً من نساء كردستان العراق كن قادرات على الذهاب إلى تلك الندوات واللقاءات. بدلاً من ذلك كان يُفترض على تلك الجماعات النسائية أن تبقى منعزلات وأن تكتب نشرات إخبارية تتماشى مع الأسلوب والأفكار التي وضعها الرجال ولكن عدم تحديها البتة.

“كانت إحدى صديقاتي مؤيدة للحركة العالمية لتحرر المرأة وكانت قد سُجِنت من قبل نظام البعث لأن أخوتها قد انضموا إلى البيشمركه وذهبوا إلى الجبال. بدأت بكتابة قصائد سياسية بينما هي في السجن وقد نجت بطريقة ما من التعذيب والاغتصاب والأشياء المريعة التي فعلوا بها. وهي من أخبرتني ألا أفقد احترامي لذاتي.

” بدأت أبدي امتعاضي من الطريقة التي يعاملني بها زوجي. لقد فقدتُ احترامي له لأنه كان يريدني أن أكون خادمة له وليس نداً له. حاولتُ أن أتناقش معه حول المساواة ولكنه ببساطة كان يذلني أحياناً بالتغلب عليّ بدنياً ومنعي من الكلام بممارسة الحب (الجنس). ولكنه في الواقع لم يكن حباً فقد كان يحاول أن يثبت أنني ضعيفة وأنه يستطيع أن يفعل بي ما يريد.

“إذا ما انزعجتُ أو بكيت كان يغادر البيت بكل بساطة. وإذا ما غضبتُ أو صرختُ فإنه يصبح غاضباً ببرود ولا يتكلم معي لأيام. لم يكن مسموحاً أن أتصرف إلا بالطريقة التي تُظهر له أنني وضعت رغباته فوق رغباتي أنا. لم يكن مسموحاً لي أن أناقش أو أتذمر أو أطلب منه أن يتغير أو أصر عليه أن يفعل شيئاً أريده أنا. كان زواجنا من طرف واحد. بعد ذلك ذهبت إلى البيت لزيارة أسرتي لأدرك أن أمي وأخواتي قد تصرفن تماماً حسب النموذج الذي طلبه  زوجي. صرخت عليهن وسألتهن أي نوع من حياة العبودية قد خضعن نفسهن له. أُخبرتُ أنه ينبغي عليّ أن أستحي. أين شرفك؟ فأجبت أنني قررت أن أصبح دكتورة في الطب البشري. أخبرتهن أنني سوف أعود إلى الجامعة وأتابع إلى كلية الطب. أخبروني أن الطبيبات أفضل بقليل من العاهرات وأن الجميع يعرف ما الذي يحصل لهن في السكن الطلابي وأن ذلك غير مناسب للمرأة المتزوجة. نصنحنني أن أتخلى عن تلك الفكرة السخيفة وأن ألد طفلاً بدلاً من ذلك وشرحن لي أن ذلك سيضع نهاية لحالة القلق التي تنتابني.

“قطعتُ صلتي مع عائلتي في السنوات الخمس التالية وحصلتُ على مؤهل طبيبة. كنتُ قادرة على مساعدة الآخرين وحزت على احترامهم. كنتُ مقتنعة ، والأهم من ذلك، هو أنني بدأت احترم نفسي مرة أخرى. وحتى زوجي بدأ يتغير عندما رآني وقد تطورت وأنه من الصعب عليه أن يسيطر عليّ. لم أعد أدخل معه في أي نقاش حول المساواة بين الجنسين. جعلتُ أفعالي تتكلم بدلاً عني. عملتُ وأنجبت طفلة. أردتُ أن أسميها روناك التي تعني “نور” أو “المتنورة” ولكننا أسميناها جيان التي تعني “حياة”.

أتساءل أي نوع من الحياة سوف تعيشها جيان عندما تبلغ الأنوثة. هل هي ستكون قادرة على أن تعيش نمط الحياة التي تريدها مع شخص، إنسان حر، أو ستعيش بذات الضغوطات من مجتمعنا؟ ربما ستكون راضية وتتقبل نمط الحياة التقليدية مثل أمي وأختي وسعيدة بأن تقوم بالدور الذي أعدّه المجتمع الكردي لها.

“وأي نوع من الآباء سيكون دلشاد-ديكتاتوراً تهابه أو ناصحاً مخلصاً يدلها ويفهمها؟ ربما سأكون في ذلك الوقت قد أصبحت قادرة على أن أقنعه ومن خلالي بأن النساء، رغم أنهن مختلفات عن الرجل، إلا إنهن مع ذلك متساويات [مع الرجل] وأن في تلك الاختلافات تكمن قوتنا. لقد منح مجتمعنا تلك المكانة للمرأة من قبل. ولكن الإسلام والاضطهاد السياسي جرّدانا مما كنا نتمتع به من حقوق ذات يوم. إن نضالنا من الآن فصاعداً يجب أن ينصب على تحرير نساءنا الكرديات إن كنا نأمل في تحرير مجتمعنا وإزدهاره كأمة تعيش حالة صحية.”

أمينة “حكومة بالاغتصاب والإعدام”

كانت أمينة وهي ابنة ملا مشهور تدرس الطب في جامعة السليمانية كردستان الجنوبية عندما خُطِفت فجأة من قبل المخابرات. تركت أمينة الجامعة مع صديقتين لها في منتصف النهار ولكن كل منهن ذهبت في طريقها إلى البيت من أجل تناول الغداء. السيارة التي كانت تتعقبهم وقفت بجانب أمينة وأمسك رجلان من المخابرات بذراعيها وجراها إلى السيارة. أُغلق فمها وعُصبت عيناها. وضربها أحدهم. لم يستغرق الوقت طويلاً حتى توقفت السيارة داخل قيادة الأمن.

عندما لم تعد أمينة إلى البيت سألت أسرتها عنها في أقسام الشرطة ومن ثم في الأمن لترى إن كان أحد ما قد رأها. ولم يخبرهم أحد بأي شيء.

بعد ثلاثة أيام من السجن في السليمانية تم التحقيق مع أمينة ووُجهت إليها تهمة تزويد البيشمركه بالمواد الطبية. لم تكن أمينة ولا أحد من أفراد أسرتها على علاقة بالمقاومة الكردية كونهم من عائلة دينية متزمتة لا تتورط في النشاطات السياسية. ورغم أن أمينة أنكرت التهم الموجهة إليها، إلا أن معتقِليها رفضوا إطلاق سراحها. بدلاً من ذلك عُصِبت عيناها مرة أخرى وتم أخذها بالسيارة في مشوار أطول هذه المرة. وقد علِمت فيما بعد أنها أُخِذت إلى كركوك.

خضعت أمينة للتعذيب في سجن كركوك. بعد ذلك جاءت رحلة مخيفة أخرى بالسيارة حيث أُخِذت أمينة إلى سجن أبو غريب في ضواحي بغداد. هناك وُضِعت في زنزانة مع نحو  15 سجينة أخرى. كان السجانون يجلبون الطعام مرة واحدة في اليوم مع لتر واحد فقط من الماء للاغتسال والشرب. ونظراً للحر الشديد في الداخل، لم يكن هناك أي ماء من أجل الاهتمام بنظافتهن الشخصية. مثل بقية النزيلات سرعان ما دخل القمل إلى جسم أمينة. كانت كل النساء عاريات تماماً داخل زنزانة فيها نافذة صغيرة جداً ليس أكبر من رأس طفل في أعلى الجدار.

انقضت عدة أشهر وأُخِذت أمينة إلى زنزانة انفرادية التي كانت أكبر بقليل من خزانة صغيرة حيث لم يكن السجين قادراً على أن يمد رجليه على طولهما ولا أن يتحرك بحرية داخل تلك الزنزانات. بقيت أمينة في السجن الانفرادي ولم يعطَ لها سوى سطل بغية استعماله كمرحاض وكان الحراس يأتون مرة واحدة في اليوم ليأخذه.

وكانوا يأتون أيضاً لكي يُخرجوا أمينة من تلك الخزانة المظلمة لمدة ساعتين في اليوم حيث تجد نفسها مع ثلاث أو أربع نساء أخريات في غرفة خاصة بالتعذيب. كانت أمينة والأخريات يعلّقن بالمقلوب ويُضربن حتى يتشقق جلدهن ويبدأ بالنزف. كان التعذيب يجري تارة على يد الرجال وأخرى على يد النساء-معظم النساء اللاتي يقمن التعذيب كن من السودانيات ويتلقين رواتبهن من حكومة البعث للقيام بذلك العمل. كانت صنوف التعذيب المختلفة تُستخدم حتى تنهار الضحية. بعد ذلك تُرمى كل مرأة منهم إلى حجراتهن مرة أخرى. رأت أمينة بأم عينها فتيات صغيرات بعمر عشر سنين ونساء بعمر الستين يُعاملن بالطريقة ذاتها. حملت البعض منهن في حين أنجبت أخريات أطفالهن غير الشرعيين. كان الاغتصاب شيئاً روتيناً بالنسبة للجميع. كان الأطفال الذين يُولدون في السجن يُتركون مع أمهاتهم طوال فترة الرضاعة ثم يُؤخذون كما يُعتقد إلى مدارس خاصة لخدمة النظام حيث يُدربون ليصبحوا قتلة محترفين أو يتم تكوينهم بعناية لمهام في الأمن والقوات المسلحة.

كانت الكثير من النساء يؤخذن من زنزاناتهن ولا يرجعن أبداً. كن معصوبات الأعين ويُؤخذن إلى الساحة ويوضعن أمام فرق الموت. كان يتم تهديدهن بأنه سيتم إعدامهن ما لم يعترفن بالتهم المنسوبة إليهن.ولم يكن لدى الكثيرات منهن ما يعترفن به. كان الإعدام عشوائياً.

انقضت سنتان وفي أحد الليالي اقتحم الحراس زنزانة أمينة. تم تعصيب عينيها في الحال. كانت تنتظر لحظة إعدامها. ولكن بدلاً من ذلك تم ربطها ومرة أخرى رُميت في السيارة وبدأت رحلة طويلة أخرى. وكما كانت في الزنزانة فإنها بقيت في السيارة أيضاً عارية تماماً. أخيراً توقفت السيارة ورُميت أمينة في الشارع. بقيت لبعض الوقت خائفة من أن تزيل العصابة عن عينيها لترى أين تكون. وعندما سماعها لضجيج حركة السير وصياح سائقي السيارات وهم يعلنون عن وجهتهم، أدركت أنها لا بد أن تكون في مكان عام. رفعت أمينة العصابة عن عينيها. كان الوقت قبل الفجر تماما ورأت نفسها عارية تماماً على قارعة الطريق وجسدها النحيل مليء بالكدمات والجراح.

انتظرت شروق الشمس وهي في حالة ارتباك. ثم مشت متثاقلة باتجاه أحد السائقين الذي كان ينادي على الركاب المتجهين إلى السليمانية. كل الذين رأوا تلك الفتاة الشابة التي كان شعر رأسها محلوقاً على الصفر طردوها وظنوها مجنونة. فهي لم تكن عارية ومتسخة فحسب ولكن جسدها مليء بالجراح والتقرحات.

لم يكلف  أحد نفسه أن يقف في طريقها عندما صعدت أمينة إلى حافلة صغيرة باتجاه السليمانية. جمعت الحافلة بقية الركاب وبدأت بالتحرك. بدأ الركاب بتجميع أجورهم ليناولها للسائق. وجدت أمينة نفسها جالسة بجانب رجل ذو لحية بيضاء. طلب منها أن تدفع أيضاً ظناً منه أنها مجنونة تعيش في الشوارع. ردت أمينة أنها لا تملك نقوداً وأنها كانت في السجن حتى ذلك الصباح وأن الحراس قد رموها على قارعة الطريق.

بدأ الركاب الآخرون يستمعون عندها عرفوا أن الفتاة ليست مجنونة. بعض النساء اللاتي بدأن بالبكاء لحالها أخرجن بعض الملابس التي يكنّ بحاجتها وأعطوها لأمينة لتستر بها عريها.

عندما توقف الباص في السليمانية، سأل الرجل المسن أمينة أين يسكن والدها. أعطته أمينة العنوان ولكنها قالت أنها غير متأكدة إن كانوا على قيد الحياة أو لا. نصحها الرجل أن تذهب معه إلى بيته أولاً ووعدها إنه سيرى إن كانت عائلتها لا تزال تعيش في العنوان ذاته.

لم تدرِ أمينة هل تثق به أم لا. لقد تم تهديدها في السجن أنه إذا أخبرت أحداً بما حصل معها فإنهم سيُعيدونها في الحال. لقد أخبر الرجل المسن أن له زوجة وبنات وأقسم أنه سيساعدها. فقررت أن تذهب معه إلى البيت. أكلت أمينة وتحممت ولبست ثوباً نظيفاً لإحدى بناته. وانطلق الرجل المسن  في البحث عن عائلة أمينة.

لقد وجدهم يعيشون في ذات العنوان الذي أعطته إياه أمينة. لكن عائلة أمينة أيضاً أبدت حذرها فالمخابرات كانت تزورهم كلي يوم تقريباً منذ أن خُطِفت ابنتهم. لقد أخبرتهم المخابرات أن أمينة لا بد أن تكون قد انضمت إلى البيشمركه. بعد ذلك استجوبوا والداها بشكل دقيق في مقر المخابرات. بعد أشهر على تلك الحالة لم يكن لدى العائلة أي خبر عن مكان أمينة فبدأوا  يتساءلون إن كانت قد هربت مع عشيقها. لم يكن هناك تفسير آخر. لكن الحقيقة كانت أسوأ بكثير.

عندما ظهر الرجل المسن  على عتبة الباب، كانت العائلة متيقنة أن مبعوث من قبل المخابرات فالأوصاف التي أعطاه إياهم كانت مختلفة جداً عن ابنتهم التي يعرفونها جيداً. لكن الرجل أقسم أن ما يقوله حقيقة وأن ابنتهم تنتظرهم في البيت مع عائلته. وافق والدا أمينة على مضض أن يذهبا معه. ولكن نظراً لأن منزل الرجل المسن  قريب من مبنى الأمن، فإنهم رفضوا الدخول. ولكن الرجل المسن ، الذي كان بدوره خائفاً من يكون الأمن يراقبه، حضّهما على الدخول إلى المنزل.

عندما رأت أمينة والدها ووالدتها خارت قواها وأُصيبت أمها بالإغماء لرؤيتها. أسرة الرجل المسن  التي كانت قد تجمعت في الغرفة بدأت بالبكاء عندما احتضنت أمينة والعائلة.

حتى اندلاع الانتفاضة الكردية لم تكن أمينة قد أخبرت هذه القصة لأحد لأنها كانت خائفة من أن المخابرات ستأخذها مرة أخرى[2].

نرمين والغريلا

“ولدتُ في عفرين وهي بلدة في شمالي سوريا أغلب سكانها من الأكراد حيث يعيش فيها نحو ثلاثين ألف كردي. ورغم أن أهلي أرادوا أن يسمّوني نرمين إلا أنني سُجلت باسم عربي هو “نجمة” لأن الأسماء الكردية ممنوعة في سوريا.

“لدى والدي شقيقين يعيشان في القامشلي وهي بلدة كردية قريبة من الحدود التركية. بالقرب من القامشلي في الواقع تسير الحدود في وسط  عدد من القرى الكردية التي تقسّم العائلة الواحدة بين دولتين. من الصعب أن نزور بعضنا بعضاً لأنه ليست لدينا جوازات السفر والحدود مزورعة بالألغام بشكل كثيف كما أنها مراقَبة من قبل الجيش التركي بأبراج المراقبة يفصل بين الواحد والآخر نحو كيلومترين. وثمة نقاط نستطيع من خلالها قطع النهر لنصل إلى تركيا ولكنها خطيرة للغاية لأنه من المحتمل أن يطلق الجنود الأتراك النار لدى سماعهم لأية حركة. وأي شخص يُعتقل أو يُقتل بهذه الطريقة يأخذها الأتراك ليقولوا أنهم أسروا أحد مقاتلي PKK. وسيّان عندهم أكان الشخص حياً أو ميتاً.

” تركت ابنة عمي الأصغر بهار (اسم حركي)  مدينة القامشلي لتنضم إلى PKK قبل ثلاث سنوات.  الكثير من أكراد سوريا هم ضمن صفوف PKK الآن لأنه ليست لدينا أية حقوق هناك. نسمع أخباراً عن بهار أحياناً من الأشخاص الذين يدخلون إلى سوريا أو يخرجون منها. أُخبِرنا أنها أُصيبت في هجوم للغريلا على الجيش التركي في نصيبين عشية عيد النوروز وأنها الآن بصحة جيدة حيث أن الجروح في قدميها كانت سطحية فقط.

“تدربت بهار في معسكر PKK في البقاع بلبنان لمدة 15 شهراً قبل أن تُرسل إلى كردستان. كانت هناك أيضاً المئات من البنات والنساء اللاتي كن يتلقين التدريب ليصبحن غريلا. أرسلت لنا بهار رسالة من البقاع تقول فيها أن سعيدة للغاية هناك وأنه يتم التعامل معها مثل الرجال المتواجدين هناك. وشرحت بهار أنه في PKK لا يوجد أي تمييز ضد المرأة حيث ينادي الجميع بعضهم بـ “هفال” أي رفيق. كان ذلك مهما جداً بالنسبة لها.

“أنا الآن في الثالثة والعشرين. كان والدي قد خطط لي أن أتزوج من أحد أبناء عمي في القامشلي في العام القادم ولكنني كنت أفكر في الانضمام إلى PKK. وربما ينضم ابن عمي إبراهيم، شقيق بهار، إلى الغريلا أيضاً لأن لا أحد من الأكراد يشعر بالسعادة في ظل حكومة الرئيس [حافظ] الأسد.

“أريد أن أقاتل من أجل كردستان الحرة حيث يمكنني أن أعرف وطني بشكل أفضل. لقد أخبرني بعض الأصدقاء أنه يمكنني أن أتلقى تدريباً وانضم إلى بهار. ولأنني أدرس اللغة الفرنسية هنا [في سوريا] فإنه قد أذهب إلى فرنسا قبل أن أتوجه إلى كردستان من أجل تحسين لغتي وأن أدرس العلوم السياسية في الوقت ذاته. لست مستعدة لأن أتزوج وأنجب أطفالاً رغم أن ذلك شيء طبيعي بالنسبة للبنات من عمري.

“PKK يجذبني حقاً لأنني أرى أن هذا الحزب يقدم لنا طريقة مختلفة في الحياة. وحتى إذا متت فإنني سأموت بشرف. ماذا يعني أن تكوني ربة بيت مقارنة بهذا حيث نعيش دوماً في الظل ولا نعرف حقاً  كيف تكون الحياة وهل نحن قادرات فعلاً أن نختار مستقبلنا السياسي؟[3]

لقد التقيتُ بنرمين بالصدفة في أحد معسكرات PKK بالقرب من مخيم زيلا بعد سنة تقريباً. لقد تخلصتْ من الفتاة الخجولة المترددة المتخرجة حديثاً بماكياجها الخفيف وأحمر الشفاه وحذائها ذو الكعب العالي الأسود وتنورتها القصيرة إلى حد الركبة.

لقد كانت نرمين قد حلقت شعرها مثل الأولاد. وكانت ترتدي سراويل خاكية وسترة خاكية مثل بقية مقاتلي الغريلا. لقد اكتسبت سلوكاً جديداً واثقة من نفسها ومن الواضح أنها لم تكن تشتاق إلى أن ترى صورتها اليومية في المرآة. بدلاً من ذلك، كانت ترى نفسها في أعين رفاقها وتعترف بالشخصية التي اختارت أن تكونه. كانت نرمين فخورة وراضية تعيش نضالها بعشق. لم يلتحق إبراهيم، ابن عمها وخطيبها، بالحزب معها ولكنه انخرط في العمل على النطاق المحلي.

قضيتُ تلك الليلة في خيمة النساء. لقد سهرن وهن يعملن على ضوء المصابيح وهن ينسخن نصوص سياسية مختلفة ويكتبن صفحات من الملاحظات قبل أن يجلسن على الأرض. كانت أرضية الخيمة الكبيرة مغطاة بالبطانيات وقماش القنب وتوقفت النسوة عن العمل مع بواكير الصباح حيث سحبن أغطيتهم الخشنة ليخلدن إلى النوم.

بقي المصباح مشتعلاً طوال الليل. عند الفجر دب فيهن النشاط من جديد حيث وضعن إبريقاً اسوّد من الدخان على موقد الغاز السفري ليحضرّن الشاي ويختفين بالتناوب عبر باب الخيمة إلى جدول نهر صغير ليغتسلن. كان فطورنا يتألف من الخبز الحاف الرقيق المخبوز في المعسكر والتي احتفظن به في أكياس من الخيش. كنّ يتناولنه مع الشاي أسود حلو جداً. بعد ذلك مباشرة كانت هناك سجائر ملفوفة يدوياً.

بقيت إحدى البنات نائمة فنادت عليها البقية”Heval, heval, rabe, rabe!” “أيتها الرفيقة، أيتها الرفيقة، استيقظي، استيقظي!” وهن ينهرهنها برفق حتى فتحت عينيها واستجمعت قواها.

بالنسبة لنرمين ورفاقها فإن PKK قدّم لهن إمكانية تحقيق إنجاز على الصعيدين الشخصي والسياسي وتضحية بالذات جديرة بالاهتمام. إن كان لا بد من تضحية ما، كما يعتقدن، فإنها يجب أن تكون في سبيل وطنهن ومعتقداتهن وليس من أجل سيد آخر يشغل بيتهن.

في كتابه الدم والانتماء، يستخدم مايكل انغريف عبارة “سيد في بيتك” بمعنى أن تكون تتولى زمام الأمور في أمتك وبالتالي زمام نفسك. ويتساءل إن كان الكرد سيكونون أسياد بيتهم ويقول معلّقاً على ذلك” إن الافتقار إلى الوطن حالة ذهنية وهي قريبة من التشرد والافتقار إلى بيت. هذا ما يفهمه الإنسان الوطني: يمكن للإنسان أن يكون إنساناً بكل ما في الكلمة من معنى، أن يكون نفسه، عندما يكون لديه مكان خاص به. والشوق إلى ذلك أقوى بكثير من أن يوقفه (إرهاب) الدولة”[4]

أعرف أن هذا ما تشعر به نرمين وبقية رفاقها في أعماق قلوبهن. ليس هناك أي فرق بين الرجل والمرأة ولا بين الفقير والغني. إنهن جميعاً أعضاء متساوون في مجتمع من المؤمنات [بقضيتهن] إنهن يعيشن الحياة إلى أقصى حدودها ويعتنقن هوياتهن الحقيقية بحثاً عن الهدف المنشود أن يصبحن أسياداً في بيوتهن، أن يكون لديهن وطن خاص طال الوقت أم قصر.

لقد كتبت إحدى الغريلات قصيدة مؤثرة عن بيريفان، وهي إحدى الرفيقات التي استشهدت. إن هذه القصيدة تفصح، أكثر من أي شيء آخر، عن المشاعر الحقيقية لنساء PKK.

هضبة كارنفيلي

“مهداة إلى الشهيدة بيريفان من قبل غريللة وصديقة بتوقيع S.T.”

أنا غاضبة وممتعضة ومنهكة

لقد صمدتُ في وجه هذا الألم الرهيب

قلبي حامل بصرخات

كأغنية عاشق غير مرغوب فيه

القلبُ عبارة عن جسدي الصغير

الذي يزبد بحب عاصف.

ارفعي إبريق الشاي عن النار

ولفي سيجارة من علبة التبغ

أعرف إنك تدخنين تبغ موش

مثل خيوط سجادة حريرية

كم أنا أحب هذه الجبال

التي زاد من جمالها العذري

بنادقنا

هذه الجبال التي تحمينا

مثل رحم الأم

من سيوف العرب والأتراك

والفرس المسلطة على رقابنا.

قدرنا هو هذا العشق

الذي يكبل يديّ مثل بركانين توأم

فوق فوهة البندقية

رحلت تلك اليدين اللتين تشبهان يدي طفل

خصلات شعري الحريرية

كلما حاربت المرأة،

كلما أصبحت جميلة أكثر.

ربما لا تفصحين، ولكنني أعرف

أن قلمي لا يسطّر النضال

يجب على عابدين أن يضع اللمسات الأخيرة

على صور هذا النضال

الحياة واحدة، النضال واحد

ثمة طريق واحد والرفاق كلهم واحد

وأنا، بينما أقسم أن أسير على طريقك

حتى الموت، أنادي باسمك

الشهيدة بيريتان.

هضبة كارنفيلي، كردستان الجنوبية

25 تشرين الأول/اكتوبر 1992[5]

 

 

 

 

[1] اللُّمعة: النثار المعدني اللماع الملون الذي تزّين به بعض الملابس النسوية. (المترجم)

[2] بعد سنتين تزوجت أمينة وهي تعيش قلقة في السليمانية.

[3] من المهم أن نتذكر هنا أنه في الوقت الذي تسعى فيه كافة الأحزاب الكردية، باستثناء الحزب الإسلامي، إلى إعطاء المرأة دور مساو لدور الرجل في المجتمع، إلا إن المرأة ،على الصعيد العملي، لا تستطيع أن تقوم بنفس الدور الذي يقوم به الرجل إلا في قوات الغريلا التابعة لـPKK. تحاول الأحزاب الكردية في تركيا أن تشجع على المساواة بين الجنسين وأن تعالج قضايا المرأة. وثمة المئات من النساء الكرديات الناشطات في تركيا كسياسيات وصحافيات ومحاميات وطبيبات وممرضات وكاتبات ومغنيات وطالبات وعاملات داخل تلك الحركات السياسية كما ناقشناه في الفصل السابق.ويصح الشيء ذاته قليلاً في كردستان الجنوبية(العراق) والشرقية (إيران). النساء الكرديات في سوريا (كردستان الغربية) اللاتي يرغبن في النضال من أجل القضية الكردية ينضمن أيضاً إلى PKK بأعداد كبيرة حيث أن الأحزاب الكردية الأخرى لا تستطيع أن توفر فرص متساوية للمرأة في الإطار الاجتماعي الذي يبقى مسيَطراً عليه من قبل القومية العربية والإسلام.

[4] انظر الدم والانتماء، BBC/Chatto Books، لندن، 1993 ص 161.

[5] انطولوجيا الشعر الكردي المعاصر، جمعية تضامن كردستان ويشار إسماعيل، لندن، 1994 ص47-8.

المواضيع المشابهة