في امتداح هدير”الحلم” السوريِّ .. “الاختلاف وتقويض التَّطابق”

 

د. خالد حـسين

كيف يمكن تأويل “الحلم” السوري ؟

لن يُبَالِغَنَّ المرء في القول:إنَّ الانتفاضة السورية إذ تدمغُ تاريخ الفضاء الإقليمي بتوقيعها الذي يتباين عن أيِّ تواقيع أخرى؛ فإنها تنقذ التاريخ من عطالة متقصّدة مضى في صمتها زهاء نصف قرنٍ، أو لنقلْ بتعبيرٍ آخر: إنّها صدَعت وتُصدِّعُ المشهدَ بـ”حدثٍ مفصليٍّ”، لتكون أشبهَ بطيةٍ، أو علامة تـُبَاينُ “الما البعد” عن “الماقبل”؛ هذا الثراء المعنوي الذي وهبته هذه الانعطافة وَتَهَبَهُ للتاريخ؛ بل هذا التَّحدي المريع للطغيان هو الذي ميّز ويميّزُ هديرَ “حلم” السوريين عن سواه مما جرى من أحداث وأحلام للشعوب في فضائنا الإقليمي في راهن ما مرّ من زمن قريب.

ولئن حاول المرء مَفْهَمَةَ هذا الاحتشاد المعبِّر عن “حرية مفقودة” طوال أربعة عقود من استبدادٍ مفتوحٍٍ على همجيةٍ منقطعةٍ النظير؛ فإنَّ لا مفهومَ يتفوّق على “الاختلاف/Difference ” في تجسيد هذا الحراك وتأويله؛ من حيث إنَّ “الاختلافَ” شرطُ إمكانٍٍ للانتقال من التماثل إلى التغيير، ومن التشاكل إلى التباين. ولذلك؛ فإنَّ المضيَّ قدماً في التحليل سيبعدنا بالضرورة عن الحقل الاصطلاحيٍّ الاجتماعي الرّث الذي يتّخذ من الفكر الماركسي برؤيةٍ تقليديةٍ فضاءً له. وفي الوقت ذاته سيقرِّبنا من فلسفة التباين والمغايرة. ومن هنا تقودنا اللغة الجديدة إلى تضاريس دلالية تتميز بالثراء والغنى تدشّنها مقولة “الاختلاف”؛ حيث يشرف الاختلاف على دلالات: البوْن؛ التباعد؛ التباين؛ التغاير؛ التفاوت؛ الخصومة؛ الخلاف؛ الفرق؛ النزاع….إلخ. وهذه الدلالات تتكثَّف لتؤسِّس بنية “تَكْتُوْنِيَّة” تمنح الانتفاضة السورية خاصية التضاد المطلق في مواجهة عطالة التاريخ والاستقرار ــ الموات الذي مثّلته سلطة استبدادية وقوى “لاـ تاريخية” حيث تستمد هذه السلطة منها أسباب الاستمرار، وهكذا تتقدَّم في مواجهة الاختلاف دلالاتٌ مضادةٌ: الاتفاق؛ الانسجام؛ الامتثال؛ التجانس؛ التطابق؛ التشابه؛ التقارب؛…إلخ. ومن هنا تلخّص الثورة السورية صراعاً مضطرماً بين “فاعل تاريخي”  وقوى تنتسب إلى “خارج التاريخ”؛ وإذ أستخدم مصطلح “الفاعل التاريخي” فلكي أدلِّل على عجز المقاربة الماركسية التقليدية عن اصطياد “الهدير السوري” سوى أنه ينزلق إلى اصطفاف القوى الامبريالية العالمية؛ لكن أصحاب هذه المقاربات الممجوجة ـ التي تفتك بها العطالة الرؤيوية ورثاثة التحليل ـ هم أولئك الذين فاتهم أن ” الهدير السوري” يتجاوز مفهوم “الصراع الطبقي” ـ الذي غدا من نفايات الحداثة ـ إلى مفهوم “الكتلة البشرية” التي تتطلع إلى إحداث نقلةٍ مجتمعيةٍ إلي فضاء “الحرية” كعلامة على الخروج من “مضيق الأبد الأسدي” الذي حُشِرَ فيه السوريون طوال نصف قرن من حكم يستمدُّ نسغه من طائفية مقيتة وأكاذيب “الممانعة والمقاومة” التي كان الماركسيون ينتشون بها لإخفاء تلاشي قدرتهم على (الفعل السياسي)، ومن ثمَّ خياناتهم للشعب وخنوعهم للسلطة الاستبدادية. وإزاء عجز المقاربات الماركسية التقليدية عن اكتناه “الاختلاف” الذي يحرّك تضاريس الحراك السورية لم يكن أمامها سوى أن تنهار في صمت انغلاقٍ ميتافيزيقي على نفسها أو تكرار المعزوفات المشروخة التي سئمها السوريون: الامبريالية، الصهيونية، الصراع الطبقي…إلخ. أوالوقوف مع السلطة التي استباحت كينونة السوريين بالدمار والخراب والجرائم مدفوعةً بحقد يصرخ ويتعالى من دهاليز تاريخ  طائفيٍّ متعفن.

إن “التجاوز” أو “التباعد” يدفع بقوةٍ  الصفيحة التكتونية لـ”الاختلاف”؛ ذلك أنَّ الحراك السوري بوصفه “فاعلاً تاريخياً” يرمي إلى تجاوز “فضاء ـ الموات ـ الخنوع ــ الامتثال” إلى فضاء التغاير  والتباعد عما كان ويكون راهناً عبر تقويض حالة “التطابق” الذي خيَّمت على سورية وميّزت فضاءها؛ فمن أولى دروس الاستبداد الشمولي فرض التشاكل المقيت على الفضاء “السوسيو ــ الثقافي ــ الجغرافي” وجعله نسخاً متماثلة ومتشاكلة، وهذا كان شأن (الأب) ومن بعده (الابن) في تكريس التماثل الخانع والدفع بالسوريين إلى حالةٍ من “التصميت” المريع!

اندفع الحراكُ السوريُّ إلى بناء سياساتٍ جديدةٍ مذهلةٍ صبّت جميعها في استغراق المدن السورية بصوتٍ واحد، بيد أن الذُّهول والفجاءة اكتسبا مساحةً هائلةً حين رفع المتظاهرون من قيمة “المواطنة والإنسان والحرية” في ظلِّ سنواتٍ من النسيان بفعل السياسات الهمجية للسلطة الطائفية بلبوسها البعثي المقيت لكينونة (الآخر) السوري؛ ليغدو الحراكُ الفسحةَ المضيئةَ للآخر أن يتكلم، وهذا ماكان مفاجئاً حين اتفقت المدن الثائرة على الكلمة الكوردية:” Azadi = الحرية” شعاراً للمُظاهرات في أحد الجُمَع. لقد شكّلَ ذلك منعرجاً في سير اندفاع الرُّوح السُّورية ـ بلغة هيغيلية ـ نحو الحرية من حيث، هي انفتاح الكائن نحو آخره، بأعمق دلالات الاختلاف وتقويضاً للتماثل الذي غطّى بطبقةٍ ثخينةٍ من الصدأ حركة الوعي العام بشعارات منخورة وزائفة للتَسَتُّر على سياسات طائفية وعنصرية لم تفعل سوى على تأسيس الشُّروخ المجتمعية وتوسيع الصُّدوع بين أبناء البلد الواحد. ومن هنا لم يكن التنافذ والتنادي بين “الحرية”: و Azadi”  حدثاً عارضاً؛ وحتى لايأخذنَّ هذا التفاعل مداه الأقصى سَتُفَعِّلُ دهاقنة السُّلطة وريقة مخفية في أدراجها القديمة عبر استقدام كائناتٍ مسعورة من فِجاج جبال “قنديل”؛ كائنات لم تصدّق  كيف تخدم النَّظام الطائفي لتعطيل مسار التاريخ؛ لتخلط الأوراق وتحدَّ من هدير الحلم السُّوري في فضاءات شمال سورية وشرقها. وعلى هذا الغِرار ستفِّعلُ الطغمة الحاكمة وريقاتها الخارجية المتمثلة بمقاتلين ـ  وبفائض حاقدٍ ـ  من لبنان والعراق وأفغانستان شرعوا يثأرون للحسين من الأطفال السوريين (يبرود مثلاً)، ثم ستطلق “دوائر المخابرات” لدى الطغمة كائنات غريبة تتغذى على عفن العصور الماضية، تعيث الرُّعب والفزع في المدن والبلدات لتحارب عنها قوى الثورة؛ فتزيد من أوجاع السوريين أكثر، فأكثر.

إنَّ توجَّهات “الاختلاف” التي تضرب بقوةٍ في سياسات الحراك لم تكن متوقَّعة البتة؛ ولذلك حينما أُدركت تلك السياسات جُوبهت بقوةٍ عنيفة أداةً وخطاباً؛ ليس من السُّلطة بالمعنى الألتوسيري فحسب وإنما من الفضاءات السوسيو ــ ثقافية التي يجد فيها النَّظام جذوره ورسوخه وامتدادته؛ولذلك جرى اجتثاث أيِّ معارضة واقعية و/أو محتملة في هذا الفضاءات الموالية بدايةً بالسجن أو التخوين أو التصميت، ولم يبقَ سوى صوت واحد:الأسد أو نحرق البلد، الأسد أو لا أحد،…إلخ. ومن هنا؛ فإدراك سياسات الحراك كانت تعني أن يُعَاد ترتيب “العالم” من جديد في سوريا، بحيث يعود “الكائن” إلى حجمهِ الاعتيادي؛ وهذا ماغدا مرفوضاً في منطقٍ بيئةٍ تجد في كينونتها والنظام تطابقاً، وإئتلافاً، وتشاكلاً تامَّاً.

إن هذه الفضاءات التي أتاح لها النظامُ الخروجَ من الذات والعتمة والجغرافيا المغلقة ومن ثمَّ اغتصاب المشهد في مناحيه الاقتصادية والثقافية والاجتماعية طوال أربعين عاماً؛ لذلك كان من الاستحالة بمكان لهذه الفضاءات أن تَتَبنَّى سياسات الحراك وتفكَّ حالة تماثلها مع النَّظام إلا في حالاتٍ فرديةٍ محدودة. وبناء على ذلك يتموضع شرخ حادٌّ أو مواجهةٌ بين وعي اختلافي وآخر تماثُلي يجد في النظام تمثيلاً حقيقياً لهويته. وطالما أن التطابق الهوياتي يجمع بين بنيتي النظام وهذه الفضاءات؛ كان من السهولة بمكانٍ أن يندفع مثقفو هذه الفضاءات( وباستثناءات فردية أيضاً!!!) على مختلف مشاربهم الأيديولوجية في تأسيس خطابٍ بمواجهة سياسات الحراك. وربما، هنا، تبرز “الحملة المسعورة” لأدونيس في مناهضة هدير “الحلم” السوري ولسياسات الانتفاضة بخطابٍ يتغذّى من هيولى قاّرة في “منظومة أفكار” قادته يوماً ما إلى امتداح “همجية” الخميني بوصفها “ثورة”؛ لذا من المنطقي أن يتستَّر على جرائم حلفاء الخميني وشناعتهم بخطاب تبريري، استهزائي من شعب هُجِّرَ ويُهجّر من بلده بفعل آلة الموت من طائراتٍ وبراميل وصواريخ عابرة للقارات.

عَرَّى الحراكُ السُّوريُّ  البُعْدَ”اللا ـ إنسانيَّ” الذي يضرب بقوةٍ في جذور النّظام ويمنحه هويته المحضة من حيث  هو حثالةٌ من قمامةِ المجتمع السوري وزبالاتِه ومهملاتِه ـ باستعمال أفهومات سلافوي جيجك ـ أي “الفائض ـ الدَّاشر، الرافض لكلِّ منظومةٍ مجتمعيةٍ وأخلاقيةٍ:(لن نطلبَ الرحمةَ من أحدٍ لأننا لن نرحمَ أحداً)؛ هكذا كانت كائنات “التشبيح الأسدي” تخطُّ هذه العلامات على جدران المدن المستباحة، لقد كان”اللاـ إنسانيُّ” ـ في الواقع ـ  رهنَ  التفعيل أبداً حينما يشعر الدكتاتور ـ أباً وابناً ــ بأي خطر. ومع مجريات الانتفاضة سيوسّع القابضون على شؤون” الحقد” في أجهزة النظام من أمداء ” اللإنساني” الذي يمثّل الرأسمالي الرمزي العتيد له؛ فعلاوة على التدمير والقتل المريع والتعذيب الممنهج في السجون والاغتصاب سيلجأ النظام إلى أخسِّ سلاحٍ يعكسُ  “اللا ـ إنساني” في فلسفة القتل لديه وذلك عبر “تجويع” الفضاءات الثائرة وآخرها “مضايا”. وإزاء التَّحدي المدهش الذي أظهره “الحلم السوري” صوب الحرية، لم يبق أمام الدكتاتور سوى الاستغاثة بقوة إقليمية تنهض من صدوع التاريخ الطائفي الأعمى لإعادة ظلال امبراطورية لفظها تاريخ المنطقة أو قوة عالمية تنطلق في أصلها وفصلها من “اللإنساني” لتستعيد مجداً زائفاً في يومٍ ما، لكنها قوى  تتحد جميعاً لوأد “الاختلاف” وكبح “هدير الحرية” لتأسيس مسار جديد للتاريخ في سورية.