مشهد يوضح بعض الرجال يقفون في السينما وهي محروقة بالكامل.

كانت المدينة كلها تعيش أجواء إسبوع فعاليات دعم ثورة الجزائر والتبرع السنوي الذي لم يستثني أحدا بحسب إرادة مدير الناحية والمباحث. مثل الكثيرين من زملائي في ذلك المساء كنت أدخل لأول مرة دارا للسينما في حياتي وذلك لأسباب مختلفة منها ضيق ذات يد الأهل أو صغر العمر أو تجنبا لفساد الأخلاق والعادات أو..، ولم تكن لدي فكرة عن تضاريس صالة سينما الشهرزاد سواء من الداخل أو من الخارج. و مثل الكثيرين من التلاميذ كنت متلهفا لفكرة الذهاب إلى السينما من ناحية وأعيش كابوس تأمين الريع الإجباري للحفلة من ناحية أخرى. وكما في كل خريف كانت عامودا بأغلبية سكانها تعاني من تأمين نفقات تدريس أطفالها من شراء الكتب والمواد القرطاسية ونفقات “صندوق التوفير” والكساء اللازم لإتقاء الأمراض المختلفة والشتوية منها بشكل خاص.

كان كل شيئ في عامودا كما في مختلف المناطق الكردية ينم على الحرمان وتدني الخدمات وإهمال البنية التحتية والتمييز في الوظائف والتعريب القسري والإستعلاء القومي ويزرع الوعي العروبي في براءة أطفالها كخيار أوحد.  كان أغلب المعلمين والموظفين السوريين قبل الوحدة واثناءها في سلك التعليم أو غيره في المناطق الكردية مختارين من المضمونين قوميا ومن الشوفينيين العرب مثل البعثيين أو من القوميين السوريين أو من جماعة الإخوان المسلمين وقليلا من الشيوعيين من الداخل. فمنهم من كان في مهمة قومية ومنهم من كان غير مرغوب فيه في المراكز الهامة للدولة ولكن يجمعهم جميعا محاربة الهوية القومية الكردية والترويج للوطنية السورية و أفكار القومية العربية أو الإسلامية أو الأممية. كانت المناطق الكردية بمثابة الجبهة الأمامية لهؤلاء يخوضون فيها حربا مقدسة في سبيل تحقيق الدولة العربية الواحدة علما ولغة وقومية، وكان الكل يتبارز في أنفلة الغنيمة ويزاود على حصاد التعريب وتشريد الإنسان والمكان من هويته وإسمه وأرضه فيها. ومما كان يزيد من هيستيرية هؤلاء ويخرجهم عن طورهم الإنساني عجزهم عن تفسير إزدواجية الدفاع عن نتائج  إتفاقية سايكس ـ بيكو فيما يتعلق بالكرد ومحاربتها فيما يتعلق منها بالعرب، عجزهم عن تفسير شعارهم “الأرض تتكلم عربي” بينما يؤكد كل ما هو فوقها وما هو تحتها من بشر وحجر عكس لك، كانوا يشيدون بصلاح الدين الأيوبي بطلا لحطين ولكنهم يتنكرون كرديته، كانوا يعترفون بفيسفساء المجتمع السوري تاريخيا وثقافيا ولغويا وأثنيا وطائفيا ولكنهم يريدون تذويبها في طاحونة العروبة فقط وبأسرع وقت.  كانت عامودا بفقرها وطينها وبساطة جغرافيتها تشكل السهل الممتنع في غزوهم الشوفيني ذاك. وكالنقش في الحجر أتذكر معاملة المعلمين مع التلاميذ الكرد،  كان واحدهم يختلق الذرائع لمعاقبة الأطفال الحفاة الجياع الأبرياء جسديا ومعنويا بحقد واضح وبدون أيما سبب مباشر. كان يتصرف بعضهم وكأنهم يتصارعون مع الأطفال المذهولين الذين كانوا لايجيدون العربية وبدون أدنى مراعاة لقواعد التربية أو الأخلاق أو الرحمة، كانوا يضربونهم للتلذذ ولإحداث الأذى الجسدي والنفسي لدى المتلقي والمشاهد في آن. واقسى عقوبة أتذكرها كانت بسبب التحدث بالكردية في باحة المدرسة ولم أنجو منها بنفسي وحتى المرحلة الإعدادية..

لم تعد عامودا (موسكو الحمراء) حيث كانت الأزقة تمتلئ بالمناقشات وتصبح شوارعها مسرحا للمظاهرات والتصادمات بين الشيوعيين والإخوان المسلمين قبل الوحدة مع مصر. كل شيئ فيها تغير، ساد الخوف والشك والسرية وإحتل الدفاع المدني والإتحاد القومي المكان، وأصبحت أخبار ثورة الجزائر و وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر وحلفي بغداد والناتو وتآمرالإستعمار والإمبريالية والصهيونية وعملائها من الإقطاع والرجعيين ضد الأمة العربية وطليعتها الجمهورية العربية المتحدة بزعامة جمال عبدالناصر، وثورة تموز في العراق وعودة الزعيم مصطفى البرزاني إلى عراق يتقاسمه الكرد والعرب حديث الشارع في عامودا. كنا  نساق إلى المسيرات المدرسية ونجوب الشوارع برفقة الموسيقى الحماسية التي كانت تعزفها فرق الكشافة في المناسبات العديدة وننشد لبلاد العرب أوطاني ونهتف للحياد الإيجابي ونسقط الزعيم عبدالكريم قاسم والطابور الخامس والإقطاعيين والإنفصاليين. لقد إستجاب البعض لسياسة فرق تسد وشراء الزمم وسعى الكثيرون إلى إثبات إخلاصهم العروبي بالإساءة إلى الكردي والوشاية به فتغيرت هرمونية عامودا إلى كردي عميل وخاتوني شوفيني عربي ومسيحي وطني، وتلبدت الأجواء بإنتشار أخبار إعتقال قيادة وكوادر حزب ديمقراطي كردستاني ـ سوريا وقصص تعذيب القوميين الكرد والشيوعيين في السجون التي كانت المزة رمزها الأول. بالإضافة إلى عدوانية الشرطة والدرك والهجانة والمكتب الثاني والمباحث وهمجية رموزها حكمت ميني ومحمد رجب وغيرهما.

كانت محافظة الجزيرة تدار من قبل عناصر أثبتتها الأيام غلاة شوفينيين أمثال محمد طلب هلال ومنذر الموصلي وسعيد السيد وعلاوي السطم وغيرهم ممن سنوا قوانونين خاصة بهم، لارحمة فيها على كل ما هو كردي، وكل موظف مزود بصلاحيات مطلقة في التعامل الكردي وإستباحته. كانوا قد قضوا حكمهم على عامودا بوضعوها في فوهة المدفع وقرروا تجريدها من هويتها أو تدبير أمر إغتيالها أولا وبأي شكل كان لتصبح عبرة للمناطق الأخرى وتنتصر العروبة. كانت عامودا ـ القرية المنبسطة ببيوتها الطينية على سهل ماردين المفتوح من الجهات الأربعة معرضة لحصار شديد وتنتظر قدرها غافلة عما كان يخطط لها من زلزال في الرؤس المريضة المتربصة بها.

كانت الحفلة المسائية التي حضرتها هي الثالثة التي أمر بها مدير الناحية أصحاب السينما على إستقبال التلاميذ بعد ظهر ذلك اليوم المصادف لـ 13ـ11ـ1960، ولما كانت هي الأخيرة فقد حشر في الصالة ضعف ما كانت تستوعبه من التلاميذ. وبما أنني حضرت متأخرا ولبيت طلب حارس الباب بجلب الماء له من المنزل المجاور فقد وجدت نفسي في اللوج دون أن أدري. وبعد إنقضاء أكثر من نصف الفيلم ـ جريمة نصف الليل، تعتمت الشاشة فجاة وشعرت بحرارة النار التي كانت قد إندلعت في غرفة المحرك وإستولت على المدخل الذي كنت قد صعدت من خلاله إلى اللوج. وبسرعة عجيبة إستولى اللهب على الجدران الملبسة بقماش كثيف مصبوغ لينتشر حتى شاشة العرض وينتقل إلى الكراسي والسقف ويملأ فضاء الصالة بدخان خانق كثيف .

فهاجت الصالة وماجت  بمن فيها طلبا للنجاة، وبإنكسار سياج اللوج وجدت نفسي في القاعة دون أن أعرف إلى أين. تبين أن الصالة كانت تفتقد النوافذ و أن لامخرج إلا عبر بابين ضيقين فقط وأنهما كانا مغلقان بتكدس الأطفال المتزاحمين والمتدافعين. بعد عدة سقطات ومحاولات فاشلة وجدت مجالا لتسلق الأجساد المتراكمة خلف الباب الجنوبي والتحشر عبر الفتحة المتوفرة أعلاه فجأة لأسقط في وحل البئر الموجود في الخارج ومن ثم الهروب إلى الشارع.

كانت النيران قد لحقت لتحول داخل الصالة حينها إلى أتون من لهب وكان ثمة شرطي أمام الباب الشمالي يمنع الناس اليائسين من الدخول، ويحاول بعض الأهالي إزالة الكربيج المغلق به الشبابيك لإحداث فتحة ما في الجدران لإخراج الدخان الخانق بينما كان الشهيد محمد الدقوري يحاول سحب ما أمكن من الأطفال عبر الباب الجنوبي. وطالما أن لامحل لسيارات الإطفاء أو الإسعاف في إعراب عامودا وتدبير أمور السلامة فيها فقد كان النار ذلك المساء يقوم بما أوكل إليه من أمر كان مقضيا أمام الأنظار المصدومة على سجيته وبدون أي تدخل.

لقد إلتوت القضبان الحديدية الحاملة لسقف الدار تحت تاثير الحرارة بسرعة ولم يمضي الكثير حتى إنفجر دخان أسود  كثيف إذانا بإنهيار السقف على من فيه من الأموات و الأحياء وكذلك إبن عامودا البار محمد سعيد أغا. إرتفع عويل وصراخ الأهل لهول ما يحدث أمام أنظارهم لفلذات أكبادهم ، وأنتشل بعض الموتى وأسرع من كان يملك وسيلة بحمل جرحاهم إلى قامشلو بينما إزداد عدد الأجساد المتفحمة المنتشرة على الشارع  تباعا، إذ لم يكن ثمة مستوصف في عامودا، وإمتلأت أجواء المدينة بريحة الجسد الآدمي المحترق لأيام متتالية. من لم يعثر على فقيده بين ركام دار السينما أحيل إلى المسجد الكبير حيث نقلت إليه ما تبقى من أشلاء الضحايا المجهولة الهوية بالشاحنات والعربات، لعل الأهل يتعرف على علامة في أجساد أطفالهم  أو يتذكر قطعة متبقية من لباسهم أو حذائهم. ورغم ذلك كان من الصعوبة بمكان التعرف على الجميع وتم دفن العديد في مقبرة جماعية.

بدت عامودا التي نعتها جكرخوين بعروسة الوطن، وكإنها وإنكسرت في معركة مباغتة وغير متكافئة وتحولت المدينة كلها إلى ماتم كبير تحت خيمة عزائها السماء المرصعة بنجوم أطفالها،  وبدأت مقبرة شرمولا في الإتساع بسرعة من كل الجهات. لقد كان هذا الحريق أكبر من “طوشا عامودى” التي أحدثها قصف الطيران الفرنسي في عام 1937 .  فقدت عامودا هذه المرة جيلا كاملا من أبنائها في ليلة واحدة ولكنها سجلت على فاعل مجهول هذه المرة.

لقد سبق وأن أتهمت عامودا بالكردايتي وبالشيوعية وهددت مرارا بتحمل عواقب نشاطاتها فأهملت قصدا وبتحد مكشوف من حيث الخدمات الصحية والمعاشية والبنية التحتية والكهاريس والنوادي الرياضية أو الحدائق أو التشجير  وحصرت إقتصاديا وثقافيا وحربت سياسيا وأمنيا بالقمع والتمييز. كانت عامودا تعاني من حصار إستثنائي محكم هدفه تحويلها إلى بيئة غير صالحة للعيش الكريم وإجبار الكرد على الهجرة منها. لم يكن ثمة مؤسسات إنمائية إنتاجية أو مهنية فنية تعليمية في المدينة وضواحيها وكان كل الموظفين في دوائر الدولة غرباء. كان مدير ناحيتها يردد: لتعلموا عامودا دولة بذاتها وأنا حاكمها. ومع ذلك إستمر أهالي عمودا على التساؤل همسا: لماذا لم يستجيب مدير الناحية يومها لتحذيرات المشرفين على محرك تشغيل السينما من مغبة تسخينه وإصراره على متابعة الحفلات الثلاثة في نفس المساء، بل أخرج ولديه من دار السينما قبل بدء الحريق ولماذا أجبر الأطفال على الذهاب إلى السينما طالما أن ريعها لم يكن يشكل شيئا بالمقارنة مع التبرعات السخية التي جمعها مسبقا من أهالي البلدة. إعترف مالك السينما بزيارة عنصرين بإسم المباحث دار السينما في غياب مسؤول تشغيل المحرك قبل الحفلة لماذا. قيام الشرطة بمنع الناس من محاولات الإنقاذ وإقتصرت الضحايا على الكرد حصرا و حرمت عوائلهم من أية معالجة أو مساعدة نفسية أوتعويضات مالية أوحتى التبرعات التي أرسلت لها عن طريق الدولة أخفيت بالكامل لماذا.

بعد ذلك تعددت مثل هذه الحوادث المشابهة التي أبتلت بها عامودا وتكاثرت لتتعدى حدود القضاء والقدر. فإلى جانب الإحصاء الإستثنائي عام 1962 الذي شمل الجزيرة كلها وكانت حصة عامودا منها كبيرة، فقد حرمت المدينة من فتح مدرسة إعدادية مما أفقدت الكثير من الفقراء إمكانية تكملة دراستهم. كتبت شعارات إستفزازية مرات عديدة على جدران المدرسة الإعدادية الوحيدة التي فتحت لاحقا وإتهم الطلبة الكرد بها ليعتقلوا ويعذبوا بقسوة ويحرموا من الإمتحانات التي كانت يتوقف عليها مستقبلهم،.

أخفت الدولة نتائج التحقيق الرسمي لحريق السينما حتى الآن وكإنها من الأسرار الخطيرة للدولة، ومنع الأهل من القيام بالتحري بأنفسهم أو حتى التحدث في الأمر، ووفرضت حظرا مطبقا على إحياء ذكرى الحريق في السنوات اللاحقة وحتى الآن. ورغم التعتيم التام الذي فرضته السلطات على الحادث ورغم التمثيلية الفاشلة التي أخرجتها تفسيرا لم حدث، فإن الشعب بقي على قناعاته ولايزال مصرا على مطالبته بتحقيق نزيه تقطع الشك باليقين. ويقينا لو تم ذلك في حينها لما تجرأت العقلية الشوفينية على متابعة تنفيذ برنامج البعثي محمد طلب هلال عام 1963 القاضي بإنهاء الوجود الكردي في سوريا ثقافيا وقوميا وديمغرافيا بل جسديا إذا إقتضى الأمر حتى الآن. ولو دافع الكرد عن أنفسهم موحدين لما كان تجريد 400 ألف من الجنسية ومن حق المواطنة منذ عام 1962 ، ولو أحس البعث بالكرد أسدا لما تجرأ من الإستهتار بعرينه ومصادرة أملاكه عام 1966 وبناء المستوطنات فيه عام 1973 وتطويق الجزيرة بالحزام العربي، والتمادي في تعريب أسمائه ومعالمه وتحويل مناطقه إلى حالة حدودية ضمن حالة الطوارئ بموجب المرسوم 49 وتشريد الكرد بالتجويع وسياسة التطهير العرقي. ولو كشف عن مسببي جينوسايد عام 1960 لما أعيد سيناريو الإرهاب في ملعب قامشلو عام 2004 والقتل الجماعي خارجه أو عذب الكرد حتى الموت في السجون، ولما  أغتيل معشوق الخزنوي عام 2005 في وضح النهار أوأحرق الكرد في سجن الحسكة و أعدم أخوة لهم  بجريرتها، أو بدأ مسلسل إعدام المجندين الكرد المستمر وقمع النشطاء الكرد وإعتقالهم . أسئلة كثيرة تنتظر الجواب إلى أن يتم التحقيق فيها بشكل نزيه لينال المجرمون حكمهم مهما تقادم به الزمن.

نعم كانوا اطفالا أبرياء ولازالوا طيور الجنة في ذاكرة أهلهم إلا إنهم قضيوا لكرديتهم ويشكلون تأريخنا الواجب علينا صيانته لتتمكن الأجيال القادمة من صيانة هويتها والتعرف على مستقبلها والزود عن حقها في حياة كريمة.

ستوكهولم

المقال منشور سابقاً في موقع روجافا