فصل من كتاب الكرد في منطقة الباب وأطرافها

“دراسة اقتصادية اجتماعية سياسية”*

اعداد وتأليف علي مسلم

                  

 مناطق شمال حلب

الواقع الديموغرافي قبل الحرب العالمية الأولى :

بالرغم من صعوبة تحديد خارطة ديموغرافية دقيقة لتلك المناطق سيما من جانب تقدير  نسبة وتعداد المكونات التي كانت سائدة قبل الحرب العالمية الاولى , كون تلك المناطق كانت قد تعرضت في الحقب الماضية  إلى العديد من التجاذبات السياسية  والحروب البينية والمعارك المحلية  ونتج عنها هجرات  كيفية وقسرية عديدة أثرت بشكل مباشر على تجانس وقوام قاطني تلك المناطق كثورة جانبولات عام 1607 في ولاية حلب وثورة تيمور باشا في الرقة عام 1790 وتمرد بيراجيك عام 1831  يضاف الى ذلك اجراءات تعسفية مارستها السلطات العثمانية في مراحل سلطتها الاخيرة  وكان لها الاثر البالغ في تأرجح قوام المكونات التي سكنت تلك المناطق ومن ابرز العوامل التي أثرت على تغيير الواقع الديموغرافي هي :

  • التهجير القسري :  عمدت السلطات العثمانية  في القرون  الأخيرة من حكمها على  اللعب ما أمكن بالتركيبة الديموغرافية  لتلك المناطق وذلك  لغايات سياسية استراتيجية , حيث كان العنصر الكردي هو السائد على مرّ التاريخ  حسب العديد من الوثائق التي تناولت ذلك خصوصاً الوثائق العثمانية وبعض الوثائق الغربية  يقول الدكتور محمد علي الصويركي في بحثه الكرد في ولاية حلب بين الماضي والحاضر ” لقد فُهم من (التنظيمات المالية العثمانية) لبلاد الشام في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، أن الكُرد  وجدوا في ولاية حلب كقبائل، لكل قبيلة زعيمها الذي يسمى (البيك)، وكانت تدفع له الرسوم والضرائب والغرامات المفروضة على هذه القبائل، سواء فيها المستقر أو المنتقل.

وبالنسبة للوثائق الشرعية، فقد ذكر (الكُرد ) في ريف ولاية حلب (كطوائف) مثلما ذكرت البدو والتركمان، وقد جرى الاطلاع على (221) وثيقة تخص (أكراد  الريف)، ذكر ضمنها 37 سبع وثلاثون طائفة كردية موجودة في ريف الولاية.. وذكر معها قضايا هذه الطوائف ( بيع وشراء الكروم، ديون دفع الرسوم، طلاق، تربية الحيوانات، علاقات بعضهم مع بعض، ومع التركمان والبدو، ومع السلطة الحاكمة، ومكان تواجدهم في قضاء كلس (مركز القضاء، ناحية الجومة، عزاز)، وفي بعض قرى ناحية جبل سمعان، وفي ناحية العمق… وفي بعض المناطق خارج ولاية حلب “.

كما يذكر الأستاذ  أحمد وصفي زكريا في كتابه (جولة أثرية  في بعض الأنحاء الشامية ) سنة 1934 في الصفحة 133 ” والكُرد  يكثر وجودهم في شمال بلاد الشام على مقربة من الحدود التركية الحالية والأقضية في الشمال الشرقي من لواء الجزيرة الفراتية كالذين يعيشون في شمال نهر عفرين في جبل يسمى جبل الكرد ( كرد داغ ) والذين في حرة اللجة شمالي العمق وفي أقضية الباب وأعزاز وجرابلس ” وكل هؤلاء أكراد  أقحاح لم تتصل العربية إليهم في شيء.

فقد عمدت الإدارة  العثمانية  إلى ترحيل قبائل كردية عديدة  من تلك المواقع إلى مناطق بعيدة  في عمق ولاية الرقة وسهول  حران القاحلة   بحجة امتناعهم عن دفع الضرائب الأميرية للباب العالي تارة  وقيامهم بأعمال  النهب والسلب على الطرق والممرات التجارية  تارة أخرى  , وجلبوا بدلاً عنهم قبائل أخرى من أقاصي الصحراء بحجة تأمين ملاذ معيشي آمن لهم .

و الوثيقة العثمانية ذات الرقم14 من المجلد 682 رمز الخزانة C..DH تاريخ 1763 م تتحدث عن النقل القسري لبعض الكرد من مواطنهم إلى ولاية الرقة بفعل ” أعمالهم السيئة ”:

وقد طالت هذه الممارسات المكونات غير الكردية أيضاً , يقول الكاتب الالماني ستيفان فينتر في كتابه ”  أكراد  سورية في مرآة مصادر الأرشيف العثماني خلال القرن 18 للميلاد ” – حسب موقع مدارات كرد :

“تميزت سياسة الإصلاح  للحكومة العثمانية في القرن 18 بمراقبتها الشديدة ومطاردتها ليس للقبائل الكردية فقط وإنما لكامل القبائل التركمانية والعربية أيضاً ، وكان التوطين (الإسكان ) الدائم للقبائل، وكذلك الذين خدموا سابقاً في الجيش، في المناطق القاحلة مثل حران والرقة من ضمن مخططات الإصلاح ، وكان الغرض من ذلك هو حماية العمال والفلاحين وكذلك لأهداف اقتصادية وسياسية , بحيث يوسع هؤلاء من مساحة الأراضي الزراعية.”

ناهيك عن مظاهر من الترحيل القسري  والمتعمد والتي كانت تلجا اليها السلطات العثمانية في القرون الأخيرة من مراحل حكمها خصوصاً بحق الكرد لأسباب ربما كانت  سياسية ولها شديد العلاقة  بالانتفاضات  الكردية المسلحة وحالات التمرد المتكررة , والتي كان يقوم بها الكرد  بين الفينة  والأخرى في عمق الأراضي الكردستانية , مثل انتفاضة بدليس عام 1834م  بقيادة شرف خان البدليسي وانتفاضة  عام 1853 – 1856 م بقيادة يزدان شير في مناطق حكاري وبوتان والتي لقيت تأييداً واسعاً من كل فئات الشعب الكردي وفي كل مناطق تواجده, وكذلك  ثورة عبيد الله نَهْري عام 1880 م أثناء انشغال الدولة العثمانية بحربها مع روسيا , وهذا باعتقادي ما دفعت السلطات العثمانية للقيام بترحيل قبائل كردية كاملة  من مناطقهم الأصلية  إلى مناطق نائية وبعيدة بغية التخلص من خطرهم  والمجيء بقبائل غير كردية للإقامة والسكن مكانهم  كما انه   تم استقدام قبائل عربية من أماكن أخرى لكسر شوكة  الكرد ( العنزة  مثلاً ….) , وهذا بقناعتي كان له الدور الحاسم  في تغيير التركيب الديموغرافي لبعض أجزاء مناطق الشمال السوري نسبياً ,وكان المبرر الموضوعي لوجود جيوب جغرافية غير متجانسة  وسط  بيئة اتسمت بغالبية تاريخية كردية , وما يثبت صحة هذا التحليل هو وجود  قيود الملكية لدى الكرد في تلك المناطق وفقدانها لدى المكونات الأخرى خصوصاً القبائل ذات الأصول العربية التي سكنت المنطقة حديثاً وكذلك الأمر بالنسبة للقبائل التركمانية التي تقيم في قرى ما زال ملكيتها تعود للدولة ( أملاك دولة ) .

  • الهجرات ذات الطابع الكيفي :  بالنظر إلى طبيعة التكوين الاجتماعي والمكونات الاجتماعية المتعايشة فيما بينها في مناطق شمال حلب , نلاحظ أنها تتكون في أساسها  من الكرد والعرب والتركمان , وقد وفدت معظم العشائر العربية إلى تلك المناطق مؤخراً على  شكل قبائل راحلة  نصف متحضرة  استفادت من المرحلة العثمانية في حرية التنقل والترحال من منطقة إلى أخرى , حيث لم يكن هناك ثمة قيود على ترحالهم وتنقلاتهم طالما كانت ضمن حدود الخلافة  وغالباً ما كانت تنقلاتهم موسمية , حيث إنهم كانوا يتنقلون على شكل قبائل راحلة  يبحثون على الدوام عن أماكن فسيحة وعامرة لرعي مواشيهم خصوصاً في سنين القحط ، فهم كانوا يعتمدون في معيشتهم على تربية المواشي بأنواعها خصوصاً القبائل العربية التي كانت مستوطنة  أساساً بالقرب من بادية الشام الوسطى في حماة وحمص وذلك بسبب وسعة الأراضي المتاحة للرعي هناك , لكن شح الأمطار وانحسارها في بعض السنوات  كانت تدفعهم  للبحث عن مراع  وأماكن  بديلة  وواسعة ومصادر مائية دائمة  , ومن المرجح أن قسماً منهم قد استوطن في تلك المناطق على شكل قبائل ومجموعات متناثرة انتشرت بالقرب من مصادر المياه على ضفاف  نهر الفرات وكذلك بالقرب من نهر قويق شمال حلب وبقوا لفترة زمنية طويلة يعملون على تربية الماشية  , وهذا ما يفسر قلة أفراد هذه العشائر بالمقارنة مع العشائر الكردية التي تتميز بكثرة أعداد أفرادها وارتباطهم بأقرانهم في الجانب التركي من الحدود وامتلاكهم الواسع لقرى ومزارع هناك , مما يؤكد أن الكرد هم  من السكان الأصليين للمنطقة .

3 –  تشريع الاستيلاء وبداية توسيع الاقطاعات

كانت معظم الأراضي الزراعية في عهد الدولة العثمانية تعتبر إما ملكًا للإقطاع وإما ملكًا للسلطان وبشكل أقل أهمية ملكًا للأوقاف؛ وقد أهملت مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة بسبب عدم اهتمام الجهات المالكة لها باستثمارها بسبب زيادة حجم الضرائب وتنوعها ، فتحولت لأراض بور، وخلال القرن الثامن عشر ضعف الاهتمام بالريف فانخفض عدد القرى في تلك المناطق  المأهولة من 3200 قرية إلى 400 عام 1785,  ولا شكّ أن انعدام الأمن وهجمات قطاع الطرق لعبت دورًا في ذلك .

يقول الأستاذ   فؤاد طارق كاظم العميدي الأستاذ  في جامعة بابل:

تبنت الدولة العثمانية النظام الزراعي منذ فترة مبكرة من قيامها ، ولئن اختلف المؤرخون حول أصول النظام الإقطاعي وطبيعته فإن هناك إجماعاً بينهم على أن من أبرز نتائج هذا النظام ظهور طبقة جديدة ارتبطت بالحكام العثمانيين سهلت عليهم احتلالهم وبقاءهم مدة طويلة .

لقد كان الفرسان الإقطاعيون في بادئ الأمر يعيشون في إقطاعتهم ويتصرفون بأعشار الأرض الممنوحة لهم إلا أن هذا الأسلوب سرعان ما عانى من التدهور ، فصار الوزراء وندماء السلطان والمقربون منه يغتصبون القرى ويوزعونها على أتباعهم ، كما شاعت طريقة وقف الأراضي الأميرية ، منذ عهد السلطان سليمان القانوني ، مما سبب نقص التيمارات ( التيمار هو نظام إقطاعي لملكية الأرض أدخله العثمانيون ليحل محل الإقطاع العسكري ) والزعامات (هي مساحة من الأرض يتسلمها ما يسمى بالزعيم من الدولة  ) وانقراض أصحابها ، وثمة عوامل أخرى كانت سببا في تدهور الأسلوب الإقطاعي يتعلق بعضها بطبيعة هذا الأسلوب ويتعلق البعض الاخر بمحاولات الدولة زيادة إيراداتها من الضرائب ، ففي المسألة الأولى قضت طبيعة هذا الاسلوب بقاء الفرسان دائما لتحصيل الضرائب والرسوم من الفلاحين والحفاظ على الأمن باعتبارهم سادة الريق ، وهكذا فإن قيام الحرب يعني تهديد النظام في الدولة العثمانية بسبب استنفار الفرسان للقتال في الجهات المختلفة ، وفي المسألة الثانية محاولة رستم باشا الصدر الأعظم في عهد السلطان سليمان القانوني إدخال أصول الالتزام بدعوى زيادة أموال الدولة ، كما أن مقاضاة الملتزمين الجدد بدفع ريع الأراضي التابعة للسلطان ” خواصي همايون ” أدت بالضرورة إلى خراب هذه الأراضي لأن هؤلاء الملتزمين كانوا يستغلون الفلاحين لتأمين منافعهم باستحصالهم الأموال التي دفعوها وبتحقيق ربح خاص لأنفسهم لذلك نلاحظ أن الالتزام أدى إلى تدهور الريف وهجرة الفلاحين إلى المدن فرارا من قسوة الملتزمين فتدهورت الزراعة وعم الاضطراب البلاد ولم يحاول الولاة العثمانيون تطوير الأساليب الزراعية وتنظيم الري إلا في القرن التاسع عشر .

_________________________________________________

يتضمن الكتاب 27 باباً و336 صفحة من الحجم الوسط تحت الطبع