مارتن فان برونسين [1]

إهداء إلى الصديق جان دوست الذي قضى سنوات من عمره في شرح مم وزين (راج)

قبل أكثر من 300 عام من الآن، أكمل الشاعر والعالم الإسلامي الكردي أحمدي خاني تحفته الأدبية (مم وزين) والتي بات القوميون الكرد يعتبرونها ملحمتهم القومية. مم وزين في إحدى مستوياتها قصة حب تراجيدية على شاكلة الكلاسيكيات الشرق أوسطية مثل كليلة ودمنة، وخسرو وشيرين ويوسف وزليخا وفي الحقيقة يبدو أن خاني صاغ عمله على شاكلة يوسف وزليخة التي نظمها الشاعر الفارسي الكبيرة نظامي كنجوي. على المستوى الآخر، فإن قصة الحب هذه عبارة عن حكاية رمزية يريد الكاتب من خلالها أن يوصل رسالة صوفية؛ إذ أن مقاطع معينة من العمل في الواقع تعبر بوضوح عن آراء خاني الصوفية[2]. ويدين العمل بشهرته بين الأكراد في القرن العشرين إلى مستوى آخر موجود بوضوح ألا وهو أنه يمكن قراءته كتعبير قوي ليس فقط كاعتزاز بالهوية القومية الكردية بل كرغبة صريحة في دولة كردية. لم يكتب خاني عمله بالفارسية، التي كانت في حينه اللغة الأنسب للتعبير الأدبي الراقي، بل كتبه باللغة الكردية. لقد استهل العمل بالتحسر على تبعية الكرد للدول المجاورة، وعلى غياب الوحدة بينهم ورغبته في بروز الملك الكردي الذي سيتمكن من توحيد شعبه ويُجبر محتليه على الخضوع. لأسباب مفهومة، وجد الكثير من الأكراد في العشرين مشاعرهم في أبيات خاني واستنتجوا أن الشعور القومي لديهم له جذور تاريخية تعود إلى أيام خاني على أقل تقدير. تم إظهار خاني كشخص قومي حتى تستطيع القومية الكردية الزعم بامتلاك تاريخ يمتد ثلاثة قرون من النضال القومي[3]

 

هل كان أحمدي خاني قومياً كردياً وهل كان يريد دولة كردية؟

ثمة أسباب جيدة بالطبع لاعتبار أحمدي خاني رائداً للقومية الكردية – وسوف أظهر فيما سيأتي كيف أن أعماله، ولا سيما مم وزين، قد لعبت دوراً هاماً في مراحل هامة من [عمر] الحركة القومية الكردية. ولكن، هل هذا مبرر لأن نطلق عليه صفة القومي الكردي؟ لا أعتقد أن هذا مناسب كما أننا لا نستطيع أن نستنتج أنه ممن خلال بضعة أبيات مشهورة في مم وزين أن أحمدي خاني كان يفكر في دولة كردية.

صحيح أن أحمدي خاني كان واعياً وفخوراً بهويته الكردية وأنه نظر إلى نشاطه الأدبي على أنه خدمة للأكراد. كان الشعراء والعلماء الكرد، في القرون السابقة، يعبّرون عن أنفسهم بالفارسية أو العربية. كتب شرفخان البدليسي كتابه المشهور عن الإمارات الكردية شرفنامه (استُكمِل قبل قرن كامل تقريباً من مم وزين) باللغة الفارسية. كما أن العالم الكردي ورجل الدولة الآخر إدريس البدليسي (أواخر القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر) عبر أيضاً عن نفسه باللغة الفارسية في أعماله عن التأريخ العثماني وفي مراسلاته الرسمية[4]. ربما لم تخطر فكرة الكتابة باللغة الكردية لهؤلاء الكتاب حيث لم تكن الفارسية لغة متأنقة للأغراض الأدبية فقط بل كانت أيضاً اللغة التي تضمن جمهوراً أوسع من القراء لأن [أعمالهم] قد تُقرَأ من قبل معظم المثقفين في الإمبراطورية العثمانية ومسلمي الهند وإيران أيضاً.

كان أحمدي خاني مدركاً بأن قراره في الكتابة باللغة الكردية بدلاً من الكتابة بالفارسية يعني أنه لن يستمتع بحلقة واسعة من القراء وأن أعماله ستٌقرأ من قبل الكرد فقط وأنه لن يكتسب الشهرة التي نالها مثله الأعلى نظامي كنجوي. لقد كتب عن قصد باللغة الكردية من أجل أن يُعلي شأن الثقافة الكردية في عيون جيران الكرد. وبحسب ما جاء على لسانه:

Da xelq-i nebêjitin ku Ekrad

bê me`rifet in, bê esl û binyad.

Enwa`ê milel xwedan kitêb in

Kurmanc-i tenê di bê hesêb in

” حتى لا يقول الناس بأن الكرد  /  ليس لديهم معرفة ولا تاريخ  /  وأن للشعوب كتبها، / أما الأكراد فلا نصيب لهم في ذلك”

لم يكن خاني أول من يكتب الشعر الكلاسيكي باللغة الكردية، إذ هو نفسه يذكر أسلافه فقيه طيران وعلي حريري وملاي جزيري ولكن ثمة الكثير من الشعراء الأكراد الذين تم نسيانهم الآن لأن أعمالهم لم تُحفظ. لقد ذكر الرحالة التركي الشهير أوليا جلبي خلال زيارته إلى العمادية في حوالي 1660 أنه كان هناك العشرات من الشعراء القديرين يعيشون في بلاط الأمير ويكتبون قصائد رائعة باللغة الكرمانجية. ويقتبس أوليا قصيدة رائعة لأحد أولئك الشعراء ويُدعى رمضان أفندي مما يشير أنه كانت هناك حركة أدبية نشطة في تلك الحقبة.[5]

ما هو السبب في ازدهار الأدب الكردي خلال القرن السابع عشر؟ ليس ثمة أجوبة بسيطة لهذا السؤال ولكنني أظن أنه ربما بسبب السيطرة العثمانية التي اشتكى منها أحمدي خاني! إذ نرى بدءاً من القرن السادس عشر أنه يتم استبدال اللغة الفارسية بالعثمانية التركية كلغة البلاط والخطاب المعرفي. ربما أثار هذا الشيء شعراء أكراد مثل ملاي جزيري وأحمدي خاني أن يطوروا شكلاً أدبياً بلغتهم أيضاً. والأهم من ذلك أن القرون الأولى من الحكم العثماني جلبت معها نوعاً من الاستقرار والهدوء النسبيين. فالأسر الكردية الحاكمة التي وضعت نفسها تحت حكم العثمانيين تمتعت بالحكم الذاتي والأمان والرخاء مما مكّنها من أن تتصرف كراعية للآداب والعلوم. كما إن الأمراء والحكام العثمانيون  beylerbey و sancakbey قاموا برعاية المدارس medrese حيث تمكن الشباب الكرد من دراسة العلوم الدينية والأدب. البلاط  dîwan والمدرسة medrese كانتا البيئة التي يُقدّر فيها الأدب ومن الطبيعي أن الشعراء الكرد في تلك الفترة ارتبطوا بهذه أو تلك أو ربما بالاثنتين معاً.

هذا يقودنا إلى السؤال عن قومية خاني المزعومة. في مقاطع معينة من المقدمة  dîbaçe من مم و زين ثمة بالتأكيد نبرة حديثة وكأنها قيلت من قبل قوميين [أكراد] في بداية القرن العشرين وليس قبل ثلاثة قرون من الآن. لكأن خاني يدعو إلى [قيام] دولة كردية قومية. وفي الواقع أنا بنفسي كنت أشك  لفترة من الوقت بأن تلك الكلمات ليست كلمات خاني نفسه إنما تم إقحامها في عمله من قبل ناسخ في وقت متأخر لأنها بدت لي حديثة جداً. لكن الكلمات ذاتها تظهر أيضاً في النسخة الإشكالية التي بحوزة رودينكو  M. A. Rudenko والتي اعتمدت على تسع مخطوطات مختلفة تعود أقدم واحدة منها إلى 1731-1732 أي قبل ظهور القومية بمعناها الحديث في الشرق الأوسط[6]. لذلك لابد أن أحمدي خاني هو من كتبها:

 … Ger dê hebuwa me padişahek

xalib nedibû li ser me ev Rom…

” لو كان لدينا ملكاً [وعرشاً، وتاجاً وكل رموز السلطة الأخرى…] لما تسيّد علينا العثمانيون”

ويقول أيضاً

Ger dê hebuwa me îttîfaqek

vêk ra bikira me înqiyadek

Rom û `Ereb û `Ecem temamî

hem’yan ji me ra dikir xulamî

tekmîl-i dikir me dîn û dewlet

tehsîl-i dikir me `îlm û hîkmet

“لو كانت هناك وحدة بينا وكنا نطيع بعضاً بعضاً،

لدخل العثمانيون والعرب والإيرانيون في خدمتنا،

ولاستكملنا الدين والحكمة والدولة[7]،

ولأصبحنا أصحاب معرفة وحكمة[8].

إنه لشيء مغر أن نقرأ الأبيات أعلاه وكأنها شكوى من كردي يتساءل لماذا شعبه ليس لديه دولة دوناً عن الشعوب الأخرى من ترك وعرب وفرس. ولكن هناك مشكلتان في تأويل كهذا. تتجسد الأولى في أنه، كما نستنتج من مصادر تلك الحقبة، أن الشعوب بشكل عام ما كانت تعرّف نفسها كجماعات عرقية أو أمم كما يفعل الناس في مثل هذه الأيام. الروم والعرب والعجم لدى أحمدي خاني ليسوا جماعات عرقية كدول. الروم تشير أصلاً إلى الإمبراطورية الرومانية وفيما بعد إلى الأجزاء الشرقية منها، بيزنطة، وبعد ذلك استُخدِم الاسم لخلفائهم من أي السلاجقة و الدولة العثمانية وتستخدم الآن أحياناً للإشارة إلى الجمهورية التركية ولكن ليس إلى الأتراك العاديين أبداً[9]. وعبارة العجم كانت تستخدم من قبل العرب لكل من هو ناطق بغير العربية وفي التركية العثمانية تشير إلى الإيرانيين على اختلاف مشاربهم بما فيهم الإيرانيون الذين يتكلمون التركية. أما عرب وكرد (أو كرمانج؛ يستخدم خاني كلاهما) فليسوا دولاً بل مجموعات بشرية، وأشك في أنها تشير بالضبط إلى الشعوب ذاتها التي نتحدث عنها اليوم عندما نتكلم عن الأمة الكردية أو العربية. وكما كتبت في مكان آخر، فإن كلمة (كرد) في تلك الفترة يبدو إنها تشير إلى القبائل الكردية أو جزء من النخبة الأرستقراطية المدنية، ولكن ليس إلى طبقة الفلاحين غير القبليين.[10]

المشكلة الثانية تتمثل في طبيعة الدول حيث لم تكن الدول القومية قد نشأت لا في آسيا ولا في أوربا. لم تكن هناك دول تركية أو عربية أو فارسية ولم تكن هناك حتى محاولات لإنشائها. الدول القائمة [في ذلك الحين] كانت قائمة على أساس هويتها الدينية أو على أساس الولاء لأسرة ملكية كالسلالة العثمانية أو السلالة الصفوية وكلتاهما كانتا تتحدثان اللغة التركية ولكن ولا واحدة منهما طلبت التضامن على أساس الهوية التركية. تلك الدول كانت متعددة الاثنيات. ولئن كان أحمدي خاني يفكر بشكل من أشكال الدولة ويحن إلى ملك كردي، فإن دولته ما كانت لتكون قومية أيضاً بل دولة أخرى متعددة الاثنيات حيث  Rom û `Ereb û `Ecem temamî hem’yan ji me ra dikir xulamî “كل العثمانيين والعرب والفرس داخلين في طاعتنا “.

إذا كانت القومية تعني ” مبدأ سياسي يقضي بأن تكون الوحدة السياسية متطابقة مع الوحدة القومية” كما يقول إيرنست غيلنر[11]  Ernest Gellner  فإن أحمدي خاني ليس قومياً. فقد كان يرثي انقسام الكرد وعجزهم عن الاتفاق فيما بينهم ورأى أن هذا الانقسام قد تسبب في أن يعيشوا كرعايا للدول المجاورة التي ربما كان الكرد سيحكمونها فيما لو اتحدوا.

لمن كتب أحمدي خاني ومن قرأه؟

مم وزين لأحمدي خاني تعتمد على ملحمة شعبية معروفة باسم ممي آلان (والتي تعرف أحياناً باسم مم وزين أيضاً) ولكنه مختلف جداً عنها من حيث الشكل والمضمون[12]. لقد أدخل خاني الكثير من التعديلات على الحكاية الأساسية وكسا القصة بطبقة إثر أخرى بمعان رمزية وأثراها بأفكار صوفية وغيبية (ميتافيزيقية) وآرائه عن السياسة وكتب ذلك بالأسلوب المثنوي الشعري الفارسي. وهذا يشير إلى أن جمهور القراء الذي أراد الوصول إليهم لم يكن بالمقام الأول أولئك الذين يصلهم إليهم الحكواتية الذين نقلوا ممي آلان من جيل إلى آخر، ولكن جمهوراً أكثر تقدماً وقادراً على فهم المستويات الرمزية والصوفية لعمله وقادراً على فهم الأشكال الأدبية الفارسية حيث يستطيعون تقدير إنجاز خاني حق قدره. ذلك الجمهور [من القراء] لابد أنه كان محدوداً وربما موجوداً فقط في بلاط الإمارة وفي أفضل المدارس.

عدد مخطوطات مم وزين الموجودة في مجموعات المخطوطة الكبيرة محدود للغاية. رودينكو، كما يقال، وجدت واستخدمت تسع مخطوطات مختلفة (ثلاث منها من مجموعة الكسندر جابا). كما توجد حفنة من المخطوطات في الغرب. من الصعب تقدير عدد المخطوطات الموجودة في المجتمع الكردي قبل ظهور أول نسخة مطبوعة، ولكنني أشك في أن عددها تجاوز عدة مئات. وإذا افترضنا أن عشرين شخصاً قرأ كل نسخة، فإن العدد الإجمالي لمن قرأوا مم وزين لا يمكن أن يتجاوز عدة آلاف. وربما حتى هذه التقديرات تكون عالية جداً.[13] فقط بعد وصول آلة الطباعة اكتسب خاني شيئاً من الجماهيرية الواسعة بين القراء.

قدّر قراء خاني مواهبه الأدبية ولكن لا يمكننا التخمين فيما إذا كانوا قد قرأوا الرسالة السياسية في عمله كما فعلت الأجيال اللاحقة. ملا محمود بايزيدي، الذي كتب في 1850 أول لمحة شاملة قصيرة عن الأدب الكردي بطلب من القنصل الروسي في أرضروم ألكسندر جابا، يسمي مم وزين ببساطة “قصة حب (Kitêbeî ‘aşiq ma’şûqan)إنه يمدح مهارات خاني الأدبية ويقول أنه أشهر شعراء الكرد وأكثرهم إطراءً على الإطلاق، لكنه لا يقول شيئاً عن مزايا خاني غير الأدبية[14].

أفكار خاني تنتشر جنوباً: حاجي قادر كوي

ربما يكون أول شخص أدرك الرسالة القومية في مم وزين مؤلفاً كردياً آخر هو حاجي قادر كُوي (1817-1897). وكما سنرى كان حاجي قادر شخصية رئيسية ذات تأثير كبير على الوعي القومي الكردي في كل من كردستان الشمالية والجنوبية. كان طالب علم ديني Feqe وتلقى تعليمه في مدارس بأجزاء مختلفة من كردستان.[15] لقد عاش في زمن التغيرات الكبرى في كردستان حيث كان شاباً عندما تم القضاء على الإمارات الكردية من قبل الحكومة العثمانية. لابد أنه عرف، بحكم الخبرة الشخصية، حكومة آخر حاكم كبير لصوران ألا وهو المير محمد الرواندوزي (المعروف بميري كور 1814-1835) الذي سيطر في وقت من الأوقات على جزء كبير من وسط كردستان الجنوبية. ولابد أنه سمع من الرحالة وهم يروون قصص عن سلطة وعدالة بدرخان بك في [جزيرة] بوطان والذي أعلن في 1840 استقلاله تقريباً عن الحكومة العثمانية ووضع معظم غرب ووسط كردستان تحت سيطرته. لابد أن أعمال آخر الحكام الأكراد العظام الذين لا تزال أعمالهم تُسرد من قبل الحكواتية ويمجدها الشعراء القبليون قد أثرت تأثيراً عميقاً على شخصية قادر وهو شاب. خسارة الأمراء الكرد النهائية على يد الجيش العثماني الذي أٌعيد تنظيمه وفترة الفوضى وعدم الأمان التي تلت ذلك حيث كل قبيلة في نزاع بدا أبديا مع القبيلة الأخرى أعطت حاجي قادر نوعاً من القومية الرومانسية وحنيناً إلى الماضي الإقطاعي الذي تم إسباغه بالكمال المثالي[16].

فيما بعد ذهب إلى استانبول حيث كان على اتصال مع أسر كردية بارزة. كونه ملا متعلم وأديب، وظّفته أسرة بدرخان كمدرس خصوصي لأطفالها. وكونه ذو أصول متواضعة فلابد أنه شعر بالفخر لخدمة عائلة نبيلة كالبدرخانيين. قد يكون البعد القومي في شعره بسبب ارتباطه بالبدرخانيين؛ من ناحية أخرى يبدو أن البدرخانيين الشباب قد تأثروا بدورهم بقومية حاجي قادر. وبحسب قناتي كردو فإن حاجي قادر تعرف لأول مرة على أحمدي خاني من خلال البدرخانيين [17]. ويُظهر شعره تأثراً واضحاً بخاني. لقد أصبح حاجي قادر في الواقع يمثل في الأدب الصوراني ما يمثله أحمدي خاني في الأدب الكرمانجي أي باعتباره سلفاً تلجأ إليه الأجيال التالية من القوميين كمصدر للإلهام وتُقتبس أشعارهم من أجل التعبير عن عواطفهم القومية. ومثل خاني كانت الكتابة بالكردية بالنسبة لحاجي قادر خياراً سياسياً إذا يوحي أنه بدون احترام للغة الكردية فإن الأمة الكردية غير موجودة لأنه ليس لدى المجتمع الكردي ذاكرة بماضيه:

Kitêb û defter û tarîx û kaxez

be Kurdî ger binûsraye zubanî

mela w zana w mîr û padşaman

heta mehşer dema naw û nişanî[18]

“لو أن الكتب والسجلات والتأريخ والوثائق الأخرى،

 كُتِبت باللغة الكردية،

 فإن ملالينا وعلماءنا وأمراءنا وملوكنا 

سيبقون مشهورين إلى يوم الدين.”

مّجد كوي الماضي واسترجع الإمارات والعصر الذهبي في التاريخ الكردي:

Hakim û mîrekanî Kurdistan,

her le Botanewe heta Baban

yek be yek hefîzî şerî`et bûn

seyd û şêxî qewm û millet bûn.

Seyd û şêxekan le tirsî ewan

munzewî bûn û zakirî Rehman.

Ew ke fewtan riyay ewan derkewt

seyrî çon bûne pûş û agir û newt.

Yekî lem lawe rû dekate `Ecem,

dûş lew lawe debne dujminî hem.

[…………….]

Kwa valîy Senenduc, begzadey Rewandiz?

Kwa hakimanî Baban, mîrî Cezîr û Botan?

[…………….]

Kwa ew demî ke Kurdan azad û serbexo bûn,

Sultanî mulk û millet, xawendî ceyş û `irfan?[19]

“حكام وأمراء كردستان،

من بوطان وحتى بابان،

كانوا حرّاس الشرع الإلهي، وكل واحد منهم،

كانوا أسياداً وشيوخاً حقيقيين للشعب.

كانوا أسياداً وشيوخاً خوفاً

وبقوا في صومعات الدورشة خاصتهم يتلون ذكر الرحمن

ما أن مات [الحكام القدماء] حتى ظهر الرياء والنفاق،

وانظر إليهم كيف أصبحوا كالقش والنفط والنار.

هؤلاء الذين في هذا الجانب يقفون إلى جانب الفرس،

وأولئك يقفون إلى جانب الطرف الآخر ويصبحون أعداءً

[…..]

أين الآن والي سنندج وأمير رواندوز؟

أين حكام بابان، أمير جزيرة بوطان؟

[……]

أين ذلك الوقت الذي كان فيه الأكراد أحراراً ومستقلين،

أسياد الأرض والناس، ويملكون السلاح والمعرفة.؟”

تبدو هذه القصيدة وكأنها كُتِبت بعد أن قرأ حاجي قادر مم وزين ويشعر المرء بتأثير أحمدي خاني حيث هناك ذات الشكوى من عداء القبائل الكردية الأزلي وذات الاشتياق إلى حاكم كردي. ولكن هناك اختلاف واحد وهو أن أحمدي خاني لم يعتقد بأن حاكمه الكردي المثالي  padişah،الذي يستطيع أن يوّحد كل القبائل الكردية، قد وُجِد أصلاً على عكس حاجي قادر الذي يبدو أنه يعتقد أن ميري كور وبدرخان بك (رغم أنه لا يذكر اسمهما صراحة) يجسدان ذلك الـ padişah. بينما يمكن قراءة مم وزين على أنه تقييم نقدي للمجتمع الإقطاعي حيث يلعب فيه أمير جزيرة بوطان دوراً رئيسياً، فإن حاجي قادر يكيل المدح والثناء على الأمراء الكرد. أنا متردد في الحديث عن القومية في حالة أحمدي خاني ولكن في حالة حاجي قادر كوي فإننا يمكن بالتأكيد تلمس قومية مثالية رومانسية. يُزعم أن حاجي قادر اعتبر مم وزين “كتاب امتنا” (kitêba millet me)، وسنرى أنه في لحظات مختلفة من تطور المجتمع الكردي لعب مم وزين دوراً هاماً كرمز قومي.

مم وزين مطبوعاً

كان ظهور جريدة كردستان كأول جريدة كردية حدثاً هاماً. كان مقداد مدحت بدرخان، الذي نشر أولى أعداد الجريدة في القاهرة في 1898 ، واحداً من الأطفال الذين تلقوا دروساً خصوصية من حاجي قادر. في العدد الثاني وما تلاه من كردستان نشر بدرخان مقاطع من مم وزين ليبيّن أن الكرد يستطيعون أن يكتبوا أدباً رفيعاً. إذ كتب” لقد قرأتُ وترجمتُ مقاطع من هذا العمل للعلماء الترك والعرب، واتفقوا جميعاً أنهم لم يروا قط شيئاً أرفع وأسمى من هذا الكتاب.”[20] من المثير للاهتمام أن نعرف أن المخطوطة التي استخدمها مقداد بدرخان كانت تعود لحاجي قادر كوي. تعبيراً عن الإعجاب والتقدير لأستاذه، نشر بدرخان في العدد الثالث من كردستان القصيدة الصورانية التي كان كوي قد كتبها بخط يده على آخر صفحة من المخطوطة. كوي يعتبر نفسه واضع أسس الشعر الكردي إلى جانب خاني.[21] من الواضح أن هذا الزعم مبالغ به، ولكننا نرى أنه لعب فعلاً دوراً رئيسياً في نشر وإشاعة عمل خاني. هل كان مم وزين سينشر في كردستان ما لم يكن مقداد مدحت طالباً لدى كوي؟

أعلن مقداد مدحت عن نيته في نشر النص الكامل لمم وزين في كتاب، ولكن لم تسنح له الفرصة أبداً. أول نسخة كاملة [من مم وزين] مقرونة بالمرحلة التالية من عمر الحركة الكردية، أي السنوات التي أعقبت سقوط الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، في تلك الفترة القصيرة التي بدا فيها قيام دولة كردية ممكناً. ففي أعقاب وقف إطلاق النار في 1918 واحتلال استانبول من قبل البريطانيين والفرنسيين، أسس المتنورون والأرستقراطيون الكرد جمعية تعالي كردستان القومية. كان لتلك الجمعية عدة منظمات ملحقة بها وإحدى تلك الجمعيات أٌطلِق عليها اسم جمعية تعميم المعارف والنشريات الكردية Kürd Ta`mim-i Ma`arif ve Neşriyat Cemiyeti التي تهتم بالنشاطات الثقافية والنشر. أول كتاب نُشر من قبل تلك الجمعية في عام 1919 كان مم وزين لأحمدي خاني. وهذا هو الكتاب الوحيد في الواقع الذي قامت الجمعية بنشره وربما أيضاً أهم نشاط لها.[22] ويُعتقد على نطاق واسع أن الكثير من نسخ تلك الطبعة قد حُرِقت ونجا منها على الأقل بضع كتب وتم كتابة نسخ كثيرة منها بخط اليد. ربما بعد تلك النسخة أصبحت مم وزين معروفة حقاً في كل أنحاء كردستان الشمالية.

في هذا السياق هناك عضو من جمعية تعميم المعارف والنشريات الكردية يستحق الذكر بشكل خاص لأنه أصبح أهم مفكر إسلامي أصيل ومؤثر في تركيا في القرن العشرين. كان سعيد النورسي يمّثل تراث المدرسة medrese بين الأكراد في استانبول. كان متعلماً ومتفتح الذهن ومتسامحاً ومهتماً بتعلم بني جلدته الكرد. تشير سيرة سعيد النورسي إلى اتصال مبكر بأحمدي خاني. فبعد الدراسة في مدارس مختلفة في بتليس ووان، أمضى النورسي ثلاثة أشهر في مدرسة في بيازيد، البلدة التي دُفِن بالقرب منها أحمدي خاني. خلال تلك الأشهر الثلاث كان النورسي يُمضي معظم وقته ليلاً نهاراً في مقبرة  tȕrbe أحمدي خاني. عندما رأى الناس ذلك اعتقدوا أن روح أحمدي تجسدت في النورسي  Ahmed Hani Hazretlerinin feyzine mazhar oldu [23]. بعد ذلك بكثير كان النورسي لا يزال يعتبر تلك الفترة أهم مرحلة من تعليمه. كان ربما لا يزال يعتبر نفسه شبيهاً بأحمدي خاني حتى بعد وقت طويل من قطع علاقاته بالحركة الكردية.[24]

في أعقاب انتصار الحركة الكمالية في تركيا كان ينبغي على جمعية تعالي كردستان أن توقف نشاطاتها. ولم نسمع عنها أي شيء حتى بعد 1922[25].  البدرخانيون الذين أخذوا موقفاً مناوئاً للكماليين غادروا البلاد ومن بقي منهم دخل في مشاكل مع السلطات الكمالية. شُنق سيد عبدالقادر بعد ثورة الشيخ سعيد، وأمضى سعيد النورسي معظم حياته في منفى داخلي. في عام 1927 أسس جلادت وكاميران بدرخان مع بعض المثقفين الكرد الذين كانوا يعيشون في سوريا في ذلك الوقت جمعية كردية جديدة [أطلقوا عليها اسم] خويبون. في عام 1932  نشر الأخوة بدرخان أول مجلة هامة باسم هاوار (الصرخة) وتعتبر أول نتاج جدي لإحياء الأدب الكرمانجي. وضعت هاوار أساس الكرمانجية المكتوبة سواء من حيث شكل الأبجدية اللاتينية التي قدمتها و كذلك من حيث نوع اللهجة الجزراوية التي كُتبت بها الإسهامات والتي أصبحت المعيار الأدبي للكرمانجية.

ليس عجباً أن هاوار أيضاً أبدت الكثير من الاهتمام بأحمدي خاني. في العدد 33 ( الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1941) نشر جلادت بدرخان، الذي كتب بالاسم المستعار  هركول عزيزان، مقالة تحت عنوان “كلاسيكياتنا”  Kilasîkên me وأبدى فيها مزيداً من الاهتمام نسبياً بخاني ومم وزين وقارن فيها خاني بـ[جلال الدين] الرومي الذي يُزعم أن الملا عبدالرحمن جامي قال عنه “أنه ليس نبياً، ولكنه صاحب كتاب (مقدس)”  (ne pêxember e, lê kitêba wî heye). عن خاني، يزعم جلادت، أنه يمكن أن يُقال أكثر فهو ليس صاحب كتاب فقط بل هو أيضاً نبي، نبي إيماننا القومي، نبي مبادئ قومنا” (Belê Xanî jî xudan kitêb e. Lê Xanî pêxember e jî. Pêxemberê  (diyaneta me a milî, pêxemberê ola me a nijadîn نُشر قسم صغير من مم وزين في هاوار ولكن بعد عدة سنوات أُعيدت طباعة طبعة استانبول في حلب عام 1947.

جمهورية مهاباد واحدة من الأحداث الكردية الهامة التي لم تلعب فيها مم وزين لأحمدي خاني أي دور. ولكن الشاعر هژار، الذي كان ناشطاً في الجمهورية والذي استقر في العراق بعد انهيار الجمهورية، هو من جعل خاني معروفاً في كردستان الشرقية[26]. ترجمته الصورانية لمم وزين نُشرت في بغداد في 1960. وهذا تاريخ هام لأنه يصادف ولادة الحركة الكردية الجماهيرية في كردستان العراق، في أعقاب الإطاحة بالملكية على يد عبدالكريم قاسم. وقد أخبرني الكثير من الناس عن التأثير الكبير لعمل خاني عليهم عندما قرءوه في ترجمة هژار.

إعادة بروز الحركة الكردية في تركيا في الستينات وُسِم أيضاً بنشر ترجمة مم وزين. فقد نشرها محمد أمين بوزأرسلان بالكردية اللاتينية مع ترجمتها التركية[27]. لم يكن الكتاب الأول ولكنه بالتأكيد كان أهم كتاب كردي في تلك السنوات وكان له تأثير كبير. قليلون جداً من الأكراد في حينه كانوا قادرين على فهم كلمات خاني الصعبة وربما بفضل ترجمة بوزأرسلان التركية وصلت تلك الطبعة إلى أكبر جمهور من القراء أكثر من أية طبعة أخرى. ورغم أن بوزأرسلان أسقط المقاطع السياسية الحساسة، إلا أن الكتاب سرعان ما تم حظره وأتلفت الحكومة كل النسخ التي وقعت في يدها. ومن كان يملك نسخة منها كان عليه أن يخبئها وفي الواقع أتلف الكثيرون ما بحوزتهم من نسخ خوفا بعد التدخل العسكري في آذار 1971[28].

خاني والأمة الكردية

هل من معنى في الحديث عن أمة كردية في زمن خاني؟ أنا شخصياً لا أعتقد ذلك، ولكن الآراء قد تتباين. بين المؤرخين الأوربيين أيضاً نجد الكثير من الآراء المتباينة حول بروز أولى الأمم الأوربية. بعض المؤرخين القدماء كمارك بلوك، مثلاً،يزعمون أن الفرنسيين والألمان أصبحوا أمماً في 1100، بينما آخرون من أمثال يوهان هوزينغا Johan Huizinga يعتقدون أن ذلك لم يحصل قبل القرن الرابع عشر. في حين أظهر مؤرخ أحدث، هو يوجين ويبر  Eugene Weber ، أنه حتى 1900 لم يكن الفرنسيون قد أصبحوا أمة واحدة بالمعنى الدقيق قائلاً أن معظم الفلاحين الفرنسيين ما كانوا يؤمنون بكونهم فرنسيين بل كانوا يعينون هوياتهم بحسب قريتهم أو منطقتهم. فقط من خلال التعليم الجماعي والتجنيد الإلزامي العام في الجيش والبث الإذاعي أي بجهد جهيد من الدولة اندمج هؤلاء الفلاحون في الأمة[29].

بعض الكتاب الحديثين عن القومية، ولا سيما أندرسون وغيلنر، يؤكدون على أن القومية وبروز الأمم الحديثة ظاهرة حديثة نسبياً. يربط غيلنر ذلك بالتصنيع والهجرة من الريف إلى المدينة بينما يعزوها اندرسون إلى بروز الكتاب المطبوع فيما يسميه هو “رأسمالية الطباعة”  print capitalism [30]. بالنسبة لكليهما ما يجعل القومية (الوطنية) ممكنة هو كسر الحواجز بين المجتمعات القروية والمناطق.

قبل اختراع طباعة الكتب، يجادل اندرسون، نخبة صغيرة فقط من الناس كانت تستطيع أن تقرأ وتكتب وكانت تلك النخبة في أوربا تتواصل باستخدام اللاتينية، لغة الفكر في ذلك الحين. وأنه من كل الكتب المكتوبة كانت تُنسخ عدة نسخ فقط وأن تقنية الطباعة جعل من الممكن أن يعملوا نسخ كثيرة من الكتاب المعد للبيع. ونظراً لأن عدد أكبر من الناس كانوا يعرفون الفرنسية والألمانية أكثر من اللاتينية، فإن أصحاب المطابع قدموا الكتب بتلك اللغات لكي يصلوا إلى جمهور أوسع من القراء (وبالتالي بيع مزيد من الكتب). تضاءلت أهمية اللاتينية ولم يعد التواصل الكتابي حكراً على النخبة الدولية المثقفة، بدلاً من ذلك انخرطت طبقات مجتمعية أكثر ولكن بالقدر الذي تستطيع فهم اللغة المكتوبة ذاتها. بين أولئك القادرين على قراءة ذات الكتب والصحف والمجلات تولد الوعي بأنه ثمة شيء مشترك فيما بينهم يميزهم عن قراء بقية اللغات وهو ما اعتبروه نوعاً جديداً من المجتمع، أمة. (يتحدث أندرسون عن “مجتمعات متخلية” لأنها توجد فقط في عقول الناس، على عكس المجتمعات التقليدية حيث يعرف معظم الناس بعضهم بعضاً بينما أفراد الأمم يعرفون فقط بضع أفراد وعليهم أن يتخيلوا بقية الناس على شاكلتهم). بروز القومية في الشرق الأوسط لم يتبع ذات النموذج الأوربي، ولكن عمل أندرسون يساعدنا أيضاً في إدراك أهمية عامل آلة الطباعة في بروز القومية الكردية.

لقد أكد عدة مؤرخين على أنه من المفيد أن نتحدث عن الأمم والقومية فقط عندما تكون عدة طبقات اجتماعية مختلفة مندمجة مع بعضها. الوعي “القومي” يظهر أولاً بين الطبقات العليا ولكن طالما أن الطبقات الدنيا والوسطى من ذلك المجتمع لا تشاطرها الوعي، فإنه من دون جدوى أن نتحدث عن “أمة”. في بداية هذا القرن كانت هناك مجموعة صغيرة من القوميين الكرد، معظمهم من العائلات الأرستقراطية الذين تلقوا تعليمهم في استانبول أو حتى في الخارج، وتأثروا بأفكار الأوربيين. أحد هؤلاء، قدري جميل باشا، يشير في مذكراته أنه أثناء الحرب العالمية حاولوا أن يجدوا دعماً لمثلهم القومية بين الزعماء القبليين الأكراد ولكنهم أُصيبوا بالإحباط لأن فكرة الأمة الكردية ما كانت تعني شيئاً للآغوات، ناهيك عن رجال القبائل العاديين أو الفلاحين[31].قدري بك وزملاؤه لم يكلفوا أنفسهم عناء التفكير في التحدث مع الفلاحين، وأشكُ فيما لو أنهم كانوا يفكرون بالفلاحين كأكراد. وفق تلك الظروف ما من معنى في الحديث عن الأكراد كأمة في ذلك الوقت. وقد حاولتُ في أماكن أخرى أن أبيّن كيف تحول الأكراد تدريجياً إلى أمة وفق الفهم الحديث للأمة ولاسيما بعد اندماج الفلاحين[32].

بالرجوع عدة قرون إلى الوراء يمكننا أن نسأل بالمثل بماذا وبمن كان أحمدي خاني يفكر عندما تحدث عن “كرد” و”كرمانج” وفيما إذا فكر فيهم كأمة. أنا أعتقد أنه لم يستخدم تلك الأسماء بنفس الطريقة التي نستخدمها اليوم وأنا شبه متأكد في أنه لم يشمل الفلاحين غير القبليين بين أولئك الأكراد. علاوة على ذلك، وكما أشرت من قبل، فإن المصطلحات السياسية التي استخدمها خاني مثل ملل  milel (جمع millet التي تعني في الوقت الحاضر أمة) كانت تحمل مدلولاً آخر. إننا بتفسيرنا للأسماء والمصطلحات في مم وزين كما لو أن لها نفس المعنى كيومنا هذا إنما ربما نسيء فهم ما كان خاني يقوله بالضبط. من ناحية أخرى، من المتأصل في الأدب العظيم أن كل جيل من القراء قد يكتشف معان جديدة فيها، معان ربما المؤلف نفسه لم يكن مدركاً لها.

 

 

 

الخاتمة

لقد لوحظ غالباً أن الأمم هي التي توّلد القومية وليس القومية هي التي توجد الأمم, ولئن شكّل الأكراد أمة الآن، فإنه إحدى نجاحات الحركة القومية الكردية. لقد حاولت أن أبرهن فيما سبق أن أحمدي خاني لم يكن في الواقع قومياً كردياً وفق المعنى الحديث على الأقل. من ناحية أخرى، حاولتُ أن أبيّن أن عمله، ولاسيما مم وزين قد لعب دوراً في كل مراحل تطور الحركة القومية الكردية، ولذلك فإنه قد يسمى بالمعنى الضيق للكلمة بـ”أبي القومية الكردية.” استطاعت الأجيال اللاحقة من القوميين أن تكتشف أفكارها في عمل أحمدي خاني. وليس من باب الصدفة أنه في كل مرة كانت هناك انطلاقة جديدة للنشر باللغة الكردية، فإن الناشرين كانوا يبدءون بمم وزين. وبالتالي، فإن خاني ساهم، بشكل غير مباشر، في إعادة ولادة اللغة الكردية كلغة كتابة حية.

الدولة التركية، بطريقتها الخاصة، ساهمت بدورها في إعادة ولادة الأدب الكرمانجي؛ بمنعها طبعة بوزأرسلان من مم وزين، حولت [الحكومة التركية] ذلك الكتاب إلى رمز للأدب الكردي. بعد انقلاب 12 أيلول/سبتمبر 1980، أدى قمع التعبير الثقافي الكردي بالكثير من المثقفين الكرد إلى طلب اللجوء السياسي في بلدان مثل ألمانية والسويد بشكل خاص. هناك وجدوا الشروط المناسبة التي مكنتهم من الكتابة والنشر باللغة الكردية، والناس الذين كانوا يكتبون باللغة التركية فقط عندما كانوا في تركيا بدءوا تدريجياً بالتحول إلى الكتابة باللغة الكردية. في السنوات الخمسة عشر الماضية تطورت الكرمانجية إلى لغة كتابة حديثة وقد تحسن مستوى الكتابة بشكل ملحوظ خلال تلك الفترة. ثمة الآن نمو  دائم للأدب الكرمانجي وعدد من يقرءون الكرمانجية قد ازداد أيضاً. وأنه لشيء ذو مغزى هام أن يستبدل بوزأرسلان في طبعته الجديدة من مم وزين الترجمة التركية في طبعاته السابقة بكرمانجية معاصرة! كل ذلك ما كان ليحدث ربما لو بقي كل الكتاب الكرد في تركيا. وكما يحصل عادة فإن قمع الدولة يؤدي إلى تقوية ما تحاول تدميره، الأدب الكردي في هذه الحالة. ويبذل مزيد من الأكراد في تركيا جهوداً حثيثة لتطوير الكرمانجية كلغة أدبية حديثة محاكاةً لطموح خاني da xelq-i nebêjitin ku Ekrad // bê me`rifet in, bê esl û binyad  (حتى لا يقول الناس أن الكرد// ليس لديهم معرفة ولا تاريخ

[1] تم إلقاء نسخة من هذه المقالة كمحاضرة في مؤتمر نُظِم لإحياء ذكرى 300 لـ(مم وزين) الذي نظمه رابطة الكتاب الكرد في السويد  Komela Nivîskarên Kurd li Swêdê) Stockholm 27 أيار /مايو 1995.

 

[2] تم تحليل الأفكار الصوفية في هذا الكتاب من قبل محمد أنور علي في أطروحته: أحمد الخاني: فلسفة التصوف في ديوانه مم وزين (جامعة القديس يوسف، معهد الآداب الشرقية، 1972) أود أن أشكر مالميسانيج لإطلاعي على تلك الأطروحة.

[3] فرهاد شاكلي، القومية الكردية في مم وزين لأحمد خاني (السويد، [أوبسالا1983 )وطبعة جديدة في بروكسل عن المعهد الكردي 1993  Mûrad

[4] إدريس البدليسي ،سليل عالم ديني وصوفي مشهور في بدليس، كان كاتباً في البلاط العثماني. وكان هو من أقنع أهم القادة الكرد المحليين للوقوف إلى جانب العثمانيين في الصراع العثماني-الصفوي والذي نجم عنه إلحاق معظم كردستان بالإمبراطورية العثمانية. وتعتبر أعماله هشت بهشت  Hasht Bihisht  وسليمنامه  Salîmname  من أهم السجلات التي تؤرخ لتلك الحقبة.

[5] لا تظهر ملاحظات أوليا جلبي عن العمادية وكردستان الجنوبية في الطبعات المطبوعة من سياحتنامه والتي تعتمد على مخطوطات ناقصة. إنها موجودة في المخطوطة الأصلية بالمجلد الرابع في مكتبة توبقابي   Topkapiفي استانبول. وأنا بصدد طبعة مشروحة من تلك الملاحظات.

[6] انظر ( Axmed Xani, Mam i Zin, Kriticeskity tekst, perevod, perdislovie i ukazateli M.B. Rudenko  Moskova: NAUK, 1962 p13-16)

[7] وفق الاستعمال المعاصر dewlet  تعني الدولة ولكن بالمعنى الأصلي فإن المعنى غير متبلور تماماً . والتعبير dîn û dewlet (الدين والدولة) لا يشير إلى دين معين أو دولة معينة بل تزواج بين الأمور الدنيوية والدينية مثله مثل التعبير الآخر  dîn û dunya

[8] حاشية المترجم:

يقول الأستاذ جان دوست “في هذه الأبيات والأبيات الأخرى التي تتحدث عن آرائه القومية ودعوته للتحرر والاستقلال[…] ربما كان أحمدي خاني متأثراً بالانتصارات التي حققها الأوربيون على الجيوش العثمانية في عصره: فمن المعروف أن خاني عاش في النصف الثاني من القرن السابع عشر والذي شهد أحداثاً كبيرة  كانت مؤشراً لبدء انحسار النفوذ العثماني عن شرق أوربا، ويعتبر المؤرخون أن نهاية القرن السابع عشر (زمن كتابة مم وزين) كان بداية اضمحلال الإمبراطورية العثمانية، ففي عام 1685 (خلال حكم محمد الرابع) قامت الثورة في البلقان وسقطت حصونها وتحررت جزيرة كريت كما انهزم الجيش العثماني في سلنكامن في المجر إبان عهد السلطان أحمد الثاني […] ولم يكن خاني بكل تأكيد –وهو المتنور العظيم- غافلاً عما يجري على الساحة الدولية. ( ديوان مم وزين تحقيق وترجمة جان دوست. الطبعة الأولى، 1995)

[9] التعبير المعروف Romê Reş  يشير أيضاً إلى العثمانيين أو الدولة (التركية)، ولا سيما العسكر. ويُطلق عليهم reş (أسود) بسبب اللون الأسود لسترات القوات العثمانية في أواخر التاسع عشر (أشكر ناجي كوتلاي Naci Kutlay على هذه المعلومة)

[10] مارتن فان برونسين ” المجتمع الكردي، الإثنية والقومية ومشاكل اللاجئين. في  Philip G. Kreyenbroek & Stefan Sperl (eds,) The Kurds: a contemporary overview (London, Routledge, 1992) pp 33-69

[11] Ernest Gellner, Nations and Nationalism (Oxford: Basil Blackwell, 1983)p.1

[12] لتحليل الاختلافات بين الحكاية الشفهية و عمل أحمدي خاني الأدبي راجع  Michael Chyet” And a thornbush sprang up between them”: Studies on “Mem ȕ Zîn”, A Kurdish romance (Ph.D. dissertation, University of California, Berkeley,1991), pp 52-62 أطروحة تشايت تعتبر أفضل دراسة لغاية الآن حيث يحلل ثمانية عشر نسخة معدلة من ممي آلان.

[13] عندما أعلنت على الملأ لأول مرة تلك التقديرات اختلف معي عدة أصدقاء أكراد بشدة. أحد الأصدقاء في ديار بكر أدلى بأهم تعليق قائلاً أنه في عائلته فقط كانت هناك عدة مخطوطات من مم وزين كما كان لدى جيرانهم أيضاً نسخ منها، وبرأييه فإن العدد الإجمالي أعلى بكثير مما أزعم. لكن دفاعاً عن تقديراتي، أقول أنه ربما الكثير من المخطوطات الموجودة حالياً تكون في الواقع منسوخة من أول نسخة مطبوعة (هذا هو الأمر مثلاً في المخطوطة التي اعتمد عليها محمد أمين بوزأرسلان  في ترجمته)  الطباعة، كما سأبين لاحقاً تُحدث الكثير من الفرق لأنها تسمح بإنتاج بالجملة ويخلق بالتالي حلقة أوسع من القراء. لازلت أعتقد أن مم و زين لم تصبح ذات شعبية حقاً إلا بعد أن تم طباعتها.

[14] “[Ehmedê Xanî] zehf jî xezeliyat û eş`aran û beyt bi zimanê Kurmancî gotiye û di zimanê `Erebî û Farsî û Tirkî jî dîsan xezeliyat û eş`aran û ebyatê zehf gotiye, û di `ulûmê funûnan jî qewî mahir û sahibê `irfan e û ji şu`erayêd Kurdistanê hemûyan jî meşhûr û fayiq e. Belkî ji hemû şu`eran meqbûl û memdûh e.” See Alexandre Jaba, Recueil de notices et de récits kourdes (St.-Petersbourg, 1860), p. 15

[أحمدي خاني] نظم الكثير من أبيات الشعر الغزلية باللهجة الكرمانجية وباللغة العربية والفارسية والتركية أيضاً نظم الكثير من الشعر الغزلي كما إنه ماهر ومتمكن في علوم الفنون وصاحب عرفان. إنه أكثر شعراء كردستان شهرة ومكانة.  وربما يكون أكثرهم قبولاً وثناءً. انظر الكسندر جابا (سان بطرسبورغ، 1986) الصفحة 15 من النص الكردي

[15] يذكر قناتي كردو تلك المدارس في كوينسجق وخوشناو وأربيل وكركوك والسليمانية ومهاباد وأشنويه. انظر كتابه (تاريخ الأدب الكردي-الجزء الثاني) Tarixa edebiyata Kurdi  (Stockholm, Weşanên Roja Nû, 1985) p18.

[16] حول آخر حاكمين كردين كبيرين بذلا جهوداً في توحيد أجزاء كبيرة من كردستان تحت حكمهما انظر  Dr. Celîlê Celîl, XIX. Yȕzyil Osmanli Imaratorluǧ’nda Kȕtler (Ankara: Öz-Ge, 1992) وفي كتابي الآغا والشيخ والدولة حاولت أن أشرح نتائج اختفاء الإمارات الكردية وسلسلة التطورات التي أدت إلى بروز القومية الكردية الحديثة.

[17] Tarixa edebiyata Kurdi الجزء الثاني ص18. لم أر أي مؤشر على أن حاجي قادر كان قد قرأ  مم و زين خلال دراسته في المدرسة وعلى الأرجح أنه [مم و زين] كان معروفاً فقط في القسم الناطق بالكرمانجية من كردستان.

[18] مقتبس في  Amir Hassanpour Nationalism and Language in Kurdistan, 1918-1985 (San Francisco: Mellen Research University Press, 1992)p.93

[19]  Dînwa Haci Qadrî Koyî, edited by Gîw Mukriyanî (Hewlêr: Ϛapxaney Kurdistan, 1953)p. 48,51.

[20] “Min ev kitêb carna hin ulemayên Tirk û Ereba re xwendiye û tercume kiriye, hemiya jî gotiye ku ‘vê rê de je vê kitêbê çêtir me nediye.   انظر إعادة طباعة كردستان لمحمد أمين بوزأرسلان المجلد الأول، ص 127.

[21] في آخر مقطعين من تلك القصيدة (الصفحة 135-136 في طبعة بوزأسلان من كردستان) يعلن أنه “بفضل ذلك الكتاب أصبحت [الإمارات الكردية في] صوران وبوطان معروفة بين الدول الأخرى //  ولكن ليس بين الكرد وأن حاجي والشيخ خاني قد وضعا أساس الشعر. (Le mecmû`î duwel Soran û Botan / le sayey em kitêbe nasrawe // Le Kurdan xeyrî Hacî w Şêx Xanî / esasî nezmî Kurdî danenawe).

[22] راجع شاكلي، القومية الكردية…ص2

[23] هذا مذكور في السيرة المرخصة لسعيد النورسي  Bediȕzzaman Said Nursi hayati: mesleki tercȕme-I hali (Istanbul: Sözler Yayinevi, 1976

[24] السيرة الرسمية تبقى صامتة تقريباً حول دور سعيد النورسي في الحركة الكردية. هذه الناحية تلقى مزيداً من الاهتمام في  Rohat, Unutumuşluǧun bir öykȕsȕ: Said-I Kȕrdi (Istanbul: Firat Yayinlari, 1991)  وفي مالميسانيج  Said-i Nursi ve Kȕt Sorunu (Istanbul: Doz Yayinlari, 1991)  وبشكل عام أكثر في الجريدة الشهرية دعوى  Dava التي تنشرها جماعة كردية انشقت عن الحركة النورجية nurcu

[25] يشير كولداش  Göldaş أن جمعية تعالي كردستان قد حُظّرت من قبل الحكومة (العثمانية) في استانبول في تموز 1920 ولكن من الواضح أنها استمرت في بعض الأنشطة حتى 1922 حيث لم تعد موجودة (كولداش،  السابق ص227-228)

[26] قبل أن تظهر ترجمة هژار، قام كيو موكرياني بإعادة طباعة مم وزين (أبريل 1954 وأيضاً في 1968) ولكن نظراً لأنه كان مكتوباً بالكرمانجية فإنه لم يكن مقروءاً على نطاق واسع في كردستان العراق.

[27] Ehmedê Xanî, Mem û Zîn. Türkçesi: M.E. Bozarslan (Istanbul: Gün Yayinlari, 1968).

[28] انتهت محاكمة بوزأرسلان بعد سنوات بتبرئته وكان يعني ضمنا رفع الحظر عن كتابه أيضاً فأُعيدت طباعته في 1975.

[29] Eugene Weber, Peasants into Frenchmen: the modernization of rural France, 1870-1914 (London: Chatto & Windus, 1979).

[30] Benedict Anderson, Imagined communities: reflections on the origin and spread of nationalism (London: Verso Editions, 1983); Ernest Gellner, Nations and nationalism (Oxford: Blackwell, 1983).

[31] Zinnar Silopi [Qadrî Bey Cemîl Paşa], Doza Kürdüstan: Kürt milletinin 60 senedenberi esaretten kurtuluş savaşı hatiratı (Beyrut: Stewr Basımevi, 1969), p. 38-39.

[32] Martin van Bruinessen, “Kurdish society, ethnicity, nationalism and refugee problems”, in: Philip G. Kreyenbroek and Stefan Sperl (ed.) The Kurds: a contemporary overview (London: Routledge, 1992), pp. 33-67; idem, “Nationalisme kurde et ethnicités intra-kurdes”, Peuples Méditerranéens no. 68-69 (1994), 11-37