جورج كتن – تموز 2015

تفسير المؤامرة المعتبر مجازا “نظرية”، هو بديل التحليل الموضوعي والواقعي للحدث ودوافعه الحقيقية والعوامل التي ادت اليه وغاياته ونتائجه. كما انه هروب من مواجهة الازمات بإلقاءها على مشجب الآخرين وخاصة القوى الخارجية تبريرا للهزائم والفشل والكوارث. مرض ابتليت به نخب شرق اوسطية منذ ما بعد الحرب العالمية الاولى واستعمار المنطقة من قبل بريطانيا وفرنسا، الدولتين المنتصرتين، اللتين تقاسمتا تركة الامبراطورية العثمانية كأمر طبيعي يلي كل الحروب، فرسمت حدود دولها وادارتها بين الحربين العالميتين قبل ان تستقل هذه الدول وتحكمها نخب محلية.

لكن رغم قبر الاستعمار العالمي خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بعد ثورات الشعوب ضده ونشوء الامم المتحدة التي لعبت دورا مهما في انهائه، فإن النخب الشرق اوسطية لا تزال ترى ان كل ما يحدث في البلدان المستقلة هو من تخطيط القوى الخارجية، فكل شر هو قادم على جناح المؤامرة من الخارج، وكل خير صناعة محلية يجري عكسا لإرادة الدول العظمى الشريرة التي سماها البعض “الشيطان الاكبر”، كقوة كلية القدرة تكاد تشبه “آلهة” تتآمر علينا بشكل دائم، فأي شيء يحدث هو نتيجة مؤامرة مرسومة سرية تخترع تفاصيلها من المخيلة. والدول العظمى التي “تكرهنا” تخطط لمنع تقدمنا وتفتيت مجتمعاتنا ونهب ثرواتنا وتدمير ثقافتنا وعاداتنا القديمة وديننا !.. فلو تركنا وحدنا لتقدمنا وتوحدنا وأعدنا ازدهارنا التاريخي يوم كان العرب والاسلام يصدرون الحضارة للعالم!

مدرسة التحليل السياسي المعتمد على نظرية المؤامرة ينتظم فيها قوميون وإسلاميون ويساريون تجمعهم سمات واحدة : الابتعاد عن التحليل الواقعي للاحداث الحقيقية الملموسة، الجهل بالمعلومات التفصيلية للحدث وبالتالي اللجوء لتعميمات حيث تستخدم المخيلة لاختراع مؤامرات توجه ضد بلداننا لمنع تقدمها او اعاقة تحولها للديمقراطية، وتفتيتها حتى لا تشكل خطرا عليها بتوحدها. اصحابها لا يعترفون بالصدفة، رغم انها ممكنة في ظروف معينة، اذ ان كل شيء برأيهم مخطط له مسبقا، هي نوع اقرب “لأدب سياسي” او “افلام خيال علمي” منها لنظرية مبنية على العلم والمنطق، فهي لا تبحث في الوقائع استسهالا او جهلا او عجزا.

يمكن تسمية المرض بـ “السايكس-بيكوية” نسبة لموظفي خارجية بريطانيا وفرنسا اوائل القرن الماضي، إذ لا زال المرض يستوطن تلافيف دماغ نخب سياسية، رغم التغيرات الواسعة في ارجاء العالم. ساعد على انتشاره عقب الحرب العالمية الثانية اجواء الحرب الباردة التي تلتها، حيث استخدمت النظرية بشكل واسع في منظومة الدول الشرقية التي نشأت تحت هيمنة الاتحاد السوفييتي ذي النظام الشمولي، الذي كان يعزو اسباب ازماته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لـتآمر المعسكر الغربي ضد منظومته “الاشتراكية”!، وليس لفشل النظام الذي بني على ديكتاتورية تعيق التقدم بشتى اشكاله. وبما ان معظم النخب العربية كانت تستقي فكرها من المعسكر الشرقي فقد عزز ذلك من استمرارها في تفسير الاحداث بالمؤامرة على نمط مثالها السوفييتي.

أعاق الشفاءَ من هذا المرض تخلفُ مجتمعات المنطقة فتفسير المؤامرة هو الاكثر قبولا لأذهان الناس في مجتمع متخلف. بالاضافة لدور الانظمة الاستبدادية التي تلت الفترة الاولى القصيرة من العهد الديمقراطي عقب الاستقلال، اذ أن المناخ المفضل لانتشار النظرية نظام قمعي يمنع الشفافية التي تقدم معلومات وفيرة تساعد في البحث عن تفسيرات واقعية للاحداث. فالنظام الاستبدادي يحصر السياسة في صفوف قياداته ويمنعها عن المجتمع، الذي من حق افراده الحصول على معلومات لتحليلات مستمدة من الواقع. نقص الوعي السياسي افضل بيئة لتصديق نظريات المؤامرة كما ان الانظمة المستبدة أسوأ من يستخدمها لكونها تتخذ التفسير عن قصد، اي رغم علمها بالحقائق، فتخفيها لتمنع انتشار الوعي بتفاصيلها الحقيقية.

ومن نماذجها ان البعض يرجع جميع المؤامرات والسياسات الغربية في الشرق الاوسط لهيمنة متخيلة للماسونية الصهيونية على العالم! بالاعتماد على مرجع اسطوري هو “بروتوكولات حكماء صهيون!”. ومن “المخططات” المفترضة ان حرب حزيران 67 هي مؤامرة على عبد الناصر لمنعه من توحيد العرب، رغم ان وحدة مصر وسوريا فشلت ليس بسبب تدخلات خارجية بل نتيجة الحكم الاستبدادي الذي سلط على الشعب السوري. ومؤامرة غلاسبي، السفيرة الاميركية في العراق، التي ورطت – حسب مفسري المؤامرة- الدكتاتور صدام باحتلال الكويت، والتي حتى لو كانت صحيحة أليس من الحمق ان تنجرّ القيادة العراقية لمثل هذا المخطط؟ الا اذا كان الحمق مخطط له مسبقا في تفاصيل المؤامرة! كما روج البعض ان الاحتلال الاميركي للعراق كان لنهب نفطه رغم ان صدام كان يبيع القسم الاكبر منه لاميركا بطريق غير مباشر رغم المقاطعة. او ان كل فوضى تحدث في اي بلد عربي بسبب صراعات قواه المحلية تنسب لمخطط “الفوضى الخلاقة” وهو تعبير جاء في مجرد حديث لكوندليزا رايس وزيرة الخارجية الاميركية عام 2005، ولكنه اصبح مخططا شريرا يراد تطبيقه في كل دول المنطقة.

ويفضل الاسلاميون تفسير الصراع العالمي على انه تكتل الغرب لمحاربة الاسلام كديانة وكأمة “متخيلة”، وقد يسمى البعض ذلك بحرب صليبية مستمرة رغم الحريات الواسعة التي يتمتع بها المسلمون في الدول الاوروبية واميركا وكندا والتي يكاد لا يتوفر مثيل لها في بلدانهم! اما الثورات الراهنة للشعوب العربية فهي لدى الانظمة، مؤامرات كونية لتحطيم “ممانعتها” للمخططات الامبريالية! وهي من جانب بعض الاطراف المعارضة مؤامرات لتفتيت المفتت وتقسيم المقسم! استمرارا لسايكس بيكو رقم 2 . كما ان تنظيم “الدولة الاسلامية” صناعة اميركية لانه جاء في مذكرات هيلاري كلينتون ان امر انشاء دولة اسلامية من قبل اخوان مصر الذين وصلوا للسطة ايام مرسي امر يمكن التعامل معه طالما انه تم عن طريق ديمقراطي!

فضلا عن عشرات التخيلات من قبل معارضين وانظمة واحزاب عمن صنع داعش، تتراوح بين اتهام ايران أواميركا أوتركيا أوالنظام السوري وحتى اسرائيل، رغم التناقض الكبير بين هذه التخيلات، وبتجاهل كلي لاوضاع القطاعات الاشد تخلفا في مجتمعات المنطقة التي هي المصدر الحقيقي للتنظيمات المتطرفة السلفية والتكفيرية التي ترفض الحداثة وتريد ارجاع المجتمعات الى اسلوب الحياة الذي كان سائدا في القرون الوسطى. مثل هذا التفسير يعبر عن العجز عن ملاحقة الاحداث المفاجئة وغير المتوقعة التي حيرت بعض المحللين بتناقضاتها وتغيراتها السريعة فتغيب عنهم اسبابها وعواملها التي تحتاج لبحث معمق، وليس اللجوء لتفسير موجز يستسهله محللون متسرعون يهمهم كمية انتاجهم اكثر مما تهمهم نوعيته.

هذا لا يعني ان تفسير المؤامرة يوجد فقط لدى نخب شرق اوسطية فهو موجود ايضا في دول العالم ولكن بنسبة اقل بكثير مما في بلدان منطقتنا. فالهجوم الياباني على بيرل هاربر في الحرب العالمية الثانية فسره محللون غربيون بان اميركا كانت تعلم به وتركت اسطولها في الباسفيكي يدمر كليا، فقط ليكون سببا لدخولها الحرب ضد اليابان! وهذا يشابه تفسير محللين عرب وغربيين لتفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك والبنتاغون الاميركي عام 2001 انه من تدبير السي آي أي وذلك لايجاد المبرر لاحتلال افغانستان! كما ان سقوط الاتحاد السوفييتي في نظر مؤيديه اليساريين هو نتيجة مخطط غربي رأسمالي شرير، وليس بسبب ازماته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي ادت لانهيار المنظومة الشرقية باكملها.

هذا كله لا ينفي دور الخارج ولكنه ليس الدور المقرر في كثير من الحالات، بل احد العوامل المؤثرة في الاحداث الى جانب الدور الرئيسي الداخلي. كما انه لا يعني عدم وجود مخططات حقيقية للدول الكبرى تتعلق بمصالحها في دول العالم تسعى لتنفيذها. ولكنها ليست المخططات المتخيلة التي يروج لها محبذو تفسير المؤامرة، الذين لا يعترفون باستخدامهم اسلوب تفسير المؤامرة، بل يحاولون اقناعنا انهم يتحدثون عن “وقائع” وليس “تخيلات”، اما قصدا لإخفاء مقاصدهم كما الانظمة، او جهلا او نقصا في الوعي لمعارضين.

تفسير المؤامرة في نهاية المطاف يلعب دورا في حجب الحقائق حول المخططات الحقيقية للاطراف المختلفة الخارجية وحتى الداخلية.