حيثُ تبكي الشّمسُ

” في شهر سبتمبر 2013, وفي وقت ليس بالطويل بعد مجزرة الكيماوي في غوطة دمشقَ, دعوتُ مجموعةً من اللاجئين الأطفال السوريين في مخيم للاجئين بلبنان كي يرسموا الأماكن التي ينحدورن منها ,فكانتْ ثمة فتاة باسم /رانيا/رسمتْ طائرةً تلقي القنابلَ من السماء, وجنوداً مسلحينَ, والكثير من القتلى المرمييّن على الأرض, وبالجوار من القتلى ثمةَ طفلةٌ قتيلة بالقرب منها سقطتْ لعبتُها شهيدةً أيضاً, سألتُها: ما أفضل شيء تذكّرينه من الوطن؟ نظرتْ إلي وأخذتْ نَفَساً ثم قالتْ: المكانُ الذي تبكي فيه الشمسُ” بهذه العبارة الأخيرة “حيثُ تبكي الشمس”عنونتْ الصحفية الدنماركية – بوك دامسغورد- كتابَها الذي يتناول الثورة السورية من بدايتها, حيث توثّق شهادتها على الجرح السوري, تتناول الجانب الإنساني الخالص من هذه الثورة التي لم تبقِ ولم تذرْ, بوك غطتِ كذلك الحرب الأميركية على أفغانستان, وغطتْ أحداث الربيع العربي كاملةً, حيث تعمل مراسلة ميدانية للقناة الدنماركية الرسمية دنماركس راديو في المنطقة العربية, وحوض المتوسّط. قسّمتِ الكاتبةُ الكتاب إلى فصول متعددة, تبدأ بتتبّع الإرهاصات التي مهّدتْ للربيع العربي, إذ تعطي فكرةً عامةً عن الواقع العربي المهين الذي يرزح تحته المواطن العربي, ثم تتناول قضية شرارة الربيع العربي, حين أحرق البوعزيزي نفسه, فبدأت مسيرة الربيع العربي التي لم تنتهِ بعد. تبدأ الكاتبة جوهر كتابها بتناول حيوات بعض الأشخاص السوريين كنماذج للإنسان السوري, بكل فئاته السنة , الشيعة, العلويين, الفقراء… تختار لكتابها بطلة اسمها – نور– طبعاً كل الأسماء تقريباً وهمية حفاظاً على حياتهم كما تقول الكاتبة – فتاة علوية تنحدر من أسرة ذات نفوذ في الدولة وتعمل في شركة سيريتل للاتصالات التابعة لرامي مخلوف, في العام الأول من الثورة تتعرّف على بعض الناشطين الشباب, وتبدأ بالخروج في المظاهرات سراً بعدها تقع في حبّ ميشيل الناشط الريفي المنحدر من القلمون, وتنضم إلى الثورة دون علم أهلها, وتهاجر من دمشق إلى يبرود حينما تنتقل الثورة من كونها سلمية إلى مسلحة. تعطي الكاتبة أهمية كبيرة في كتابها للقصف الوحشي الذي تعرضت له مدينة القصير, حيث أقامت فترة ليست بالقصيرة في القصير تقف فيها على أحوال الثوار, ومعاناتهم, وآمالهم, فتركز بشكل كبير جداً على الوضع الإنساني المتدهور, الذي كان غيرَ طبيعي في القصير بالأخص حينما قارب النظام من السيطرة على المدينة مدعماً بميليشيات حزب الله اللبناني, وجنودٍ إيرانيين, فتصف مشهداً من المشفى الميداني: ” تحت سماءٍ زرقاءَ كان المشفى الميداني عبارة عن بناية مدمرة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة, حيث كانت المدافع تقصف المدينة بشكل عشوائي, كانت أعداد الجرحى في ازدياد كبير, و كان الطبيب كّسام الطبيب الوحيد الذي كان ينتقل من جريح لأخرَ وهو يصرخ تارةً ويبكي تارة أخرى, يدعو الله, ويلطم وجهه مرات, كونه يرى الناس البُرئاء يموتون دون أن يتمكن من مساعدتهم …. ثم تردف وتنقل حديث أحد الجرحى, وهو يقول: إن كنّا نحن إرهابيين فما ذنب هؤلاء الأطفال والنساء هل هم أيضاً إرهابيون؟! ” تقول بوك كان هذا المشهد الأفظع في حياتي ثم تتابع, آمل أن أستطيع تصوير الحرب كما هي وأن أتمكن من نقل معاناة الناس كي تتغير نظرة الدنماركيين تجاه الصراع الدائر في سوريا, وأن أستطيع نقل الفظائع التي يرتكبها الأسد وجيشه بحق المدنيين العزل الذين لا يطلبون سوى حقهم البسيط وهو العيش بأمان وكرامة على أرضهم سوريا. تبدأ في فصل من الفصول وصف العائلة الأسدية من جذورها من نشأة الأسد الأب ومجزرة حماة وانقلاب الذي وصل به الأسد للحكم, كذلك مقتل باسل في ظروف غامضة, وتوريث بشّار الحكم بعد موت والده, وتشرح كيف تتم عملية إدارة الحرب في سورية مشيرة إلى دور تلك الثلة التي تحيط بالأسد من مقربيه و داعميه, كذلك جذور العلاقة بين الأسدين الأب والابن وكل من روسيا,و إيران, وحزب الله. كما تتناول حياة الأسد الابن بكل تفاصيليها وتستشهد بأقوال دكاترته الذين دسوه في بريطانيا حينما كان طالباً, وتنقل دهشة دكاترته الذين كان يرونه مثالاً للطالب النجيب المهذب الخجول , كيف تحول جزاراً ! كذلك تصف مفاصل العائلة الأسدية بدقة متناهية يعجزعن معرفتها الكثير من السوريين. من ضمن الشخصيات التي تتناولها بوك قصة شاب من مدينة باب الحلبية, حيث كان طالباً في جامعة حلب قسم الأدب الأنكليزي, كان يحلم بأن يصير مدرساً للغة الإنكليزية ويعرّف شباب وشابات الباب بما أبدعه وليم شيكسبير من أدب, لكنّ الحرب تأتي فتأخذ منه حلمه وتعطيه بدلاً منه بارودة روسية يلج بها ساحات الوغى بعد أن أخذت منه الحرب أباه وأخويَه, فتستشهد بمقطع من حديثه: “بوك” صِرتِ تعرفيننا جيداً نحن مسلمون لكننا لسنا إرهابيين, نحن عشنا أربعة عقود من القمع والكبت, فخرجنا إلى الشارع نطلب حريتنا, فقابلنا النظام بالقنابل والدبابات, ما الذي كان سيفعله أوباما لو فقدَ مثلي أباه وأخويَه أمام عينيه؟ نحن نحب الحياة, ونعشق السلام لكن لم يترك لنا العالم والنظام خياراً أخرَ نلجأ إليه, الغرب تخلى عنا,و المعارضة تتصارع على السرقة والجيش السوري الحر الذي كان حرّاً لكنه الآن صار يعمل لصالح أمراء الحرب, أما نحن الفقراء فنحن خيارنا الوحيد هو الموت والعذاب ودفع ضريبة الأخرين, لكنني كمؤمن بسوريتي قررتُ أن أموت هنا, وألا أترك التراب الذي أعشق” في الفصل الثالث قبل الأخير تحكي بوك على لسان بطلتها نور, قضية فشل الثورة السورية قائلة: الثورة السورية ثورة عظيمة وهي من أعظم ثورات العصر الحديث لكن الجانب الداخلي أو العقبة التي حالت دون نجاحها– شعبياً- هي كونها ثورةٌ ذكر وليستْ أنثى, احتكرها ذكورٌ, كانوا قد قمعوا المرأة منذ عقود وعقود.فالنظام قمعهم ,وهم قمعوا المرأة بدورهم, فجاءتِ الثورة , فزاد النظام قمعَ المجتمع الذي بدوره زاد قمعه للمرأة, تقول نور ضاحكةً ً:على الرجال أن يعتذروا من النساء, ويعترفوا بها مقابلاً موضوعياً لهم في المجتمع وقتها ستعود الحياة إلى مسارها الصحيح والمطلوب” تسافر بوك مراتٍ كثيرة بين كل المدن السورية المشتعلة تقريباً, تتعرض للموت مرات عديدة وترى الصحافيين يختطفون ويُقتلون, فتتذكر زوجها وأولادها وهدوء الدنمارك في مساءات الصيف الهادئة, وتسأل نفسها والموت يحيط بها ما الذي تفعله هنا, فتقرر الانسحاب والعودة إلى بلادها, لكنها تتذكر الإناس السوريين الطيبين الذين التقتْ بهم وتعرّفت عليهم, وعاهدت نفسها أن تكون صوتهم للعالم, فتتمسك بالبقاء مرة أخرى لتوثق الجانب الإنسان من الحرب السورية. تأتي بوك في القسم الأخير من كتابها لزيارتها للمنطقة الكردية التي رفضت الرضوخ لداعش كباقي المدن السورية, وأعلنت حربها على داعش, فقط تذكر هذا الخبر عن الشمال السوري الذي أقامت فيه أربعة أيام فقط. أما عن الجانب الوصفي, والسردي الذي تناولت به الحدث السوري, فقد لجأت بوك إلى الوصف الدقيق جداً للأشخاص و ملامحهم, البيوت, زواياها الدقيقة, الصور المعلقة على الجدران, ملامح الجنود وهم يسألونها عن أوراقها على حدود السورية مع لبنانَ, تصف الشخصيات مبرزةً الجانب الأخرَ منها البعد الإنساني العميق الذي يقود الناس في حلمهم وحربهم, تستطيع سِبْرَغور الإنسان السوري المقهور بشكل رائع ومشوق جداً. الموضوعية : هي تناولت الربيع العربي بكل جوانبه, استندت إلى شهادتها أولاً وشهادة شهود الأعيان ثانياً, ووثقت كتابها بشواهد ووثائق لا تترك للشكّ مكاناً,و بالأخص من الجانب السوري, والوجع السوري الذي صمتَ عنه العالم , لكنها بالمقابل تناولت فقط الجانب المعارض من الإنسان السوري, وذكرت مجازر النظام الوحشية ولم تأتِ على ذكر أي من تجاوزات المعارضة وتطرّفها, بل اكتفت بوصف المعارضة بمقاتليها ومؤازريها, ومعاناة الناس في ظل هذه الحرب, دون أن تنبس ببنت شفة عن تجاوزات المعارضة التي كانت في الأحيان عديدة قريبة من تجاوزات النظام. تحاول الصحفية الدنماركية بوك دامسغورد في كتابها أن تكون شاهدة على حرب مزقتِ البلد, وشردت الأهالي ولم يعد للأمن فيها مكان, بعدما تخلى العالم بأكمله عن شعب بريء أعزل بين براثن وحش لا تعرف الرحمة لقلبه طريقاً, بوك تحاول أن تكون سفيرة الوجع السوري الذي تُركَ لمصيره وحيداً, لا معين له ولا ناصر. أنهت كتابها في صيف 2014 في القاهرة. وللكاتبة كتابٌ أخرَ عن سوريةَ وهو قيد الطبع الآن وسيصدر قريباً.

المواضيع المشابهة