مشاركة البارتي في الإنتخابات السياسية في سوريا

 

كارزان ياسين

في صباح الخميس 28 سبتمبر 1961م أُذيع بلاغ عسكري من إذاعة دمشق باسم (القيادة الثورية العربية العليا للقوات المسلحة)، يفيد قيام الجيش بقيادة العقيد عبد الكريم النحلاوي، وعدد من الضباط الدمشقيين بحركة إنقلابية إيذانًا بإنفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة وإعلانها دولة مستقلة ذات سيادة باسم (الجمهورية العربية السورية) ، وتهيأ الإنفصاليون لإجراء الإنتخابات النيابية في أول أكتوبر 1961م([1]).

وقررت اللجنة المركزية للبارتي الإشتراك في الإنتخابات بترشيح الشيخ محمد عيسى ملا محمود وعبدالحميد درويش، وعندما تبين صغر سن الثاني عن سن الترشيح القانوني، لم يقدم أوراق ترشيحه، فاختارت اللجنة المركزية الدكتور نورالدين زازا، مرشحًا بديلاً للبارتي بعد الشيخ محمد عيسى.

وقد دخلَ شيوخ العشائر العربية، وبعض آغوات الأكراد وبعض أبناء بورجوازية القامشلي في تحالفات وتشكلت قوائم مشتركة في مواجهة قوائم أخرى، تتنافس على شراء ود السلطة، ومن بين هؤلاء كان (آل حاجو) الذين كانوا يساندون المرشحين الذين يقفوا ضد البارتي، ومنهم أحد أفراد عائلتهم، وكان هؤلاء يدركون ما للبارتي من تأثير في المجتمع الكُردي، لذا حاولوا أن يلعبوا دورًا، بدفع قيادة البارتي إلى التنازل عن ترشيح الشيخ محمد عيسى لصالح بعض الإقطاعيين أو البورجوازية، ولكن القيادة رفضت فظل مرشح آخر بفرده وهو فؤاد قدري جميل باشا، قيل إنه كان مدعومًا من الحزب الشيوعي، فقررت القيادة إضافة اسمه إلى لائحة مرشحيها، وبذلك أصبحت القائمة مكونة من ثلاثة مرشحين، وقبل أن تبدأ الإنتخابات في أول ديسمبر 1961م([2]) ، بدأ ضغط السلطة، ففرضت على عبدالحميد درويش الإقامة الجبرية في قريته القرمانية فترة الإنتخابات وذلك للحد من تحركاته، نظرًا لدوره النشط وشعبيته التي يتمتع بها بين أوساط الجماهير الكُردية، ورغم ذلك كان يقوم بالاتصال بالجماهير وحثهم على المشاركة في الإنتخابات سرًا([3])،  مع أن الدكتور نورالدين كان قد التقي بوزير الداخلية ورئيس الأركان، اللذين طمأناه على ديمقراطية الإنتخابات وحرية التصويت([4].

وقد طلبت السلطات قبل يوم من الإنتخابات من الدكتور نورالدين زازا والشيخ محمد عيسى الإنسحاب، لكنهما رفضا ذلك، فتم تهديد الدكتور نورالدين بإعتقال أخيه الدكتور أحمد نافذ إن لم يستجب لطلبها لكنه تمسك بالإستمرار فاعُتقل في 29 نوفمبر 1961م، بينما اعُتقل الشيخ محمد عيسى في اليوم التالي، قبل بداية الإنتخابات، ومع ذلك لم ينسحبًا ومارست السلطة خروقات خلال مراحل التصويت في أماكن عديدة خاصة في منطقة عامودا، وذلك بإعتقال أعداد كثيرة من وكلاء المرشحين([5]) ، وكان التضيق على المرشحين هو الأبرز في كل المناطق ما عدا منطقة الدرباسية حيث جرت فيها الإنتخابات بشكل ديمقراطي وهادئ دون تدخل السلطات، مما يثير التساؤل، لماذا الدرباسية؟  مع أن مدير ناحية الدرباسية خلال الإنتخابات هو نفسه كان مدير ناحية عامودا، والذي كان على رأس عمله عندما وقعت كارثة سينما عامودا، والتي أودت بحياة أكثر من 250 طفلاً، يومها أشير إليه بأصابع الاتهام، من هنا جاء موقفه محايدًا، وعمل على نزاهة الانتخابات في دائرة عمله الجديد، لتبرئة ساحته من التهم الموجهة إليه، ويظهر أمام الملأ بوجه أبيض، ونظرًا لأن الإنتخابات في الدرباسية سارت بشكل طبيعي فقد حصل الدكتور نورالدين زازا على أعلى الأصوات([6]) .

ونظرًا لشعبية الحزب الكبيرة التي أفرزتها الإنتخابات لجأت السلطات في المحافظة، وفي القامشلي وفي العاصمة إلى التضيق بتقطيع أوصال منطقة القامشلي إداريًا وتقسيمها بين عدة مناطق فضم قسم منها إداريًا إلى منطقة رأس العين، وقسم أخر إلى الحسكة لتحجيم منطقة القامشلي وتفتيت القوى الكُردية الكبيرة فيها، وشهدت هذه الإنتخابات إقبالاً واسعًا من الكُرد رغم أن مرشحي البارتي حصلوا على أصوات كثيرة والغالبية في بعض المناطق إلى أن السلطة حالت دون ظهور النتائج الحقيقية وتم إطلاق سراح مرشحي البارتي ووكلاؤهم من السجون في 3 ديسمبر 1961م، بعد أن انتهت كل عمليات التصويت والفرز، والإعلان عن أسماء الناجحين في الإنتخابات في الجزيرة وعلى أثرها قدم المرشحان الشيخ محمد عيسى والدكتور نورالدين زازا، طعنًا إلى القضاء في صحة الإنتخابات وعرضا أدلة مقنعة ووقائع كثيرة، دون جدوى([7]) .

مما سبق يتضح إن الإنتخابات كانت فرصة مناسبة وفريدة للبارتي لتحقيق طموحاته، ولكن حكومة الإنفصال واجهت قدرة وقابلية مرشحي البارتي في المشاركة في الإنتخابات، لذلك لم يتمكن البارتي من الوصول إلى السلطة التي كان يحلم بها منذ تأسيسه.

 

 

([1]) غسان محمد رشاد حداد، أوراق شامية من تاريخ سورية المعاصر(1946-1966م)، مكتبة مدبولي، القاهرة، د.ت، ص118؛ اندرو راثميل، الحرب الخفية في الشرق الأوسط (الصراع السري على سوريا 1949-1961م)، ترجمة، عبدالكريم محفوظ، د.م، د.ت، ص209؛ بشير زين العابدين، الجيش والسياسة في سورية (1918-2000م)، دار الجابية، 2008م، ص311؛ محمد جزاع، مرجع سابق، ص70.

([2]) محمد ملا أحمد، صفحات من حركة التحرر الوطني الكُردية في سورية…، مرجع سابق، ص.ص123-126.

([3]) ميداس آزيزي، مرجع سابق، ص20.

([4]) محمد ملا أحمد، صفحات من حركة التحرر الوطني الكُردية في سورية…، مرجع سابق، ص.ص125-126.

([5]) ميداس آزيزي، مرجع سابق، ص20.

([6]) محمد جزاع، مرجع سابق، ص.ص72-73.

([7]) محمد ملا أحمد، صفحات من حركة التحرر الوطني الكُردية في سورية…، مرجع سابق، ص.ص127-128.