علاقة الكرد بالتصوف من خلال الطريقة النقشبندية

أ. نوبار محمد

علاقة الأكراد بالإسلام علاقة متجذرة ,بدأت مع نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم، من خلال الآيات التي تحدثت عن موطن الأكراد،حيث المكان الذي نزل فيه نبي الله نوحٌ عليه السلام: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ ويا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}([1])، أو من خلال التحدث عن صفاتهم ، كما أورد ذلك بعض المفسرين ،كالآلوسي في تفسيره عند قوله تعالى: {قل لّلمخلّفينَ من الأعرابِ ستُدعونَ إلى قومٍ أولي بأسٍ شديدٍ تُقاتلونهم أو يسلمونَ ..} وأولي بأس شديد أي ذوى نجدة وشدة قوية في الحرب حيث يقول السيوطي في معرض تفسيره لقوله تعالى ” ستُدعون إلى قومٍ أولي بأسٍ شديد ” : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال : البارز يعني الاكراد كما في الدر المنثور ، وأخرج ابن المنذر . والطبراني في الكبير عن مجاهد قال : اعراب فارس واكراد العجم ، وظاهر العطف أن اكراد العجم ليسوا من اعراب فارس ، وظاهر إضافة اكراد إلى العجم يشعر بأن من الأكراد ما يقال لهم أكراد العرب ، ولا نعرف هذا التقسيم وإنما نعرف جيلاً من الناس يقال لهم أكراد من غير إضافة إلى عرب أو عجم([2])، ولابد هنا من بيان أن مصطلح (اعراب فارس) و (اكراد العجم) و ( عجم العراق ) مصطلح إداري ، ظهر في الفتوحات الإسلامية للتميز بين الجزء الذي يسكنه الفرس والعرب من الجزء الذي يسكنه الاكراد .

أو من خلال الصحبة لرسول صلى الله عليه وسلم، كالصحابي جابان رضي الله عنه.([3])

وهذه الرمزيات الثلاث من الأهمية بمكان لكل ذي لبّ، مع العلم أن الأكراد احتكوا بالإسلام واقعياً في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بقيادة عياض بن غنم وعتبة بن أبي وقّاص وجرير بن عبدالله البجلي والنّعمان بن مقرّن المزني وأبو موسى الأشعري  وقد كان الغالب في الفتوحات الإسلامية هنا الطابع السلمي وليس القتال([4]), ,وساد فيهم مذهبالإمام الشافعي  في القرن الرابع الهجري, ومذهب الإمام أبي الحسن الأشعري في العقيدة, وكانا الأساسفيهم مع انتشار أقل للمذهب الحنفي([5])، وقد بدأ التصوف بين الأكراد بشكل مبكر جداً في وكان لهم دور كبير في نشره وترسيخه،ونذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض أهم الطرق،وهي الطريقة الكسنزانية والقادرية نسبة إلى الشيخ عبدالقادر الكيلاني (الجيلاني)، و الرفاعية نسبة إلى الشيخ أحمد الرفاعي,ويمكن القول أن المرحلة البارزة كانت مع ظهور الطريقة النقشبندية،في بداية القرن الثاني عشر للهجرة عام 1808 م، على يد الشيخ خالد الشهرزوري من العشيرة الميكائيلية الكردية([6])، واستمرت الطريقة إلى بداية القرن الرابع عشر للهجرة بشكل لافت، ثم بدأ بريقها يخبو بشكل ملحوظ في نهاية السبعينات من القرن الماضي.

والتصوف يعرف بأنه: علمٌ تُعرف به أحوال تزكية النفوس، وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعاد الأبدية.([7])

تكمن أهمية الطرق الصوفية هنا في الحفاظ على طابع الوسطية في المجتمع الكردي وخاصة إذا علمنا أن الوهابية كانت قد ظهرت وبدأت بالتوسع في شبه الجزيرة العربية, وقد كانت أفكار الحركة هي الأساس في ظهور السلفية الجهادية فيما بعد، بالإضافة إلى ظهور حركات التشيع والهرطقة التي رافقتها.

وقد كانت للطريقة النقشبندية ميزة بالنسبة للأكراد لعوامل عديدة منها:

  • زعامة الطريقة والتي كانت كردية بامتياز ولما لذلك من عامل جذب بالنسبة للشعب الكردي ووحدة الصف فقد كان معظم مشايخ الطريقة أكراداً ليس على مستوى السليمانية وآمد وباتمان وسنه واروميه والسليمانية وأربيل فقط بل تعدّاها إلى المدينة المنورة وبغداد والكوفة وكان مشايخ المدن الأخرى مريدين لمشايخ الأكراد كمعرة النعمان ودمشق ومدينة التل وطرابلس في لبنان ومدن في تركيا.
  • حجم الانتشار الذي حظيت بها الطريقة في البلدان الإسلامية لما كان لمشايخ الطريقة من سلطان على الناس والأمراء, فقد بلغت تكايا الطريقة في استنبول وحدها أكثر من ستين تكية مؤخراً.
  • المدينة التي بدأ انتشار الطريقة منها ولما لها من رمزية كردية وهي ( السليمانية ) .
  • قادة الثورات الكردية والذين كانوا ينتسبون للطريقة سواء كانوا مريدين أو مشايخ حتى إنّ جميع قادة الثورات الكردية في الأعوام الأخيرة كانوا من أتباع الطريقة النقشبندية فالنهريون والبرزانيون والشيخ سعيد والقاضي محمد والبرزنجيون ومنهم الشيخ محمود الحفيد كلهم من دون استثناء كانوا يتبعونالطريقة ويُروِّجونَ لها وقد خرج من البرزنجيين علماء أجلاء كثر كان لهم بصمة مميزة في التاريخ الكردي الإسلامي.
  • قدم الكرد في التصوف وتشرُّبهم لمسلكها وترأسهم لمشيختها من قبل, فقد كان الشيخ الجنيد منهم (000 – 297 = 000 – 910م ) حيث يعود نسبه إلى مدينة نهاوند في إيران حالياً إضافةً إلى مشايخ وعلماء في الطريقة كالشيخ عبدالقادر الجيلاني وغيره ممَّن ذاع صيتهم في الآفاق.([8])

من خلال تتبُّعنا للأحداث يمكن القول أنّ التصوف لم يكن يقتصرْ على عوام الناس من الأكراد بل شمل الخاصّة منهم كالزعماء والأمراء والعلماء منهم وبدأت الطريقة بالانتشار بين الشعوب المجاورة للأكراد من عرب وفرس وترك ووصلت إلى بلاط الدولة العثمانية وقادة الجند فيها حتى إنّهم – قادة الجند- كانوا يُرسلون الرسائل للشيخ خالد الشهرزوري طلباً للدعاء في معاركهم؛ كرسالة الشيخ ردّاً على رسالة عبدالله باشا حاكم أيالة ( عكا ) بعد طلب الدعاء من الشيخ في عام 1242 للهجرة في معركة ضد الدروز نتيجة تمرُّدهم على الدولة العثمانية: ((وعليكم بصِدْقِ النِّيَّة, وتحقيق الأمْنِيَّة, والتعويل عليه تبارك وتعالى من يسير وعسير ….)([9]), و الرسائل التي ورَدَتْهُ من بلاط القصر العثماني متمثلة في شخص مفتي القصر أو الوزراء أو الولاة ومنها رسالة إلى راغب أفندي وكذلك الرسالة من دمشق إلى دار الخلافة جواباً لمريده محمد نجيب بك أفندي([10]), وقد أصبح هذا الأخير والياً على بغداد ثم دمشق و كذلك داوود باشا حاكم بغداد كما أنّ دور مشايخ الطريقة لم يقتصر على النصح والإرشاد بل تعدّاه إلى حلِّ الخلافات المتمثلة بحركات التمرد أو الخروج على حكم الولاة أو حتى الوقوف على المعارك من خلال نصح القادة  وتأييدهم كما ظهرت جليةً في الرسائل التي كانت تُرسلُ إلى والي الكوفة السيد عبدالقادر أفندي مفتي البصرة والتي كان الشيخ يقف على مجريات المعارك التي تُخاض ضد الوهابيين فيها([11]).

ومكانة الطريقة في الدولة العثمانية ودعمها كانت كبيرة لأسباب أهمها:

  • الوقوف في وجه المد الشيعي المتمثل بالدولة الصفوية (إيران).
  • الوقوف في وجه الفكر الوهابي المتمثل في شخص محمد بن عبدالوهاب والذي كان ينتشر في شبه الجزيرة العربية.
  • بنية الدولة العثمانية ومنهجها في دعم الطرق الصوفية.

لقد كان للطريقة دور في القضاء على الجهل والسرقة والقتل واللصوصية  المنتشرة في كردستان وقد لوحظ ذلك بشكل جلّي، مما سما بأخلاق أبناء المنطقة وهذبها. وقد كان لبناء المدارس و الاهتمام بالتعليم دور كبير في ذلك حيث ورد في بعض رسائل الشيخ خالد إلى مشايخ العمادية أنّ المنطقة تحتاج إلى المساجد لتعليم الناس وإرشادهم إلى الخير وقد كانت المساجد([12]), تقوم بدور تعليمي إلى جانب التربية الدينية أمّا الكتب التي كانت تدّرس فهي كتب اللّغة العربية والفقه والتفسير والفلسفة والرياضيات .

والنقطة البارزة الأخرى هي اتّباع القادة الكرد للطريقة، ويجب هنا الوقوف قليلاً لما لذلك من أهمية في مسيرة التحرر الكردي وذلك من خلال العائلة البرزانية.

حيث نجد هنا أن التصوف ليس كما يتصور البعض مجرد تكايا أو زوايا أو دروشة سلبية.

استطاعت الطريقة من خلال الروح الجديدة التي زرعت فيها من إعادة الألق إلى روح الأمة الكردية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام من خلال التركيز على القرآن والسنة والتركيز على الجانب الأخلاقي والعلمي فقد كان منهم الفقهاء والمفسرون والنحاة وتسلم آخرون الإفتاء في مراكز المدن المهمة ناهيك عن الولاة والقادة الذين كانوا يرون أنفسهم تلاميذ أو مريدين للطريقة.

يبيّن الرئيس مسعود البرزاني نسب مشايخ البرزانيين بالقول:” وينتسب شيوخ بارزان إلى سلالة أمراء العمادية حيث نزح جدهم مسعود إلى قرية هفنكا القريبة من برزان واستقر هناك وتزوج من إحدى فتيات القرية فخلّف ابناً سمّاه سعيداً, وبقي هو الآخر هناك حتى انتقل حفيده الشيخ تاج الدين إلى برزان, وكان هذا الأخير عالماً دينياً مرهوباً فالتف حوله عدد كبير من المريدين وأسس تكية في برزان وعاش فيها حتى وافته المنية فخلّف ابنه الشيخ عبدالرحمن وبعد وفاته خلَفَهُ ابنُهُ الشيخ عبدالله الذي كان قد اشتهر بالزهد والتقوى وأرسل ابنه الشيخ عبدالسلام (الأول) إلى مدرسة (نهري- في كردستان تركيا حالياً) لتلقّي علومه الدينية على يد الشيخ الكبير (السيد طه النهري) وبعد وفاة والده أدار هو شؤون تكيّة برزان([13])“.

مع العلم أن العائلة عريقة في العلم الشرعي وقد كان استلام المشيخة من قبل الشيخ عبدالسلام البرزاني على يد الشيخ خالد الشهرزوري نفسه مع الشيخ  طه النهري .

لم يعمّر الشيخ عبدالسلام طويلاً ولكنّ وَرَعَه وزُهْدَه كان واضحاً من خلال ما نُقِلَ عنه، وبلغ من رقّة قلبه أنّه مَنَعَ قطْعَ الأشجار وقَتْلَ الحيوانات البرِّيَّة وكان ناصراً للضعفاء مما حدا بالمسيحيين للاستنجاد به من ظلم بعض زعماء العشائر وقد كان ذلك سبباً في الوشاية به لدى الدولة العثمانية متمثلة بوالي بغداد من قبل البعض المتذمر من سلطة الشيخ رحمه الله وأقصد هنا عشيرة الزيباريين بل قاموا بترويج الكثير من الافتراءات على شخص الشيخ عبدالسلام بهدف النيل منه، وقد استلم مشيخة الطريقة من بعده الشيخ أحمد البرزاني, وكان عصره العصر الذهبي للبرزانيين بالنظر إلى كثرة المريدين وأتباع الطريقة النقشبندية الموالين، لم يكن البرزانييون مشايخ طريقة فحسب، بل زعماء يملكون السلطة الدنيوية أيضاً وهي نقطة مهمة جداً لما ترتب على ترك العائلة – لزعامة المشيخة – من أثار فيما بعد،وبعد الشيخ أحمد استلم الشيخ عبدالسلام الثاني الطريقة, ومن الجميل أن نذكر أنه حتى وفاة الشيخ عبدالسلام الثاني كان المكتب السياسي للبارتي بقيادة الملا مصطفى البرزاني لا يقطع أمراً إلا بعد استشارة الشيخ وموافقته على القضايا المطروحة وبعد وفاته استلم الملا مصطفى البرزاني مشيخة الطريقة حتى نهاية السبعينيات من القرن الماضي حيث توفي الملا مصطفى البرزاني (1903 – 1979 م).([14])

أعتقد أن تخلي العائلة البرزانية عن السلطة الدينية بعد وفاة الملا مصطفى البرزاني متمثلة بالطريقة النقشبندية كان خطأً كبيراً, فقد بدأت التيارات الإسلامية تظهر بعد ذلك مباشرة بسنوات قليلة في بداية الثمانينات من القرن الماضي؛ لتفقد الحركة الوطنية المتمثلة بالبرزانيين أهم رافد لها وهي الشريحة المتدينة على الأقل حزبياً، فقد برهنت الأحداث أن معظم الثوار المنضوين في ثورة البرزاني  والذين شكّلوا عامل دعم قوي لها كانت من الشريحة المتصوفة متمثلة بالمشايخ والملالي الذين كان يسعى أحدهم من كردستان سوريا إلى كردستان العراق تاركاً الولد والزوجة في سبيل التشرف بخدمة الملا مصطفى البرزاني في ثورته ضد الحكومات العراقية الديكتاتورية . وهذا لا يعني بطبيعة الحال الطعنفي وطنية التيارات الإسلامية الجديدة على الساحة الكردية كي لا يحمل الكلام على غير سياقه.

كما لا يمكننا أن نذكر أهمية الاعتدال في التصوف إلا بتذكر نقطة مهمة جداً وهو عامل الجذب لغير المسلمين للولاء والتحكّم لمشايخ الطريقة وزعمائها والالتجاء إليهم عند تعرضهم للظلم  وقد مر بنا أن المسيحين في العراق ونقصد هنا المناطق الواقعة قريباً من زعامة البرزانيين كانت تقصدهم بدافع رفع الظلم الذي كان يلحقهم من الزعماء المحليين وقد كان لانضمام المسيحيين إلى ثورة الشيخ سعيد أهمية كبيرة في كون المسيحيين آثروا الدخول تحت عباءة الشيخ الإسلامي النقشبندي على الدخول تحت سلطة الدولة التركية العلمانية.

بقي التصوف مهيمناً على الأكراد وعامل أمان لهم فكرياً وعملياً وانتقلت الزعامة بعد الشيخ خالد في معظمها إلى تلامذته من الأكراد, وقد تولى الإرشاد من بعده الشيخ إسماعيل الأناراني([15])،  ولتسليط الضوء أكثر نبيّن هنا الجانب الغربي من كردستان أو ما يسمى بكردستان سوريا حيث نزح إليها كوكبة من العلماء الأجلاء من بيت الخزنوي والديرشوي والعلواني (الزيباري) من كردستان تركيا في بداية القرن الماضي لتصبح أماكن إقامتهم مدارس تعلم الناس الشريعة ليس في منطقة الجزيرة فقط بل استقطبت طلاباً من أقاصي الشرق والغرب من الصين واندونيسيا والمغرب والجزائر ودول أفريقيِّةٍ أخرى وكان المشايخ إلى جانب التعليم في المدارس ونشر الطريقة يزورون القرى الكردية الصغيرة والبعيدة كلَّ فترةٍ حتى لا يخبوَ نورُ العلم فيها،  وقد تميّز الرّعيل الأوّل منهم بالعلم الغزير والزهد والتقوى والورع، و كان لهم دور بارز في الحفاظ على وسطية الإسلام ومنع الأفكار الدخيلة من الولوج إلى الفكر الإسلامي الكردي بل إنّ بعض المشايخ المتأخرين هاجموا الفكر الوهابي بشدة من خلال تأليف الكتب للرد على أفكارهم([16])، واستمرت النقشبندية حتى نهاية التسعينات من القرن الماضي ليبدأ نجمها بالأفول نتيجة عوامل عديدة لعلّ أهمها:

1- محاربة الدين من قبل النظام العلماني الحاكم, والتضييق على المشايخ ومنعهم من التدريس, بل مضايقة أتباعهم وترهيبهم من زيارتهم, وذلك عقب الأحداث التي وقعت بين الحكومة والإخوان المسلمين في بداية الثمانينات من القرن الماضي, حيث نتج عن ذلك أن بدأت الحكومة تحارب كل مظاهر التدين.

2- تلقي الجماعات الوهابية والسلفية والشيعية الدعم السخي من الحكومات التي تتبنى ذلك الفكر, وتمد جماعاتها بالمطبوعات المجانية أو شبه المجانية, وقبول أبنائها في جامعات تابعة لها من خلال مِنَح مجانيّةٍ, بينما لم تجد الجماعات الصوفية أية جهة تدعمها أو تتبناها ونقصد هنا المعتدلة منها لأن كثير من الطرق تم دعمها من قبل بعض الحكومات لما فيها من عوامل مساعدة على تثبيط الهمم والخنوع للحكومات .

  • تبني أحزابنا الكردية الاشتراكية الماركسية اللينينية التي تحارب الدين وتعتبره أفيون الشعوب, فكانتهذه الأحزاب تحارب الدين من خلال محاربتها للرموز الدينية في المنطقة, وكانت تتلقى من الحكومة العلمانية كل الدعم والتأييد.كما كانت هذه الأحزاب تتلقى المنح المجانية لمنتسبيها من الدول الاشتراكية للدراسة في جامعاتها, فكانوا يتخرجون من تلك الجامعات ويحملون فكرهم المعادي للدين.

يضاف إلى ذلك أسباب داخلية تتمثل في :

– الخلافات التي دبت بين أفراد تلك العوائل أنفسهم في كثير من الأحيان, بل ذهب نتيجتها ضحايا في بعض الأحيان, فأصبحت الطريقة وسيلةإلى الشهرة والزعامة بعد أن كانت وسيلة لتزكية المجتمع من أمراضه ونشر تعاليم الإسلام السمحة

-وقد كان كثير ممن استلم المشيخة فيما بعد يفتقد إلى العلم الشرعي الذي يؤهله للمشيخة فضلاً عن التربية الصوفية, وقد بدأ بعض المشايخ يحيطون أنفسهم بهالة من القدسية والكرامات  كان سلفهم يتورع عن ذكرها ناهيك أن ينسبها لنفسه ظنّاً منهم أن ذلك سيكون عامل محافظة على ولاء الناس لهم ولقد وصل الانحراف ببعضهم إلى درجة أن ينتسب بنسب يتصلبالرسول رغم نسبهالكردي المعروف والذي لا يمتُّ إلى بيت النبوة بِصِلةٍ، وقد وصل الأمر ببعضهم إلى محاربة العلم رغم أنّ أسلافه كانوا قناديل علم.([17])

هذه العوامل وغيرها كانت سبباً رئيساً في ظهور تيارات إسلامية جديدة على الساحة الكردية وبخاصة بعد حرب أفغانستان وحرب الخليج الثانية؛ لتبدأ مرحلة فكرية إسلامية جديدة بالظهور في  الأمة الكردية هي في غاية الدقة وأخذت شكلاً جديداً مختلفاً عما كان عليه في السابق وإذا شاء الله وأسعفنا العمر سيكون لنا بحثٌ في الموضوع .

يمكن أن نستخلص مما تقدم الأمور التالية:

1 – طابع التصوف المعتدل لدى الأكراد والذي كان يتمثل في الزهد وكثرة الأذكار في الوقت الذي اتجهت بعض المدارس إلى إلباسه طابعاً فلسفياً أخرجه من حقيقته.

2 – جهود العلماء الكرد في المحافظة على الفكر المعتدل المتمثل بالصوفية النقشبندية ومحاربة الأفكار المتشددة.

3 – الحفاظ على هوية المجتمع الكردي وتماسكه من خلال التصوف.

4 – الثورات الكردية وطابع التصوف المهيمن عليها من خلال القادة والجند.

5 – دور التصوف في الوعي القومي الكردي من خلال دعم الثورات الكردية.

6 – قدرة التصوف على التعايش مع المسيحيين واليهود، بل وجذبهم إليها للاحتكام في الخلافات و المظالم،  ويمكن مراجعة حياة الشيخ عبدالسلام البرزاني وثورة الشيخ سعيد للوقوف أكثر.

7 –لم يكن الإسلام يوماً سبباً أو مساعداً على الظلم الذي تعرّض له الأكراد, بل على العكس تماماً فقد كانت جلّ الثورات بل كلّها تقوم بدعم من مشايخ وعلماء الكرد وفتاويهم التي كانت لولاها لَمَا قامت ثورات كردية تعتبر إلى اليوم مصدر إلهامٍ ومصابيح تنير دروب الأجيال اللاحقة.

8 – دور علماء ومشايخ الصوفية في نشر العلم في ربوع كردستان.

 

المراجع

([1]) القرآن الكريم, سورة هود: الآية (44).

([2]) تفسير روح المعاني للعلامة الآلوسي: الآية (16) من سورة الفتح الجزء (26) الصفحة 102.

([3]) تاريخ الكرد في العهود الإسلامية,  د. أحمد محمود الخليل: الصفحة (133 – 144 -146).

([4])فتوح البلدان, البلاذري: الصفحة (180 – 182– 302 – 303 – 304).

([5]) آدم متز, الحضارة الإسلامية: الجزء الأول الصفحة 39.

([6]) علماء دمشق وأعيانها في القرن الثالث عشر الهجري للمؤلفين محمد مطيع الحافظ ونزار أباظة, الجزء الأول الصفحة (298 – 335 ) مطبعة دار الفكر.

([7]) هامش الرسالة القشيرية, شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: الصفحة (7).

([8]) تاريخ الكرد في العهود الإسلامية, د. أحمد محمود الخليل: الصفحة (338 – 339).

([9]) بغية الواجد ( الرقعة الثالثة والسبعون) (الرقعة الرابعة والسبعون).

([10]) المرجع السابق ويمكن بيان أكثر من رقعة للاسم المشار إليه.

([11]) المرجع السابق: و(الرقعة) عبارة عن رسالة من الشيخ خالد الشهرزوري إلى مشايخ الطريقة ومريديها وإلى الولاة وقادة الجند وأحياناً تكون الرقعة عبارة عن رسالة عامة يراد بها توضيح غامض أو توجيه جماعة كبيرة.

([12]) المرجع السابق ( الرقعة الخامسة والتسعون ) وكانت الرسالة إلى الشيخ( يحي المزوري).

([13]) راجع كتاب البرزاني والحركة التحررية الكردية :السيد مسعود البرزاني.

([14]) المرجع السابق .

([15]) بغية الواجد : الرقعة السادسة والتسعون.

([16]) ردود على شبهات السلفية للشيخ محمد نوري الديرشوي, السلفية مرحلة زمانية مباركة وليست مذهباً , د. البوطي.

([17]) مراجعة مقدمة ومضات في ظلال التوحيد للشيخ محمد معشوق بن الشيخ عزالدين الخزنوي طبعة 2004 الدار المتحدة.