غلاف كتاب الكرد والأرمن العلاقات التاريخية للكاتب فارس عثمان, من منشورات مكتبة جارجرا.

فصل من كتاب: الكرد والأرمن العلاقات التاريخية.
من منشورات، مكتبة جارجرا، ط1 2008

 

تشكل مجازر الأرمن نقطة إشكالية في العلاقات التاريخية بين الكرد والأتراك والأرمن نظرا لتأثير تلك المجازر والنتائج الكارثية التي نتجت عنها ، ومحاولة بعض الكتاب والباحثين بقصد أو بغير قصد تحميل الشعب الكردي كشعب وليس بعض الكرد كأفراد أو كمجموعات تبعية تلك المجازر . رغم أن الشعب الكردي مثله مثل الشعب الأرمني تعرض لمجازر مماثلة وعلى أيدي نفس السلطات أي السلطات التركية التي قامت بإبادة الشعب الأرمني.

ولم يقل حقد السلطات العثمانية ومن ثم التركية ضد الشعب الكردي عن حقدهم ضد الشعب الأرمني ، لا بل كانت السلطات العثمانية في أغلب الأحيان (( أكثر تحيزاً ضد الأكراد خلال بضع عشرات الأعوام الأولى من القرن التاسع عشر ، ولم تطرح خطة القضاء على الأرمن إلا في الخمسينيات من ذلك القرن وبالتدريج. ))[1].

ويذكر الأمير جلادت بدرخان الذي كان يشارك في بداية الحرب العالمية الأولى في الجيش العثماني برتبة ضابط في منطقة أذربيجان ، ومع الطابور العسكري الذي كان يقوده أنور باشا أحد مجرمي مجزرة الإبادة الأرمنية ، وفي إشارة واضحة إلى أن الأتراك كانوا يخططون لمجزرة مماثلة للكرد شبيهة بالمجازر التي نفذت بحق الأرمن ، بعد الانتهاء من جريمتهم الأولى فيقول : (( كنت في تلك الآونة في مدينة باكو مع طابور أنور باشا في الجبهة ، وكنت قومنداناً  نجتمع على الأكل 30 أو 40 ضابطاً تركياً ، ويدور الحديث بينهم على الشكل التالي :

قضينا في طريقنا إلى هنا على الـ ( زوZO) ، وسيكون الدور على الـ ( لو LO ) . متى العودة ؟. كان ذلك يتردد على أسماعي مرات يومياً ، وكانوا يقصدون  بالـ ( زو ) الأرمن ، وبالـ ( لو ) الأكراد. ))[2].

كما أن الشعبين الكردي والأرمني وبحكم التعايش المشترك والموقع الجغرافي المتداخل تعرضا لمذابح عديدة منذ غزو السلاجقة الأتراك ومن ثم المغول التتر والصفويين ، وكان الفصل الأخير والأكثر وحشية وبربرية ، هي مذابح العثمانيين والتي وصلت وحسب القوانين الدولية إلى حد الإبادة الجماعية ( الجينوسايد ) .

ولا يذكر تاريخ العلاقة بين الشعبين الذي يمتد لأكثر من خمسة وعشرين قرناً من الزمن شواهد وحوادث عن حالة العداء التاريخية بين الجانبين تؤدي إلى ارتكاب المجازر الوحشية بسبب الخلافات السياسية ، أو الاقتصادية ، أو بسبب التعصب والاختلاف الديني ، وهناك مئات الشواهد التي تدل على عكس ما يذهب إليه هؤلاء فيؤكد الباحث الأرمني البرفسور مانوف ييل ارسونوفييج حسرتيانManov.lErsonov,` Hesretyan في أحد أبحاثه عن انتفاضة الشيخ سعيد بيران عام 1925 (( على العموم لم يكن التعصب الديني من صفات الأكراد في يوم من الأيام ولقد كان الكثير من العشائر الكردية تعتنق الإسلام شكلاً ثم أن المذاهب الإسلامية تطورت بين الأكراد أولاً .

إن تاريخ حركة التحرر الكردية يدل على أن الأكراد ناضلوا دائماً ضد سلطة السلطان وجهازه ، هذا الجهاز الذي كان يتبع خلال القرون الوسطى سياسة الاضطهاد ضدهم.))[3]. ويؤكد الباحث الروسي ف. كردليفسكيKurdl, fisk, F_ على ذلك بالقول : (( لم يلعب اختلاف الدين بين الأكراد المسلمين و الأرمن المسيحيين أي دور عبر التاريخ . وكان الأرمن يذهبون إلى مساجد الأكراد المسلمين ، وكان الأكراد كذلك يذهبون إلى كنائس الأرمن .))[4]. ويؤكد صالح زهر الدين في كتابه ( الأرمن شعب وقضية ) ذلك بالقول : (( لقد عاش الأرمن والأكراد في سلام ووئام على مر العصور ، وكان التحالف بين هذين الشعبين القوة التي تهدد السيطرة العثمانية في ولاياتها الشرقية ، حيث الأغلبية الساحقة من السكان كانت من الأرمن والأكراد))[5] . كما أن الأرمن وقفوا إلى جانب الكرد في معظم الثورات التي قاموا بها ضد الدولة العثمانية . وكذلك الأمر بالنسبة للأرمن .

وبعيد اندلاع الحرب العالمية الأولى 1914 التي شهدت مجازر الأرمن الدامية في السنة الثانية لاندلاعها قال الميجر البريطاني ( ك. صون K-Son ) في محاضرة ألقاها أمام الجمعية الجغرافية الملكية في لندن : (( قد يكون لأي منا فكرة غامضة عن كون الأكراد مسؤولين عن مذابح الأرمن  ولكن قليلاً منا يعرف أن الغالبية العظمى من المسيحيين كانوا يعيشون في سعادة كبيرة في كردستان قبل سنوات الحرب العالمية الأولى.))[6].

وإذا كانت المأساة الأرمنية نفذت في ظل الحرب العالمية الأولى وعلى يد حزب تركيا الفتاة الشوفيني ، إلا أن جذورها تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر ، إلى عهد السلطان عبد الحميد الثاني ، الذي وجد أن النهوض بالسلطنة العثمانية وضرب تطلعات شعوبها إلى الحرية والانعتاق من جور الدولة المتخلفة هذه يتطلب إنشاء دولة قوية مركزية ، تحكم بالحديد والنار كل من يعيش على الأرض العثمانية . لذلك حاول السلطان الاستفادة من التنافس الاستعماري المحموم على دولته الضعيفة والمتفسخة التي كانت تسمى بـ (الرجل المريض) بين الدول الاستعمارية الكبرى كإنكلترا وفرنسا وروسيا القيصرية وألمانيا . والتي لجأت إلى كل الوسائل لتحقيق أهدافها ومصالحها ، بما في ذلك التآمر على مصير الأمم والشعوب التي كانت تعيش في إطار الإمبراطورية العثمانية . وكان لتلك المواقف تأثير سلبي على مصير غالبية الشعوب التي كانت تعيش في كنف هذه الإمبراطورية ، وبشكل خاص الشعبين الكردي والأرمني .

فإنكلترا التي ظهرت على المسرح الدولي كقوة استعمارية عظمى وإمبراطورية ( لا تغيب عنها الشمس ) وقفت في وجه الدول التي تسعى للقضاء على الدولة العثمانية وتقسيم ممتلكاتها ، روسيا في المقام الأول ومن ثم فرنسا ، خاصةً بعد أن ازداد النفوذ الروسي بين الأرمن والكرد ، وكانت سياستها تقوم على الإبقاء على الدولة العثمانية الضعيفة كما هي حيث يمكن في مثل هذه الحالة التدخل أكثر في شؤونها الداخلية وفرض مطالبها وشروطها عليها ، ولأجل ذلك عقدت سلسلة من الاتفاقات السرية معها لتحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية والقضائية ، وأصبحت من أشد المدافعين عن الحفاظ على كيان السلطنة العثمانية ، خاصةً بعد مؤتمر برلين 1878م عندما عقدت معاهدة سرية مع السلطان العثماني بالوقوف في وجه الأطماع الروسية والمطالب الأرمنية في بلاده، مقابل تخليه عن جزيرة قبرص لبريطانيا ، لتقوية نفوذ بريطانيا في البحر المتوسط .

وفي نفس الوقت أطلقت الوعود والشعارات عن ضمان حقوق الشعوب ، وفي مقدمتها الشعب الأرمني في السلطنة واعتبرت نفسها حامية هذا الشعب ، وعلى الجانب الآخر كانت تغض الطرف عن الانتهاكات والمجازر التي يتعرض لها الأرمن وغيره من الشعوب التي كانت تتعرض لأبشع أنواع الانتهاكات في ظل حكمٍ مستبد . وقد وقفت أكثر من مرة إلى جانب الدولة العثمانية في حروبها ضد الشعوب الخاضعة لها ، وكمثال على هذه السياسة طلبت من السلطان العثماني بشكل مباشر ومن دون إبطاء القضاء على ثورة الأمير بدرخان بك الكبير 1848، وساهم عدد من الخبراء الإنكليز العسكريين في وضع الخطط الحربية ، وتقديم المساعدات للجيش العثماني للقضاء على ثورته .

أما فرنسا التي كانت تؤكد أن لها امتيازات خاصة في الدولة العثمانية تعود إلى عهد السلطان سليمان القانوني والإمبراطور فرنسوا الأول 1535، فادعت أنها حامية المسيحيين الكاثوليك في السلطنة العثمانية ، لذلك أيدت أول الأمر فكرة المحافظة على كيان الدولة العثمانية خوفاً من التوسع الروسي والإنكليزي في أراضيها ، إلا أنها غيرت موقفها منها في القرن السابع عشر ، وبعد حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798وعلى سوريا عام 1799، سعت وبقوة إلى القضاء على الدولة العثمانية وتجزئتها ، وتقسيم أملاكها ، وتخلت عن الأرمن عند أول مواجهة مع الأتراك عندما انسحبت من كيليكيا وسلمتها بيسر وسهولة للسلطات التركية ، وموقفها في مدينة مرش ( مرعش ) الكردية خير شاهد على مواقف الدول الانتهازية ، فبعد أن هاجمت المدينة مع عدد كبير من الأرمن المهاجرين في سوريا ولبنان بحجة إعادتهم إلى ديارهم المغتصبة ، وبعد أن فشلت في احتلال المدينة بسبب المقاومة فيها ((من جماعة كمال أتاتورك ، اضطر الجيش الفرنسي إلى الانسحاب ، ولاذ بالفرار ، وتركوا – الفدائيين – الأرمن يقاومون الجيوش الكمالية ، وحدهم وبوسائطهم الخاصة ثمانية أشهر حتى سقوط المدينة ، وقد قتل جميع سكانها من الأرمن عدا حوالي أربعمائة شخص تمكنوا من اختراق خطوط العدو والوصول إلى أضنة. ))[7].

أما روسيا التي وقفت موقفا معادياً من الدولة العثمانية منذ تأسيسها ، واعتبرت نفسها وريثة الإمبراطورية البيزنطية  وكانت تطالب باستمرار بضم القسطنطينية ( استانبول ) إلى روسيا للوصول إلى المياه الدافئة ومضائق البوسفور والدردنيل، بالإضافة إلى ادعائها بأنها حامية المسيحيين الأرثذوكس وفيما بعد جميع المسيحيين في الدولة العثمانية ، لذلك وبهدف التوسع والقضاء على الدولة العثمانية خاضت سلسلة من الحروب ضدها* ، وبعد ضم قسم من أرمينيا بعد معاهدة كلستان 1813أصبح لها تأثير مباشر على القضية الأرمنية ، وكذلك على القضية الكردية . إذ بموجب معاهدة سايكس بيكو السرية للعام 1916تم الاتفاق على منح أرمينيا الغربية ومعظم كردستان لروسيا ، ورغم كل ذلك ورغم الخلاف والصراع الحقيقي بين الدولتين ، إلا أنها وقفت موقفاً ازدواجياً من القضيتين الأرمنية والكردية ، ففي الوقت الذي كانت تعلن فيها دعمها وتأييدها لمطالب الكرد والأرمن من جهة ، كانت تتخذ سراً أو بشكلٍ علني موقف معادي لهذه المطالب كموقفها من ثورة الشيخ عبيد الله النهري 1882، ومن انتفاضة بدليس1914 عندما رفضت تقديم أي دعم للثوار الكرد لا بل اتصل السفير الروسي في استانبول بالصدر الأعظم وأبلغه عن استعدادات الكرد للقيام بعمل عسكري ضد الدولة العثمانية.

ومع أنها كانت تحتل أكثر من ثلثي أرمينيا منذ عام 1828م ، إلا أنها كانت تعارض بقوة فكرة استقلال أرمينيا الغربية ( أرمينيا التركية ) خوفاً من أن ينعكس ذلك على وضع الشعب الأرمني في روسيا وانضمامهم إلى أشقائهم في أرمينيا المستقلة ، وهكذا كان (( هناك نوع من التفاهم بخصوص القضية الأرمنية والكردية بين روسيا والسلطات التركية ، صحيح أنهم كانوا أعداء لبعضهما والبعض ، ولكنهم كانوا متفقين بخصوص هاتين القضيتين. )) [8]. لذلك لم تبذل ما يكفي للحيلولة دون تنفيذ المذابح والمجازر التركية الأولى بحق الأرمن أي مجازر ساسون1894، رغم وجود قواتها في المنطقة ، وكذلك الأمر خلال الحرب العالمية الأولى والمجازر الوحشية في 1915

أما ألمانيا وبعد استكمال وحدتها 1870 وإثر تعيين الألماني ( فون دروغولتز ) في عام 1881 رئيساً للبعثة العسكرية المكلفة بإعادة تأهيل وتدريب الجيش التركي ، وزيارة الإمبراطور غليوم ( وليم ) الثاني وزوجته إلى السلطان عبد الحميد الثاني 1898، وتحسن العلاقات السياسية والاقتصادية بالإضافة إلى العلاقات العسكرية بين الطرفين ، إذ بلغ عدد الضباط والجنود والخبراء الألمان في الجيش التركي أكثر من خمسة آلاف شخص ، وقد اعتبرت  ألمانيا منطقة الشرقين الأدنى والأوسط وبقية الأراضي العثمانية منطقة نفوذ لها ، وخاصةً بعد الحصول على امتياز خط حديد بغداد ( هامبورغ – بغداد ) 1903وتهديد النفوذ البريطاني على طريق الهند ، والروسي في أواسط آسيا ومن ثم الحصول على امتياز الخط الحديدي الحجازي ، واعتماد السلطان التام عليها. ووجدت في ذلك الفرصة المناسبة للتمدد في هذه المناطق ، والوقوف في وجه بقية الدول المنافسة لها ، وخاصةً فرنسا وروسيا وفيما بعد إنكلترا .

وكان موقفها من القضية الأرمنية قريباً أو مشابهاً للموقف التركي إلى حدٍ كبير . لا بل يذهب بعض الخبراء إلى أن فكرة  تهجير وترحيل الأرمن كانت فكرة ألمانية بالأصل ، ويذكر البحار الألماني ( أرزيدوم ) (( بأنهم – أي الألمان – هم من عرضوا فكرة ترحيل الأرمن على الأتراك.))[9]. وشجع ( هومان ) الذي كان صلة الوصل بين السلطات التركية والسفارة الألمانية في استانبول عملية الإبادة والتهجير ، وهو من أعطى الضوء الأخضر الألماني للسلطات التركية بالبدء بالعملية ، عندما صرح لهم : (( أعرف أن الأرمن والأتراك لا يمكنهما أن يتعايشا في هذا البلد ، ويجب على عرق واحد منهما أن يذهب ، لا ألوم الأتراك على ما يفعلونه بالأرمن، أظن أنهم مبررون بالكامل  الأرمن هم أعداء الأتراك والألمان في هذه الحرب ، لذلك لا يحق لهم أن يحيوا هنا. )) [10].

ورغم أن معظم الصحف الصادرة آنذاك نقلت وقائع المجازر البشعة مثل جريدة واشنطن بوست ونيويورك والتايمز ولندن تايمز بالإضافة لتقارير القنصليات ورجال الدين المسيحيين من مختلف المذاهب والمبشرين المتواجدين في الإرساليات الأجنبية ، والكثير من شهود العيان من أبناء الشعب الأرمني الذين عاشوا المأساة ونجوا من المجازر ونقلوا ما شاهدوه ، إلا إن ألمانيا غضت الطرف عن تلك المجازر ، لا بل شجعت الدولة العثمانية عليها ، فقد (( رفع السفير الألماني في استانبول – الذي كان يوصف الأرمن بأنهم حشرات خائنة، من حق الأتراك أن يفعلوا بهم ما يرونه مناسبا – مذكرة إلى الصدر الأعظم بعد بدء المذابح أعلن فيها تأييد ألمانيا الصريح والكامل لإبعاد الأرمن عن شرقي الأناضول.))[11] .

وكان الخبراء الألمان هم من اقترحوا على تركيا نقل وتهجير الأرمن إلى الصحارى السورية والعراقية ، وكانت ألمانيا تمتلك معلومات موثقة عن المجازر بحق الأرمن ، من خلال سفرائها وضباطها ومراسلوها في أرجاء الدولة العثمانية ، حتى أن فكرة الجهاد المقدس التي رفعتها الدولة العثمانية في بداية الحرب العالمية الأولى (( كانت من تصميم وتنسيق الألمان ، الذين كانوا يفكرون في أنهم بإثارتهم التعصب الديني في العالم الإسلامي ، سيضمنون النجاح ، لمجابهة نحو ثلاثمائة مليون مسلم ضد إنكلترا وفرنسا وروسيا ))[12]. ويذهب الباحث الأرمني ( هراج داسنابيديانHera` Dasinab.yan) إلى أن (( أوروبا أصبحت بصفة غير مباشرة مصدر كل تعقيد أحاط لاحقاً بالقضية الأرمنية ، وأدى إلى افتعال المذابح الرهيبة .))[13]. وتدل صرخة المفكر الألماني هاري ستوبرمر في وجه حكومته خير شاهد على الموقف المخزي للحكومة الألمانية من قضية الإبادة الجماعية للأرمن ، والذي صرخ قائلاً : (( إن هذا العار الذي سيسجله التاريخ العالمي هو أن إبادة شعب بكامله ، ذي حضارة راقية يعد أكثر من مليون ونصف المليون نسمة ، إبادة وحشية أعد لها بعناية ، تجري في عهد تتمتع فيه ألمانية بأكبر نفوذ في تركيا .))[14] خير شاهد على الدور الألماني المتآمر في هذه المجزرة .

وأدى الصراع والتنافس بين هذه الدول إلى بذل كل الجهود  واللجوء إلى مختلف الوسائل بما فيها إطلاق الشعارات والوعود لتحقيق أهدافها ، وذلك باستغلال مآسي الشعوب الخاضعة للدولة العثمانية كالعرب والكرد والأرمن والآشوريين، في سبيل الحصول على أكبر قدر من الامتيازات ، دون النظر إلى التبعات الأخلاقية والسياسية وحتى الحقوقية لتلك التصريحات على آمال وأوضاع هذه الشعوب ، التي نظرت إلى تلك الشعارات والوعود على أنها صادرة عن دول عظمى، وعظمتها ومكانتها لا بد وأن تدفعها إلى الالتزام بما يصدر عنها.

ولم يقل دور بقية الدول الاستعمارية عن دور ألمانيا في هذا المجال من خلال (( الإرساليات التبشيرية ، والسياسة الدعائية والإعلامية والدينية ، التي بثها الأوربيون المسيَّسون من خلال سياسة ( فرق تسد )  لكي ينعدم التقارب بين الشعوب ، ويسهل توتير المنطقة. ))[15].

فقد لعبت البعثات التبشيرية التي تغلغلت في المنطقة بكثرة دوراً في إثارة الخلافات السياسية والاجتماعية والدينية ، وقد جاء ترتيب الخلافات الدينية في المرحلة الأخيرة ، لأن الغالبية العظمى من المبشرين كانوا يمثلون أولاً وأخيراً مصالح دولهم ، التي أرسلتهم لدراسة شعوب المنطقة بغية تسهيل عملية احتلالها ، وكان غالبيتهم يعملون كجواسيس لدولهم ، ويرسلون تقارير دورية عن أوضاع وشعوب المنطقة . ولما كانت الدولة العثمانية المتهالكة مشرعة الأبواب أمام جميع التدخلات الخارجية ، فقد كان تدخل البعثات التبشيرية باسم التبشير ورعاية المصالح الدينية مقبولاً من جميع الأوساط الرسمية ، وقد انتشرت البعثات التبشيرية الفرنسية أولاً وتلتها من حيث حجم بعثات الولايات المتحدة الأمريكية ومن ثم بقية الدول ، وإذا عرفنا عدد المدارس التبشيرية التي بنتها الولايات المتحدة الأمريكية لوحدها والتي وصلت إلى 675 مدرسة ، لا بد وأن نعرف الدور الذي لعبه المبشرون في إثارة المشاكل والخلافات بين شعوب المنطقة خاصة بين الكرد والأرمن والآشوريين ، ولما كانت الدول الاستعمارية الكبرى تلجأ إلى كل الوسائل في سبيل تنفيذ مصالحا ، لذا كان من البديهي إثارة الأزمات والمشاكل بين جميع سكان المنطقة دون النظر إلى أصول ومعتقدات وبالتالي مصالح هذه الشعوب . ومن هنا   (( فقد بذل المبشرون جميع جهودهم وإمكانياتهم لإعاقة إقامة علاقات طبيعية بين الشعوب ، بما فيها استخدام الحركات القومية والثغرات الطائفية والدينية ، واصطناع بعض القضايا وتأجيجها ، وإثارة الفتن وعوامل التمزق والتفوق بين الشعوب وخصوصا في كردستان وأرمينيا. ))[16].

هكذا تشابه مواقف هذه الدول إلى حد كبير من القضية الأرمنية ، وخاصة بعد مؤتمر سان ستيفانو . – التي نصت المادة   ( 16 ) من المعاهدة التي سميت بمعاهدة سان ستيفانو 1878 على إجراء إصلاحات عامة في أرمينيا ، (( باعتبار أن انسحاب القوات الروسية من المقاطعات التي تحتلها في أرمينيا الغربية ( التركية ) والتي سيصار إلى إعادتها إلى تركيا ، قد يؤدي إلى نشوب خلافات وتعقيدات ، قد تضر بالعلاقات الحميدة بين الدولتين المتعاقدتين ، لذلك يتعهد الباب العالي ، دونما تأخير بإجراء التحسينات والإصلاحات التي تقتضيها الظروف المحلية في المقاطعات التي يقطنها الأرمن ، وستعلم تركيا دوريا الدول التي ستراقب التنفيذ عن الإجراءات المتخذة بهذا الصدد. ))[17]. وذلك باستغلال مآسي الشعب الأرمني في سبيل الحصول على أكبر قدر من الامتيازات والمكاسب.

وقد أدركت السلطات العثمانية جيدا هدف الدول الاستعمارية ، وخطط كل دولة من أجل تحقيق أطماعها ومصالحها في كافة مناطق السلطنة . ولما كانت القضية الأرمنية قد تحولت إلى قضية  دولية بعد مؤتمري سان ستيفانو وبرلين 1878 فقد خططت لقطع الطريق على تدخل الدول الأوربية المعادية لها في شؤونها الداخلية ، لطي صفحة القضية أرمنية _ من وجهة نظرها –  أي التنكر لوجود مثل هذه القضية ، والتنصل من تنفيذ بنود معاهدتي سان ستيفانو وبرلين وقد أكد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني في أكثر من مناسبة أنه ( سيموت ولن يطبق المادة 61 التي تبناها مؤتمر برلين. ) .

لذلك عمل السلطان على عزل الشعب الأرمني ، وقطع الطريق على تنفيذ أي مطلب من مطالبه القومية المشـروعة ،

والتي دارت معظمها في فلك الدولة العثمانية   – أي المطالبة بالإدارة الذاتية أو الحكم الذاتي ، والقيام ببعض الإصلاحات الداخلية – من خلال نشر الدسائس وإثارة الخلافات بين مختلف الشعوب التي كانت تعيش في ظل هذه الدولة ، وخاصة بين الكرد والأرمن .  (( وكان للمسؤولين العثمانيين اليد الطولى في تخريب العلاقات الكردية – الأرمنية ، فقد كان ذلك في مصلحة دولتهم ، لذلك كانوا يسعون بكل وسيلة لإشعال نار الشقاق والخلاف بين الشعبين الجارين ، وكانوا يبادرون إلى سد أي منفذ يمكن أن تهب منه رياح التقارب بينهما . وكانوا يسعون لتشويه سمعة الأرمن لدى الكرد لئلا تصبح حركتهم القومية العادلة قدوة لهم . وفضلا عن ذلك كان العثمانيون يدركون أنهم بذلك يرمون ( عصفورين بحجر واحد ) إذ يضربون الحركة الأرمنية من جهة ، ويوجهون الحركة الكردية في مسارٍ خاطئ من جهة أخرى.[18].

وكمثال على ذلك خلال المذبحة الثانية التي نفذتها جمعية الاتحاد والترقي أكد فائز الغصين الذي كان شاهد عيان على المجازر الأرمنية (( أن المسؤولين الأتراك كانوا يكسون قتلى الأرمن بالملابس الكردية ثم يلتقطون لهم الصور ، للإيهام بان تلك الجرائم من صنع الأرمن . ))[19]. أي إثارة المشاعر القومية لدى الكرد للإيقاع بينهم وبين الأرمن ، وفي نفس الوقت (( كان المسؤولون الأتراك يجلبون سجناء من مناطق أخرى ويلبسونهم الزي الكردي ويرسلونهم أفواجاً إلى مدينتي أرضروم وديار بكر للاشتراك في عملية الإبادة الجارية هناك .))[20]. للإيحاء للآخرين بأن الذين يقومون بالمذابح هم الكرد فقط .

ولكن تلك الأعمال التي وإن خلقت بعض التوتر بين الجانبين إلا أنها لم تنطل على الزعماء الكرد والأرمن الذين كانوا يعرفون حقيقة السلطات التركية والأعمال التي تقوم بها بشكلٍ مباشر ، أو من خلال بعض العملاء والمأجورين  وقد لاحظ معظم المراقبين ذلك وخاصة قناصل وسفراء الدول الأجنبية التقارب الكردي الأرمني ، فكتب القنصل الروسي في أرضروم ( آداموف ) رسالة سرية إلى السفير الروسي في استانبول عن العلاقة الكردية – الأرمنية ، ذكر فيها على لسان أحد زعماء الأرمن (( إذا كان هناك بين القبائل الكردية، ولاسيما في ولاية بدليس ، من يعتبر عدواً للأرمن ، فإنّ الآخرين ينظرون إلى الأرمن كأصدقاء ، وهم على استعداد ليضعوا يدهم في يد الأرمن. ))[21].

ثم أنشأ السلطان عبد الحميد الثاني فرق عسكرية خاصة سميت بـ ( الفرسان الحميدية ) ضمت زعماء العشائر في معظم الدولة ، وكانت الغالبية فيها من الكرد . وكان هدف السلطان من إنشاء هذه الفرق ضرب نضال الحركات التحريرية في السلطنة بما فيها نضال الشعبين الكردي والأرمني، ومن هنا يجب النظر إلى اشتراك (الفرسان الحميدية) في المذابح كقوة نظامية حكومية ، شأنهم شأن اشتراك الجنود والجندرمة ، وليس اعتبار أفراد تلك التشكيلة أكراداً أو أن اشتراكهم يعني اشتراك الشعب الكردي في المجازر.

وقد وجد الشعب الأرمني في الأجواء التي تلت عقد معاهدة برلين 1878، وحالة الهدوء التي سادت المنطقة لبعض الوقت الفرصة لإنشاء حركات سياسية تقود نضال الشعب الأرمني ، فتم تأسيس حركة ( الأرمناكانArmenkan ) في منطقة وان ، ومن ثم تم تأسيس حزب )هنجاكHe`nak- الناقوس ( عام 1887 والذي اتخذ من حرية ووحدة أرمينيا ، وإقامة الدولة الأرمنية المستقلة شعارا له . وبعد ثلاث سنوات أي في عام 1890 تأسس حزب )طاشناقTa\nq– الاتحاد ( الذي رفع شعار تحقيق الحكم الذاتي في إطار الدولة العثمانية. وعندما لمس الشعب الأرمني تلكؤ السلطات العثمانية في تنفيذ الإصلاحات المنشودة ، وأن الدولة ستضرب عرض الحائط بكل وعودها كالمرات السابقة ، ثار الأرمن في منطقة ساسون عام 1894، وقد وجد السلطان عبد الحميد في انتفاضة ساسون الفرصة المناسبة لتحقيق أهدافه وخططه لشن حملة إبادة جماعية ضد الشعب الأرمني وإغلاق ملف الإصلاحات الداخلية تحت هذه الذريعة أو تلك . وخلال شهري آب وأيلول 1894 نفذ السلطان العثماني مذبحة بكل ما للكلمة من دلالة وحشية ، أمام مرأى ومسمع من جميع الدول ، كانت الأولى بهذه الضخامة (( عندما أخذ الجنود والجندرمة وبعض الشقاة الذين استأجرهم السلطان التركي يفتكون بالناس القاطنين في تلك الديار كباراً وصغاراً نساءً ورجالاً، ودمروا في فترة وجيزة 40 قرية وقتلوا حوالي عشرة آلاف شخص. ))[22]. وبعد مذبحة ساسون وإحكام قبضته على منطقة ساسون الجبلية ، ورداً على مطالب الدول الأوربية في أيار 1895 بالقيام بإصلاحات عامة في البلاد ، نفذ السلطان المذبحة الثانية في عامي 1895 – 1896 التي شملت معظم أرمينيا والمناطق والمدن التي كان يسكنها الأرمن ، وكانت أكثر عنفاً وقسوة من مجازر ساسون ، أودت بحياة (( حوالي 150 ألف من الرعايا الأرمن ))[23]، بالإضافة تدمير آلاف الأديرة والكنائس ، وخسائر مادية فادحة قدرت بملايين الليرات العثمانية .

ومع وصول حزب الاتحاد والترقي إلى السلطة وانفراده بالحكم 1908، ظهرت فكرة ( الطورانية ) بإنشاء إمبراطورية طورانية تركية  خالصة ، متجانسة تمتد من منغوليا إلى أطراف البلقان – بدلا من الإمبراطورية العثمانية التي تضم شعوب وعناصر مختلفة -. (( فرفعت شعار الطورانية ، وتتريك الشعوب الرازحة تحت سلطتها ، كرد فعل تجاه هزائمها أمام أوروبا ، وتفكك دعائم إمبراطوريتها،  واستغلت كل ما من شأنه المحافظة على حدودها الإمبراطورية.))[24].

وارتكزت الفكرة الطورانية هذه على أسس ومفاهيم عنصرية بحتة فعلى الصعيد الثقافي والاجتماعي دعت إلى إحياء الثقافة ( الطورانية – المغولية ) والتذكير بأمجاد وتاريخ وأبطال الشعب الطوراني ( كجنكيز خان، وتيمور لنك، وهولاكو ). لخلق الشعور بالانتماء إلى وحدة متجانسة ذات ماض حضاري يجب العودة إلى منابعه .

أما على الصعيد السياسي فقد دعت لإنشاء كيان سياسي موحد مستقل ، يضمجميع الدول التي يتواجد فيها العنصر الطوراني ( أي الترك والتتر والمغول ) تمتد من منغوليا إلى أطراف البلقان ، والعمل على تطهير هذا الكيان من العناصر الأخرى غير الطورانية ، واعتبارهم خونة ويستحقون الإبادة لأنهم هم يتحملون المسؤولية الأساسية عن البلاء الذي حل بهذه الإمبراطورية ، نتيجة تعاونهم وتآمرهم مع الدول الاستعمارية .

وقد اعتبرت الطورانية الدين الإسلامي عاملاً من عوامل إضعاف الدولة العثمانية لذلك رفعت شعار الدولة العلمانية ، ودعت إلى التخلي عن التمسك بالطابع الإسلامي للدولة . وعلى الصعيد الاقتصادي دعت إلى وضعجميع الطاقات الطبيعية والبشرية والاقتصادية في خدمة هذا الكيان وشعبه لإعلاء شأنهإقليميا ودوليا.

وقد سيطرت هذه الفكرة بقوة على أذهان قادة حزب تركيا الفتاة – التي سميت بجمعية الاتحاد والترقي – وخاصة بعد انفرادهم بالحكم بشكل مطلق عام 1909 ، تحت عنوان الثورة الدستورية ، وقد أوضح الدكتور ناظم أحد قادة الحزب هدف هذه الثورة قائلا : (( لماذا قمنا بهذه الثورة ؟ ماذا كان هدفنا ؟ هل كنا نسعى للإطاحة بالسلطان عبد الحميد ورجاله واستلام أماكنهم ؟. لا أظن ذلك . فأنا لا أريد أن يعيش أو يحيا على هذه الأرض سوى الأتراك فقط ، وأن يكونوا مستقلين ، وليهلك الجميع فيما عداهم ، مهما كانت ديانتهم أو عقيدتهم ، لذا يجب تطهير هذه الأرض من العناصر الأجنبية. ويجب على الأتراك حمل لواء التطهير.  ولا توجد للدين أهمية عندي لأن ديني هو الطورانية .

أما رفيقه في قيادة الحزب الدكتور بهاء الدين شاكر فكان يقول : عندما يقوم خطيب مفوه كموسى ، ومتجول كعيسى، ويتيم كمحمد بإنشاء ديانات عظيمة في هذا الكون ، فلم لا يقوم مفكرون عازمون أمثالنا بفرض ونشر الدين والفكرة الطورانية . ونحن الأتراك الثوريون ، بعد أن تبوأنا مراكزنا باسم الأمة ، وأرسينا دعائم حكومة الاتحاد والترقي . وهدفنا الوحيد هو إطالة حياة أجيالنا بواسطة الدم التركي . لذا فإن الشعوب الأجنبية التي تعيش فوق أرضنا منذ زمن بعيد هي أشبه بأعشاب ضارة ، يجب اقتلاعها من جذورها وطردها وتطهير بيوتنا منها . هذا هو هدف ثورتنا)) .[25] .

وقد أقر حزب الاتحاد والترقي خلال اجتماع عام عقده عام 1910 مبدأ سيادة العنصر التركي على الشعوب الأخرى غير التركية ، إضافة إلى إقرار كافة الوسائل لتحقيق هذا الهدف . وفي اجتماع 1911 الذي ضم معظم قادة هذا الحزب ، وعقد برئاسة طلعت باشا وبمشاركة أنور باشا وكل من جمال باشا الشهير بالسفّاح والدكتور ناظم، وبهاء الدين شاكر، وسعيد حليم باشا وآخرين ، خص الشعب الأرمني من بين الشعوب غير التركية بمشروع الإبادة الوحشي في المرحلة الأولى . وظل زعماء الحزب يتحينون الفرصة لتنفيذ مشروعهم العنصري ولم تكن حروب البلقان التي وقعت بين عامي 1912-1913 مناسبة لذلك بسبب هزيمة الأتراك أمام دول اليونان وبلغاريا وصربيا والجبل الأسود . وقد عمقت هذه الهزيمة في نفوس زعماء حزب الاتحاد والترقي الرغبة في تطوير الحركة الطورانية ، الداعية إلى إقامة الإمبراطورية التركية ، التي لا يكون فيها مكان لغير العنصر التركي .

بهذه العقلية كانت حكومة الاتحاد والترقي تدير شؤون البلاد ، وفي نفس الوقت كانت ترفع الشعارات التي اقتبستها من الثورة الفرنسية وهي ( العدالة، الحرية، الإخاء، المساواة ) وقد أيدت معظم الحركات السياسية وكذلك معظم الذين كانوا يدعون للإصلاح من مختلف الاتجاهات السياسية ومن جميع الفئات والقوميات في هذه الدولة هذه الشعارات . وتعاون الأرمن أول الأمر (( بإخلاص وبالنية الصافية مع جمعية الاتحاد والترقي ، واقترحوا إنشاء اتحاد فيدرالي في إطار الإمبراطورية العثمانية بين الأتراك وبين سائر الشعوب الأخرى، من ألبانيين ( الأرناؤوط ) وأرمن وأكراد ولبنانيين ومكدونيين …إلخ ))[26]. بهدف تجاوز حالة الفوضى والتخلف ووضع الأسس  لدولة عصرية .إلا انه وبعد حوالي سنة من إنفرادقادة الاتحاد والترقي بالحكم وعدم تنفيذ الشعارات والوعود التي رفعوها ، تحولت مواقف التأييد إلى ردود فعل قوية ، وإلى معارضة وحركات تمرد وثورات عامة في كافة أرجاء الدولة .

ولما كانت الحركة السياسية الأرمنية منظمة وقوية بأحزابها وجمعياتها ، وذات تجربة سياسية ونضالية متطورة ، وجد قادة الشعب الأرمني أن هذه الجمعية لن تحقق أي شعار من شعاراتها ، لا بل أنها تتوجه وتسعى لتطبيق سياسة التتريك بالقوة . خاصة بعد حرب البلقان 1912–1913 ، لذا لجأ الأرمن إلى المطالبة بتنفيذ المادة 61 من معاهدة برلين 1878 . لضمان جزء من حقوقهم القومية.

وأمام ازدياد مطالبة الشعوب بتنفيذ الإصلاحات التي وعدوا بها ، وإطلاق الحريات العامة ، وجد قادة الاتحاد والترقي في دخول تركيا الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا الوسيلة التي تقطع الطريق على كل المطالب الداخلية  وفرصة لتحقيق أهدافهم ، وفي مقدمتها إعادة السيطرة على ما فقدته في حروبها مع روسيا أو فرنسا أو إنكلترا ، وكذلك التصدي لمطالب الشعوب التي تنادي بالحرية والاستقلال وخاصة البلقان والأرمن . ولأنهم فشلوا في حروبهم مع الشعوب البلقانية . لذلك قرروا التصدي للأرمن . فوضعوا خطة محكمة ودقيقة لإقفال ملف هذه القضية ليس بحلها بالطرق السلمية وبالحوار والتعاون مع زعماء وقادة الشعب الأرمني ، وإنما بطريقة وحشية ومدمرة وهي إبادة أبناء هذا الشعب ، مستغلين ظروف الحرب العالمية الأولى ، بالانتقال إلى تنفيذ وتطبيق منطلقاتهم النظرية على أرض الواقع ، والبدء بتنفيذ أضخم مجزرة بشرية في العصر الحديث والتي أودت بحياة أكثر من مليون ونصف من الأرمن .

وأكد الدكتور ناظم على ضرورة أن تكون عملية الإبادة هذه شاملة ونهائية ، وشدد على أنه (( يجب اقتلاع الأرمن من جذورهم ، وأن لا نترك أرمنياً واحداً على قيد الحياة في بلادنا  يجب أن نزيل الاسم الأرمني من الوجود . إننا في حالة حرب ، ولا يمكننا أن نأمل فرصة أفضل من هذه ، وسوف لن تتدخل القوى الكبرى ، ولن نسمع احتجاجات واستنكار الصحافة . وحتى لو تم ذلك فسيكون قد فات الأوان ، لذلك أقترح هذه المرة تنفيذ عملية إبادة حاسمة ونهائية . يجب أن نبيدهم عن بكرة أبيهم حتى لا يبقى أرمني واحد على قيد الحياة))[27].

وفور إعلان المشاركة التركية في الحرب العالمية الأولى شكل الاتحاديون لجنة خاصة لتتولى الإشراف على عمليات الإبادة برئاسة طلعت باشا وزير الحربية . ومن الدكتور بهاء الدين شاكر ، ووزير التربية شكري ، والدكتور ناظم مهمتها إعداد خطة للقضاء على الأرمن ، وطريقة تنفيذها.

وعلى سبيل المثال تم تعيين الطبيب العسكري رشيد بك، أحد غلاة الاتحاديين الطورانيين والياً على ديار بكر وأعطوه سلطة مطلقة ، حيث تم تنفيذ المذابح في ولايته تحت أمرته المباشرة ، والذي استعان بشرذمة من القتلة ، وطوابير من الشرطة ( الجندرمة ) لأجل معاونة أفراد الدرك على قتل الأرمن عن بكرة أبيهم ، وأن يكون القتل بالتعاون مع القتلة المسجونين في المعتقلات التركية ، الذين عرفوا بالوحشية وقسوة القلب ، والذين أطلق سراحهم بأمر اللجنة المركزية لجمعية الاتحاد والترقي  التي شكلت منهم جيشاً قوامه من 10-12 ألف مجرم ، مقسمين إلى مجاميع ، كل مجموعة تتألف من 40-50 مجرما ، اتخذوا مواضعهم على جميع الطرق التي كانت تمر منها قوافل المهجرين ليبيدونها .

وبعد تشكيل اللجان المكلفة بتنفيذ المجازر في كل منطقة من مناطق تواجد الأرمن ، نشرت السلطات التركية بيانات في جميع تلك المناطق بأن عقوبات شديدة تنتظر كل من يقدم على إبداء أي مساعدة للأرمن . وشددت على (( أن من يتجرأ على إخفاء طفل أو امرأة أو فتاة أرمنية في منزله أو يعثر عليه ( أو عليها ) لديه ، فإن هذا الشخص يعتبر أرمنياً وسيدفع رأسه ثمنا لذلك. ))[28].

وأرسل كبار المسؤولين في الدولة وفي مقدمتهم طلعت باشا وزير الداخلية ، برقيات سرية دعت إلى تنفيذ خطة إبادة الشعب الأرمني دون شفقة أو رحمة . ففي البرقية التي وجهها طلعت باشا إلى والي حلب قال فيها بالنص (( لقد أُبلغتم من قبل أنه تقرر نهائياً، حسب أوامر الجمعية _ أي جمعية الاتحاد والترقي – إبادة الأرمن الذين يعيشون في تركيا والذين يقفون ضد هذا القرار لا يسعهم البقاء في وظائفهم . ومهما تكن الإجراءات التي ستتخذ شديدة وقاسية ينبغي وضع نهاية للأرمن . لا تلقوا بالاً بأي صورة للعمر والوجدان والرجال والنساء .

وقد علمنا أن عددا من الموظفين قد أحيلوا على المحكمة العسكرية بتهمة السلب والنهب ، واستعمال الشدة مع الشعب المعلوم – يقصد بذلك الأرمن – من شأن إجراءٍ كهذا، حتى وإن كان شكلياً ، أن يؤدي إلى تثبيط عزائم موظفين آخرين . لذلك فإني آمر بعدم إفساح المجال لهذه المحاكمات . ))[29].

ويبدو من برقيته الثانية التي وجهها إلى نفس الوالي أن بعض المسؤولين والموظفين في الدولة تعاطفوا في بعض المناطق مع مأساة الشعب الأرمني ، ولم ينفذوا ما طلب منهم وجاء فيها: (( إذا أصيغ السمع للشكاوي التي يقدمها أولئك _ أي الأرمن _ حول شؤونهم الخاصة المختلفة ، فإن ذلك يؤدي لا إلى تسفيرهم إلى الصحارى _ السورية والعراقية – وحسب ، بل من الممكن أن يؤدي إلى ظهور سلسلة من الأعمال التي لا يستبعد أن تسبب في المستقبل في ظهور بعض العراقيل السياسية ، وفي ضوء هذا ينبغي إصدار الأوامر اللازمة للموظفين _ بعدم إصاغة السمع لشكاوى الأرمن وتنفيذ الأوامر فقط .))[30].

ولتضليل الرأي العام العالمي نشرت الحكومة العثمانية بياناً جاء فيه: (( أن الأرمن قاموا بأمورٍ مخالفة للقوانين ، وهم ينتهزون الفرص لإقلاق الحكومة ، و قد وجد لديهم أسلحة ممنوعة وقنابل ومواد متفجرة مهيأة للقيام بثورة عامة داخل البلاد ، وقد قتلوا المسلمين في وان ، وساعدوا الجيوش الروسية ، و لما كانت الحكومة في حالة حرب مع دول إنكلترا و فرنسا و روسيا ، وخوفاً من أن يقوم الأرمن بأعمال شغب وثورة كعاداتهم ، فقد قررت الحكومة جمع جميع الأرمن ، وسوقهم لولايتي الموصل و سوريا ولواء دير الزور ، على أن تكون أعراضهم و أموالهم و أنفسهم في أمان من اعتداء المعتدين و تسلط المجرمين ، و قد أعطيت الأوامر اللازمة لتأمين أسباب راحتهم ، و لإسكانهم في تلك البلاد إلى أن تضع الحرب أوزارها ))[31].

وعلى نفس الوتيرة لعبت جمعية الاتحاد والترقي بمشاعر وعواطف المسلمين ، عندما صبغت مشاركتها في الحرب العالمية الأولى بطابع ديني . فنشرت بطلب من ألمانيا بيانا باسم السلطان العثماني ( محمد رشاد ) بصفته خليفة المسلمين بإعلان ( الجهاد المقدس ) ودعوة المسلمين في كل مكان في العالم إلى المشاركة في هذه الحرب باعتبارها واجب ديني مقدس، وبالتعاون مع ألمانيا نشرت كتيبا باللغة العربية فيه إرشادات ووسائل دقيقة عن هذه الحرب المقدسة ، ووضع المسلمين في آسيا وأفريقيا الذين يتعذبون تحت نير المسيحيين وجاء فيه : (( على كل مسلم أينما وجد ، وفي أي زاوية كان في العالم ، أن يقسم قسماً رسمياً بأنه سيقتل ثلاثة أو أربعة مسيحيين على الأقل ، وأن كل من يطيعون هذه الأوامر يتخلصون من هول الدينونية في اليوم الآخر. ))[32].

وبعد التمهيد بدقة متناهية بدأت عملية الإبادة الجماعية  ( الجينوسايد ) ، وانطلقت المرحلة الأولى منها مع بداية دخول الحرب العالمية الأولى أي في عام 1914 ،  بقتل 150 ألف جندي وضابط أرمني في الجيش التركي على الجبهة الروسية . أما المرحلة الثانية والحاسمة فقد بدأت بشكل رسمي في ليل 24 نيسان 1915 باعتقال حوالي 600 شخصية من زعماء وقادة الأرمن في العاصمة اسطنبول ، ضمت شخصيات دينية وسياسية وأعضاء في البرلمان العثماني ، وشخصيات قدمت خدمات كبيرة للإمبراطورية من كتاب وشعراء ومحررين وأساتذة وأطباء وصيادلة ومحامين ، الذين نقلوا أولاً إلى أنقرة، ثم نفوا إلى مناطق مجهولة ، ولم يعرف لهم أثر بعد ذلك ، وبشكل مترافق مع اعتقال المفكرين والشخصيات الأرمنية البارزة قامت بعزل الجنود الأرمن الباقين وتجريدهم من السلاح وتشغيلهم بأعمال السخرة ، حتى وصل الأمر إلى إجبارهم على حفر قبورهم الجماعية بأيديهم قبل قتلهم.

أعقب ذلك عملية تهجير واسعة من الأقاليم الأرمنية إلى صحارى سوريا والعراق تخللتها أعمال نهب وسلب واختطاف وقتل لا مثيل لها. ومن 24 نيسان 1915 وحتى هدنة مودرس في 30 تشرين الأول 1918 تم في مذبحة جماعية منظمة ومخططة إبادة أكثر من مليون ونصف أرمني .

لقد تم إبعاد الأرمن وتهجيرهم عن جميع أقاليمهم ونواحيهم في الأناضول الشرقية والغربية وإقليم كيليكيا ، ثم قتلوا أو تركوا يهيمون في الصحراء بقوافل الأطفال والنساء والشيوخ التي هلكت من الجوع والعطش ، وظلت أكوام جثثها متروكة في العراء ، لتبقى شاهداً تاريخياً على ( عرش الجماجم ) الذي شيده الحكام الأتراك من عظام البشر الأرمن والكرد والعرب ومن القوميات الأخرى .

وبالانتقال إلى الدور والمشاركة الكردية في هذه الجريمة النكراء ، لا بد أولاً من التأكيد على كلام الدكتور كمال أحمد مظهر في كتابه كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى بأنه (( ومما يؤسف له أشد الأسف ، أن الكرد أسهموا قليلاً أو كثيراً ، عن وعي أو دونه ، بتحريض من الآخرين أو عن عمد ، في مذابح الأرمن هذه. ))[33]. ولكن هذه المشاركة كانت مشاركة فردية ، أي أن بعض الكرد سواء أكان عددهم قليلاً أو كثيراً ، وسواء كانوا أشخاص أو مجموعات قاموا بتلك الأعمال بشكلٍ فردي ، أي أنهم لا يمثلون ولا بشكل من الأشكال الشعب الكردي . أولاً لأن بعضٌ منهم كانوا يمثلون السلطة الحاكمة مثل ( تشكيلات الفرسان الحميدية ) لأنهم كانوا جزءاً من القوات العثمانية ، مثلهم مثل بقية أفراد القوات العثمانية من الدرك والشرطة . وهم بذلك لا يمثلون الشعب الكردي . كما أن بعض رجال الدين الكرد كانوا كالفرسان الحميدية جزءاً من السلطة السياسية العامة في الدولة ، أو كانوا من عملاء وأتباع هذه السلطة ، ومن أدوات أجهزة الدولة القمعية وقد أصدروا الفتاوى التي تبيح قتل المسيحيين استناداً إلى توجيهات الأجهزة الحكومية ، وليس استناداً إلى نصوص شرعية ثابتة ، وحرضوا عامة الناس على المشاركة في المذابح في بعض المناطق ، وبالتالي فإن هؤلاء وأمثالهم يجب أن يحملوا وزر وأعباء المشاركة في تلك الجرائم كأفراد ، ولا يجوز اتهام الكرد كشعب كردي في هذه الأعمال لأن بعض من قاموا بها ينتمون إلى هذا الشعب .

كما أن مشاركة بعض البسطاء والفقراء في عمليات نهب وسلب ممتلكات الأرمن المرحلين من مناطقهم جاء بدافع الفقر والعوز غالباً ، أو بدافع الطمع في بعض الأحيان   وحتى الحالة الأخيرة هذه ما كانت ترضي المسؤولين الأتراك الذين (( كانوا يريدون من الأكراد قتل الأرمن أولاً ، ومن ثم نهب أموالهم . وقد علق أحد المسؤولين الأتراك الكبار في مدينة موش على ذلك قائلاً : لقد أمرناهم بإبادة الأرمن ، لكنهم كانوا سباقين إلى النهب أكثر منهم إلى القتل . ))[34].

وإذا كان قلة من الكرد شارك في تلك المجازر إلا أن الغالبية العظمى منهم والذين كانوا يعيشون مع الأرمن في نفس المناطق ويتعرضون للاضطهاد الذي يتعرض له الشعب الأرمني وأحياناً أكثر ، ويعانون مما يعانيه الشعب الأرمني من بؤس وحرمان وظلم واضطهاد ، وكانوا يعرفون جيداً أن دورهم لا بد وأن يأتي مبكراً بعد مذابح الأرمن . كما سبق وأكد على ذلك  الشيخ عبيد الله النهري قائد الثورة الكردية لعام 1880 الذي قال : (( نحن الأكراد ، يريد الأتراك أن يستخدمونا فقط لاضطهاد إخواننا المسيحيين ، وحين يقضى على المسيحيين ، سيوجه الأتراك اضطهادهم إلينا .))[35].

وقد تعاطف الكرد مع الأرمن في محنتهم ، وحاولوا مد يد العون والمساعدة لهم ، حيث (( كان للأرمن في كل مكان أصدقاء بين الأكراد ينقذونهم عند الملمات من بين أيدي الترك كان الأمر كذلك أثناء مذابح الأرمن في خواتيم القرن التاسع عشر . وخلال سنوات الحرب العالمية الأولى كان الأمر كذلك أيضاً ، وفي العديد من المناطق كان الأكراد يساعدون الأرمن على الهروب والاختفاء. وفي مناطق أخرى لم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، فقد أنضم أكراد كثيرون بأسلحتهم إلى جانب الأرمن ، ونهضوا لمقاومة رجال الحكومة بقصد وضع حد للمذابح . لقد برز أكراد ديرسم في هذا المجال بشكل خاص.

فقد انتفضوا مراراً جنباً إلى جنب مع الأرمن ، ولم يقصروا في مختلف مراحل المذبحة عن تقديم أي مساعدة ضرورية للمنكوبين منهم ، ولم يكونوا يتوجسون خيفة من الاتفاق مع زعماء الأرمن ، بل أن ضابطاً كردياً يسمى ( مصطفى وفا ) انضم مع القوات التي كانت تحت أمرته إلى الروس للقتال ضد العثمانيين ، وذلك تنفيذاً لاتفاق من هذا النوع ، وقد آوى أكراد ديرسم أكثر من خمسة آلاف أرمني وأنقذوهم من الموت .))[36].

وقد نقل الدكتور كمال أحمد مظهر عن عزيز ياملكي قوله : (( إن كان بقي في الأناضول أرامنة ، فهم الذين نجوا من سيوف الترك . وبدون أي مبالغة منا ، فأن ثلاثة أرباع هؤلاء نجوا بمساعدة الكرد. ))[37].

وقد اتخذ الآلاف من الأرمن من قرى وخيام وبيوت الكرد ملاجئ ومخابئ لهم ، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى عثر على عدد كبير من اللاجئين الأرمن في العديد من أنحاء كردستان ، وبعد عقد هدنة مودرس في 30 تشرين الأول 1918 واستسلام الدولة العثمانية بفترة قليلة ، زار مندوبون كرد ممثلي السلطات البريطانية في حلب حاملين إليهم رسالة خاصة بشأن الأرمن الذين آووهم ، وكتب هؤلاء في رسالتهم أنه في قرانا وخيامنا 650 أرمنياً ، معظمهم من النساء والأطفال ، وعند رفاقنا القاطنين في جوارنا أكثر من 3500 شخص ، لقد أطعمناهم أربع سنوات ، ولسنا نرغب في أن يذهب الخبز الذي أطعمناهم إياه هدراً . ونعلم كذلك أن في خيام القبائل الصديقة أيضاً – وهي كذلك خيام كردية – والتي تقطن في المناطق الشرقية على مسافة جد بعيدة عنا 6800 أرمني آخر يصعب علينا نحن الاتصال بهم ) وقد أبدى أولئك الكرد في رسالتهم تلك استعداهم التام لإبداء أي مساعدة ضرورية للبحث عن الأرمن المشردين وتجميعهم.

وذكر أرامنة قرية ( خاتسوXatiso) في رسالة خاصة كيف أن أكراد عشيرة محمد آغا تصدوا بالسلاح للجنود والجندرمة العثمانيين ولم يسمحوا لهم بنقل وتهجير الأرمن . وكانوا رغم معاناتهم من المجاعة ، يقسمون آخر كسرة خبز لديهم مناصفةً مع الأرمن ، حتى أنهم كانوا يبيعون أمتعتهم الخاصة من أجل إطعام هؤلاء . [38].

وتمتع الأرمن بالأمان والاطمئنان  طالما كانوا في حدود منطقة العشائر الملّية ، حيث كانوا يلقون المعاملة اللائقة عندما يتنقلون من ويران شهر – عاصمة إبراهيم باشا الملّي – ومن أريافها إلى مضارب خيام البدو ، ومنها إلى ويران شهر ، وهم يبيعون الأعلاف والدهون . فلما انتشرت أخبار عدالة إبراهيم باشا الملي الذي كان يحمي المسيحيين من كل النحل والمذاهب في مدن الرها وماردين وديار بكر صار أبناء المسيحيين والمسلمين يتقاطرون أفواجاً مع عيالهم إلى قضاء ويران شهر ، ويسكنون ويتاجرون فيها آمنين على أموالهم ، وكان إبراهيم باشا يشجع الأرمن والكلدان على السكن في ويران شهر ، وفي أطرافها ، وأثناء مذابح ساسون التي  قام بها السلطان عبد الحميد الثاني خلال عام 1894 ، (( تمكن إبراهيم باشا – الذي كان من أقوى فرسان الفرق الحميدية قوة ونفوذاً – من إنقاذ عشرة آلاف أرمني من الهلاك )).[39] ، ويذكر عبد الإله خليل إبراهيم باشا حفيد إبراهيم باشا الملّي (( أن مجموعات من الأرمن كانوا ضمن التحالف الملّي ، وكانوا يعدون كأفراد القبيلة ويعاملون كمعاملة السريان ، وأثناء مذابح عام 1915استطاعوا إنقاذ بعض الأرمن ، وأخذوا الأطفال وقاموا بتربيتهم وقد حافظوا على دينهم ، ولم يتزوجوهم ، وكانت عائلة الباشا تشتري قوافل الأرمن ومن ثم يطلقون سراحهم  أما في المناطق التي كانت تخضع لسلطة إبراهيم باشا المباشرة فلم يحصل لهم أي شيء. ))[40].

______________

المراجع :

– ( الغصين ) ، فايز . المذابح في أرمينيا . حلب. 1920.

– ( المدور ) ، مروان . الأرمن عبر التاريخ . دار نوبل. دمشق . ط2. بلا .

– ( اليافي ) ، د. نعيم ، مجازر الأرمن وموقف الرأي العام العربي منها. دار الحوار. اللاذقية ط1. 1992.

– ( أبوبكر ) ، د. أحمد عثمان .أكراد الملي وإبراهيم باشا. مطبعة دار الجاحظ ، بغداد. 1972.

– ( أريسيان ) ، د. نورا . غوائل الأرمن في الفكر السوري. دار الفرات. بيروت. 2002

– ( أمير ) ، محمد خليل . علاقة الأكراد بمذابح الأرمن . بلا.

– ( باسبوكان ) ، يروانت .شهادة الأرمن . ت/ الأب كيغامخاتشريان . 1985 .

– ( بدرخان ) ، الأمير جلادت. رسالة إلى رئيس جمهورية تركيا. ت/روشن بدرخان. بيروت . 1990.

– ( حسرتيان ) ،  مانوفييلارسونوفييج . انتفاضة الأكراد عام 1925 .ت/ بافي نازي . بلا.

– ( داسنابيديان ) ، هراج . القضية الأرمنية. ت/ جوزيف كالوسيان . بلا.

– ( زهرالدين ) ، د.صالح . الأرمن شعب وقضية . بيروت. 1988 .

– ( طوريكيان ) ، شاوارش . القضية الأرمنية والقانون الدولي. بلا .

– ( قاسملو ) ، د. عبد الرحمن. كردستان والأكراد . المؤسسة اللبنانية للنشر . بيروت. 1970.

– ( محمود ) ، إبراهيم .ذاكرة الأرمن الجريحة. مخطوطة .

– ( مظهر ) ، د. كمال أحمد . كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى .ت/ محمد ملا عبد الكريم . بلا.

[1]– ( زهر الدين ) صالح  .. الأرمن شعب وقضية ………………………..ص 36 .

[2]– ( بدرخان ) الأمير جلادت .. رسالة إلى رئيس جمهورية تركيا ……….ص 18 .

[3]– ( حسرتيان ) م. ا. …انتفاضة الأكراد عام 1925 ………………………ص80 .

[4]– ( مظهر ) كمال أحمد . كردستان …………………………………. …..ص260.

[5]– ( زهر الدين ) صالح  .. الأرمن شعب وقضية …………………………ص 56 .

[6]. ( مظهر ). كردستان ………………………………………………. …..ص160.

[7]– ( أمير ) محمد خليل. علاقة الأكراد ……………………… ………..ص 79 .

* – بلغ عددها أكثر من عشرة حروب ، وتجاوز مجموع سنواتها ثلاثين سنة.

[8]– ( أمير ). علاقة …………………………………………….. ………..ص 111 .

[9]– ( أمير ) علاقة……………………………………………………………ص 70 .

[10]– ( أمير ) المصدر السابق……………………………………… ………..ص 68 .

[11]– ( أمير ) .علاقة……………………………………………….. ………..ص 70 .

[12]– ( خاتشريان ) الأب كيغام. شهادة الأرمن ………………………………..ص14.

[13]– (داسنابيديان ) هراج. القضية الأرمنية …………………………………..ص12.

[14]– د. ( اليافي ) مجازر …………………………………………………….. ص57 .

[15]– ( محمود ) إبراهيم. ذاكرة الأرمن الجريحة ……………………………ص 36.

[16]–   ( أمير ) علاقة …………………………………………….. ………..ص 38 .

[17] – ( المدور ) الأرمن …………………………………. ……………… ص 453.

[18] – د. ( مظهر ). كردستان …………………………………………. …..ص276.

[19]– ( الغصين ) . المذابح ……. ……………………………………………ص 28.

[20]– د. ( مظهر ) . كردستان ………………………………………………ص283.

[21]– د. ( مظهر  ) . كردستان ………………………………………… ……ص276.

[22]–  د. ( مظهر ). كردستان…………………………………………… ….ص 250.

[23]–  (داسنابيديان ). القضية الأرمنية……………………………………….ص14.

[24]– ( محمود ) إبراهيم. ذاكرة الأرمن الجريحة………………………….ص 43.

[25]– ( طوريكيان ) شاوارش. القضية الأرمنية ……………….. …………….ص 51.

[26]– (داسنابيديان ) القضية الأرمنية  …………………………………………..ص17.

[27]– ( طوريكيان ) . القضية ………………………………………. ……….ص 49.

[28]– د. ( مظهر ). كردستان ………………………………………………..ص 295.

[29]– د ( مظهر ). كردستان …………………………………………………ص279.

[30]– د ( مظهر ). كردستان …………………………………………………..ص279.

[31]– د. ( اليافي ) مجازر………………………………………………………..ص17.

[32]– د. ( اليافي ). مجازر ………………………………………………………ص14.

[33]–  د. ( مظهر ) كردستان ………………………………………………..ص275.

[34]– د. ( مظهر). كردستان …………………………………………………ص282.

[35]– د. ( قاسملو ) .كردستان والأكراد……….. ……………………………ص 49.

[36]– د. ( مظهر ). كردستان ………………………………………………..ص295.

[37]– د. ( مظهر ). كردستان ………………………………………………..ص296.

[38]– د. ( مظهر ).كردستان …………………………………………………ص299.

[39]– د. ( أبو بكر ). أكراد ………………………………………………….ص 28.

[40]– د. ( أريسيان ) نورا.غوائل الأرمن …………………………………..ص 115.