السينما المعلَّمة: صناعة الأفلام في المنفى والشتات[1]

زمكانيات الوطن المتخَيّل

الجبل, المَعْلَم

ترجمة: عبد الكريم عته

في أفلام السينما المعلّمة توظف بعض جوانب الطبيعة والثقافة مثل الجبال, المعالم القديمة والأطلال كمفاهيم زمكانية (Chronotope) ذات بعد جمعي, مركّز لدرجة أنه بإمكانها أن تلخص كامل فكرة أمة ما وذلك يحدث بشكل خاص إذا كان وضع الأمة محل خلاف كما في حالة الفلسطينيين والكرد والأرمن. فالجبل في هذه الصورة لا يمثل حائلاً بل يمثل جسراً يوطد فكرة الوطن ويشفي التنائي عن الوطن الأم الذي تسبب به المنفى.

في فيلم “الجبل” (1990) لحنا سليمان, يخدم الجبل في تقريب حبيبين من بعضهما. فالفيلم, وهو من صنع صانع أفلام فلسطيني شاب تدرب في (UCLA), تدور أحداثه حول قصة فتاة في سن المراهقة اسمها إنصاف أرغمها والدها المغوي على غير رغبة منها أن تتزوج من محام لبناني تلقى تعليمه في لندن. فهي تفضّل شاباً من بيئتها, مثلها, ويعمل في الحقول المجاورة ويبيع السلع في أسواق على جوانب الطرقات. فهي حصرت بين التبعية والاستقلال, بين الخوف والرغبة. تتحول جدتها إلى حافز لقرارها بالهرب مع عشيقها ويصبح الجبل الموقع حيث على منحدراته تتجلى أحداث الهرب وعقابه المميت. وما يجعل من هذا الجبل المحور العاطفي للفيلم هو ذاكرة أم إنصاف التي كانت قد هربت قبل أعوام مع حبيبها وقٌتِلتْ على الجبل نفسه من قبل أقاربها. ففي الفيلم يتقاطع هروب إنصاف إلى الجبل مع التماس جدتها للجبل ذاته: “دعها تصل إلى حبيبها بسلام, فقط أنت قادر على جمعهما معاً.” ولكي تسترضي الجبل فإنها تقدم نفسها قرباناً: “خذني بدلاً عنها, يا جبلي, خذني واتركها حرة”.

وكذلك يعبّر الجبل عن الحنين إلى عالم كان موجوداً والرغبة في الرجوع إليه.في أفلام السينما المعلّمة يُطرح الجبل عادة ككائن أنثوي وأمومي والعودة إليه تُعتبر جمع الشمل مع الوطن والوطن الأم والأم.الحنين للمَعْلَم, من جهة أخرى, يطرح على أنه ذكوري وبطولي, جاعلاً الرجوع إليه أقل دفئاً ورعاية. من المحتمل أن شعبية جنس “فيلم الجبل” في المانيا في فترة Weimar واستمرار صداه في أعمال السينمائيين المعاصرين أمثال فيرنر هيرزوك تُعزى جزئياً إلى استمرارية شعور الحنين إلى أماكن وأزمنة خلت- قبل أن تمزق الحضارة العلاقة الحميمة والمباشرة بين الإنسان والطبيعة. فأفلام السينما المعلّمة التي تحتفي بالجبال ليست أفلام الجبل بل إن كليهما يستفيدان من الأبعاد الملموسة للهوية والحنين بوساطة الجبل. وبهذا المعنى فإن تحليل إريك رننشلر عن الانجذاب نحو أفلام الجبل الألمانية تلقى صدى في أفلام المنفى. إن جاذبية فلم الجبل، بحسب رننشلر، “تكمن في الطبيعة البدائية التي يتم استكشافها بتكنولوجيا حديثة, أي في شوق قبل حداثي بتكنولوجيا حداثية. هذا هو جنس تتقابل فيه المتعة الغريزية والبصرية, حيث يكون اللمسي والبصري واحداً”(150. 1990).الأفلام المعلّمة, مثل أفلام الجبل, تحرك مشاعر قديمة وشوقاً جماعياً, كما سنرى في ما يلي. اعتبرت الجبال تاريخياً على صلة بالروحانية: بالفعل, فهي مواقع لرؤية وتبصر ديني.كما يلاحظ سايمون شاما, من اللوحات الصينية إلى القصص المسيحية ومن جبل عدن إلى جبل سيناء وجبل أرارات, فإنه في الجبال المقدسة يساوى الارتفاع بالقدسية, متوسطة ما بين السماوي والأرضي. (17-411-1995). حقاً فإن كافة أديان العالم الرئيسة والحضارات القديمة تربط بدايتها بجبل مقدس- جبل سيناء في لبنان, صهيون في إسرائيل, حراء في السعودية, ألبُرز في إيران, أرارات في تركيا,  ليمبوس في اليونان, فوجي في اليابان, كايلاس في التيبت, وتاي شان في الصين (برنبور 1995). هذه الارتباطات تخدم ليس فقط الخطابات والسياسات الدينية بل وأيضاً القومية وخطابات المنفى. الجبال والمعالم, مثل الطبيعة, هي زمكانية, ليس فقط لطبيعة جغرافية خارجية بل أيضاً لطبيعة روحية وسيكولوجية داخلية.

قراءة تفحصية: فيلم (أغنية من أجل بَكو) لنظام الدين آريج

A_Song_for_Beko

(Nizamettin Aric’s film A Song for Beko)

تؤدي الجبال دوراً مهماً في هذا الفيلم الذي صنعه مخرج كردي من تركيا يعيش في ألمانيا في منطقة يسكنها حوالي نصف مليون كردي.  فبحسب آريج، هذا هو أول فيلم باللغة الكردية يصنعه كردي. ولد آريج في العام 1956 في آگري (بلدة تقع على مرمى من جبل أرارات) في تركيا. بدأ مهنته بأعمال التسلية, كمغن وممثل للراديو والتلفزيون بداية ثم كممثل أفلام رئيسي. في بداية الثمانينات وخلال حفل غنائي حي في آگري قد حضره مسؤولون من البلدة تم اعتقاله لأنه غنى أغنية حب شعبية كردية طلبها الجمهور (الغناء والتحدث باللغة الكردية كان ممنوعاً آنذاك). أُطلِق سراحه بعد يومين في انتظار قرار المحكمة التي اتهمته بالترويج للشيوعية والانفصال ومجابهة أفكار أتاتورك. وفي حينها حدث انقلاب عسكري أطاح بالحكومة المدنية وتم نقل قضية آريج إلى محكمة عسكرية. ففي هذه المرحلة أسدَوا إليه النصيحة بمغادرة البلاد وهو ما فعله آريج. وهو يعيش منذ العام 1981 في منفاه في برلين حيث منح حق اللجوء السياسي في العام 1984. وبما أنه لم يكن في مقدوره العودة إلى وطنه فقد قام بتصوير المشاهد التي تظهر في تركيا (حوالي 90 بالمئة من الفيلم) عبر الحدود في أرمينيا قبالة نفس السلسلة الجبلية التي شكلت خلفية عالم طفولته.

يسرد الفيلم بشكل استرجاعي/سرداً استرجاعياً من وجهة نظر بكو وهو كردي (وهذا دور يؤدّيه المخرج) يعيش في المنفى في مدينة برلين المختنقة بالصلب والإسمنت. عندما يعتريه شوق لعائلته يقوم بكو بإرسال رسالة إلى عائلته وهذه الرسالة تأخذ المشاهد بدورها إلى المناطق الكردية في تركيا إلى زمن قبل منفاه. تبدأ قصة منفاه عندما يقوم أخوه الأصغر, جمال, بالهرب من الخدمة العسكرية وينضم للبيشمركة الكردية التي تقاتل في سبيل وطن مستقل. رحلة بكو للتقصي عن أخيه تقوده عبر نهر الفرات إلى سوريا و عبر الجبال إلى العراق حيث يبقى لبعض الوقت في مخيم مع مجموعة من النازحين الكرد.

ولكن هذا المكان ليس مجرد مخيم مزدحم وقذر للاجئين. بل إنه جنة  (Utopia)من المروج الخضراء محاطة بجبال حامية-عالم حقيقي وأصيل أمام هؤلاء الأكراد المنفيين. فهنا يصاحب بكو مجموعة من النساء القويات والأطفال المصممين ومنهم فتاة ذكية اسمها زين حيث يشكل معها بكو علاقة وثيقة. تتجلى الحياة وخلفيتها سلسلة الجبال هذه التي تم تصويرها بشكل رائع في أول النهار أو آخره لتعطيهم بريقاً دافئاً. ففي يوم مظلم, غائم يتردد إلى مسامعهم صوت امرأة كردية مسنة تغني أغنية كردية في الجبال مازجة المنظر الطبيعي الكردي باللغة. في سلسلة تعاقبات إثنوغرافية يقوم الرجال والنساء والأطفال بجز الأغنام وصنع الصوف والخبز وجمع الحطب ونقل الماء وبناء الجدران وتعلم اللغة الكردية الممنوعة قراءةً وكتابةً. تعكّر أصوات البنادق خلف الجبال أو أصوات الطائرات المقاتلة صفْوَ هذا المكان بشكل دوري,مذكّرة الكردَ بأسباب تشردهم. بُطْءُ الفيلم والمشاهد الطويلة لهذه المخيمات التي تدمج الشخصيات مع الطبيعة المحاطة بهم والروتين اليومي والتمثيل غير المكلف والحوار (معظم الممثلين غير محترفين) تشكل بنية الشعور الكردي وإيقاع حياتهم القروية وشبه البدوية. قد يفقد المشاهد صبره جراء بطء الفيلم ولكن هنا وسط هذا الروتين اليومي لأناس نازحين يعيشون في مخيم تتفتح عينَا بكو على ثقافته وهويته الكردية.

في مشهد أساسي يهرب بكو والأطفال معاً من الجنود العراقيين إلى كهف حيث يتعرف إلى ماضي هؤلاء الأطفال. ففي كنف الأمان الذي يوفره فضاء الجبال المحصنة يكتسب الأطفال الجرأة ويقوم كل طفل,في تواتر سريع, بإخبار بكو بتاريخ عائلته من التضحية والمقاومة ضد مضطهديهم. وبسبب تجربته في المخيم يصبح بحثه عن أخيه موضوعاً أقل أهمية عن مساعدة هؤلاء الكرد النازحين للعودة إلى قريتهم الواقعة في الوادي. هذا يقود إلى مقطع شاق تتم فيه إعادة بناء مشهد ضرب أكراد العراق بالأسلحة الكيمياوية في العام 1987-1988 من قبل جيش صدام حسين. يشاهد بكو, من موقع يطل على القرية, بيأس طائرات الهليكوبتر العراقية وهي تطلق غمامة برتقالية اللون من الغاز السام يغلف الوادي في الأسفل. عندما ينتابه شعور بالرعب يهرع للأسفل حيث الوادي. تصحبه الكاميرا في مقطع صامت وطويل يواجه خلاله, أينما نظر حواليه, جثث النساء والأطفال الذين عرفهم. يوظف الصمت في هذا المشهد وكذلك مشاهد أخرى بشكل فعال للتعبير عن هول الموقف. زين هي الناجية الوحيدة من القرية. يذهب بكو إليها، يأخذها ويركض بعيداً إلى الجبال. في المشهد التالي, في مشفى في برلين, لا تزال زين على قيد الحياة لكنها تعاني من أضرار في عينيها. في المشهد الختامي للفيلم يعلم بكو بأن أخاه قد اعتقل وأجبر على أن يخدم في الجيش التركي ضد شعبه الكردي وأنه قتل على يد شاب كردي أثناء قيامه بالدفاع عن قريته. أما قرية بكو فإنها مُحِيَتْ عن وجه الأرض تاركة له لاشيء يود إليه سوى ذكريات الجبال الحلوة وأسلوب الحياة الكردية. بالرغم من هذه المفارقة الحادة بين الفضاء المدني (غير الشخصي) في ألمانيا من جهة وبين الطبيعة الحميمة في الوطن الكردي من جهة أخرى فإن فيلم “أغنية من أجل بكو” ليس عن مكان مرير (dystopia) كباقي أفلام المنفى التركية إذ إن على بكو أن ينجز مسؤوليته الجديدة المتمثلة بالاعتناء بزين الجريحة واليتيمة في أرض غريبة.

مثل الكثير من مخرجي السينما المعلّمة يقوم آريج بمهام عديدة في فيلمه: مخرج, ممثل رئيس, ملحن, مصمم وكاتب مشارك في كتابة النص مع كريستين كرينش, زوجته وشريكته. بلغت ميزانية الفيلم, المموّل من قبل وكالات حكومية ومدنية وتجارية, 102 مارك ألماني (650000 دولار). اشتكى آريج من عدم وجود صناعة أفلام محلية وثقافة سينمائية – فالكرد يتوقعون الكثير من فيلم كردي واحد: “يريدون له أن يكون وثائقياً وخيالياً وحساساً مليئاً بالأحداث, كلها في نفس الوقت” (Naficy 1997). هذاالتوقع المبالغ فيه ليس ميلاً خاصاً بالشعب الكردي بقدر ما هو نزعة يشكلها المنفى.

مقتطف من كتاب لحميد نفيسي بعنوان:

An Accented Cinema: Exilic and Diasporic Filmmaking

  1. السينما المعلَّمة (Accented Cinema) اسم أطلقه البروفيسور حميد نفيسي، أستاذ السينما ودراسات الإعلام في جامعة رايس في الولايات المتحدة الأمريكية على الأفلام التي تصنع من قبل مخرجين يعيشون في المنفى والشتات.تتميز السينما المعلّمة عن باقي الأنواع السينمائية مثل أفلام الهوليود من خلال وجود مخرجي هذه الأفلام في المنفى  وكذلك لاسباب اخرى من اهمها نمط إنتاج هذه الأفلام وكذلك تميز أسلوبهم وهو ماسيتطرق إليه في مايلي.