إرهاب الدولة المنظم

 

خورشيد عليكا (باحث أكاديمي)

 

– مقدمة:
لقد لازمت ظاهرة الإرهاب والعنف السياسي الحياة الإنسانية منذ فجر التاريخ، إذ لم يبرأ الإنسان منذ بداية الخلق إلى يومنا هذا من خطيئة اللجوء إلى القوة يمارسها دفاعاً عن نفسه ووجوده، ورغبة في البقاء. ومع ذلك فإنَّ ظاهرة الإرهاب والعنف السياسي جديدة في استخدامها في العلاقات الدولية والمجتمع الدولي، وكبديل للحروب التقليدية، وكظاهرة تستفيد من التقدم العلمي، وثورة الإتصال والإعلام وثورة التكنولوجيا، والمعرفة لكي تصبح قوة فعالة في الصراع السياسي.
فقد تعاظمت مخاطر الإرهاب بشكل لافت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فمنذ أواخر الستينات وبداية السبعينات كثر تداول مصطلحات (الإرهاب، وإرهاب الدولة، والإرهاب السياسي، والإرهاب الدولي) في وسائل الإعلام المحلية والعالمية.ارهاب2
وتعد ظاهرة الإرهاب مظهراً من مظاهر العنف الذي يتفشى في المجتمعات الدولية أو في المجتمع الداخلي. فبعدما كانت العمليات الإرهابية تتم وفق أساليب تقليدية وتخلّف ضحايا وخسائر محدودة في الفئات والمنشآت المستهدفة، أصبحت تتم بطرق بالغة الدقة والتطور مستفيدة من التكنولوجيا الحديثة، وأصبح إرهاب الدولة أكثر أنواع الإرهاب انتشاراً مع بداية ثورات ربيع الحرية (الربيع العربي).
حيث يشكل إرهاب الدولة (إرهاب أنظمة القمع والأستبداد) خطراً ذو أهمية بالغة على العالم أجمع، وعلى منطقة الشرق الأوسط بصفة خاصة، وعلى منطقة ثورات ربيع الحرية وجوارها، وعلى وجه أكثر تخصيصاً تجاه ثورة الشعب السوري.
– أولاً: ماهية الإرهاب:
هناك انقسام عميق في المجتمع الدولي حول تعريف الإرهاب، فعلى الرغم من أنَّ الأفعال الإرهابية تشمل تهديداً لأمن وسلامة واستقرار المجتمع الدولي، واستفزازاً خطيراً لمشاعر الإنسانية والضمير العالمي، وعاملاً من عوامل التوتر في العلاقات الدولية مما يجعل من الضروري اعتبار هذه الأفعال بمثابة جرائم دولية ضد أمن وسلامة البشرية، إلا أنَّه مازال هناك تباين شديد في وجهات النظر بين الدول حول تعريف المقصود بمصطلح الإرهاب الدولي.
فالإرهاب هو الرهبة أي الخوف، أو هو التخويف وإشاعة عدم الاطمئنان، وبث الرعب والفزع، وغايته إيجاد عدم الاستقرار بين الأفراد في المجتمع لتحقيق أهداف معينة. وهو العنف المخيف، العنف الذي يمارس ضد الإنسان وحقوقه الأساسية أياً كان مصدره أو القائم به.ارهاب3
إنَّ مفهوم الإرهاب هو مفهوم نسبي متطور يختلف من مكان إلى أخر، ومن شخص إلى أخر، ومن عقيدة أو فكر إلى أخر، وحسب الظروف المتغيرة رغم وجود بعض القواسم المشتركة. ولهذا من الصعب أن نقول بوجود مفهوم واحد للإرهاب أو للجريمة السياسية أو للعنف السياسي يمكن أن يقبل به الجميع، أو يمكن أن يرضي الكل، ولهذا نستطيع القول أنَّه ليس هناك تعريفاً محدداً واضحاً أو دقيقاً للإرهاب.
– ثانياً: تعريف الإرهاب:
يعرَّف الإرهاب على أنَّه العنف السياسي أي الرعب والخوف الذي تقوم به جماعة أو أفراد أو شخص أو دولة أو منظمة لتحقيق أغراض أو أهداف معينة من وراء ذلك. وهو ظاهرة من ظواهر الاضطراب السياسي في العصر الحديث. وعلى الرغم من أنَّ الإرهاب ليس جديداً (حيث كان الإرهاب يمارس بصورة منتظمة كوسيلة للسيطرة من الإقطاع الرومان على العبيد العاملين في مقاطعاتهم)، إلا أنَّه ازداد في السنوات الأخيرة في مناطق عديدة من العالم. والأخطر من ذلك هو قيام أجهزة الدولة بممارسة الإرهاب (أي العنف السياسي ضد الشعب) لتحقيق أهداف نظام حكم دكتاتوري قائم على عبادة الفرد والسجود للأصنام.
وقد وردت تعريفات عديدة للإرهاب فهو القتل، والأغتيال، والتخريب، والتدمير، ونشر الشائعات، والتهديد، وصنوف الابتزاز والاعتداء، وأي نوع يهدف إلى خدمة أغراض سياسية واستراتيجية، أو أي أنشطة أخرى في جو من عدم الاستقرار والضغوط المتنوعة وهذا التعريف واسع ويأخذ به بعض الباحثين (1).
وفي القاموس السياسي فإنَّ كلمة إرهاب، تعني محاولة نشر الذعر والفزع لتحقيق أغراض سياسية، ووسيلة تستخدمها الحكومة الاستبدادية لإرغام الشعب على الخضوع والاستسلام (2).
وقد عرّف المؤتمر الدولي الذي عقدته عصبة الأمم في عام 1937 والذي تمخضت عنه اتفاقية دولية لقمع ومنع الإرهاب، الإرهاب بأنَّه تلك الأعمال الإجرامية الموجهة ضد دولة ويكون هدفها أو من شأنها إثارة الفزع والرعب لدى شخصيات معينة أو لدى جماعات من الناس أو لدى الجمهور.
وقد حدد المساهمون في مؤتمر صوفيا 1930 الجريمة الإرهابية بأنَّها: (الإستعمال العمدي لكل وسيلة قادرة على إحداث خطر جماعي)، أما الاتجاه الثاني فيعتبر الإرهاب بمثابة الجريمة المقوضة لأسس كل تنظيم جماعي (3).
وتختلف نظرة كل مجتمع من المجتمعات لعملية الإرهاب والإرهابيين، فالإرهابي في نظر البعض هو إنسان فاضل يجاهد من أجل الحرية، بينما في نظر البعض يعد مجرماً. فالإعلام الإسرائيلي مثلاً يقرن الإرهاب بالكفاح الفلسطيني، والإعلام التركي يقرن الإرهاب بالكفاح الكُردي، والإعلام السوري يقرن الإرهاب بثورة الحرية والكرامة للشعب السوري.
وبذلك يعد الإرهاب جريمة من أبشع جرائم هذا العصر وأكثرها وحشية ويقوم على تدمير الممتلكات العامة والخاصة وترويع الآمنين وتقويض المكتسبات الحضارية في كثير من  بلدان العالم ، كما يهدد الإرهاب الدولي السلام العالمي، والأمن الإقليمي للأمم ومصالحها الحيوية، وهي ظاهرة لها تفسيراتها لدى كل دولة أو مجتمع (4).
– ثالثاً: سمات الإرهاب:
إنَّ للإرهاب سمات عديدة ومتنوعة ولكن من أبرزها ما يلي:
1- الإرهاب يعتمد أساساً على السرية في التخطيط والتنفيذ.
2- يركز على الاعتداء على المدنيين الأبرياء لتهديد الأمن الاجتماعي في البلاد.
3- يحدث موجة عالية من الرعب والخوف.
4- إيمان القائمين عليه بأنَّه عمل مبرر في وجهة نظرهم ويخدم توجهاتهم وقيادتهم الضالة.
5- ينطلق من أيديولوجيا لها أهدافها وخططها ومناطق عملها.
6- التقليد والمحاكاة بمعنى إذا ارتكب بعض الإرهابيين جريمتهم ونجحوا في تنفيذها فإنَّها قد تكرر بنفس الأسلوب والمستوى.
7- إنَّ الإرهابيين يفضلون الظلام في كل محاور الحياة، ويمنعون العلم والتكنولوجيا، ويحولون شعوبهم إلى عقول بلا فكر.
8- الغاية تبرر الوسيلة فالغاية هي الوصول لكرسي الحكم في البلاد.
9- الإرهابيون يرفضون دائماً قبول الآخر سواء كان الأخر مخالفاً لهم في الديانة، أو يؤمن بأفكارهم، فالسمة البارزة عندهم التعصب والعلو وعدم التسامح العقائدي.
– رابعاً: أنواع الإرهاب:
للإرهاب أنواع كثيرة إلا أنَّ من أهم ما يجب ذكره من أنواع الإرهاب ما يلي:
1إرهاب الدولة:
هي تلك الأعمال الإرهابية التي تقودها الدولة من خلال مجموع الأعمال والسياسات الحكومية التي تستهدف نشر الرعب بين المواطنين لإخضاعهم داخلياً أو في الخارج، بهدف تحقيق الأهداف التي لا تستطيع الدولة ولا تتمكن من تحقيقها بالوسائل المشروعة (5).
وقد يقصد من هذا النوع من الإرهاب تخويف المعارضة وإجبارها على طاعة الحكومة، وكذلك إجبار نظام أو شعب يسعى للتحرر والتخلص من الاستغلال والسيطرة الاستبدادية للانصياع لأوامرها وطاعتها (6). وهذا الإرهاب يدعى بـ: (العنف الأتي من أعلى) وهو أخطر أشكال الإرهاب الدولي، لأنَّه أداة لسيادة الدولة والعدوان والبطش والسيطرة والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهذا الإرهاب يتم على مستويين:
– المستوى الداخلي: من خلال منظمات الدولة أو مجموعات إرهابية تنشئها لهذا الخصوص بغرض إرهاب المجتمع ككل أو جزء منه، للقضاء على المعارضة وضمان استمرار النظام السائد. على سبيل المثال اغتيال العلامة الكردي الشيخ الشهيد محمد معشوق الخزنوي في دمشق عام 2005، واغتيال المناضل الكُردي مشعل التمو في قامشلو عام 2011، وغيرهما.
2إرهاب الأفراد والجماعات:
أنَّ الرد على إرهاب الدولة وخاصة ذلك الذي يمارس ضد الأفراد المدنيين -وعلى الأخص داخلها – يكون بموجبه عنف مضاد، ولقد كان ذلك هو أول ما عرفه التاريخ الحديث من إرهاب الأفراد، كرد فعل على إرهاب السلطة أو الدولة، ويسمى بالإرهاب غير السلطوي ويوجه ضد الدولة من جانب الجماعات والأفراد المناوئة لها (7).ارهاب1
3– الإرهاب المعلوماتي:
ويتمثل في استخدام الموارد المعلوماتية من أجل أغراض التخويف أو الإرغام لأغراض سياسية، ويرتبط هذا الإرهاب المعلوماتي إلى حد كبير بالمستوى المتقدم للغاية الذي باتت تكنولوجيا المعلومات تلعبه في مجالات الحياة كافة في العالم، ويمكن أن يتسبب هذا النوع من إرهاب الدولة في إلحاق الشلل بالمواقع الالكترونية للمعارضة والرقابة على اتصالاتهم.
– خامساً: دوافع إرهاب الدولة وأسبابه:
هناك دوافع متعددة ومتباينة لإرهاب الدولة يصعب أحياناً حصرها على وجه الدقة لتحديد الأسباب الكامنة وراء تصاعد عملياتها الإرهابية، إلا أنَّ أهم دوافع إرهاب الدولة تتمثل بالدوافع السياسية.
فحزبية النظام وعسكرته يعني أنَّ الحزب الحاكم هو الحزب الوحيد في الدولة، ويطلق على هذا النظام دكتاتورية الحزب، فهو الذي يسير أمور الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية وكذلك الأمنية، وتعني حزبية النظام أنَّه لا يقبل بوجود معارضة سياسية له (8).
فمعظم العمليات الإرهابية وأعمال العنف التي تمارسها الدولة تجاه شعبها، أو فئة من الشعب غالباً ما تكمن ورائها دوافع سياسية من بينها إجبار الشعب أو فئة من الشعب (المعارضة) الرضوخ لسلطة الاستبداد تحت قوة الترهيب والقتل والاعتقال والنفي والتجويع والتشريد.
– سادساً: خصائص إرهاب الدولة:
فيما يلي أهم الخصائص التي تميز الإرهاب عن غيره (9):
1- العنف أو التهديد بالعنف:
فلا يمكن تصور الإرهاب بغير فكرة استخدام العنف الذي يمثل جرائم وفق القانون العام، والذي يفرض لتحقيق السيطرة وإحداث الرعب، والعنف الذي يمارسه الإرهاب هو وسيلة وليس غاية. والأثر النفسي الذي تحدثه الواقعة الإرهابية هو الهدف من الواقعة وليس ضحاياها، فالعنف الحقيقي موجه في رسالة إلى المجتمع أو للمطالبين بالتغيير وهذه الرسالة تتمثل في حادثة القتل أو الخطف أو التدمير أو التهجير أو النفي، حيث يحمل ضحايا معنى “موجهاً للآخرين بأنَّ كل شخص وكل مكان معرض لهجوم من مؤسسات الدولة الأرهابية، وهي العامل النفسي الذي يحدثه فعل العنف وما يحمله من تهديد مسلط يحقق على المدى هدف الإرهاب من تحقيق ما يسمى بمحصلة الرعب.
2– التنظيم المتصل للعنف:
فالعنف في النشاط الإرهابي لا يمكن أن يحدث أثره إلا إذا كان منظماً من خلال حملة إرهاب مستمرة، أي من خلال نشاط منسق ومتصل لعمليات أو مشروعات إرهابية تؤدي إلى خلق حالة من الرعب فالفعل الإرهابي نفسه لا يخيف إلا ما يهدد بأفعال أخرى مستقبلية، وحتى العشوائية في أعمال الإرهاب مقصودة في حد ذاتها لكي تعطي الإنطباع بأنَّ كل إنسان في أي مكان معرض لأنَّ يكون الضحية التالية.
3– الهدف السياسي للإرهاب:
إنَّ هدف العمليات هو القرار السياسي، أي إرغام المعارضة على اتخاذ قرار أو تعديله أو تحريره، ما كانت تتخذه أو تمتنع عنه أو تعدله لولا إرهاب الدولة المنظم.
4– إرهاب الدولة بديل للإستخدام المعادي للقوة العسكرية في الصراع:
وهذا يعطي إرهاب الدولة أهميتها الحالية في الصراع السياسي، وقد يكون الإرهاب سلاحاً للطرف الضعيف الذي لايملك عناصر القوة التقليدية، أو يكون سلاحاً تستخدمه دولة أو قوة إقليمية أو عالمية لتحقيق أغراض سياسية بالنسبة لدولة أو قوة عالمية حين لا تستطيع أو لا ترغب في استخدام القوة العسكرية التقليدية.
وبذلك: إنَّ إرهاب الدولة المنظم هو: (عنف منظم ومتصل بقصد خلق حالة من الرعب والتهديد العام الموجه إلى المعارضة “جماعة سياسية”، والذي ترتكبه جماعة منظمة أو حكومة أو نظام ضد شعبها بقصد تحقيق أهداف سياسية).
– سابعاً: عناصر إرهاب الدولة:
ذكر (ولكنسن) عناصر الإرهاب على النحو التالي (10):
1- القيام بالأعمال الإرهابية بشكل منظم.
2- إشاعة الرعب وعدم الأمان.
3- العشوائية في اختيار الأهداف المدنية مما ينتج عنها انتشار حالة الخوف لدى الأخرين.
4- استخدام الوسائل الوحشية لأحداث الاضرار كالسيارات المفخخة والقنابل.
5- الإرهاب أكثر تعبيراً من العنف فهو يستهدف الجمهور لتحقيق أهدافه.
6- الأعمال الإرهابية مخطط لها.
إما (اندريه كون) فيذكر عشرة عناصر للإرهاب:
1-ممارسة العنف بوسائل استثنائية فالظاهرة هي استراتيجية هجومية.
2- يعتمدها فرد أو مجموعة من الأشخاص أو حكومة.
3- يجب أن يمارس العنف بشكل منظم ومتواصل.
4- يكون ممارسة القوة غير شرعي حسب القانونين الداخلية والخارجية.
5- أن يكون العنف موجه ضد الأشخاص والممتلكات بشكل اعتباطي.
6- هدف العنف هو التخويف، أو الضغط للقيام بعمل، أو الامتناع عن القيام به ويتوجب لتحقيق ذلك أن يمارس العنف بصفة منظمة.
7- القصد من التخويف هو الحكومة، أو الجمهور في منطقة محددة.
8- يهدف التخويف إلى إرباك الحكومة، أو الجمهور.
9- الهدف النهائي سياسي لإحداث تغيير سياسي أو ديني أو اجتماعي أو إيديولوجي عن طريق تغيير وجهة نظر الرأي العام تجاه العدو.
10- الإعلام وسيلة العنف في سبيل الوصول إلى أهدافه.
يترتب على هذه العناصر أنَّ أي فعل إرهابي يمكن أن يكون فعلاً بطولياً يمثل المقاومة من أجل التحرر.
مما ذكر من عناصر للإرهاب ومن تعريفاته يتضح أنَّ العنف هو المحور الأساسي للعمل الإرهابي، على أنَّ ما ذكره (اندريه كون) من بعض العناصر هي في حقيقتها شروطاً ينبغي توافرها في عنصر العنف وليست عناصر للإرهاب، كأن يكون العنف منظماً. فالتنظيم والمنهجية هنا شرط ينبغي توافره في العنف إذ قد يحدث العنف ولا يكون منظماً. سيما وأنَّه فرّق بين العنف والإرهاب ولم يعتبرهما مفهوما واحداً.  كذلك فعل بالنسبة إلى عنصر الهدف حين قسمه إلى هدف مؤقت هو ارباك الحكومة، وهدف دائم هو احداث تغيير سياسي أو ديني. وكما يمارس العنف بنوعيه من قبل الأفراد والجماعات، يمارس كذلك من قبل الدولة.  فيكون مشروعاً إذا مارسته الأجهزة الأمنية في سبيل تحقيق الأهداف التي يقررها الدستور على أن يكون ذلك وفق الضوابط التي يرسمها القانون.  مثاله ملاحقة الخارجين على القانون أو حماية النظام السياسي المختار من الشعب. أما العنف غير المشروع فيتم بتوظيف الأجهزة الأمنية لحماية الطبقة الحاكمة والتي من المفترض أن تكون مهمتها الأساسية هي المحافظة على أمن الشعب والدولة كشخصية مستقلة عن السلطة الحاكمة لا أن تجسد شخصية الدولة بشخصية الحاكم فتدور معها وجوداً وعدماً.  بمعنى أخر أنَّ الدولة لا تملك الحق في ممارسة العنف المطلق كما يذهب إلى ذلك البعض من أنَّ الدولة تمتلك حق احتكار العنف ولا يمكن القول إنَّ العنف الذي تمارسه الدولة مشروعاً لمجرد امتلاكها القوة والقانون الذي يقونن استعمال القوة، فمتى تجاوز العنف ضبط المجتمع وتنظيمه أنقلب إلى عنف غير مشروع. كما أنَّ الدولة إذا قصّرت في توفير الأمن لمواطنيها تصبح عاجزة عن القيام بواجباتها وبالتالي تفقد الثقة الممنوحة لها من قبل الشعب كذلك استعمالها للعنف غير المشروع كوسيلة للاستبداد يفقدها ثقة الشعب. ومنحه الثقة إلى المقاومة التي يكون مطلوباً منها بل وواجباً عليها استعمال القوة تخلصاً من الاستبداد طالما استمد شرعية استخدام القوة من الشعب (10).
– ثامناً: تعريف وخصائص إرهاب النظام السوري:
يعرف إرهاب النظام السوري على أنَّه عمل إجرامي يقترف عن طريق الرعب أو العنف أو الفزع الشديد وبدرجة عالية من العنف ضد المدنيين باستخدام عمدي ومنظم لوسائل من شأنها إثارة الرعب في نفوس المواطنين السوريين من أجل اضعاف أو تدمير إرادتهم في المقاومة أو الرفض. وهو أداة ووسيلة لتحقيق أهداف سياسية، سواء كانت المواجهة داخلية، بين النظام السوري وجماعات معارضة لها، أو كانت المواجهة خارجية بين الدول على محيط سوريا أو خارج محيطها.
إنَّ لإرهاب النظام السوري أسباب تكمن في أساس نشوئه وهي كثيرة ومتنوعة، ويمكن تصنيفها في فئتين:
1 أسباب ذات طبيعة سياسية:
– الحفاظ على النزعة التحكمية التي هيمنت بها لأكثر من خمسين سنة على السلطة في سوريا.
-العنصرية والتمييز العنصري.
-استخدام القوة لانتهاك الاستقلال السياسي الداخلي لسوريا.
– السيطرة على مختلف القوميات والأقليات التي تتكون منها سوريا.
2 أسباب ذات طبيعة اقتصادية واجتماعية:
– الاستمرار بالتحكم بالنظام الاقتصادي السوري بشكل غير منصف.
– الاستغلال الأحادي الجانب للموارد الطبيعية في سوريا.
– عرقلة التنمية المستدامة لبعض المناطق السورية وبخاصة المنطقة الكُردية كي تكون تابعة له بشكل لا يمكن الاستغناء عنها.
– الظلم الاجتماعي والاستغلال السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
– انتهاك حقوق المواطن السوري وحرياته الأساسية والحبس الجماعي والتعذيب، والانتقام واللامساواة، والتهجير الإجباري، والطرد الجماعي، والفصل من الوظائف الحكومية والخاصة، ونزع  الجنسية والحقوق من، والاستعباد، والقهر.
إرهاب النظام السوري تجاه الشعب الكُردي خلال الثورة السورية:
يعرّف إرهاب النظام السوري تجاه الشعب الكُردي في سوريا بأنّه أعلى أشكال الإرهاب ممارسة في سوريا وأقدمها عمراً، وأكثرها تنظيماً، وأكثرها تناقضاً مع مبادئ القانون الدولي ومواثيق وأهداف المنظمات الدولية، من خلال الاستخدام التعسفي للقوة المتاحة من قبل النظام السوري، والمؤسسات الأمنية والعسكرية التابعة له، والشخصيات المسؤولة فيه، ضد أمن وسلامة الشعب الكُردي، باستخدام الوسائل المحرمة لاضطهادهم لأسباب عنصرية، وسياسية، واجتماعية، من خلال تعامل يتنافى مع حقوق الإنسان بما فيها تهجيرهم بالقوة من أراضيهم واعتقالهم وترهيبهم وتهديدهم …الخ. فهي سياسة بعثية منظمة وممنهجة مستمرة تتشابك حلقاتها لتفرز شبكة متكاملة من أعمال القمع والإرهاب بحق الشعب الكُردي.
وإنَّ من أهم أسباب إرهاب النظام السوري تجاه الشعب الكُردي في سوريا تعود إلى:
1- كسر سمة النضال السلمي الديمقراطي للشعب الكُردي لتحويره من مساره إلى مسار العنف والإرهاب.
2- الاستمرار في سياسة فرق تسد بحق المناطق الكُردية كي يؤدي ذلك إلى عدم الاستقرار في المناطق الكُردية.
3- منع الشعب الكُردي من حقه الشرعي في تقرير المصير والمطالبة بالحقوق الأساسية مثل حق المواطنة وحقوق الإنسان وحق الاعتراف الدستوري به كثاني أكبر قومية وشعب في سوريا.
4- الاستمرار في تطبيق البنود الاثني عشري للمخطط العنصري الذي قام بوضعه مهندس الفكرة العنصرية الملازم محمد طلب هلال، لأنَّها لاقت إعجاب النظام العنصري في سوريا.
5- التخوف من فيدرالية المناطق الكُردية في سوريا على غرار فيدرالية إقليم كُردستان العراق.
6- ضرب مجموع أحزاب الحركة السياسية الكُردية في سوريا لأنَّها تقود شريحة كبيرة من الشعب الكُردي في سوريا.
7- إبعاد الكُرد عن الإشراك والتمثيل في المؤسسات الدستورية.
8- تنفيذ مخططات إيران الإقليمية في المنطقة، التي تقتضي بإقصاء كُرد إيران عن الحكم تنسجم مع مخططات النظام السوري بإقصاء الكُرد عن الحكم في سوريا.
9- الحفاظ على ما يسمى بعروبية سوريا دون سواها أي نبذ الغير وعدم الاعتراف به.
إنَّ خلفية الإرهاب تاريخياً في كُردستان، تعود إلى عهد الصراع العثماني- الصفوي، الذي بدأ في مطلع القرن السادس عشر، ففي خلال مراحل ذلك الصراع الدموي، والتي دامت قروناً، كان شعب كُردستان الموزع بين الدولتين وقوداً لإرهابهما المشبع بروح ومفاهيم الاستبداد الشرقي البالغ القسوة، واستمر ذلك وبنفس القدر من القهر والخطورة من جانب الأنظمة في الدول التي قامت على أنقاض الدولة العثمانية ومنها: تركية، العراق، وسوريا، فضلاً عن إيران، وهكذا فأنَّ شعب كُردستان قد استمر في معاناة الإرهاب (الدولتي) أكثر من ستة قرون وبجميع أشكاله المعروفة لدى المجتمع الدولي”. (11)
إنَّ للشعب الكُردي في سوريا تاريخ من الكفاح السلمي ضد سياسة الاضطهاد الممنهجة ضده وضد حركته السياسية، وكان الكُرد أكثر تنظيماً للخروج في التظاهرات مع بداية الثورة السورية في 15 آذار 2011، وانطلقت التظاهرات السلمية في المنطقة الكُردية وطالبوا في البداية بالحرية والإصلاحات وتحقيق العدالة والمساواة وإلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية ورفع الاضطهاد عن كاهل الشعب الكُردي في سوريا، والاعتراف الدستوري به بصفته ثانيَ قومية في البلاد، وتحقيق الحريات الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ووقف الاعتقال والقتل والتعذيب بحق المتظاهرين السلميين في القرى والمدن والبلدات السورية كافة. لكنْ، مع عدم استجابة النظام لمطالب المتظاهرين ووصفهم في البداية بالمندسّــين، الخارجين عن القانون، الإسلاميين، السلفيين، الإرهابيين، المتآمرين الكونيين، وصفهم بشار الأسد في آخر تصريح له بأنَّهم العدوّ، ومع عدم استجابة النظام لمطالب المتظاهرين ارتفعت وتيرة التظاهرات وتردَّد صداها في كل أنحاء سوريا، فانتقل الشباب المتظاهرون إلى المطالبة بإسقاط النظام ورحيله. ورغم كل هذا التحول والخطاب لدى الشباب الكُرد بقيت المظاهرات في المنطقة الكُردية سلمية ولم تأخذ طابعاً مسلحاً، مع أنَّ تظاهرات كل من قامشلو والحسكة شهدت استشهاد بعض الشباب الكُرد برصاص الأجهزة الأمنية.
وكانت النهاية بخروج أول تظاهرة انطلقت في الأول من نيسان عام 2011 في قامشلو وعامودا في جمعة الشهداء وتلتها كوباني وسري كانيه والدرباسية وكافة المناطق الكُردية ومناطق الوجود الكُردي.
إنَّ استمرار إرهاب الدولة المنظم والعنف الدائر بشكلٍ دائمٍ أو متقطعٍ لسنواتٍ (الصراع في سوريا هو صراع إقليمي ودولي والضحية الشعب السوري) وتحول الأزمة إلى حربٍ أهليةٍ  كاملةٍ، سيدخل سوريا ما يُعرف باسم السيناريو الصومالي، فالتوقعات الأساسية لو استمر العنف في سوريا لسنتين إضافيتين بعد 2012  أن جميع المؤشرات التنموية ستصبح أسوأ من الصومال بمراحل. وستكون للمرحلة الانتقالية السمات التالية (12):
– سنوات طويلة من غياب دور الحكومة المركزية على أجزاءٍ واسعةٍ من البلاد.
– تدمير كامل للاقتصاد السوري.
–  عدم قدرة سوريا على إعادة البناء، لأن المواردَ المالية والبشريّة المطلوبة لذلك ستكون خارج ما هو متاحٌ على أي منظورٍ مرئيٍّ اليوم.
–  تقسيم فعلي لسوريا إلى دويلاتٍ سيكون الحل الوحيد مستقبلاً لرأب الحقد الإقليمي والمناطقي.
–  انعكاس الأزمة على دول الجوار بشكلٍ مباشرٍ وتحوّل المشكلة الطائفية في سوريا إلى مشكلةٍ إقليميةٍ بدلاً من الصراع عن بعد(القائم اليوم).
–  وقوع أسلحةٍ حيويةٍ واستراتيجيةٍ بأيدي جهاتٍ مجهولةٍ سواء من المعارضة المسلحة أو من فلول الجيش النظامي في حال انهارت قطعٌ عسكريةٌ أساسيةٌ فيه.
–  العنف الطائفي والمذهبي.
–  تهجير عددٍ كبيرٍ من السوريين بشكلٍ دائمٍ ولاسيّما بين الأقليات الدينية والأثنية.
–  استمرار العقوبات الاقتصادية.
–  تطور مناطق سوريا المختلفة بمساعداتٍ خارجيةٍ متنوعةٍ مما سيفرض وضعاً راهناً من التباين الإداري سيعيق أي عملية دمجٍ ضمن بيروقراطيةٍ واحدةٍ مستقبلاً.
–  استخدام الجريمة المنظّمة للقواعد السورية كمنطلقٍ لعملها في ضوء الغياب الأمني.
–  انتشار بقعٍ حرّةٍ لعمل المنظمات المتطرفة.
–  عدم توصّل القوى الدولية إلى منظومةِ تفاهمٍ بخصوص الصراع على المنطقة، واستمرار المواجهة التي ستلتهم دولاً أخرى في المنطقة.
–  تعذّر تقديم خدمات الإغاثة والمساعدات الإنسانية وتقديم الخدمات الطبية، ومن ثَمَّ انتشار الأمراض والأوبئة التي ستعبر الحدود إلى دول الجوار.
إرهاب الدولة الإسلامية (داعش) تجاه الشعب الكُردي خلال الثورة السورية:
إن ما قامت بها الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) من إرهاباً منظم ضد الكرد في كل من الريف الحلبي وخاصة في البلدات الكردية كـ: تل عران وتل حاصل وقباسين وريف عفرين وريف الجزيرة وخاصة ريف الحسكة وتل تمر وسرى كانيه وريف قامشلو وديريك وكره سبي واختطاف الشباب الكرد، وخاصة هجومها المنظم على كوباني وتدمير ونهب وسلب ممتلكات الكرد فيها وتدمير البنية التحتية والخدمات فيها، ما هي إلا إرهاب منظم ممارس ضد الكرد، ولكن استطاع الكرد طرد داعش من مناطقهم في كوباني وريفها بدعم من قوات الكردية وبشمركة والجيش الحر وقوات التحالف ضد داعش، ولكن تبقى عملية حماية كوباني وريفها، إعادة إعمار كوباني الهم الرئيسي الذي يشغل بال الكرد في المرحلة القادمة.
– الخاتمة:
الإرهاب هو إستراتيجية عنف منظم ومتصل بقصد تحقيق أهداف سياسية، وهو الأسلوب الذي يتركز حول العنف السياسي في الصراع في أيامنا هذه، نتيجة لاستبعاد مظاهر العنف الأخرى كالحرب الشاملة والحروب العالمية التي تؤدي حتماً إلى إبادة طرفي الصراع بل والحضارة الإنسانية كلها، والإرهاب الذي كان سلاح الضعيف في الماضي هو أسلوب تستخدمه مخابرات الدول بطريقة مباشرة أو عن طريق تدعيم منظمات إرهابية وتوجيه عملياتها لما يخدم مصالح تلك الدول.
كما أنَّ ظاهرة الإرهاب في دولة من الدول قد تكون لها دوافعها وأسبابها النابعة من الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لتلك الدولة، والتي قد تتفق أو تختلف عن الظروف في دولة أخرى تعاني من نفس الظاهرة، وبما أنَّ الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب قد اتخذت الطابع العلاجي – أي أنَّ المكافحة تنصب على ما بعد الحادث الإرهابي – لذا نجد من الضروري أن تبدأ عملية مكافحة الإرهاب بدراسة الظاهرة في مجتمع ما دراسة علمية تأصيلية واسعة، بحيث يمكن التوصل إلى تشخيص للظاهرة ومعرفة الأسباب التي أدت لها، وهنا يصبح العلاج سليماً وصحيحاً ومنتجاً لأثاره.
– المصادر والمراجع:
  • (2) أحمد عطية الله، القاموس السياسي، ط 1، دار النهضة العربية، القاهرة، مصر، 1986.
  • (6) إسماعيل الغزال، الإرهاب والقانون الدولي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1990.
  • (7) جميل حزام يحيى الفقية، مفهوم الإرهاب في القانون الدولي العام، مركز الدراسات والبحوث اليمنية، صنعاء، اليمن،2001.
  • (5) عبد الناصر حرير، الإرهاب السياسي: دراسة تحليلية، ط1، مكتبة مدبولي،القاهرة، مصر، 1996.
  • (1) نبيل أحمد حلمي، الإرهاب الدولي وفقا لقواعد القانون الدولي، دار النهضة، القاهرة، مصر، 1988.
  • (10) حسن عزيز نور الحلو، الإرهاب في القانون الدولي (دراسة قانونية مقارنة)، أطروحة ماجستير في القانون، الأكاديمية العربية المفتوحة في الدانمرك، هلسنكي، فنلندا، 2007.
  • (9) أحمد جلال عز الدين، الأساليب العاجلة وطويلة الأجل لمواجهة التطرف والإرهاب في المنطقة العربية، بحث قدم إلى المؤتمر الثاني الذي نظمه مركز الدراسات العربي- الأوروبي تحت عنوان: (تحديات العالم العربي في ظل المتغيرات الدولية)، ط2، دار بلال، بيروت، 1998.
  • (12) ناريمان عامر،… وأخرون، عوامل السلم الأهلي والنزاع الأهلي في سوريا (دراسات). مركز المجتمع المدني والديمقراطية في سورياCCSDS ، 2013.
  • (8) حسين عوض، إرهاب الدولة بين حزبية النظام وعسكرته، مجلة الحوار المتمدن، العدد 4075، 27-4-2013.
  • (4) حمدان رمضان محمد، الإرهاب الدولي وتداعياته على الأمن والسلم العالمي (دراسة تحليلية من منظور اجتماعي)، مجلة أبحاث كلية التربية الأساسية، المجلد 11، العدد 1، جامعة الموصل، العراق، 2011.
  • (11) عبد الفتاح علي البوتاني، الكُرد بين إرهاب الدولة القومية والإسلام السياسي، مجلة الحوار المتمدن، العدد 1360، 27-5-2005.
  • (3) عصام مفلح، مفهوم الإرهاب والموقف الدولي، مجلة الفكر السياسي، العدد 17، 2000.
جزء من بحث قيد النشر منذ نهاية 2013