مراجعة شاملة للثورة السورية
جورج كتن – كانون الأول 2014
المقصود من هذا العرض السريع ليس إعطاء توصيفات نهائية لما يجري في سوريا، بل تحريض جميع المهتمين للقيام بمراجعة شاملة لما مرت به الثورة وعدم التوقف عند صورتها في بداياتها، ومحاولة تلمس أوضاع الصراع الراهنة، ووضع الحلول الممكنة التحقيق لمصلحة الشعب الذي لم تكن هناك حدود لتضحياته من أجل الأهداف التي آمن بها لسوريا التي يريدها.
الثورة خروج على الوضع الراهن لتغييره بوسائل غير معتادة بعد استعصائه على التغيير بطرق الإصلاح التدريجي، وبعد تجمع عوامل عديدة متشابكة تؤدي لانتفاضة شعبية سلمية أو مسلحة لتغيير النظام القائم الذي أوصل الناس لأوضاع معيشية لم يعد من الممكن تحملها. وغالبا ما تطبع العفوية الثورات في مراحلها الأولى بحيث تتحدد أهدافها ووسائلها مما تجمع عليه القطاعات الشعبية المنتفضة دون تدخل من قوى منظمة ومؤسسات. لكن غالبية الثورات تخرج من أيدي الحراك الشعبي الذي بدأها، لتقع في أيدي جماعات سياسية أو عسكرية تشارك بالثورة بعد اندلاعها ثم تركب موجتها لتحويلها لأهدافها الخاصة المخالفة غالبا لأهداف الثورات في بداياتها.
هذا ما حدث للثورة الفرنسية 1789 التي انتقلت من يد الشعب المنتفض من اجل الحرية والمساواة والإخاء، إلى يد قائد عسكري نصب نفسه إمبراطوراً. أما الثورة الروسية ضد القيصرية فتمت على ثلاث مراحل بين 1905 وأكتوبر 1917، وبدل أن تضع السلطة في يد مجالس العمال والفلاحين المنتخبة، وضعتها في يد طبقة بيروقراطية جديدة، رأسمالية دولة يقودها أمين عام حزبي، تحول لقيصر جديد. والثورة الإيرانية في العام 1979 بدل أن تنقل السلطة إلى ملايين الشعب الذي هب من اجل حرياته ضد حكم الشاه الاستبدادي، انتقلت لرجال دين ركبوا الموجة وأقاموا حكما قمعيا يتستر بالدين، يحصر السلطة بيد المرشد الأعلى غير المنتخب من الشعب.
الثورة العظيمة التي قام بها السوريون لم تخرج كثيرا عن هذا المسار فقد كانت في مرحلتها الأولى ثورة الشعب السلمية التي أهدافها الحرية والكرامة، تلاها حمل السلاح كرد على بربرية النظام في مواجهة المتظاهرين السلميين. استمرت في هذه المرحلة الهيمنة الرئيسية للشعب المنتفض على الثورة من خلال التنسيقيات والمجالس المحلية كمؤسسات قيادية ابتكرها. لكن المرحلة التالية بدأت مع إعلان جبهة النصرة عن أهداف منظمة القاعدة التي تكفر الديمقراطية لاعتبارها مستوردة من الغرب الكافر. وتبعها تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي تسرب من العراق ليباشر احتلال ما تم تحريره من مناطق ثم ليعلن، بعد انشقاقه عن القاعدة، “دولته الإسلامية” المعادية للثورة. فالتوافق على إسقاط النظام مسألة غير معلقة في الفراغ، بل هدف الثورة من ترحيل النظام استبداله بنظام ديمقراطي السيادة فيه للشعب، فيما إسقاط النظام بالنسبة للنصرة وداعش، وكتائب أخرى سورية إسلامية نشأت إلى جانبها، من اجل إقامة دولة دينية تبشر بقمع باسم الدين يضاهي ما يفعله النظام.
أصحاب الثورة الأصليين في مناطق سيطرة النظام قمعوا بشدة قتلا وتشريدا ونفيا واعتقالا وتعذيبا ونهبا وتدميرا. أما في المناطق التي خرجت عن سلطة النظام فمسلحو التنظيمات الإسلامية من داعش والنصرة وأضرابها يقمعون أي حراك شعبي كما يفعل النظام في مناطقه، ويطبقون مقاييس متشددة في الحياة بحيث وقع الشعب المنتفض بين مطرقة بطش النظام وسندان السلطات المتطرفة لشبه الإمارات الدينية، بعد أن همشت مؤسسات الثورة التي أقامها الشعب في حراكه السلمي ولم يبق منها سوى مؤسسات معارضة خارج البلاد ممثلة في الائتلاف والحكومة المؤقتة ومعارضين آخرين، وجيوب في الداخل للجيش الحر ضعيفة ومهددة بالتصفية.
الحروب والصراعات في الوضع الراهن لم تعد كما في المرحلة الأولى للثورة، الصراع بين طرفي السلطة الاستبدادية والشعب المنتفض. فهناك الآن حرب النظام ضد الجميع عدا الميليشيات الكردية، وحرب داعش ضد الجميع، وحرب النصرة وحلفائها ضد بقايا الجيش الحر، وحروب أخرى تنشب في أي وقت بين موزاييك كتائب المعارضة المسلحة التي لا تجمعها أية قيادة مشتركة، في صراع معقد ومتشابك طائفي قومي وبمشاركة قوى إقليمية كبرى. القوى المسيطرة على الأرض أهمها النظام المهيمن على ما يزيد عن ثلث سوريا، وداعش التي تسيطر على ثلث آخر، والباقي تتقاسمه النصرة والميليشيات الكردية وكتائب إسلامية وبقايا الجيش الحر، فيما التقدم أو التراجع لطرف في جبهة لا يخل كثيرا بالتوازن العسكري الراهن.
لماذا وصلت الثورة السورية لهذه النتائج ؟ وما هي الأسباب التي جعلتها تخرج من يد أصحابها الذين أطلقوها؟
ربما وصف الثورة بأنها “مختطفة” تعبير لا يعطي فكرة واضحة عن حقيقة “التحول” الذي جرى على مراحل إلى أن وصل لما هو عليه الآن من هيمنة القوى الإسلامية المتطرفة رغم وجود بقايا للثورة لا تزال تقاوم تهميشها. حدث التحول لأسباب وعوامل متعددة منها ما هو تحول اضطراري كتسلح الثورة كخيار مفروض رداً على وحشية النظام. لكن العسكرة جرت بشكل عشوائي محلي، افشل جميع محاولات إنشاء قيادة موحدة بقرارات مركزية مطاعة من الجميع، وابتعد حاملو السلاح تدريجيا عن الارتباط بالحراك المدني، وعملوا لوضع المؤسسات المدنية التي أقامتها الثورة تحت سيطرتهم بدل أن يحدث العكس، أن تتبع القوى العسكرية لقيادة سياسية.
مؤسسات الثورة الشعبية السلمية من تنسيقيات ومجالس محلية، كان يجب تحويلها إلى شبه سلطة جديدة موازية لسلطة النظام تخضع لها كافة النشاطات التي يمارسها الحراك الشعبي دون استثناء العمل العسكري. لكن تراجع دورها كان لأسباب منها توجه النظام نحو تحطيم قياداتها، وهجرة نسبة كبيرة من كوادرها الواعية، التي رغم أنها كانت اضطرارية فقد أدت لخلق فراغ في القيادة السياسية لم تستطع أن تملأه قيادة الخارج. مما ترك المجال لتعملق عسكريي الثورة وإطلاق غرائزهم لإخضاع الحراك المدني لكتائبهم المسلحة. أصبحت السلطة تنبع من فوهة البندقية، وتحول الحراك المدني لدريئة يختبئ خلفها المسلحون من قصف النظام الجوي والبري. فبعد أن أصبح العمل العسكري منفصلا عن الشعب لم يعد يهم الكتائب المسلحة الاحتماء بالمناطق السكنية وما سببه من دمار وهجرات مليونية، فلو كانت تهمها الحاضنة الشعبية، المفترض أنها تعمل من اجلها، لبحثت عن وسائل أخرى لقتال النظام كممارسة حرب عصابات.
المجلس الوطني والائتلاف فشلا في تشكيل قيادة سياسية لقوى الثورة المدنية والعسكرية، ويعود ذلك بالدرجة الأولى لتصارع كتله “على جلد الدب قبل التمكن من اصطياده”! كنتيجة لعدم وجود تقاليد ديمقراطية للتجمع حول هدف مشترك يتوافق عليه الجميع، ليؤجلوا الأهداف الخاصة لكل منهم للتنافس حولها في ظل ديمقراطية يتفق الجميع على أولوية العمل المشترك لتحقيقها. أخطائهم أفقدتهم ثقة الشعب بهم. انتكاس القيادة السياسية في الداخل والخارج ترك مركز القرار بيد أمراء الحرب. وفيما عدا بعض العسكريين المنشقين، فقد اعتمدت العسكرة على مد من الجهاديين أتوا من تنظيم القاعدة المتطرف في العراق، وتلاه استقدام مجاهدين إسلاميين من شتى أنحاء العالم، طبعوا العمل المسلح بالتدريج بنمطهم في العمل، وحرفوه عن أهدافه الرئيسية.
وحتى إذا استثنينا تنظيم داعش الذي انتقل للثورة المضادة وجبهة النصرة التي تشارف على التحول لثورة مضادة، فإن كتائب عسكرية أخرى ، معتدلة ومتطرفة، لم تخرج عن استقطاب امير حرب لكل منها، وليحكم تنقل أفرادها من كتيبة لأخرى مدى توفر المال والسلاح، وليس لأسباب تتعلق بأهداف أو وسائل العمل، حتى يكاد يكون الارتزاق منتشرا في كتائب عديدة تمارس السرقة والخطف من اجل الفدية وفرض إتاوات في مناطق سيطرتها. فإذا “توحدت” كتائب بين وقت وآخر فتوحيدها شكلي، بإنشاء “مجلس موحد” وليس قيادة موحدة، خاصة في مواجهة جيش النظام المتمتع بوحدة القيادة والخطة وأدوات التنفيذ. وآخر عملية توحيد شكلية هي إنشاء “مجلس قيادة الثورة” ضم ممثلي كتائب تتفق على إسقاط النظام، دون أن تشير في بيانها لشكل سوريا المستقبل الذي تسعى إليه. إجمالا غالبية القوى المسلحة فقدت شرعيتها وفشلت في إقناع الشعب السوري والمجتمع الدولي بأنها البديل الأفضل للنظام.
أسلمة العمل المسلح لم يأت فقط من غزو الجهاديين الخارجي، بل أيضا من تأسلم الكتائب للحصول على الدعم السخي القادم من دول إسلامية. وتفكك الثوار المناصرين للديمقراطية وانتقال الكثير منهم لمنظمات إسلامية تمتلك مصادر مالية وتسليحية كبيرة. كما أن النظام رفد الكتائب الإسلامية بأعداد كبيرة من الجهاديين الذين كانوا في سجونه والذين أصبحوا قادتها وعمودها الفقري. كما استندت الأسلمة لعامل محلي هو درجة عالية من التدين تميزت بها قطاعات واسعة من الشعب السوري وخاصة في الأرياف كرد على ظلم النظام الذي دام لعقود، فنسبة كبيرة من الشباب المنتفض كانت متدينة ولكن دون تطرف، في مواجهة النظام وعدم فعالية الضغوط الخارجية لوقف إجرامه. لكن التدين الشعبي شيء والتطرف في تديين أهداف الثورة شيء آخر لا يتفق مع الغالبية المؤمنة في سوريا التي كان واضحا منذ البداية أن ثورتها ليست لهدف إقامة دولة دينية بل دولة مدنية.
كما أن الثورة في مراحلها الأولى ابتعدت عن الطائفية بإصرارها على أن “الشعب السوري واحد”، بعكس ما دفعت إليه المنظمات الإسلامية المتطرفة من ادعاء تمثيلها لطائفة سنية مظلومة في مواجهة ما تسميه التسلط النصيري، مما أجج الصراع الطائفي الذي غذّاه النظام بجلبه ميليشيات شيعية لبنانية وعراقية وإيرانية، ساهمت في تحويل الصراع إلى شبه حرب دينية أصولها موغلة في التاريخ. مما افقد الثورة القدرة على إقناع قطاعات الشعب الحيادية أو الخائفة، كما افقدها التعاطف والدعم الفعال للمجتمع الدولي، فالغالبية اعتبرت أن ما يجري حرب طائفية لا يمكن الانحياز لأي طرف فيها.
يضاف إلى العوامل السابقة عامل مهم آخر هو الدور الخارجي الذي اتسم بالتردد وعدم الفعالية واللامبالاة أحيانا، والتدخل في شؤون الثورة السياسية والعسكرية مما زاد في تشرذمها وابتعادها عن أهدافها الأساسية، وتبعيتها لما يريده منها الداعمون على حساب مصالح سوريا وشعبها. كما لم تفعل الضربات الجوية الخارجية المحدودة للتحالف الدولي، أكثر من منع سقوط عين العرب. فدول كثيرة غربية باتت تتحسب من سقوط النظام خوفا من وقوع سوريا بيد القوى الإرهابية التي ستشكل خطرا على المنطقة والعالم.
في الوضع الراهن أصبحت الأولوية لوضع حد للكارثة المستمرة التي تهدد بصوملة سوريا والقضاء على ما تبقى من شعبها وعمرانها. فهل نستمر في اعتبار الثورة ما زالت قائمة وأن ما تمر به عوارض وأخطاء؟ أم أننا يجب أن نعترف بأن الثورة فشلت وانتهت، حتى مع وجود بقايا لها سياسية وعسكرية؟. لكلا الموقفين ايجابياته وسلبياته، فاعتبارها مستمرة سيفيد في إبقاء جذوة الثورة حية في النفوس رغم اندحارها على ارض الواقع، وترويج الآمال بأن النصر قادم لا محالة، وهو ما سيعزز الأوهام بأن ما يجري حاليا من صراع هو طريق لا بد منه للوصول للهدف، فيما الحقيقة أنه يسير باتجاه مخالف، لإقامة استبداد جديد باسم بالدين.
أما الاعتراف بأن الثورة انتهت، منذ أصبحت القوى المسلحة المتطرفة من داعش والنصرة وجيش الإسلام وأشباهها القوى المهيمنة في الجانب المواجه للنظام، فهو اقتراب من الواقع الفعلي وعدم العيش في الأوهام ورؤية حقيقة الصراع الحالي بين أطراف لا مصلحة لغالبية الشعب فيما تسعى إليه من أهداف، بحيث يمكن تصنيف هذه الأطراف كثورة مضادة حتى لو كانت مستمرة في قتال النظام، وهذا ما حصل فقط بالنسبة لداعش، ولكن الطرف الديمقراطي لا زال مترددا باعتبار النصرة كذلك، ورافضا لاعتبار أن كتائب أخرى انتقلت للثورة المضادة.
فشل ثورة لا يعني أن لا ثورات أخرى ستليها، فطالما مهمة وهدف “الحرية للشعب” لم تتحقق فالثورة التالية قادمة مرة أخرى وربما مرات. إحياء الثورة أمر صعب ولكنه ليس مستحيلا عندما تحين ظروفه الموضوعية والذاتية المناسبة. هكذا يعلمنا التاريخ، فالثورة الفرنسية 1789 التي أقامت الجمهورية الفرنسية الأولى انتهت بالفشل بعد استفراد الإمبراطور نابليون بالسلطة، وتلا هزيمته في الحرب عودة الحكم الملكي، ثم جاءت ثورة 1848 لتقيم الجمهورية الثانية التي انهارت أيضا، لتليها ثورة 1870 التي أقامت الجمهورية الثالثة. الثورة الروسية 1905 فشلت في إسقاط القيصرية فاعتبرت “بروفة” لثورة ناجحة تلتها في شباط 1917 أنهت الحكم القيصري. أما الشعب الإيراني فقام بانتفاضات ضد السلطة الاستبدادية لرجال الدين كان آخرها ثورته المليونية الخضراء في العام 2009 والتي فشلها لا يعني أنها الثورة الاخيرة، فستليها ثورات إلى أن يزاح الحكم الاستبدادي.
الاعتراف بفشل الثورات يعني أن ثورات أخرى أكثر اتقانا ستليها عندما تصبح الظروف الموضوعية ملائمة.
إذا تم التوافق بين الديمقراطيين على أن الثورة السورية انتهت بالفشل، فذلك لا يعني الاستقالة من دورهم في قيادة وتمثيل غالبية الشعب السوري التي تريد لأهدافها في الحرية والكرامة أن تتحقق. لكنه يعني التوقف عن الانجرار وراء سراب الثورة “المستمرة”، والبدء بحوار جدي في ورشات نقاش في كل مكان حول ما جرى منذ آذار 2011 حتى الآن، تطرح فيها وجهات النظر المختلفة للخروج بتوافق حول توصيف مطابق لما يجري من صراع حاليا، وأين يجب صب جهود الجميع لإحياء الثورة، وليكون الحراك الثوري الشعبي القادم مبني على وعي دروس فشل الثورة الأولى لتفادي الأخطاء المرتكبة من الطرف الديمقراطي السياسي والعسكري.
لا يمكن لأحد أن يتنبأ بما ستحمله الأشهر أو السنين القادمة فقد يطول الصراع أي المزيد من التدمير والتقتيل والتهجير. انتصار النظام احتمال ضعيف فإن حصل سيعني المزيد من إطالة عمره كنظام ديكتاتوري يقيم دولة أمنية على أنقاض سوريا. أما إذا انهار النظام فلأسباب منها تضاؤل المساعدات المالية والتسليحية المرسلة من إيران وروسيا المعانية من أوضاع متأزمة بسبب العقوبات الاقتصادية وانخفاض أسعار النفط العالمية. أو بتدخل خارجي حظوظه قليلة ولو أنه ليس مستحيلا إن بات مقبولا من القوى الكبرى. وقد يسقط نتيجة تعب قواه الرئيسية التي ربما تصل لقناعة أن الاستمرار غير ممكن. اضعف الاحتمالات أن يسقط النظام نتيجة خسارته أمام القوى العسكرية المقاتلة له.
الأهم من موضوع سقوطه هو سيرثه؟ ففي ظل الأوضاع الحالية فإن انهيار النظام يعني حروب جديدة على تركته بين الأطراف التي عددناها، “حرب مجاهدين” فيما بينهم، فكل يعتقد أنه الأصح في تطبيق “الشريعة” والباقي يكفرهم ويستحل دمهم، في نسخة قريبة مما حدث في أفغانستان من حرب طاحنة بين “المجاهدين” حلفاء الأمس عقب انسحاب الجيش السوفييتي في العام 1989، والتي استمرت 6 سنوات إلى أن تغلب الطالبان بعد أن دمرت كابول على يد “المجاهدين” أكثر مما حدث لها في الحرب مع السوفييت. ما نتوقعه حرب ضروس بين النصرة وداعش وكتائب إسلامية وكردية ستضيف دمارا جديدا.
بين كل هذه الاحتمالات يبدو أن مآل الحل الواقعي والمنطقي والذي يتفق مع مصلحة السوريين، السعي لإنهاء الوضع الكارثي السوري بحل سياسي تفاوضي يقيم حكما انتقاليا بكامل الصلاحيات تشارك فيه الأطراف المتصارعة، يوقف إطلاق النار ويقود عملية انتقالية تمر بدستور جديد وانتخابات تشريعية ورئاسية وعودة المهجرين وإعادة الإعمار ومواجهة المنظمات الإرهابية، داعش والنصرة، وكل من لا يقبل بوقف القتال والاحتكام لعملية سياسية ديمقراطية. سيكون التناقض الرئيسي حينها بين من يقبل بالحل السياسي الذي يقيم حكما انتقاليا يقود للديمقراطية، وبين من يسعى لإحباطه بقوة السلاح. لن يتردد المجتمع الدولي في دعم الحكم الانتقالي بقوة في وجه المنظمات الإرهابية كما حدث في العراق بعد إقصاء حكومة المالكي الطائفية الفاسدة.
ما أردنا أن نقوله باختصار أن على الديمقراطيين السوريين بكافة تلاوينهم أن يتوقفوا عن العيش في أوهام السنة الأولى للثورة، ليعترفوا بأن الثورة الشعبية قد انتهت منذ زمن وأن ما يجري من صراع مسلح لا مصلحة لأحد في استمراره وأنه لا بد من إجراء حوار واسع للرد على أسئلة كثيرة أهمها:
ما هي دروس الثورة الأولى ؟ وكيف يمكن تطوير أوضاع الطرف الديمقراطي، بجناحيه السياسي والعسكري، في الصراع الدائر حاليا ليكون له دور اكبر وخاصة في إطار أي حل سياسي وسطي قادم ؟