الدولة الجديدة في العالم

الكرد على حافة تحقيق دولتهم الخاصة, وإن فعلوا ذلك ستتغير وجهة الشرق الاوسط

Christian Caryl

 Foreign Policy , January 21, 2015

الترجمة عن الانكليزية : الدكتور مسلم عبد طالاس

 

مع سيرك في شوارع مدينة أربيل, هناك الكثير من الاسباب التي تجعلك تفكر بأنك في عاصمة دولة صغيرة لكن قادمة في الشرق الاوسط. يرفع ضباط الشرطة والجنود العلم القومي على وحداتهم, وهو نفس العلم الذي يرفرف بفخر على المباني العامة, وهناك نسخة ضخمة منه ذات علو شاهق في مركز المدينة. هناك نشيد وطني يمكن أن تسمعه في أخبار التلفزيون في أخبار المساء, الذي يبث فقط باللغة المحلية. ويمكن أن يلفت نظرك مباني البرلمان ورئاسة الوزراء, بالإضافة للبعثات الدبلوماسية لعدد من البلدان الاجنبية, وبعضها تمنح الفيزا.

هذه ليست دولة مستقلة. أنت في العراق, بالتحديد جزء من شمال العراق يعرف رسميا بحكومة اقليم كردستان. ستمثل هذه الحقيقة أمامك عندما تفتح محفظتك لكي تدفع ثمن شيء ما. ما زالت العملة المحلية هي الدينار العراقي (على الرغم من أن الدولار الامريكي متداول على نطاق واسع). لا تعترف أي من الدول التي تقيم قنصليات باربيل بدولة كردية, ولا أربيل أعلنت الدولة. ,, حتى الان,, كردستان العراق هي ضمن دولة العراق.

والتشديد على عبارة ,, حتى الان,, سببه أنه في يوليو السنة الماضية طلب مسعود البرزاني رئيس اقليم كردستان من برلمان الاقليم التحضير لإجراء استفتاء على الاستقلال. وقد كان استجابة سريعة مناسبة في مواجهة تفكك الدولة العرقية في ظل حكم رئيس الوزراء نوري المالكي. قبل ذلك في يناير 2014 قطعت حكومة المالكي التحويلات المالية إلى اقليم كردستان كجزء من الصراع على الموارد النفطية, وهو ما أثار حفيظة أربيل, بالاضافة لذلك فإن سياسة القمع تجاه العرب السنة غذت الصعود السريع لداعش. في الصيف الماضي, وبعد أن صدمت قوات داعش العالم بالسيطرة على الموصل, التي هي ثاني أكبر مدينة عراقية, اندفعت قوات الجهاديين نحو المنطقة الكردية, وأصبحوا في أحد النقاط على مسافة 25 ميل من أربيل.

بدعم من الضربات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة, نظم الجيش الكردي, البيشمركه, صفوفه, وأجبر قوات داعش على التراجع. انهيار معنويات الجيش العراقي في مناطق واسعة من شمال العراق خلق فراغات كانت القوات الكردية سعيدة بملئها. وبالصدفة تقريبا, وجد قادة كردستان فجأة انفسهم يحكمون مساحة إضافية تقدر بـ40% من المساحة السابقة التي كانت عند بدء النزاع.

وقد شمل هذا التوسع جائزة ثمينة, هي كركوك, وهي المدينة التي طالما سماها قوميو كرد العراق بـ,, قدسهم,, وهي نقطة تركيز روحي وسياسي لدولتهم المستقبلية. ويساعد في الامر أن كركوك تقع في أحد أكبر حقول النفط العراقية, وهذا يمنح الكرد موردا ثمينا للدخل يمكن أن يساعد في الحفاظ على اقتصاد الدولة الجديدة. لقد اختلف كرد وتركمان وعرب العراق طويلا على السيطرة على المدينة, وفي ثمانينات القرن الماضي صرف صدام حسين موارد ضخمة على عملية التعريب التي بموجبها تمت محاولة تغيير التركيبة السكانية جبرا من أجل تقويض النفوذ الكردي هناك. في يونيو 2014 لم تستطع حكومة بغداد سوى أن تنظر بعجز إلى البيشمركه وهي تحل محل القوات العراقية الهاربة وتسيطر على المدينة.

بالطبع الـ30 مليون كردي (طبعا هناك تقديرات تتجاوز الـ40 مليون- المترجم) الذين يعيشون في الشرق الأوسط, ليسو كلهم ضمن العراق. لكنهم كلهم يشعرون باهتزازات التغيير. فإيران, التي تعيش فيها أقلية كردية ضخمة, تعزز علاقاتها مع اقليم كردستان, الذي ترى فيه حليفا هاما في محاربة داعش. في سوريا ونتيجة الحرب الاهلية تمكن الكرد من إقامة منطقة واسعة بإدارة ذاتية في  شمال شرق سوريا, وهذا قوض الحدود بين كرد سوريا والعراق, وهم الان يذهبون ويعودون بدون فيزا. وفي تركيا, موطن أكبر أقلية كردية, فإن حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان تخلت عن السياسات التي اتبعت لفترة طويلة وهدفت لقمع الهوية الكردية المتميزة, وتقوم الان بمحادثات سلام مع حزب العمال الكردستاني, المسؤول عن ثورة استمرت لعقود شرق تركيا.

كل هذا يعني أن الكرد, الذين هم في وضعية أكبر قومية بدون دولة في العالم, يجدون أنفسهم الان على حافة تأسيس أول دولة قومية قابلة للحياة لهم, وذلك تقريبا بعد قرن من تقسيم القوى الكبرى بعد الحرب العالمية الاولى السلطنة العثمانية إلى بلدان الشرق الأوسط التي نعرفها اليوم, وتركهم الكرد بدون نصيب. ( رعى الاتحاد السوفيتي إنشاء جمهورية كردية في إيران عام 1946, لكنها سقطت بسرعة بعد سحب السوفييت لدعمهم).

(إن كردستان المستقلة هي شيء يحلم به كل الكرد) هذا ما أخبرني به الرجل المتقاعد رمزي معروف والذي يبلغ 65 من العمر عندما قابلته في سوق أربيل. (طوال حياتي وأنا أنتظر أن أراها). إذا اصبح الحلم أخيرا حقيقة, هناك أمة واحدة على الكرد شكرهم على ذلك: هي الولايات المتحدة. على الرغم من أن سياسة الولايات المتحدة نحو الكرد غالبا ما خضعت لنفس روح السياسة الواقعية التي صبغت العديد من سياسات واشنطن في المنطقة, لكن كردستان العراق اليوم يعود الفضل فيها إلى حدثين أساسيين: تأسيس منطقة حظر الطيران في المنطقة بعد انتصار قوات التحالف على صدام عام 1991, ومن ثم خلع دكتاتور العراق بعد غزو العراق عام 2003. في النتيجة فإن الكرد موالون لأمريكا بشكل ساحق لدرجة تفاجئ كل شخص قضى وقتا في أجزاء أخرى من الشرق الأوسط.

الرئيس أوباما و اسلافه في البيت الأبيض كانوا معارضين بشكل ملحوظ لمنح مباركتهم للدولة الكردية, وذلك نتيحة مخاوف ليست بدون مبررات تماما من أن إنشاء لاعب جديد في هذه المنطقة المضطربة يمكن أن يدفع باتجاه عدم استقرار خطير. أحد المخاطر الواضحة هي أن إعلان انفصال اقليم كردستان عن العراق يمكن إن يحفز التفكك النهائي للعراق إلى دولتين سنية وشيعية, وهذا ما يغذي النزاع الطائفي في المنطقة.

إن مناخ عدم التأكد يمكن أن يفسر سبب استجابة القادة الكرد لقضايا جدولهم الزمني لإنشاء دولة بحذر ملموس. (الطريق مليء بالعقبات) يقول فؤاد حسين, رئيس ديوان رئاسة كردستان. ما زال كرد العراق على مسافة بعيدة من الوقوف على قدميهم اقتصاديا. يمكن أن تمنحهم كركوك المورد البترولي الارتكازي,  لكن باعتبار أنهم لا يمتلكون منفذا للبحر,  فإنهم يعتمدون على حسن نوايا بغداد أو دول الجوار في شحن نفطهم لأسواق العالم. وعلى الرغم من أن الامور تحسنت في السنوات الاخيرة , كما يقول حسين, فإن تلك النوايا ليست ثابتة. خلال القرن الماضي كل الحكومات التي كانت تحكم أقليات كردية كبيرة بذلت جهود وحشية من أجل إخماد أي محاولة كردية لتقرير المصير, والكرد لم ينسوا ذلك. وهناك أمر ملح يتمثل في مواجه الكرد لتهديد دولة داعش الجديدة والتي تمتد على مسافة 600 كم من حدودها. والهبوط الاخير في أسعار النفط أيضا عامل سلبي.

بعيدا عن اعلان استفتاء الاستقلال الذي يحتضنه مسعود البرزاني بكل اخلاص, فإن أكثرية المسؤولين الكرد يسارعون للتقليل من شأن ذلك. (سيأتي وقت تصبح فيه كردستان دولة مستقلة) أخبرني قباد طالباني نائب رئيس الوزراء. (من غير الواضح إن كان الان هو الوقت المناسب). من جانبه شدد حسين على أن الكرد ينوون منح العراق فرصة أخرى, خصوصا أن رئيس الوزراء المزعج المالكي, الذي استقال في سبتمبر, قد أخلى الطريق لرئيس وزراء أكثر انسجاما هو حيدر العبادي, الذي وقع مؤخرا اتفاقية مع الكرد تضمن لهم 17%  من عائدات النفط العراقي بالاضافة لتمويل الجيش الكردي. (وربما كان اعلان البرزاني عن استفتاء الانفصال هو جزئيا من أجل الضغط على بغداد لكي تتفاوض بجدية).

(نرغب أن نعطي العراق فرصة لكي تصبح دولة ديمقراطية) أكد لي حسين. لم يكن عليه أن يضيف أن الكرد ينتظرون مثل هذه النتيجة لأكثر من عقد , ولا يمكن أن ينتظروا للأبد.

لكن مازال عليهم السير بحذر. ونظرا لنقاط ضعفهم, فإن الكرد لا يستطيعون تحمل النظر لهم كمسؤولين عن التفكك النهائي للعراق. إذا قرر الكرد فعلا دخول حلبة الاستقلال, فإن الامر يحتاج بغداد, ودول الجوار, وربما الاكثر أهمية , الولايات المتحدة , بدرجة أو أخرى , تقبل هذه الحركة. يشبه حسين ولادة الدولة الكردية بولادة طفل جديد. (لا نريد طفل بعدد من العاهات, يموت بعد بضعة أشهر, يجب أن يوفر للطفل بيئة جيدة وأبوان يهتمان به ). لكي تتأسس كردستان يجب أن تكون جزءا من استقرار المنطقة.  بالطبع حتى الأطفال الأكثر صحة قد يزعجون الجيران أحيانا. الكرد قد يشذون عن ذلك. لكن لا تراهن على ذلك أبدا.