فصل من كتاب معد للنشر بالتعاون مع جمعية الاقتصاديين الكرد

هذا الفصل والمقدمة مهدى من قبل الباحث بشكل خاص
 لموقع مدارات كرد
والهيئة المستقلة لإعمار كوباني
اعمار
-المقدمة
من مؤشرات التخليف الذي فرض على الأمة الكوردية ندرة الأبحاث والدراسات التي تتناول واقع الأمة.  ولا سيما تلك التي تعتمد على مناهج العلم الحديث وأدواته فالمكتبة الكوردية فقيرة بالكتب والمراجع والإحصاءات الرقمية التي تساعد الباحثين والمفكرين على تبلور أفكارهم وتشخيصهم لمشاكل مجتمعهم.
تأتي مساهمة الباحث حسن شيخ مصطفى في هذا الإطار لتوفر كما هائلاً من المعلومات والإحصاءات الرقمية  من مختلف المصادر والدوائر الحكومية والمراجع التاريخية واللقاءات المباشرة، ولنا أن نتصور حجم الجهد الذي بذله الباحث في بلد كانت سرية المعلومات يعتبر إستراتيجية عامة لأجهزته الأمنية فمجرد فكرة جعل منطقة كوردية موضوعاً للبحث يقلق الجهاز الأمني ويجعله يتحفظ على السماح بتسرب أي معلومة يضاف إلى ذلك عدم تعاون الدوائر الرسمية وخوفهم من إعطاء أي معلومة. كوباني المدينة المنسية التي اشتهرت بأن مخصصاتها المالية كانت إما تعاد إلى خزانة الدولة أو تنقل إلى صرين والشيوخ أهملت من قبل وزارات الدولة كافة وعملية إهمال الدولة كانت عملية ممنهجة ومنظمة تبدأ من تحديد هيكلها الإداري بتعيين موظفين من القومية العربية على رأس كل دوائرها ولا سيما الذين ينقصهم الأمانة الوظيفية والخبرة المهنية ويرتبطون بعلاقات وثيقة مع الفروع الأمنية، ثم تقليل مخصصاتها المالية مقارنة مع المدن المجاورة كجرابلس والمنبج وهذه المخصصات لا توظف في المشاريع الخدمية والتنموية بل تصرف على الدوائر الحكومية والأمنية فكوباني لا يوجد فيها مشروع حكومي واحد، أو معمل، أو مقر إحدى شركات حكومية، كوباني رغم وقوعها على كتف نهر الفرات لا تستفيد من مياه النهر كوباني بقيت عطشى عشر سنوات ومياه الشرب كان يشترى من الباعة وجاء إحداث معملي اللافارج وغوريش للاسمنت بعد صدور تقارير من الأمم المتحدة تشير إلى حجم الإهمال الحكومي في هذه المنطقة ذات الأغلبية الكوردية. الباحث يأخذنا في جولة ميدانية في منطقة كوباني بريفها ومدنها يطلعنا على بؤس الحياة وحجم المعاناة وقسوة الدولة وعنصريتها تجاه الجغرافيا الكوردية ليس من خلال الجمل الإنشائية إنما من خلال اللغة الإحصائية، اعتقد أن هذا البحث هو الأول من نوعه من حيث منهجية الدراسة ومصداقيته العلمية، يشكر الباحث على تحديد موضوعه، ويشكر أيضاً على أمانته العلمية وحيادته في معالجة موضوعه، لا بد من الإشارة أن هذا البحث أنجزه الباحث في: 2012 وأرقامه تعود إلى ما قبل هذا التاريخ.
                                                                                صبحي طالاس
 
 
 
 
 
 
مقدمة البحث
أخذت مسألة السكان والتنمية وعلاقتهما المتبادلة حيزاً كبيراً من اهتمام الدول والمنظمات الدولية، تمثل ذلك في العديد من المؤتمرات والندوات الدولية والإقليمية التي خصصت لمعالجة هذا الموضوع الهام. فقد أصبحت هذه المسألة في غاية التعقيد والأهمية في العقود الأخيرة خاصة في البلدان النامية. فبعد الحرب العالمية الثانية وتحرر الكثير من هذه البلدان من الاستعمار سعت هذه الدول لتطوير قدراتها الاقتصادية والاجتماعية والسير بخطى سريعة على طريق التنمية. وإن كانت بعض الحكومات قد نجحت إلى حد معين في رسم سياساتها الاقتصادية والاجتماعية بشكل متوازن، فقد تعثر جهود الكثير منها في إمكانية إحداث التوازن بين عملية التنمية ومسألة توزيع السكان. وبعبارة أدق لم تول هذه الدول الأهمية المطلوبة لسياساتها السكانية مما نتج عنه عواقب اقتصادية واجتماعية كبيرة أربكت عملية التنمية ذاتها.
وفي الجمهورية السورية أدت خطط التنمية المتعاقبة التي بدئ بها منذ مطلع الستينات إلى إحداث تغيرات واسعة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي تركت بصماتها على الخريطة السكانية للبلد خلال العقدين المنصرمين [1].
وهذه الدراسة عبارة عن محاولة لتسليط الأضواء على العلاقة المتبادلة بين التنمية والتوزيع السكاني في منطقة كوباني معتمدين على ما توفرت من معلومات عن المنطقة سكانية واقتصادية.
وباعتبار إنني من سكان المنطقة وأعرف عنها بما تيسر لي من المعرفة عن المنطقة وسكانها، فقد قمت بدراسة المنطقة ميدانياً متعرفاً على الجديد الذي لا أعرفه والقديم الذي لا أعلمه، وكتبت هذه الدراسة مما عرفتهُ وعَلِمتهُ بالسؤال والدراسة للمنطقة، من عدد من المراجع المكتوبة، ومن كبار السن في المنطقة، والمؤسسات الحكومية، التي استفدت منهم شاكراً حسن تفاهمهم وتعاونهم على إنجاز هذا البحث، فدرست المنطقة من النواحي الطبيعية والبشرية والاقتصادية والخدمية، ومن ثم دونت ما توصلت إليه من نتائج متحدثاً عن أوضاعها، لتوضيح المشكلات التي تعاني منها المنطقة، ووضعت بعض المقترحات التي من شأنها أن تفيد المنطقة وسكانها، اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، والذي حاولت من خلاله توضيح إمكانيات المنطقة ومواردها المتواضعة سواء البشرية أو الطبيعية وقدرتها على المساهمة في دفع عجلة التنمية نحو الأمام، وتوفير فائض غذائي من خلال إنشاء بعض الصناعات الغذائية، وكذلك من خلال القضاء على البطالة وتشغيل اليد العاملة، الذي يسهم في زيادة الدخل الوطني، والتي تنعكس إيجابياته على المنطقة والدولة بشكل عام، وعلى تحسين المستوى المعيشي لسكان الريف بشكل خاص.
الباحث
الفصل الأول
  • الناحية الطبيعية:
  • الموقع والمساحة والحدود:
كوباني مدينة كوردية صغيرة معربة بقرار سياسي إلى (عين العرب) في الجزيرة العليا، مركز منطقة كوباني، تتبع محافظة حلب. تقع إلى الشرق من وادي الفرات في أطراف المرتفعات التي تحمل اسمها والتي تشكل أرضاً ناهضة تدعى: نهوض كوباني، وعند التقاء السفحين الشمالي والشمالي الغربي لهضبة مشتنور الكلسية مع سهلي سروج الشرقي وسروج الغربي.
تغطي الصخور البازلتية أعالي الهضبة وعلى أطرافها تنتشر المراعي الجيدة. أما في السهلين فقد تجمعت تربة لحقيه غضارية خصبة.
تبعد عن مدينة حلب 157كم باتجاه الشمال الشرقي عند الحدود السورية التركية، وإلى الشمال الشرقي من جرابلس حيث تبعد عنها نحو 40كم [2].
المساحة الإجمالية لهذه المنطقة 273000 هكتار أي ما يعادل 2730كم2 [3].
وتحد منطقة كوباني من الشمال الحدود السورية – التركية، ومن الشرق والجنوب تحدها المناطق الإدارية التابعة لمحافظة الرقة، ومن الغرب تحدها وتساير حدودها نهر الفرات. ويوضح الشكل (1و2) موقع منطقة كوباني بالنسبة للجمهورية السورية وبالنسبة لمحافظة حلب.
الشكل (1)
2
موقع منطقة كوباني (عين العرب) بالنسبة للجمهورية السورية
الشكل (2)
10565295_378434228990762_914636501_o
موقع منطقة كوباني (عين العرب) بالنسبة لمحافظة حلب
  • المناخ:
كون منطقة كوباني منطقة داخلية وكما هي حال المناخ في المناطق الداخلية تتباين الفروق الحرارية بين الليل والنهار، وبين فصلي الصيف والشتاء، كما تختلف هذه الفروق بين شمال المنطقة والواقعة ضمن منطقة الاستقرار الثانية وبين جنوب المنطقة الواقعة ضمن منطقة الاستقرار الثالثة، وتتزايد الفروق الحرارية بين الليل والنهار في الصيف أكثر منها في الشتاء. والجدول التالي يوضح الفروق الحرارية الصغرى والعظمى في شهري كانون الثاني وشباط من شتاء عام 2011م في منطقة الاستقرار الثانية:
الجدول (1) الفروق الحرارية شتاء 2011م
3
        المصدر: دائرة زراعة كوباني من إعداد الباحث.
يتبين لنا من الجدول السابق تزايد الفروق الحرارية كلما اتجهنا نحو الفصل الحار، وكذلك يتبين لنا معدلات الحرارة خلال الأشهر الباردة وتتعلق الحرارة كذلك بالأمطار ودرجة التغيم، فعند ترتفع درجات الحرارة أكثر من المعدل دل ذلك على تساقط الأمطار، مثلا: تساقطت الأمطار خلال شهر كانون الثاني من 21 – 30 مما أدى إلى ارتفاع واضح في درجة الحرارة خلال هذه الأيام كما هو موضح في الجدول السابق.
  • الهطل:
اتخذنا مصطلح الهطل للدلالة على كل أشكال التساقط المطري والثلجي، ويختلف الهطل في المنطقة ما بين شهر وأخر وأكثر الهطولات تحدث في فصلي الشتاء والربيع كما يختلف الهطل في نوعية التساقط فمنها المطر والثلج والبرد وكنتيجة نجد منها ما يكون نعمة ومنها ما يكون نقمة.
فعند تساقط الأمطار تجد وجوه الناس مستبشرة ضاحكة تبشر بالموسم الخير وكذلك عند تساقط الثلج وتكون عكس ذلك عند هطول البرد أو الجفاف الطويل، أما كمية الهطولات خلال الأشهر الماطرة فهي كما هو موضح من خلال المخطط البياني التالي:
4
 
الشكل (3) توزع الأمطار خلال الأشهر الماطرة 2009/2010م
          المصدر: من إعداد الباحث بالاعتماد على بيانات الأمطار من دائرة زراعة كوباني.
إن المخطط البياني السابق يوضح لنا معدل التهطال خلال الأيام الماطرة فقط، أي أن كمية الأمطار الهاطلة خلال الشهر تقسم على عدد الأيام التي حدث الهطول فيها وبالتالي تصبح الإجابة على كمية الهطول يكتنفها الغموض لذلك وضعت أيام الهطولات والأشهر وكميات الهطل، للتوضيح أكثر وهي كما في الجدول التالي:
5
الجدول (2) توزع الأمطار خلال الأيام الماطرة 2009/2010م
المصدر:من إعداد الباحث اعتماداً على البيانات المناخية في دائرة زراعة كوباني.
إن الهطولات في المنطقة إعصارية لا تدوم طويلاً كما هو مبين في الجدول السابق، ولكنها قد تبقى فترة طويلة بدون هطل كما كان خلال موسم 2007-2008 حيث كان معدل الأمطار 174 ملم، أما معدل الأمطار خلال الخمس مواسم الماضية فقد كانت 262 ملم وهي على الشكل التالي:
6
الجدول (3) معدلات الأمطار حسب المواسم
       المصدر: دائرة زراعة كوباني من إعداد الباحث.
  • المياه:
كانت منطقة كوباني، منطقة وفيرة بالمياه فيما مضى، وكما أن تربتها الخصبة تناسب معظم المحاصيل الزراعية حيث كانت تتوفر في المنطقة المياه الجوفية والسطحية والتي أخذت بالنضوب بسبب جور الاستغلال والتغيرات المناخية التي أدت إلى جفاف الأرض ونضوب المياه الجوفية والسطحية منها ولا تزال بعض البحيرات الجافة شاهدة على ذلك، منها بحيرة كوباني وهي بحيرة صغيرة  تبعد 1كم عن مدينة كوباني غرباً. شكلها دائري قطرها 100م تتغذى من عدة ينابيع أهمها عين مرشد. كانت مستنقعاً تم صرف مياهه واستصلح قاعه وجوانبه واستخدمت المياه في إرواء مزارع سهل سروج الشرقي وسقاية الحيوانات، تجف في نهاية الصيف أحياناً حفرت بجوارها بئر لتغذية قسم من شبكة مياه كوباني للشرب.[4]
أن المقطع السابق كان ينطبق على البحيرة عام 1992م أما الآن ونحن في عام 2011م فإننا نجد أن البحيرة قد جفت تماماً وتحولت إلى ملعب لكرة القدم.
وكذلك نجد أن المعجم الجغرافي الذي صدر عام 1992م كان يحدثنا عن ينابيع جارية وقد جفت تماماً في الوقت الحاضر والمقتبس التالي يوضح لنا هذه الينابيع وغزارتها:
تقع في الشمال الغربي من سهل سروج الشرقي على بعد 1كم شرقي كوباني إلى الغرب منها تل أثري يبلغ تعدادها (10) ينابيع صغيرة تقل غزارتها عن 750ل/ثا. تجري في جدول صغير يروي بساتين كوباني ومزرعة داوود.[5]
  • التربة:
تقع منطقة كوباني ضمن منطقة الاستقرار الثانية والثالثة، أي أن المناخ المسيطر على المنطقة هو المناخ القاري والشبه الجاف وتتميز بالحرارة العالية صيفاً وبالبرودة شتاءً، وتصنف التربة في منطقة كوباني إلى ثلاث مجموعات رئيسة هي:
  • التربة البنية والحمراء الداكنة (كروموزول) في شمال المنطقة.
  • التربة البنية الصفراء في وسط وجنوب المنطقة.
  • التربة اللحقية في الغرب، وتعد هذه الترب من الأماكن التي تجود فيها شتى أنواع الزراعات، خاصة وأن المياه الضرورية (مياه نهر الفرات) في متناول اليد وقريبة. ولكن كوباني حرمت من الاستفادة من مياه نهر الفرات بسبب السياسات العنصرية للنظام الحاكم الشكل (4)
تزرع ترب الكروموزول بالحبوب وخاصة القمح في السهول، ولما كانت هذه الترب حمراء داكنة عندها تكون ذات أصل بازلتي كما في هضبة مشته النور*.
والترب البنية الصفراء تنتشر جنوب نطاق ترب الكروموزول فهي تعكس لنا المناخ شبه الجاف الذي يسود على هذا النطاق فهي ترب فقيرة بالقياس إلى النوع الأول لذا كان هذا النطاق موئل زراعة الشعير.
يكاد ينطبق النوع الأول على النطاق المناخي الجبلي الداخلي (القاري) الذي يتراوح أمطاره بين (350-400مم) ونطاق الترب البنية الصفراء على النطاق المناخي المتوسطي شبه الجاف (السوري) ذي الأمطار بين (200-350مم)[6].
ترب الكروموزول ثقيلة وعرضه للتشقق وتشمل السهول الشمالية الغربية للبلاد وهي تمثل منطقة زراعة القمح في سورية وإذا ما توفر لها الري فهي ممتازة لزراعة القطن.
تحوي الأتربة البنية الصفراء على كميات عالية من الكلس والتربة متحجرة غالباً وغير ثابتة التركيب وهي تمثل منطقة زراعة الشعير[7].
الشكل (4) خريطة توزع أنواع الترب في سورية
 7
       المصدر: عادل عبد السلام جغرافية سورية العامة، دمشق، 1990
  • النبات والحيوان الطبيعي:
يمكن أن نستنتج الحياة البرية في المنطقة من خلال المناخ السائد، حيث تقتصر النباتات على النباتات الشوكية والقصيرة والحوليات التي تنمو بعد هطول الأمطار كالزعتر البري والبابونج والفطر والكمأة وغيرها من النباتات كالحشائش التي تنمو في فصل الربيع أما في فصل الصيف فيقتصر النبات على الشوكيات المتحملة للجفاف، أما الوحيش فهي قليلة بشكل عام وهي في تناقص مستمر بسبب الصيد كغذاء أو لحماية الحيوانات الداجنة كصيد الثعالب، وتعيش في الأماكن الخالية من السكان كالأرانب والثعالب وطائر الحجل والسنونو والعصافير البرية، كذلك توجد في المنطقة الحيوانات التي تغطي جسمها بدروع لحماية نفسها كالقنافذ والسلاحف وتوجد بعض الأحياء الضارة بالمحاصيل كفئران الحقل والجراد والسحالي وغيرها من الحشرات النافعة والضارة، كذلك توجد الثروة السمكية على أطراف الفرات والتي تستثمر بشكل محدود.
[1] – العلاقة المتبادلة بين التوزيع السكاني والتنمية في القطر العربي السوري / إعداد: الدكتور إبراهيم علي / من منتدى الموسوعة الجغرافية.
[2]– المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري1992.
[3]– دائرة زراعة كوباني .
[4] – المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري 1992.
[5] – المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري 1992
*: مشته النور، هضبة بازلتية ترجع إلى عصر النيوجين.
1: عادل عبد السلام، جغرافية سورية العامة،1990،ط1، جامعة دمشق، ص – ص 198-199
[7]عبد الرحمن حميدة،علم التربة، حلب، 1997،ص 221-230