ياسين طه

في هذه الأيام امتلأت الشاشات بصور النازحين المسيحيين من مدينة الموصل وحواليها بسبب الأوضاع الأمنية السائدة بالمدينة التي أصبحت غير ملائمة لبقائهم فيها إلى حد كبير، ورغم أن المسيحيين أقلية في العراق إلاّ أنهم شكلوا غالبية السكان في بعض البلدات الواقعة بنواحي الموصل وسهل نينوى التي تتميز بتنوعها الديني والسكاني منذ القدم. وما يجري في الموصل وأطرافها حاليا من النزوح الجماعي للمسيحيين يُذَكِر بما تعرض له أسلافهم من النزوح على يد حاكمها, بدر الدين لؤلؤ, عشية الغزو المغولي للمنطقة منتصف القرن الثالث عشر للميلاد مما اضطرهم إلى اللجوء إلى أربل والإحتماء بها([1]) مثلما يحدث الآن.

 وما يتعرض له المسيحيون في الموصل حالياً يفتح ملف العلاقات المسيحية الإسلامية في هذه المنطقة منذ مئات السنين أيضاً وصبت جميع التصريحات وردود الأفعال بعد تهجير المسيحيين في هذا الملف. وصرح السياسي المسيحي اللبناني سمير جعجع بأن ما يتعرض له المسيحيون في الموصل حالياً لم يكن له مثيل منذ صدر الإسلام .. ولفهم صورة سريعة ومقتضبة لهذه العلاقات الشائكة بين المسلمين والمسيحيين في هذه المنطقة بالذات من المفيد أن نقف على نماذج من العيش المشترك المسيحي الإسلامي في مدن الجزيرة الفراتية والموصل وأربل خلال العصر الوسيط حيث كان المسيحيون يشكلون فيها جزءاً أساسياً من مكوناتها وكانت تحكمهم الضوابط الشرعية المتعلقة بـتنظيم حياة الذميين.

        تعتبر المسيحية من أقدم الديانات المنتشرة في المناطق التي كانت تقع في الجزيرة الفراتية  وشمال بلاد ما بين النهرين، حيث تشير المصادر المسيحية بأن تاريخ انتشار هذه الديانة في هذه المناطق يعود إلى القرن الأول للميلاد وإلى عام 29 للميلاد الذي وصل فيه أحد تلامذة المسيح A المسمى بـ (مار أدي الرسول) إلى مدينة الرها (أورفا) الواقعة بكردستان الشمالية للتبشير([2]) بعدها نزل إلى أطراف أربل([3]) وأوصل هذا الدين الجديد من الرها (أورفا) إلى المناطق التي تتبع الآن لحدود محافظة كركوك ([4]).

تَرَكز التواجد المسيحي شمال ما بين النهرين خلال العصر الوسيط الإسلامي وتحديداً ما بين القرنين التاسع والثالث عشر الميلادي في كل من مدن الجزيرة الفراتية (كردستان الشمالية حالياً) ومدينة أربيل العريقة الموغلة في التاريخ والقدم. وقد حكم في الجزيرة ومدينة الموصل في تلك الفترة الإمارة الدوستكية_المروانية الكردية بمحاذات الروم (981 _ 1084م) وتمتع المسيحيون في ظلها بحرية واهتمام كبيرين حيث سمح لهم بالدخول في مختلف الوظائف الحكومية والعسكرية الحساسة وتوغلوا في إدارة الإمارة إلى درجة اعتبره أحد المؤرخين البارزين للإمارة استيلاءً وتمكناً للمسيحيين فيها([5])، ومن جملة تلك الوظائف التي شغلها المسيحيون والامتيازات التي حصلوا عليها في الإمارة المروانية كانت: إدارة وزارة الأوقاف، ([6])، إدارة شؤون عاصمة الإمارة ميافارقين (أمانة العاصمة)([7])، العمل في الجباية([8]) وبجانب هذا  تصدر المسيحيون المجال الطبي في أرجاء هذه الإمارة وحواليها([9]).

أما بالنسبة لأربل التي كانت مركز إمارة مستقلة منذ أوائل القرن الحادي عشر للميلاد توالى على حكمها عوائل كردية من آل موسك وابن أبي الهيجاء والبابكرية و دخلت في حكم أتابكة الموصل سنة 1127م ثم آل أمرها إلى صهر صلاح الدين الأيوبي, السلطان مظفر الدين كوكبري, إلى حين وفاته سنة 1252م ([10])، فقد بلغ بعض النصارى في ظلها وظائف عالية وتوغلوا في مناصبها الإدارية ([11]) مما تسبب في إثارة حفيظة الكثيرين ويظهر هذا في هجو الشاعر الكردي طه بن إبراهيم الهذباني لأربل بقوله:

ألا أجزى الإله بُليد سوء           تحكَّم فيه عباد الصليب”([12]).

 ولم يكن هجاء هذا الشاعر الذي عاش في ظل إمارة أربل لمدينته ضرباً من المداعبة الأدبية فقد كانت هذه المدينة وحواليها في الواقع إحدى  المناطق التي شعر النصارى فيها بالأمان خلال العصر العباسي ويظهر ذلك جلياً في خبر لجوء الشخصية المسيحية المصرية هبة الله بن أبي الحسن الدمنهوري المصري إلى أربل (1214م)، وتولي أحد دواوين إمارتها بالإضافة إلى ديوان الأشراف بقلعتها التاريخية([13]) وكذلك تحكُّم (عليا بن النفيس النصراني) بإدارة إمارة أربل إلى درجة وصلت حد ظلم الناس([14]) وتم تعيين رجل نصراني (إبن عبدان) كاتباً لديوان أربل من قبل ديوان الخلافة في السنة التي توفي فيها السلطان مظفر الدين (1232م) ([15]).

ومن جهة الحياة الدينية كانت الكنائس عامرة وفي بعض الأحيان سبقوا بعض المساجد في الخدمات ويظهر هذا في قصيدة الشاعر السرياني الحاجري الأربلي، عيسى بن سنجر, المتوفي سنة 1234م التي أرسلها إلى والي الخليفة يشير فيها إلى مسجد مهجور وإلى كنائس للنصارى في أربيل تضيئها الشموع ويؤمهما المصلون جاء فيه:

أنا مسجد الله بيت عبادة _ عاري الملابس ليس في حصير

 ثم يقول:

الشمع في خلل الكنائس نيّرٌ_ وفناء ربعي مظلم ديجور([16]).

ورغم هذه النماذج الإيجابية المذكورة من تعايش المسيحيين في شمال بلاد ما بين النهرين لم تكن حياة المسيحيين فيها دون اضطرابات وقلاقل على الدوام وأنهم عاشوا مع جيرانهم المسلمين متقاربين تارة ومتنافرين تارة أخرى لأسباب كانت تمليها الظروف السياسية التي كانت تعصف بالعالم الإسلامي والمنطقة حينذاك لكن المسيحيين في هذه المنطقة نادراً ما تعرضوا لاضطهادات حقيقية على أسس دينية ولم يتعرضوا للهجرة الجماعية كالتي يتعرضون لها الآن وإن ماجرى لهم في الماضي من المضايقات والنزوح كانت نتيجة ظروف سياسية ذاق مرارتها المسلمون والمسيحيون على حد سواء وكانت تحت وطأة مضاعفات الأحداث الداخلية والاضطرابات التي مرت بها المنطقة بشكل عام وقد أقر بهذا بعض المستشرقين([17]) و هذا الرأي القائل بأن ما يحدث الآن للمكون المسيحي في عصر حقوق الإنسان وحقوق الأقليات سابقة تاريخية لم يكن لها مثيل.



([1] ) ابن العبري: تاريخ مختصر الدول، ص 283.

([2]) الأب ألبير أبونا: تاريخ الكنيسة الشرقية من أنتشار المسيحية حتى مجيء الإسلام، د.م، بغداد، ط2، 1985، ص15.

([3]) أدي شير: تاريخ كلدو وآثور، المطبعة الكاثوليكية، لبنان، 1912، ص 2.

([4]) عبد الرقيب يوسف: الدولة الدوستكية، ج2، ص 165.

([5])  الفارقي: التاريخ الفارقي، ص 357.

([6])  المصدر نفسه، ص 164.

([7]) المصدر السابق، ص 206.

([8]) محمود عبدالله جمعة: مدينة ميافارقين، مركز الدراسات الآسيوية، جامعة الزقازيق، ص 357.

([9]) عبدالرقيب يوسف: المرجع السابق، ج2، ص 171.

([10]) سامي الصقار: إمارة أربل في العصر العباسي، دار الشواف، الرياض، ص 35.

([11])  سامي الصقار: المرجع السابق، ص 176.

([12]) اليونيني: ذيل مرآة الزمان، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، ط2، 1992م، ص 1204.

([13]) ابن الشعار الموصلي: عقود الجمان في شعراء هذا الزمان، مكتبة أسعد فندي، استانبول،  ج9، ص 122. منقول من سامي الصقار: إمارة أربل في العصر العباسي، ص 177.

([14]) نفسه، ص 176.

([15]) ابن الفوطي: الحوداث الجامعة ص ص 45 _ 50.

([16])  عثمان أمين صالح: أربيل مدينة الأدب والعلم والحضارة، دار آراس، أربيل، 2009م، ص 208.

([17])  جان موريس فييه: احوال النصارى في خلافة بني العباس،1990م، ص 383.