معرفة الأكراد عربيا

د .آزاد أحمد علي*

  إثر التحولات السياسية والثورة التكنولوجية في مجال الاتصالات والإعلام في السنوات الأخيرة برزت على الساحة الدولية قضايا سياسية عديدة، وخاصة قضايا الشعوب والأقليات القومية والدينية التي تتعرض للاضطهاد والاضمحلال. وتأتي في صدارة هذه القضايا قضية الشعب الكردي في منطقة الشرق الأدنى.

بعد حرب الخليج الثانية طغت المسألة الكردية في العراق على مجموع القضايا التي تشغل المثقفين العرب. هبطت المسألة الكردية بشكل مفاجئ على جدول أعمال المثقف العربي المهتم والمختص.

ويمكن الافتراض بداية أن الموضوع الكردي لم يؤسس له عربياً، وظل بعيدا عن التناول العلمي والمعرفة الموضوعية بجذورها، وأقصد هنا تحديداً معرفة الكورد في سياق التاريخ، وكذلك حسب معطيات الواقع المعاصر. فلجأ البعض إلى الكتب والموسوعات المتوافرة في السوق أو في المكتبات، كان أغلبها لمستشرقين ومترجمين عرب، وذلك بهدف الإطلاع السريع على جوانب هذا الملف الساخن, ولسد الثغرة المعرفية الموجودة أصلا في الثقافة العربية السياسية المعاصرة بخصوص الموضوع الكردي. ولهذا سأحاول التطرق لجانب من آليات تشكل المعرفة العربية الراهنة بالمسالة الكردية، وبالتالي محاولة رصد صورة الأكراد المرتسمة في الذهنية العربية المعاصرة. وبالقدر نفسه أود التنبيه لضرورة أن تكون هنالك قراءة عربية متعمقة للمسالة الكردية. ويقتضي ذلك تملك مفاتيح عربية خاصة لمعرفة وتفهم وحل هذه القضية. ولا يتحقق ذلك إلا بعد أن يتم تصحيح الصورة  والمشهد من الناحية المعرفية العامة، ومن ثم معالجة نتائجها سياسيا.

     في منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي ورد في النشرة الرئيسية لأخبار تلفزيون دمشق الحكومي الخبر التالي: “انسحب أربعة من نواب المعارضة العراقية من البرلمان التركي…” كل من سمع الخبر يومئذ اعتقد انه ثمة خطأ مطبعي قد حدث في إعداد أو قراءة الخبر، وإلا كيف ينسحب أعضاء من المعارضة العراقية من برلمان تركيا؟! وبعد عدة سنوات من إذاعة هذا الخبر عرفت مصادفة انه يومها كان هنالك تعميم رسمي: “إذ عممت وزارة الإعلام في دمشق بضرورة الالتزام باستبدال اسم “الكردي” بـ “المعارضة العراقية” أينما ورد في الصحف والنشرات الإخبارية في الإعلام الرسمي السوري، أي بضرورة استبدال كلمة كردي أو كردستاني بالمعارضة العراقية أينما وردت. وبذلك نكتشف أن أصل الخبر كان: “انسحب أربعة من النواب الأكراد من البرلمان التركي“.

 مثلت هذه الحادثة ذروة النهج الفضائحي لللاعلام العربي “البعثي” الذي عمل على تزييف الواقع وتشويهه. لأنه قبل إذاعة هذا الخبر بأكثر من نصف قرن، نجد في مستهل كتاب ” دروس تاريخ الشرق والغرب، محمد نجيب الجزار، طبع ونشر مكتبة طباخ إخوان حلب، عام 1946″  الذي كان يدرس لطلاب شهادة الكفاءة(الإعدادية) في مدارس سورية، فقرة  مطولة تشرح طبيعة حكم المماليك في سورية:” المماليك هم فئة من الرقيق، أتى بهم النخاسون من نواحي تركستان وقفقاسيا، فكان هؤلاء يشترون أجمل وأذكى أبناء القفقاسيين والقزوينين من جركس وكرج وأرمن وأتراك، فيبيعونهم لملوك وأمراء مصر وسوريا الأكراد، الذين ورثوا ملك صلاح الدين الأيوبي. وهؤلاء كانوا يربون المماليك في قصورهم تربية حسنة، ويدربونهم على الحرب والفروسية، ويعلمونهم اللغة العربية والفقه والحساب وسائر العلوم التي تؤهلهم للاستخدام في مناصب الدولة. وكان الأمراء الأكراد يقربون النابغين من مماليكهم ويعتمدون عليهم في تأمين الأمن وقيادة الجيوش، وإدارة المدن، وتدبير الملك، وكثيرا ما طمع هؤلاء المماليك بالإمارة بل بالملك ذاته، حتى ارتقى بعضهم إلى منصة الملك والسلطنة. وهكذا نشأ على أنقاض الدولة الأيوبية دول طوائف حديثة من هذا النوع عرفت فيما بعد بدول(المماليك)”. ص1

   إذا في أواسط القرن العشرين وفي سياق تعليم تاريخ سورية تم التأكيد على أن الأمراء والفرسان الأكراد كانوا حكاما لبلاد الشام، وولاة على مناطق عديدة من المشرق منذ مطلع الألف الأول الميلادي. وبالتالي لم تكن سياسة التشويه التاريخي وتزييف الوعي قد بدأت حتى تلك المرحلة عند سرد تاريخ المنطقة. لكنه وخلال نصف قرن بين التاريخين المذكورين أعلاه، قد شنت حملة من التشويه المعرفي والعلمي على أوسع نطاق، كانت الحملة تهدف إلى إلغاء كل ما هو متعلق بالأكراد وتاريخهم وحاضرهم، ومن ثم توظيف مخرجات ونتائج عملية التزييف تلك في السياسة والحكم. الحملة كانت منظمة ومؤدلجة، انتشرت على نطاق جغرافي واسع، تجاوزت حدود سورية وبلاد الشام والعراق. لقد كان التوجه فرديا عند البعض وحزبيا عند البعض الآخر، لكنه في المحصلة وصل إلى صعيد المؤسسات ضمن حكم حزب البعث في كل من سورية والعراق، وباتت سياسة ومنهجا لها. جاء ذلك في إطار سلسلة من الإجراءات والسياسات الثقافية والخطط التعليمية للتعتيم على الموضوع الكردي معرفيا أولا:(تاريخياً، جغرافيا، ثقافياً) ومن ثم سياسياً وإعلاميا في المقام الثاني. هذه السياسات المنهجية بدأت بالمدارس والجامعات، ولا داعي لذكر التفاصيل وعشرات الأمثلة عن تغيير الخرائط ومنع تداول الكتب وإعارتها في المكتبات العامة، وصولا إلى إعادة كتابة التاريخ، بهدف التعتيم على  حقيقة الوجود الكردي وفعاليته، ومن ثم تشويهه، فنسيانه.

 لقد كانت النكتة الإعلامية السابقة الذكر الذروة والمنعطف في سياسات التشويه وتغيير الحقائق كليا، وصولا إلى الكذب على الواقع وخداع المتلقي والقارئ العربي. وبالتالي لم يعد من الممكن على فرد أو جهة ذات إمكانات متواضعة الرد على هذا السيل من المعلومات المعكوسة والتشويهات والأكاذيب، إبان فترة تاريخية طويلة نسبيا. فتأثرت عموم الثقافة العربية المعاصرة افرادا ومؤسسات، بدرجة أو أخرى بهذه الحملة التضليلية، إلى أن وصلنا إلى ما يمكن أن نسميه سياسة التجهيل والجهل بالموضوع الكردي جملة وتفصيلا.

 فليس مستغرباً أن لا يعرف المواطن بل المثقف العربي شيئاً ذات قيمة جوهرية وموضوعية عن واقع الأكراد وتاريخهم. لأن الموضوع تم صياغته وإخراجه من جديد خلال حقبة تاريخية معاصرة طويلة، تأسس فيه بطريقة أو أخرى الوعي المعرفي العربي المعاصر. فقد تشكل هذا الوعي في خطه العام تحت تأثير عاملي التعليم المدرسي والإعلام المعاصر.

بين هذين المحطتين الأولى “التوصيف المدرسي للأكراد كفرسان نبلاء وحكام للمشرق” والتشطيب الأخير على مفردتي “الأكراد وكردستان”  في إعلام نظامي البعث، مر نصف قرن من التشويه المقصود لتاريخ المنطقة، وحجبت المعلومات والمعارف عن طلبة المدارس والجامعات وجمهور العامة. بل تم تغيير كل المعلومات والإشارات الصحيحة الدالة على أصل الأكراد وتاريخهم ودورهم المميز في دول وحضارات المنطقة وبخاصة الحضارة  الإسلامية. وبالتالي تراجع معرفة العربي لتاريخه وواقعه  بدلالة معرفة تاريخ الأكراد وغيرهم من الشعوب المجاورة. إذا ليس من دواعي الاستغراب أن يتجاهل الجيل العربي الجديد المسالة الكوردية، بل أن تكون معرفته بالأكراد قليلة، مشوهة أو مفبركة في أفضل الحالات.

وما استوقفني في هذا الموضوع هو كثافة تناول التراث المعرفي العربي للأكراد كمجموعة أثنية وأمة، فقد أخذ حقه الكامل في أمهات كتب التاريخ والأنساب والجغرافيا والفقه، مقابل فقر معرفي معاصر.

فقلما يخلو  مصدر من المصادر التاريخية العربية من توصيف الكورد، كما تتضمن كثافة في المعلومات المتعلقة بهم، جغرافيا وعمرانيا واجتماعيا.  حيث نال الموضوع الكردي اهتماما كبيرا من الأعلام المسلمين، فتم معالجته علميا، وذلك ضمن شرطه وسياقه التاريخي. في حين لم يأخذ الموضوع الكردي الحد الأدنى من اهتمام المثقفين العرب وكذلك المؤرخين المعاصرين. لقد أهملت المسألة الكردية معرفيا على الرغم من أن الأكراد هم أقرب الشعوب جغرافياً واجتماعياً إلى العرب. وهذه الحقيقة البسيطة لم تحرض ذهن الدارسين والباحثين العرب المعاصرين، بقدر ما أثار اهتمام وفضول البلدانيين العرب الأوائل، فعلى سبيل المثال، يعد مفتي دمشق المؤرخ ابن فضل الله العمري (توفي حوالي عام 1300م)، أول من أسس لأهمية موضوعة الجوار الجغرافي العربي ـ الكردي، فحدد جغرافية تواجد الأكراد قبل القرن الثالث عشر الميلادي في كتابه الموسوعي “مسالك الأبصار في ممالك الأمصار” بدقة، في الوقت الذي مال في توصيفه إلى ربط الجغرافية السكانية للأكراد مع البلاد العربية، أكثر من ربطها بالجبال في شمال بلاد الرافدين وسورية، فبين عصرئذ: “”الفصل الأول في الأكراد. الذي نقول وبالله التوفيق إن الأكراد وإن دخل في نوعهم كل جنس يأتي ذكره في هذه الفصول، فإنهم جنس خاص من نوع عام وهم من قارب العراق وديار العرب دون توغل في بلاد العجم. ومنهم طوائف بالشام واليمن. ومنهم فرق متفرقة في الأقطار،  وحول العراق وديار العرب جمهرتهم. وغلب في زماننا بما يقارب ماردين … ولم أذكر من عشائرها إلا من كنت به خبير أو لم اسم فيها إلا بيت ملك أو إمارة تبدأ بجبال همذان وشهرزور وأربل وننتهي إلى دجلة الجزيرة من كوار إلى الموصل ونترك ما وراء دجلة إلى نهر الفرات لقلة الأحتفال به.

على إن ما ذكرته هو خلاصة المقصود. إذا لم يبق إلا أكراد الجزيرة وقرى ماردين وهم بكل من جوارهم من الأعداء الماردين، مع إن أماكنهم ليست منيعة ومساكنهم للعصيان غير مستطيعة” مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ، المجلد الرابع.

فإذا كان المثقف والباحث العربي لم يتنبه إلى حقيقة مقاربة المصادر العربية لتاريخ الأكراد وعلاقتهم الوطيدة بالعرب في إطار الدولة العربية الإسلامية، فإن كل من كان على علم بهذه المعارف يتحمل جزءاً من هذه المسؤولية، أي مسؤولية عدم الكشف عن هذا الغنى المعرفي في مصادر التاريخ العربي وكتب التراجم والإعلام العربية، التي شكلت أهم مصدر لمعرفة الأكراد منذ أكثر من ألف وثلاثمائة عام، حتى العقود والسنوات القليلة الماضية. أننا جميعا نتحمل مسؤولية حجب هذه المعلومات وطريقة توظيف الجهل بها لأغراض سياسية وحزبية و”قومية” ضيقة.  وعلى الرغم من سخونة المسالة الكردية إلا إن الإعلام الرسمي العربي ومناهج التعليم لم تولي أية أهمية لمعرفة هذا الشعب “الجار” الذي يشكل حلقة وصل مع الجوار الأبعد، وثمة توافق “ثقافي” عربي على إهمال كل ما هو متعلق بالأكراد بطريقة ما، تناسي تاريخهم وبلادهم، كونها من الألغام التي لا يحبذ الاقتراب منها. فقد يكون لهذا التهرب من الموضوع الكردي واستحقاقاته ارتباط مع طبيعة الثقافة العربية المعاصرة، اذ تكشف عن بعض عيوبها. والأغرب من كل ذلك أن مجال البحث العلمي العربي، خاصة في الدراسات السوسيولوجية والسياسية وحتى الجغرافية منها، لم تقترب من الموضوع الكردي الغني بمخزونه لكل باحث.

  ان عدم التنبه إلى أهمية الجوار العربي ـ الكردي، موجباته وضرورة تناوله، أولا من الناحية المعرفية ـ التاريخية ومن ثم الجيوسياسية، يشكلان نقطة ضعف كبيرة للثقافة والمعارف العربية المعاصرة.  كما أن هذه المعرفة المفترضة لم تعطي أي أهمية لاحتمالات تحولات مستقبلية ذات صلة ومتفاعلة مع هذا القرب الجغرافي، وإنما اتخذت سياسة التجاهل والتهرب من الموضوع ذاته أساسا للتناول. حدث ذلك على الأرجح كاستعارة من سياسة القوميين العرب في بلاد الشام والعراق، وعممت عربيا، حيث كانت إحدى أهم أسس عملها ومعالجتها للموضوع الكردي هو إخفاء وإلغاء الحقائق، وشطب كل ما هو متعلق بالأكراد، بدءا بالتاريخ وصولا إلى الجغرافيا مرورا بالسكان، واندرجت ضمن الفئة الأخيرة النخب العلمية والعسكرية والإدارية التي كانت فاعلة في بلاد العرب نفسها، ومازال أحفادهم من مواطنيها. وكانت الحصيلة أن جهات إعلامية وثقافية عربية عديدة عملت على ترسيخ  حالة الجهل بالمشترك الكردي ـ العربي بكل أبعاده وتنوعه.

لقد توجت سياسة التجهيل والتزييف المعرفي هذه وترافقت مع ممارسات عملية، بدأت بإقصاء الكورد عن المناصب العسكرية الذين كانوا يشغلونها منذ أواخر العهد الأموي، وكذلك إبعادهم عن الإدارات، وبعض مفاصل الحكم التي اكتسبوها عبر التاريخ في بلاد الشام والعراق ومصر.

فإذا كان هذا هو الخط العام لعمل قنوات الإعلام وسياسيات بعض المؤسسات الإعلامية والثقافية العربية، فليس مستغرباً أن لا يعرف العامة، بل المثقف العربي شيئاً ذات قيمة عن واقع الأكراد الراهن وتاريخهم.

وما زاد الموضوع تشويشا وتعقيدا أن أغلب المثقفين العرب من إعلاميين وكتاب بل وباحثين لم يتعرفوا على الأكراد عن طريق المصادر العربية الأم، لتكوين تصور تاريخي أكثر موضوعية ودقة، وللتعرف على جوانب مختلفة من حياتهم الاجتماعية والسياسية، وإنما اعتمدوا عند الحاجة على مصادر استشراقية وغربية متواضعة وغير موضوعية في الغالب. وإذا استثنينا بعض الإشارات القديمة لأصل الأكراد، وما ورد عند اليونان، تظل المصادر العربية هي الأساس والأصل في معرفة الأكراد في القرون الوسطى. فالعرب هم أول من ذكر الأكراد كشعب وأمة ودرسوا حياتهم وحددوا جغرافية بلادهم. لذلك لابد للمعرفة التاريخية الموضوعية بالأكراد أن تبدأ بالمصادر العربية الأم، هذه المصادر التي لم تتأثر بأيديولوجية محددة أو خضعت لضغوطات سياسية أو تعاميم لوزارات الإعلام المعاصرة. كما أن معظم المعلومات الواردة في المصادر العربية منقولة من مصادر أقدم، أو متأتية من مشاهدات المؤلفين العرب الأوائل أنفسهم. وهي في غاية الإسهاب والتفصيل، وسأذكر البعض منها على سبيل التذكير فحسب: تاريخ اليعقوبي. البلاذري في “فتوح البلدان”. المسعودي  في “التنبه والإشراف، ومروج الذهب”. الدينوري في كتاب “الأخبار الطوال” . الطبري في “تاريخ الرسل”. ابن الأثير الجزري في “الكامل في التاريخ”. ابن فضل الله العمري القرشي في “مسالك الأبصار في ممالك الأمطار”. ابن حوقل في “صورة الأرض”. ياقوت الحموي في “معجم البلدان”. أحمد القلقشندي في  “صبح الأعشى”. ابن خلدون في “كتاب العبر”.

ومن المفيد للدارسين، ولمن يبحث عن تفاصيل تاريخية دقيقة، ومعرفة  واسعة بالسلالات الحاكمة في كردستان أن يقرأ كتاب “شرفنامه” للمؤلف الكردي شرفخان بدليسي من أوائل القرن(16م)، وكذلك كتاب خلاصة تاريخ الكورد وكردستان لمحمد أمين زكي، والذي كتبه مطلع القرن العشرين.

كان أخطر جانب في خطة عدم المعرفة بالأكراد، هو تجاهل دورهم المميز في الحياة السياسية العربية الإسلامية منذ مطلع عهد الخلافة وحتى نهاية العهد العثماني بعد دخول الملك فيصل دمشق. فلم نصادف دراسة أو بحثا ذات قيمة حول الفعالية السياسية الكردية وعلاقتها التفاعلية بالحكم العربي الإسلامي، لأن كل المصادر التاريخية العربية المذكورة أعلاها إضافة إلى العديد من تلك التي لم نذكرها، تكشف بل تؤكد دور الأكراد المميز اجتماعيا وسياسيا وعسكريا في مقاومة الاستبداد، وعدم الرضوخ لظلم الحكام والولاة.

  هذه الفعالية السياسية تستحق التوقف عندها، والتذكير بها، ففي بداية دخول الأكراد المشهد السياسي العربي، شكلوا مخزونا بشريا لدعم وتوجيه هذه الفتوحات الإسلامية. لذلك كانت مناطق شرق بغداد التي تقع حاليا في غرب إيران، وبخاصة مدينتي حلاوان (حلوان) وهمدان الكردييتن مفتاحا لدخول عموم إيران وآسيا الوسطى. كما تبين لاحقا أن الأكراد شكلوا بيئة اجتماعية لأغلب الصراعات السياسية التي جرت في الدولة العربية الإسلامية، والمتمثلة ظاهريا بالصراع على الحكم، لكنها في العمق كانت مستندة على خلفيات فكرية وأثنية ومحلية. لقد تأثر الأكراد وأثروا في هذه الصراعات، وذلك منذ لجوء مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية(744 – 750 م)  إلى الشمال، ونقل العاصمة من دمشق إلى بلدة حران جنوب دياربكر، في محاولة للاستقواء بأهل أمه الأكراد(أم مروان كانت كردية الأصل بحسب انساب الإشراف للبلاذري).

لكن وكما يستنتج لاحقا فقد مال أغلبية الأكراد، خاصة أكراد الشرق في حلوان وقرميز (كرمان شاه) إلى أبو مسلم الخراساني (الكردي الأصل حسب ابن قتيبة) حوالي عام 754م، وشكل الأكراد بذلك رافعة ودعم لصعود الحكم العباسي الجديد، عن طريق دعمهم لابو مسلم.

وفي عهد المنصور (754- 775) تعاظم نشاط الحركة الخرمية، وهي عقيدة قريبة من المانوية والمزدكية. وعرف الخرميون باسم (الحمر). فقد التقت حركتهم مع الحركة الشيعية بقيادة أبو مسلم الخراساني. قاد الخرميين بابك الخرمي ويعتقد انه كردي أيضا. وكان إقليم الجبال احد البؤر الرئيسية للحركة الخرمية والذي كان اغلب سكانها أكرادا. إذ يورد الطبري وابن الأثير معلومات مفصلة عن بابك وعصمت الكردي اللذان ساهما منذ البداية في الانتفاضة الخرمية.  الطبري ج9 / ص11.

وبنفس القدر كان للكورد لاحقا دور فاعل في حركة الزنج، حيث يشير الطبري إلى أن والي

خوزستان كان إقطاعيا كرديا يدعى محمد عبيد الله بن آزاد مرد، وبالاستناد إلى أخبار غيره من  المؤرخين فإن هذا الكردي حاكم خوزستان كانت له علاقة سرية بثورة الزنج (868 – 883 م) منذ بداياتها وكان حليفا لقائد ثورة الزنج علي بن محمد. وتنازل له عن ولاية خوزستان (عربستان الايرانية الحالية). هذا وكان للكورد لاحقا مساهمة  واسعة في حركة القرامطة.

  يمكن الاستنتاج بان الأكراد كانوا يشكلون أغلبية السكان لإقليم خوزستان شمال الخليج، وكذلك لمعظم مناطق شرق العراق الحالي ـ غرب إيران، ويبدو ان حلوان وهمذان وتوشتر كانت مدنا ذات غالبية كردية تشيعت مبكرا إبان العهد العباسي، وساندت أولى تحركات القرامطة خلال عامي (890/891 م) في الكوفة وفي عام (900) م بدأت حركة ضخمة للقرامطة في سوريا، خاصة بعد موت يحيى بن زكروية، فتزعم الحركة أخوه الحسين الذي كان يلقب (بصاحب الشامة). وقد تركت لنا المصادر التاريخية من العصور الوسطى رسالة مهمة تلقي الضوء على تعاون جعفر بن حميد الكردي حاكم إحدى مقاطعات سورية الغربية مع ابن زكروية، وهذه الرسالة عبارة عن دعوة أرسلها في عام (901)م صاحب الشامة لحليفه الكردي، لكن لم يتضح تماما من مضمون الرسالة ماهية المنطقة التي يحكمها جعفر بن حميد الكردي. لكن الافتراض بموجب مضمون الرسالة يشجع على الاعتقاد أن المكان كان في منطقة حمص الواقعة غرب سوريا. (الطبري ج10 / ص105).

وهكذا يمكن الاستمرار في السرد التاريخي لبيان الترابط العضوي المجتمعي والسياسي الكردي ـ العربي خلال قرون عديدة من تاريخ المنطقة، لكن البحث سيطول ويتشعب ويخرج عن هدفه المعرفي المحدد، والمتمثل في التذكير بأهمية واتساع المشترك التاريخي والروحي بين العرب والكورد، وقابلية توظيف وتوسيع هذه المساحة من أجل علاقات حسن الجوار، إضافة إلى تصحيح وتجاوز كل التشوهات الأيديولوجية والحزبية التي لحقت بصورة الكورد، وبالتالي بحقيقة اسس وبنى تاريخنا المشترك.

 أخير لا أجد قولا مناسبا لأختم به ما سبق، أكثر مما ذكره الراحل ادوارد سعيد: “إن المعرفة بمعانيها السياسية والإنسانية ينبغي كسبها لمصلحة العيش المشترك وخير المجتمع، أي مجتمع كان، وليس أعراقا أو قوميات أو طبقات أو أديان بعينها.”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • ·        كاتب وأكاديمي كوردي، رئيس تحرير مجلة الحوار الكوردي – العربي